افتح القائمة الرئيسية

خير الدين بربروس

قائد عسكري عثماني ووالي على الجزائر

خير الدين بربروس باشا (بالتركية: Barbaros Hayreddin Paşa)، (ميلاد: 1470 في جزيرة ميديللي - وفاة: 5 يوليو 1546 في إسطنبول)، ناظر (وزير) البحرية، قائد القوات البحرية، والي الجزائر، بربروس خير الدين باشا. اسمه الأصلي خضر بن يعقوب وعُرف باسم خضر ريّس (ريّس لقبٌ لقباطين البحر)، ولَقَّّبهُ السلطان سليم الأول خير الدين باشا، وعُرف في أوروبا ببارباروسا أو ذي اللحية الحمراء (barba: لحية، rossa: أحمر)، إذ إن الأوروبيين لقّبوا أخاه الأكبر عروج ريس باسم عرّوج بارباروسا بسبب لحيته الحمراء، وبعد استشهاده أطلقوا الاسم ذاته على خضر شقيقه من بعد.

خير الدين بربروس
Barbaros Hayreddin Pasha monument at Istanbul Naval Museum.jpg
خير الدين بربروس
تمثالٌ بمتحف إسطنبول البحري في بشكطاش.

معلومات شخصية
اسم الولادة خضر بن يعقوب
الميلاد 1478م
ميديلّي، الدولة العثمانية
الوفاة 1546م
إسطنبول، الدولة العثمانية
مكان الدفن إسطنبول  تعديل قيمة خاصية مكان الدفن (P119) في ويكي بيانات
مواطنة
Flag of the Ottoman Empire.svg
الدولة العثمانية  تعديل قيمة خاصية بلد المواطنة (P27) في ويكي بيانات
الديانة الإسلام[1]  تعديل قيمة خاصية الدين (P140) في ويكي بيانات
أبناء حسن باشا بن خير الدين بربروس  تعديل قيمة خاصية الابن (P40) في ويكي بيانات
الأب يعقوب آغا  تعديل قيمة خاصية الأب (P22) في ويكي بيانات
أخوة وأخوات
مناصب
بكلربك الجزائر   تعديل قيمة خاصية المنصب (P39) في ويكي بيانات
في المنصب
1518  – 1533 
Fleche-defaut-droite-gris-32.png  
حسن آغا  Fleche-defaut-gauche-gris-32.png
قبطان باشا[2]   تعديل قيمة خاصية المنصب (P39) في ويكي بيانات
في المنصب
1535  – 1546 
Fleche-defaut-droite-gris-32.png كمنكاش أحمد بك 
صقللي محمد باشا  Fleche-defaut-gauche-gris-32.png
الحياة العملية
المهنة ضابط،  وسياسي[1]،  وقرصان  تعديل قيمة خاصية المهنة (P106) في ويكي بيانات
مجال العمل قائد  تعديل قيمة خاصية مجال العمل (P101) في ويكي بيانات
الخدمة العسكرية
الولاء  الدولة العثمانية
الرتبة قبطان باشا
القيادات بكلربك (أمير) إيالة الجزائر
أمير (قبطان باشا) الأسطول العثماني.
المعارك والحروب فتح الجزائر (1516م)

هو أحد أشهر قادة الأساطيل العثمانية إن لم يكن أشهرهم طَرّاً، وأحد رموز الجهاد البحري. أهم مساعديه ابناه الريّسان "حسن الكبير" (بيوك حسن) و"حسن الصغير" (كوجوك حسن)[3] وكلاهما أصبح "باشا". شارك مع أخويه عروج وإسحق في غزواتٍ بحريةٍ عديدةٍ، ثم تولى منصب حاكم إيالة الجزائر قبل أن يعيّنه السلطان سليمان القانوني كأول قائدٍ عامٍّ لجميع الأساطيل البحرية للخلافة العثمانية عام 1534م فانتقل إلى إسطنبول. عزز السيادة العثمانية في البحر الأبيض المتوسط، حتى غدا بعض المؤرخين يشيرون له "بالبحيرة التركية" (بالتركية: Türk Gölü).

ذاعت شهرته بسبب فتوحاته البحرية العظيمة، وهزائمه التي ألحقها بالدول الأوربية وأهمها انتصاراته على الإمبراطور شارلكان. وضَع نظام السياسة البحرية العثمانية ونظَام أحواضِ بناء السفن العثماني "الترسانة العامرة". توفي ودُفن في مدفنٍ خاصٍّ في منطقة بشكطاش-إسطنبول ملاصقٍ للمتحف البحري في إسطنبول.

محتويات

بداياتهعدل

أصلهعدل

اختلف المؤرخون في أصل عائلة بربروس وتعددت أقوالهم، فنسبها بعضهم إلى أروام (التسمية العثمانية لرعايا الدولة البيزنطية السابقة ممن بقوا على المسيحية) جزيرة ميديلِّي[ِ 1][ِ 2] وأن خير الدين وعروج أسلما لاحقاً بعدما دخلا في خدمة السلطان محمد المتوكل الحفصي في تونس.[4][5][6][7][ِ 3] وتشير مصادر أخرى إلى أصلٍ ألباني.[ِ 4][ِ 5] إلا أن أغلب المصادر تشير إلى أنهم من أصلٍ تركي[ِ 6][ِ 7][ِ 8][ِ 9][ِ 10] وهو ما جاء في مذكرات خير الدين بربروس حيث يذكر أن والده "أبو يوسف نور الله يعقوب آغا التركي" كان أحد السباهية (الفرسان) ممن اشتركوا بفتح ميديلي في جيش السلطان محمد الفاتح وبعدئذٍ استوطنها وتزوج من إحدى بناتها فأنجبت له أربعة أبناءٍ، وبالرغم من ذكر خير الدين أن أمه من ميديلي إلا أن هناك من قال إنها أندلسية،[8][9] وثمة أيضاً قولٌ إنها مسيحية من ميديلي وأنها كانت أرملة راهبٍ مسيحي.[ِ 11][ِ 12][ِ 13][ِ 14][ِ 15]

اسمهعدل

 
رسم تخيلي يعود للقرن التاسع عشر الميلادي يصور خير الدين في شبابه.

تذكر بعض المصادر أن اسم خير الدين بربروس هو "خسرف أو خسرو" ولاتذكر اسمه الذي ذكره بنفسه في مذكراته "خضر".[10] أما تسميته ب"خير الدين" فتذكر بعض المصادر أنه بعد إنقاذه للأندلسيين اقترح عليه هؤلاء إلى جانب المغاربة أن يغير اسمه إلى "خير الدين".[11] الجدير ذكره أنه كُتب على اللائحة الحجرية الموجودة في مسجد خير الدين: "أمر ببناء هذا المسجد المبارك السلطان المجاهد مولانا خير الدين بن يعقوب بو ترك بتاريخ جمادى الأولى من سنة ست وعشرون وتسعمائة (926هـ) المصادف نيسان/أبريل 1520م". تذكر رواية أخرى أن السلطان العثماني سليمان القانوني قال له: "أنت من خيرة أبناء البلاد وقد سميتك خير الدين"، على أن المؤرخ عزيز سامح التر ذكر عدم صحة هذه الرواية وأنه بعد اختلاطه بالعرب في شمال أفريقيا غدوا يلقبونه بخير الدين ومذّاك الوقت عُرف بهذا الاسم، وقد استند في ذلك على اللائحة الحجرية التوثيقية للمسجد السالف ذكرها بالإضافة إلى النقود المسكوكة قبل أن يلتقي بالسلطان سليمان وكان مكتوباً عليها اسم "خير الدين" مع تلقيبه "بالسلطان".[12]

أطلق الإفرنج لقب "بربروس" (بالإيطالية: Barbarossa) على الأخوين عروج وخير الدين وتعني الكلمة «ذو اللحية الحمراء» أو "الشقراء" أو "الصهباء" أو "الزعراء"، وتكتب بعدة طرقٍ منها (بربروس - بربروسا - باربروس - باربروسا) ونُقلت إلى اللغة العربية بحرفيتها، وشاعت حتى كادت تطغى على اسميهما الأصليين.[13]

مولده ونشأتهعدل

تنص بعض المصادر العربية على مولد خير الدين سنة 871هـ الموافقة لسنة 1466م،[14] بينما تنص بعض المصادر الأجنبية على أن ولادته كانت سنة 1466م،[ِ 16] أو في 1478م.[ِ 17] والده "أبو يوسف نور الله يعقوب آغا التركي" أحد السباهية (الفرسان) الذين استوطنوا جزيرة ميديلي بعد الفتح، وتزوج إحدى بناتها فأنجبت له أربعة أبناءٍ هم: إسحق ثم عروج ثم خضر (خير الدين) ثم إلياس. يذكر المؤرخون أن خير الدين وإخوته نشؤوا في ميديلي نشأةً إسلاميةً جادّة، فاتجه أحد إخوته لطلب العلم ودراسة القرآن الكريم والفقه، وتذكر بعض المصادر أنه أخوه الأكبر "إسحق"،[9] فيما تذكره أخرى أنه "إلياس".[15] ويذكر خير الدين في مذكراته أن أخاه "إسحق" كان مقيماً في قلعة ميديلي فيما كان هو وعروج مولعين بركوب البحر، وعلى ذلك اقتنى عروج سفينةً للتجارة بينما اتخذ خير الدين مركباً ذا ثمانية عشر مقعداً. وأخذ الأخوة يعملون في التجارة فيتنقلون بين "سلانيك" و"أغريبوز" يجلبون البضاعة ويبيعونها في ميديلي.[16]

سيرته مع إخوتهعدل

 
عروج بربروس. رسم تخيلي من القرن التاسع عشر الميلادي
 
خير الدين بربروس. رسم أوروبي تخيلي من القرن السادس عشر الميلادي

مقتل إلياس وأسر عروجعدل

عمل خير الدين إلى جانب إخوته في مطلع حياته في التجارة يتنقلون بين جزر بحر إيجة يجلبون البضائع ويبيعونها في مسقط رأسهم ميديلي، إلا أن عروج أراد التوسع في نشاطه فتوجه إلى طرابلس الشام مع أخيه إلياس، وفي طريقه صادف فرسان رودس [أخوية رهبانية حملت اسم "الإسبتارية" أو "فرسان المشفى" منذ الحروب الصليبية. استقروا منذ سقوط عكا (1291) مابين جزيرة أرواد قُبالة طرطوس على الساحل الشامي (حتى 1302) وليماسول (قبرص)، ثم شنوا حملةً صليبيةً فاحتلوا جزيرة رودس (08-1310) وتابعوا منها القرصنة على السفن المسلمة، وتلقبوا بفرسان رودس] فاشتبكوا معهما في معركةٍ كبيرةٍ استشهد فيها إلياس وأُسر عروج فنُقل إلى رودس. عندما سمع خير الدين الخبر سافر إلى مدينة بودروم مع صديقٍ يدعى "غريغو" له علاقاتٌ في رودس ودفع له مالاً كي يفديَ أخاه إلا أن غريغو احتال عليه وأخبر الرهبان بوجوده في بودروم وبمساعيه لإنقاذ عروج، ففشلت المساعي وتعنت فرسان رودس إذ علموا بخبرته في البحر وثرائه وأن أخاه يحاول إطلاق سراحه، فعملوا على مواصلة تعذيبه وتشديد الحراسة عليه. وبعد مدةٍ نُقل ليعمل في التجديف على سفينةٍ متجهةٍ إلى مدينة أنطاليا، وكان واليها الأمير العثماني شهزاده قورقود بن بايزيد الثاني اعتاد أن يفدي (يعتق) في كل سنةٍ مئة أسيرٍ تركي، وصادف أن كان عروج جدافاً على السفينة التي تُقّل الأسرى لكن نظراً لقيمته لم يجعله فرسان رودس ضمن قائمة المئة المفرج عنهم، لكنه تمكن من فك قيوده بنفسه والوصول إلى الساحل حيث مكث في قريةٍ تركيةٍ عشرة أيامٍ ثم وفي طريقه إلى ميديلي وصل أنطاليا فلقي فيها قبطاناً يدعى "علي ريس" يملك سفينةً يتاجر بها بين أنطاليا والإسكندرية وقد بلغته شهرة عروج فرحب بأن يعمل معه ومالبث عروج أن غدا قبطاناً ثانياً للسفينة. أثناء ذلك كان خير الدين قفل راجعاً إلى ميديلي، وعند وصول عروج إلى الإسكندرية أرسل رسالةً لعائلته يخبرها بنجاته.[17] يحتمل أن يكون خلاص عروج من الأسر سنة 911هـ الموافقة لسنة 1506م.[18]

علاقة عروج بقنصوه الغوري والأمير قورقودعدل

استمر عروج بعدما نال حريته في العمل في البحر الأبيض المتوسط واتجه إلى الإسكندرية واستقر فيها مدة، وهناك استدعاه السلطان المملوكي قانصوه الغوري (1500-1516) للمثول بين يديه، وكلفه بقيادة أسطوله، فوافق عروج، وسافر إلى ميناء بياس على خليج إسكندرون لجلب الأخشاب المطلوبة لصناعة السفن على أن يتجه بعدها إلى مصر إلا أن فرسان رودس أغاروا على سفنه وأحرقوها، فسحب عروج جنوده إلى البر وصرفهم إلى بلدانهم، وتوجه إلى أنطاليا وثمة أوصى بصناعة سفينةٍ أغار بها على سواحل رودس، وقفل راجعاً إلى أنطاليا بعدما نجا من هجومٍ آخر قام به فرسان رودس استولوا فيه على سفينته الخاصة وأحرقوا سفن بحارته. توجه عروج لاحقاً إلى مانيسا والتقى بالأمير العثماني قورقود بن السلطان بايزيد الثاني الذي أَهداهُ سفينتين حربيتين ووصّاه أن يبحر نحو غرب المتوسط لينظر في أوضاع المسلمين الذين يُضطهدون ويُقتلون من قبل الإسبان في الأندلس، فخرج وبعد عدة معاركَ بحريةٍ والاستيلاء على عددٍ من السفن والغنائم عاد إلى ميديلي فكان في استقباله في الميناء أخويه إسحق وخير الدين. وفي الأثناء وصل خبر اعتلاء سليم الأول عرش الدولة العثمانية ومعاداته لأخيه قورقود الذي كان مقرباً من البحارة العثمانيين وبخاصةٍ عروج فقد كانت سفينتاه هديةً منه فخرج عروج إثر ذلك إلى الإسكندرية تقريباً سنة 918هـ الموافقة لسنة 1513م.[19][20]

 
خريطة تاريخية لجزيرة جربة والساحل التونسي. رسم محيي الدين بيري ريس في القرن السادس عشر الميلادي

التوجه إلى تونسعدل

سنة 918هـ الموافقة لسنة 1513م توجه عروج من ميديلي إلى الإسكندرية وفي طريقه استولى في سواحل جزيرة كربة على سبع سفنٍ، ولمّا كان يشعر بالإحراج قِبَلَ السلطان قانصوه الغوري لفقدانه السفن التي منحه إياها قام بإهداء جزءٍ من الغنائم التي غنمها له. ربيع سنة 1513م استأذن عروج من قانصوه الغوري بالخروج للغزو فأذن له، فتوجه إلى سواحل قبرص، ومن ثَمّ اتجه غرباً حتى جزيرة جربة جنوب تونس.[21] بعد اعتلاء سليم الأول عرش الدولة العثمانية أصدر أمراً بمنع الإبحار في شواطئ الأناضول وموانئها، وللتأكد من تنفيذ أوامره عين قبطاناً يدعى "إسكندر باشا" كان يضايق البحارة بدعوى أنهم من رجال الأمير قورقود -المقرب من البحارة العثمانيين- ولم يك يسمح لهم بركوب البحر، وعندما بلغت أخباره خير الدين قرر مغادرة ميديلي فشحن سفنه بالقمح ومضى إلى طرابلس الشام حيث استبدل بالقمح شعيراً، ثم ذهب إلى بروزة فإلى جزيرة "أياموري" المقابلة لبروزة حيث اشترى هناك سفينةً أعجبته. ومن ثَمّ اتجه إلى أخيه عروج في جزيرة جربة بتونس.[22]

 
رسم تخيلي يُصور عروج بربروس يستولي على سفينة قادس (قادرغة)

في حلق الواديعدل

بينما كان الإخوة في جزيرة جربة اتفقوا على التوجه إلى مدينة تونس بنية الجهاد. يذكر خير الدين في مذكراته أنهم قرروا عندما فكروا بالسفر: "مادام الموت نهاية كل حيٍّ فليكن في سبيل الله". دخل الأخوة عروج وخير الدين مع "يحيى ريس" على سلطان تونس الحفصي أبي عبد الله محمد المتوكل وخاطبوه: «نريد أن تتفضل علينا بمكانٍ نحمي فيه سفننا بينما نقوم بالجهاد في سبيل الله وسوف نبيع غنائمنا في أسواق تونس فيستفيد المسلمون من ذلك وتنتعش التجارة، كما ندفع لخزينة الدولة ثُمُن ما نحوز من الغنائم»، فوافق السلطان ورحب بهم، وأذن لهم ومن معهم من البحارة الأتراك بالرسو في ميناء حلق الوادي La Goulette واستخدامه فعملوا على تقوية مركزهم وحصنوه جيداً، وأدركوا أهمية تونس وأهمية موقعها، وكان ميناء حلق الوادي متحكماً في خليج تونس. قضى البحارة شتاء ذلك العام (1513م-1514م) هناك وعند الربيع بدؤوا بغزواتهم البحرية فبلغوا جزيرة سردينيا وثمة استولوا على سفينة أحد القراصنة كان فيها مئةٌ وخمسون أسيراً. واستولوا على أخرى محملةًٍ بالقمح تركها قراصنتها ولاذوا بالفرار على قواربهم، وفي الصباح التالي استولوا على سفينتين أخريتين إحداهما مشحونة بالعسل والزيتون والجبن، والأخرى جنوية محملة بالحديد، ثم عادوا إلى تونس.[23] وتذكر بعض المراجع أن الأخوة بربروس استولوا على سفينتين تابعتين للبابا يوليوس الثاني بين كورسيكا وإلبا وكانتا عملاقتين مقارنةً بسفن الإخوة بربروس (ربما تكون هذه الغزوة هي إحدى الغزوات السابقة)، وبعد الحادثة ذاع صيت عروج في أرجاء أوروبا.[24][25]

عوامل دخول الأخوة بربروس للجزائرعدل

ثمة عوامل عدة داخلية وخارجية حتّمت على الأخوين عروج وخير الدين فتح جيجل ثم الجزائر بالكامل، أما العوامل الداخلية فضعف وانحلال الدولة الحفصية التي كانت تحكم تونس والشطر الشرقي من الجزائر، وفي الشطر الغربي -وكانت تحكمه الدولة الزيانية- فكان انتشار الظلم واللصوصية والفقر والأوبئة مما أرغم الناس على هجر منازلهم وبلدانهم. وأما العوامل الخارجية فأهمها سقوط الأندلس -أو بالأحرى ما تبقى من الأندلس- دولة بني الأحمر وحاضرتها غرناطة سنة 1492م، وقيام الدول الأوروبية باحتلال كثيرٍ من المدن الساحلية جنوبيَّ البحر الأبيض المتوسط فكان الجنويون في جيجل منذ سنة 1240، والبرتغاليون في سبتة (المغرب حالياً) منذ سنة 1415، والإسبان في مليلية (المغرب حالياً) منذ سنة 1497م. وبعد سقوط غرناطة وبتحريضٍ من البابوية -احترازاً من عودة المسلمين للأندلس وهم الذين أقاموا على حكمها سبعة قرون- وخلال سنواتٍ خمسٍ (من 910هـ/1505م إلى 915هـ/1510م) احتل الإسبان في الجزائر فقط "المرسى الكبير" و"وهران" و"أرزيو" و"مستغانم" و"شرشال" و"الجزائر" و"بجاية" و"عنابة"، [وكذا طرابلس الغرب سنة 1511]، وجعلوا يضغطون على كلٍّ من السلطات المحلية والأهالي في البحر وفي الشؤون الداخلية لتلك النواحي على السواء[26]. وبذا غدا الإسبان في خمس سنين القوة الإقليمية المطلقة غرب المتوسط وكانت سياستهم الضغط باستمرار على سواحل شمال إفريقيا لرصد أي تطوراتٍ سياسيةٍ فيها تخوفاً من عودة المسلمين إلى الأندلس وقد كانت جاليةٌ مسلمةٌ كبيرةٌ ماتزال مقيمةً فيها.

وأمام جبروت شارلكان الإمبراطور الروماني المقدس [أقوى وأغنى عاهلٍ أوروبي والذي شملت سلطته فيما شملت النمسا، والأراضي المنخفضة (هولندا وبلجيكا ولوكسمبورج)، وبورجونديا Burgundy، ولومبارديا (دوقية ميلانو (منذ 1535) ودوقية مانتوا شمال إيطاليا)، وجنوبي إيطاليا مملكتي نابولي وصقلية (ورثهما بوصفه وريث عرش أراجون)، وسردينيا، ونفوذاً كبيراً على الدويلات الألمانية، والمملكة الأغنى إسبانيا بعد توحد عرشي أراجون وقشتالة وعاصمتها يومئذٍ -قبل نقلها إلى مدريد عام 1561- غرناطة عاصمة شارلكان]، ونظراً لضعف الدول الإسلامية شمالي إفريقيا وتقاعس ولاة أمرها فقد كان الأخوة بربروس -على شحّ إمكاناتهم- القوة الوحيدة التي حملت عبء مواجهة الإسبان والقوى الصليبية الأخرى غرب المتوسط كالدويلات الإيطالية وفرسان مالطة (1530-1798م)، وقد قاموا بواجبهم بكل شجاعةٍ واحتمال مسؤولية، لكن لما كانوا لا قبلَ لهم بمجابهة دولةٍ بحجم إسبانيا فقد مارسوا أسلوب الإغارة على السواحل الأوروبية والسفن تجاريةً كانت أم حربية -ومن هنا دعاهم الأوروبيون قراصنة- لكن ذلك لم يكُ سوى ردّ فعلٍ لما اعتادت الدول الأوروبية عمله على السواحل الإسلامية، وحتى الأخوين بربروس ماكان التفاتُهما نحو الغزو إلا رد فعلٍ على مقتل أخيهما وأسر أحدهما على يد أخوية فرسان رودس.

مناوشة بجاية الأولىعدل

 
خريطة للساحل الجزائري تظهر أسفلها قلعة بجاية. رسم محيي الدين بيري ريس في القرن السادس عشر الميلادي

حسب مذكرات خير الدين فإن الأخوة بربروس أمضوا شتاء العام التالي (918هـ/1513م تقريباً) في تونس وعند حلول ربيع العام التالي 919هـ/1514م خرجوا للغزو وبعد ثلاثة عشر يوماً وصلوا نابولي فصادفوا مركباً كبيراً متجهاً إلى إسبانيا فيه ما بين ثلاثمئة إلى أربعمئة مقاتلٍ فهاجموه وجرت معركة كبيرة استولوا عليه إثرها، إلا أنهم تكبّدوا خسائرَ كبيرةً مئةٌ وخمسون شهيداً وستةٌ وثمانون جريحاً. كانت السفينة تقلّ خمسمئةٍ وخمسة وعشرين شخصاً أسروا منهم مئةً وثلاثةً وثمانين وقتل الآخرون وكان من بين القتلى والي إحدى المقاطعات الإسبانية الكبيرة. بعد ذاك استولوا على سفينةٍ أخرى وعادوا بها إلى تونس حيث تمت معالجة عروج -وكان مشهوراً بشجاعته- من جروحه في إحدى المعارك.[27]

شهرت المعركة الأخيرة اسم الأخوة بربروس وبالأخص عروج كثيراً، فأعد الإسبان عشر سفنٍ ضخمةٍ من نوع قادرغة "Galley" (قادس) بهدف أسرهم، وكانوا خرجوا متجهين إلى جنوا لكن بسبب مخالفة الريح توجهوا إلى سواحل الجزائر ورسوا أمام "قلعة بجاية"، أما السفن الإسبانية فعندما لم تعثر عليهم في جنوا توجهت إلى بُجّاية وكانت بيد الإسبان يومئذٍ. كان للاشتباك مع الإسبان على الساحل خطورته الكبيرة لوقوعهم تحت مرمى المدافع الساحلية، ولأن مدافع السفن الإسبانية الضخمة أثقل وأبعد مدىً، لذا انطلق الأخوة بمراكبهم مبتعدين. انطلت الحيلة على الإسبان فقاموا بملاحقتهم ظناً منهم أنهم هربوا، وعلى مسافةٍ كافيةٍ من البر أمر عروج بالانعطاف نحو السفن الإسبانية التي فوجئتْ بالمناورة، وبهجومٍ خاطفٍ تمكنوا من الاستيلاء على سفينة القيادة وثلاث سفنٍ أخر فيما لاذت بقية السفن بالفرار نحو بجاية محتميةً بقلعتها.[28]

اختلف رأيا عروج وخير الدين. كان الأول يريد مهاجمة المرسى والقلعة ليستولي على السفن بينما أراد خير الدين الرجوع إلى تونس والاكتفاء بأربعة السفن التي غنموا. لم يأخذ عروج برأي أخيه وأعطى أوامره بالهجوم على قلعة بجاية التي كانت تعج بالجند فضلاً عمن التحق بهم من السفن الست. شرع عروج بمهاجمة القلعة التي كانت تطلق وابلاً من قذائف المدفعية، وخلال ذلك فقد البحارة الأتراك ستين من رفاقهم وأصيب عدد كبير، وعندما كانوا على وشك الاستيلاء على القلعة أصيب عروج بقذيفةٍ في ذراعه اليسرى، وإذ رأى الإسبان ذلك فتحوا أبواب القلعة وشرعوا بالهجوم، أما خير الدين فبعدما رأى إصابة أخيه استثارته الحميّة وقام بهجومٍ عنيفٍ مع ثلاثمئةٍ أو أربعمئةٍ من رجاله، وأوغلوا حتى وصلوا أبواب القلعة وقتلوا في هجومهم ثلاثمئة إسباني وأسروا مئةً وخمسين. ونظراً لإصابة عروج البليغة وكان فقد وعيه اضطر البحارة للانسحاب، والعودة إلى تونس بأربع عشرة سفينة. عقب رجوعهم قام الجراحون بتضميد جراح عروج إلا أن خطورتها كانت تتزايد ولذا أجمعوا على بتر ذراعه.[29]

 
رسم هولندي تخيلي من للقرن السابع عشر للأخوين عروج (يسار) وخير الدين (يمين).

تذكر بعض المراجع العربية هذه المناوشة برواياتٍ مختلفةٍ عما ذكره خير الدين. تقول إحداها إن أحد أعيان بجاية طلب من الإخوة بربروس تحرير بجاية من السيطرة الإسبانية، فلبى عروج وخرج إليها على أربعة سفنٍ وحوالي مئة مقاتل، ووجد ثلاثة آلاف مقاتلٍ ينتظرونه شرق المدينة، فباشروا الهجوم وحاصروا المدينة نحو ثمانية أيام، وفي اليوم التاسع احتلوا الميناء، ولكن قذيفة أصابت يد عروج اليسرى فجرحته جرحاً بليغاً، فأسرع رفاقه بنقله إلى السفينة ثم إلى تونس، وبالرغم من العلاج إلا أن الأطباء قرروا بتر ذراعه.[30] وفي روايةٍ أخرى أن الملك "أبا بكرٍ الحفصي" والي قسنطينة أرسل لهما العلماء والأعيان من بجاية يستصرخون لإنقاذها من الإسبان، فلبيا النداء بعد المشاورة مع رجالهما، وأعلما جماعات المجاهدين حوالي بجاية ورجال القبائل بقدومهما، واتقفوا جميعاً على ساعةٍ معينةٍ يجتمعون بها عند أسوار بجاية. توجه عروج بقيادة ثلاثة آلاف مقاتلٍ إلى بجاية، وعند وصوله إليها وجد خمس عشرة سفينة إسبانية قدمت لتوها من إسبانيا راسية بمرسى بجاية فاعترضت أسطول الأخوة بربروس، ولم يك باستطاعتهم مهاجمتها لتفوقها في العدد والعدة، فقام البحارة الأتراك بحيلةٍ إذ تظاهروا بالانسحاب فراراً، فقام الأسطول الإسباني بتتبعهم إلى أن أصبح تحت مرمى مدافع البحارة المسلمين في عرض البحر، فأجروا مناورةً بحريةً استطاعوا بها الاستيلاء على إحدى سفن الإسبان، وأغرقوا أخرى، وانهزمت بقية السفن على كثرتها، وهنا اختلف عروج وخير الدين فقد كان الأخير يرى وجوب حصار المدينة بحراً وقطع كل مددٍ عنها إلى أن تستسلم، بينما ارتأى عروج وجوب النزول إلى البر ومهاجمة المدينة من جهة، بينما يهاجمها مجاهدو أهل البلاد من الجهة المقابلة، ولما كان عروج القائد فقد أُخِذ برأيه. فنزل عروج بصحبة خمسين من رجاله الأتراك يستطلعون أسوار المدينة وحصونها، وكان الإسبان في الوقت نفسه يترصدونهم حتى أضحوا ضمن مرمى نيرانهم، وعندئذٍ انهالت عليهم طلقاتهم، فأصابت ذراع عروج رصاصة بندقية فكسرتها، واضطر للعودة إلى تونس للعلاج، ولم يجد الأطباء من بدٍّ سوى بترها.[31][32]

إنقاذ الأندلسيينعدل

 
خريطة لجزيرة منورقة. رسم محيي الدين بيري ريس في القرن السادس عشر الميلادي

شتاء ذلك العام استعاد عروج عافيته، وبحلول ربيع سنة 920هـ/1515م[33] تقريباً خرج البحارة بقيادة الأخوين بربروس إلى سواحل الأندلس في ثمانية مراكبَ، ويقول خير الدين في مذكراته يصف وضع المسلمين في الأندلس بعد سقوطها: "كانت المدينة الإسلامية غرناطة قد سقطت قريباً بيد الإسبان. كان الإسبان يقومون بمظالم كبيرة في حق المسلمين الذين كان الكثير منهم يعبدون الله في مساجدَ سريةٍ قاموا ببنائها تحت الأرض. لقد دمر الإسبان وأحرقوا جميع المساجد وصاروا كلما عثروا على مسلم صائم أو قائم إلا وعرّضوه وأولاده للعذاب أو الإحراق". أثناء ذلك قام الأخوان بحمل عدد كبير من المسلمين الأندلسيين في السفن ونقلهم إلى الجزائر وتونس. وعندما كانوا نواحي ساحل المرية لاحت لهم سبع سفنٍ استطاعوا الاستيلاء على إحداها وكانت هولندية محملةً ببضائعَ من الهند ولم يستطيعوا اللحاق بالبقية لمخالفة الريح. ثم أوغلوا إلى جزيرة منورقة بعد مضي خمسين أو ستين يوماً على خروجهم من تونس فصادفوا مئتي مقاتلٍ مدججين بالسلاح قتلوا منهم سبعين أو ثمانين واستولوا على خمسة أو ستة قطعانٍ من الأغنام. كان هؤلاء الجند خرجوا لملاقاة البحارة من البر فيما خرجت عشرة سفنٍ إسبانيةٍ لمهاجمتهم من البحر عندما علموا أن الأخوين بربروس رسيا في منورقة، فلما علم خير الدين بذلك فرق الأسرى على السفن وانطلق إلى جنوا، فاستولى على أربعة مراكب في طريقه، وكان من أثر هذه الحملات أن شاع اسم بربروس في جميع أنحاء أوروبا وأصبح أسطورةً في نظر الأوروبيين. أخيراً أغاروا على جزيرة كورسيكا ثم توجهوا إلى ميديلي.[34][35]

بين ميديلي وتونسعدل

توجه الأخوة بربروس إلى مسقط رأسهم جزيرة ميديلي بغية قضاء شتاء العام بين أهليهم وقرابتهم، وهناك كما ذكر خير الدين في مذكراته قال عروج: « لقد رأيت في الليلة الماضية رؤيا صالحة، رأيت ذلك الشيخ ذا اللحية البيضاء الذي بشرني بالنجاة عندما كنت أسيراً في رودس يقول لي: ياعروج توجه إلى الغرب، إن الله قد كتب لك هناك كثيراً من الغزو والعِز والشرف..».

أنفق عروج وخير الدين أموالهم التي غنموها على المحتاجين وفي تجهيز سفنهم. وعند الشتاء أذن خير الدين لبحارته بقضاء الفصل بين أهليهم ممن كانوا يقيمون قريباً في الأناضول والروملي. وعند اقتراب الربيع بدأت أفواج الشباب الذين بلغتهم شهرة الأخوين تتوافد للجزيرة للعمل تحت إمرتهم كبحارة، فانطلقوا من ميديلي في عشرة مراكبَ وفي طريقهم استولوا على خمس عشرة أو ست عشرة قطعةً بحريةً حازوا الجيد منها وأغرقوا التالف، كانت خمسُ سفنٍ مما غنموا محملةً بزيت الزيتون وواحدةٌ محملةٌ بالعاج، وأما البقية فكانت محملةً بأموالٍ وبضائعَ مختلفة، وبلغ مجموع الأسرى أكثر من أربعمئة امرأةٍ وعدداً كبيراً من الرجال. وفي اليوم التاسع والعشرين على مغادرتهم دخلوا ميناء حلق الوادي بتونس، فقاموا ببيع غنائمهم ثمة، وأعطوا السلطان حصته وقد رحب بهم واستقبلهم في قصره، وأهدى الأخوين عروج وخير الدين خيولاً فارهةً مجهزةً وكافأ كلاً منهما بحلةٍ من الفراء وأكرم من معهما من البحارة.[36]

سليم الأول السلطان العثماني الملقب ياڤوز (ياووز) سليم أي القاطع.
محيي الدين بيري ريس مبعوث الأخوين بربروس إلى السلطان سليم الأول.


الاتصال بالعثمانيين وإنقاذ الأندلسيينعدل

أمضى الأخوة بربروس الشتاء في تونس وبحلول الربيع خرجوا في اثني عشر مركباً فأغاروا على قلعة بصقلية وأسروا ما يقرب من ثلاثمئة أسيرٍ قاموا بتوزيعهم على المراكب كمجدفين، كما استولى أحد البحارة واسمه "دلي محمد ريس" على سفينةٍ تجاريةٍ كانت محملة بالسكر. وفي اليوم التالي استولوا على أربعة مراكب اثنتان منهما محملتان بالجوخ، وإحداهما مشحونة بأعمدةٍ شراعية، وأما الرابعة فكانت محملة بالبارود، ورجعوا إلى تونس بعد مضيّ ثلاثةٍ وثلاثين يوماً.[37]

كان خروج الأخوة عروج وخير الدين من الأراضي العثمانية وتركهم مسقط رأسهم ميديلي بعد اعتلاء سليم خان عرش الدولة العثمانية، فقد كان عروج مقرباً من الأمير قورقود الذي كان أخوه سليم الأول يعاديه وبعدما اعتلى العرش قتله، وأما خير الدين فقد لحق أخاه عروج إلى تونس. بعد استقرار عروج وخير الدين في تونس طوال هذه المدة وازدياد شهرتهما وقوتهما لم يعودا يخشيان من السلطان سليم وقد أدركا سياسته الإسلامية،[38] وعلى هذا أرادا تطوير علاقتهما به، فأرسلا "محيي الدين بيري ريس" إلى إسطنبول ومعه هدايا ورسالة كتبها خير الدين. غادر بيري ريس تونس في ست قطعٍ بحريةٍ فوصل إسطنبول في اليوم الحادي والعشرين من خروجه، واستقبله السلطان سليم الأول في محرم 922هـ الموافق مارس 1516م، ويُذكر أن السلطان سليم بعد قراءته الرسالة رفع يده بالدعاء فقال: «اللهم بيّض وجهي عبديك عروج وخير الدين في الدنيا والآخرة، اللهم سدد رميتهما واخذل أعداءهما وانصرهما في البر والبحر». ولقي بيري ريس حفاوةً كبيرةً من السلطان الذي أرسل معه سفينتين حربيتين مليئتين بالمعدات الحربية والقذائف إحداهما لعروج والأخرى لخير الدين، وسيفين حُلّيت قبضتاهما بالألماس وخلعتين سلطانيتين وووساميْن.

في الوقت الذي كان فيه بيري ريس في إسطنبول خرج عروج وخير الدين إلى مضيق جبل طارق على أن يغيروا من هناك على الأندلس لإنقاذ المزيد من المسلمين.[39]

عاد بيري ريس إلى تونس برسالةٍ من سليم الأول إلى السلطان الحفصي محمد المتوكل وفيها: «إلى أمير تونس، إذا وصلك كتابي هذا فعليك أن تعمل به، واحذر أن تخالفه، وإياك وأن تقصر في خدمة أي عونٍ لخادمينا: عروج وخير الدين»، واجتمع أشراف تونس في حفلٍ كبيرٍ قام فيه بيري ريس بتقليد خير الدين سيف السلطان سليم وألبسه الحلة التي أرسلها له. يذكر خير الدين في مذكراته أن سلطان تونس بعدما رأى حفاوة السلطان سليم الأول بالأخوين بربروس تغيرت معاملته، وقال لخير الدين: "إن طريقك وطريق أخيك عروج سينتهي إلى القيادة العامة لبحرية الدولة العثمانية، فهنيئاً لكما بذلك." ومنذ تلك اللحظة تغير موقف السلطان من الأخوين وتحفظ عليهما تخوفاً أن يأخذا مملكته لصالح العثمانيين.[40]

فتح جيجلعدل

يذكر خير الدين في مذكراته أنهم انسحبوا بعد مناوشة بجاية الثانية إلى جيجل كي يترصدوا للسفن التي قدمت لمساعدة الإسبان في قلعة بجاية، إلا أنه لايذكر المعركة التي جرت مع الحامية الجنوية فيها،[41] فيما تذكرها أكثر المراجع. تختلف المراجع القديمة والحديثة في تاريخ دخول الأخوين بربروس جيجل فبعضها يحدده بسنة 918هـ/1513م وبعضها بسنة 919هـ/1514م والبعض الآخر بسنة 920هـ/1515م،[42] كما حددها بعضهم بسنة 921هـ/1516م،[43] وسبب الاختلاف يعود للخلط بين المحاولات الفاشلة للأخوين لتحرير بجاية، وأكثر المؤرخين على أن دخولهم جيجل كان سنة 919هـ/1514م.[42][44][45]

بعد انسحاب بربروس ببحارتهم من بجاية توجهوا شرقاً إلى جيجل فوجدا فيها ضالتهما المنشودة، فقد كانت محتلةً من قبل دولةٍ أجنبيةٍ جمهورية جنوا (منذ 1240م) وفتحها يجعلهم مستقلين فيها بدون تبعيةٍ لسلطان تونس، وموقعها شرق بجاية تأميناً لطريق الإمداد من تونس وقريبةً منها في الوقت عينه يجعلها صالحةً كمنطقة إسنادٍ عندما يعاودون الهجوم على بُجّاية.[30] ورأوا أن حصار بجاية ليس بالأمر الهين، ووجودهم في تونس يبعدهم عن أرض المعركة القادمة، وهكذا صمموا على فتح جيجل، فقاموا باتصالاتٍ سريةٍ مكثفةٍ مع الأهلين والقبائل المحيطة بها، وبعد الاستعدادات قاموا بالهجوم على الحامية التي استسلمت بعد مقاومةٍ يسيرةٍ، وتم للبحارة الأتراك تحرير مدينةٍ من يد الأوروبيين فكانت أول مدينةٍ يفتحونها في الجزائر.[46][47][48]

مناوشة بجاية الثانيةعدل

يذكر خير الدين في مذكراته أن وفداً من بجاية طلب من عروج وخير الدين تحريرها من الإسبان. حمل الوفد رسالةً جاء فيها: «إن كان ثمة مغيث فليكن منكم أيها المجاهدون الأبطال. لقد صرنا لانستطيع أداء الصلاة أو تعليم أطفالنا القرآن الكريم لما نلقاه من ظلم الإسبان. فهانحن نضع أمرنا بين أيديكم. جعلكم الله سبباً لخلاصنا بتسليمه إيانا إليكم، فتفضلوا بتشريف بلدنا وعجلوا بتخليصنا من هؤلاء الكفار (يقصدون الإسبان)». إثر ذلك توجه الأخوان لتحرير بجاية، وفي طريقهم استولوا على سفينةٍ محملةٍ بالشمع وعليها أربعون أسيراً من الموريسكيين فحرّروهم وأرسلوهم إلى تونس مع "دلي محمد ريس". وصلوا بجاية مع ألفين وثلاثةٍ وثلاثين بحاراً وعشرة سفنٍ ومئةٍ وخمسين مدفعاً بحرياً، وآلاف ٍمن الأسرى ممن يقومون بالتجديف (مضتِ العادة شد وثاق الأسرى من قبل الجانبين على السفن الشراعية للقيام بالتجديف)، واشتبكوا مع الإسبان في معركةٍ لثلاث ساعاتٍ ونصف الساعة قُتل فيها أكثر الإسبان، ولحق بالبحارة عشرون ألفاً من أعراب البوادي. تحصنت بقلعة بجاية شرذمةٌ من الإسبان المتبقين استمرت في المقاومة تسعةً وعشرين يوماً، وحال عدم امتلاك الأتراك مدافع ثقيلةً لقصف الحصون دون فتح ثغرةٍ في القلعة واستيلائهم عليها.[49] [كانت المدافع البحرية تطلقُ من السفن ومخصصةً للمعارك البحرية وقصف السفن بالدرجة الأولى وبالتالي أخف وزناً وأضعف تأثيراً في التحصينات البرية].

 
صورة حديثة لوادي الصومام الذي تذكر بعض المراجع أنه جف أثناء محاولة فتح بجاية للمرة الثانية ما جعل عروج يضطر إلى حرق سفنه التي دخل بها الوادي.

تذكر المراجع العربية أن الوفد الذي قدِم من بجاية إلى جيجل كان قبل مناوشة بجاية الأولى، إلا أن خير الدين يذكر قدومه قبل مناوشة بجاية الثانية كما أسلفنا. يذكر المؤرخ الجزائري "أحمد توفيق المدني" أن المسلمين في جيجل والجبال المحيطة التفوا حول عروج لما رأوا من إيمانه وأخلاقه وقوة شخصيته ما جعلهم يبايعونه أميراً عليهم، ويعاهدونه على السير خلفه في القتال. وهكذا تمكن عروج من إنشاء جيشٍ منظمٍ درّبه على استعمال الأسلحة الحديثة للرماية، وقد وعده الشيخ أحمد بن القاضي شيخ منطقة زواوة الغربية (إمارة كوكو) بالإعانة والتأييد، وأخذ علماء الدين يستنفرون الناس للجهاد وعمت الدعوة وانتشرت. انطلق عروج إلى بجاية في جمادى الآخرة 920هـ-أغسطس/آب 1514م بجيشٍ من عشرين ألفاً وأحاط بالمدينة، واشتبك مع حاميتها في معاركَ ضاريةٍ، وفي الوقت نفسه يدرس الموقع ويحاول اكتشاف نقاط الضعف فيه، وبعد ثلاثة أشهر ولما عجز عن فتحه رجع إلى جيجل خلال نوفمبر/تشرين الثاني-رمضان ليمضي الشتاء ويعيد تنظيم جيشه وتموينه.[50] وتذكر مراجع أخرى أن البحارة الأتراك بقيادة عروج خرجوا من جيجل كرةً أخرى ربيع عام 1515 قاصدين بجاية (ذكرها "أحمد توفيق المدني" كمناوشةٍ ثالثة)[51]. قدّرت المراجع جيشه البري بحوالي عشرين ألفاً وأمر عمارته البحرية بالتوجه إليها أيضاً، التقت الحملتان البرية والبحرية شرق بجاية عند مصب وادي الصومام وكانت مياهه مازالت صالحةً للملاحة فاقتحمته السفن [يمتاز القادس Galley (السفينة الرئيسية المستخدمة في المتوسط) بكفاءةٍ برمائيةٍ عاليةٍ مقارنة بغيره بسبب مرونته في المناورة وقلة عمق غاطسه] لإحكام حصار المدينة من الجهات كافة، وشرع بهجومٍ عامٍّ استمرت معاركه أربعةً وعشرين يوماً. ولطول الحصار وشراسة المعارك نفذ البارود من المجاهدين، وكان عروج أرسل يطلبه من سلطان تونس لكن الأخير ماطل بإرساله، ولذلك فكّ الحصار وفشل تحرير بُجّايَةَ للمرة الثانية. كانت النتيجة فقدان الإسبان حوالي ألفين بين قتيلٍ وأسيرٍ وجريحٍ، وفقد عروج نحو ربع قواته البرية والبحرية واضطر إلى حرق سفنه التي تقحّم بها وادي الصومام بسبب جفاف مياهه، وعاد بمن بقي من جيشه برّاً إلى جيجل.[52][53] تذكر مراجع أخر دوام الحصار ثلاثة أشهرٍ لأن أربعةً وعشرين يوماً غير كافيةٍ لجفافِ مياه النهر بهذا الشكل[53]، لكن بالمقابل فإن ثلاثة أشهرٍ وقتٌ طويلٌ كافٍ لكي يسارع الإسبان لنجدة حاميتهم.

فتح قلعة بجايةعدل

يذكر خير الدين في مذكراته أنه بعد تسعة وعشرين يوماً على حصار بجاية وعدم تمكنهم منها، وصلتهم أنباءٌ عن تحرك قواتٍ إسبانيةٍ كبيرةٍ من منورقة إلى بجاية، فانسحبوا إلى جيجل، ثم أبحر خير الدين يترصد هذه القوات، وعندما لاحت لهم وجدها عشر سفنٍ مشحونةٍ بالأسلحة والمعدات، فشنّ هجوماً عليها في معركةٍ كبيرةٍ أسفرت عن استيلائه على جميع السفن، ولم يبق من الجند الإسبان على قيد الحياة سوى ثمانيةٍ وسبعين أخذوا أسرى وقيدوا ليعملوا في التجديف، ثم قام خير الدين مع خمسمئة بحارٍ بكمين بواسطة السفن الإسبانية، فاتجهوا إلى بُجّايَة حيث كان الإسبان ينتظرون المدد من منورقة، وعند دنوِّهم من القلعة فتح الإسبان الأبواب وتدفقوا خارجاً لاستقبال السفن النجدة، فأمر خير الدين بحارته بالإبرار إلى الساحل مضيفاً في مذكراته أن الإسبان عند سماعهم أصوات التهليل بُغِتوا واضطربت صفوفهم وولوا منهزمين، فتمكنوا من فتح القلعة فيما راح الإسبان يطلبون الأمان. بعد الفتح جاء شيوخ وزعماء المناطق المجاورة مبايعين خير الدين، وانتصب عروج وخير الدين ملكين على البلاد. رجع خير الدين إلى جيجل حيث كان عروج موجوداً وهنأه بالفتح. استطاع خير الدين في هذه الحملة الاستيلاء على ثمانمئة برميل من البارود (سُرَّ البحارة بالبارود بصفةٍ خاصةٍ إذ لم يعد سلطان تونس يزودهم به، وأضحى يُعرض عنهم)، وشيئاً كثيراً من الغنائم.(1)[54] وتذكر المراجع أن الإسبان استطاعوا استرداد بجاية في الحال.[43]

وفود الجزائرعدل

 
رسمة لخير الدين

بينما كان الأخوة عروج وخير الدين في جيجل وصلت وفودٌ عديدةٌ من المدن الجزائرية تطلب من بربروس تحرير مدنهم من الاحتلال الإسباني ومن الأمراء المحليين المتعاونين معهم.[55] وكان أهمها وفد مدينة الجزائر التي تمثل مركز البلاد،[56] وقد طلب هذا الوفد من عروج القدوم إلى الجزائر لطرد الإسبان والقضاء على "حصن البنيون" أو "حصن الصخرة" الذي قاموا ببنائه سنة 916هـ/1510م على جزيرةٍ صخريةٍ تقع على مدخل الميناء على مسافة ثلاثمئة مترٍ، وكان مصدر إزعاجٍ واعتداءاتٍ مستمرةٍ ضد سكان المدينة،[57][58] وكان تمركزهم فيه مكّنهم من التحكم بمدخل ومخرج الميناء، فشلوا الأعمال البحرية الجزائرية وضيّقوا على السكان وفرضوا عليهم الضرائب.[59][60] وعليه خلَّف عروج أخاه خير الدين على جيجل،[56] وقرر المسير نحو الجزائر في خمسمئة بحارٍ حسب مذكرات خير الدين، وتذكر المراجع العربية أنه خرج براً في ثمانمئة بحارٍ وحمَّل ست عشرة سفينةً بالمدفعية والذخيرة وأرسلها مع نصف جنوده، وفي طريقه انضم إليه خمسة آلافٍ من مقاتلي القبائل.[43][61][62] وتنص مصادر أخرى أنه خرج في ثمانمئة بحارٍ، وأرسل أخاه خير الدين بثماني عشرة سفينةً تحمل ألفاً وخمسمئة مقاتلٍ؛[63] إلا أن هذا القول يتعارض مع ما أورده خير الدين في مذكراته من أنه بقي في جيجل.[56] وتوجه عروج إلى شرشال أولاً ففتحها، وترك فيها حاميةً لحراستها. ترى بعض المصادر أن ذهابه إلى شرشال أولاً كان بغية تأمين مكانٍ للالتجاء إليه وقت الشدة، أو أنه كان ينتظر وصول بعض المهاجرين الأندلسيين لضمّهم إليه، أو انتظاراً لأخيه الذي أرسل له بضرورة الالتحاق به، وربما إشهاراً لحملته جتى يلتحق به رجال القبائل، وبكل الأحوال يكسب وقتاً كافياً لدراسة الموقف بوضوح. يجمع المؤرخون أن عروج حين دخل مدينة الجزائر سنة 921هـ/1516م استقبله أعيانها ووجهاؤها وأعدادٌ غفيرةٌ من أهلها استقبال الفاتحين المنقذين، ورحبوا به ترحيباً حاراً.[62][63][64]

عندما كان عروج في طريقه إلى الجزائر غادر خير الدين جيجل إلى تونس، وقد نص في مذكراته على أن سلطان تونس جاهر بعداوتهم، إلا أنه عندما رأى خير الدين مقبلاً إلى تونس خشي على نفسه وتظاهر بثنائه عليهم واعتذر عن تقصيره في عدم تزويدهم بالبارود، ويذكر خير الدين أنه تظاهر بانخداعه بكلامه وتجول معه في المدينة، ثم عاد إلى المرسى. وقفل راجعاً إلى جيجل برفقة أخيه إسحاق بعدما وجّه رؤساء البحر ومنهم بعض الرؤساء المشاهير مثل: "كوردوغلو مصلح الدين ريس" و"دلي محمد ريس" بالتوجه للغزو في شرق البحر الأبيض المتوسط ونواحي قبرص فخرجوا في سبع قطعٍ بحريةٍ، وصادفوا في طريقهم بين قبرص ومصر الأسطول العثماني فتتبعوه حتى دخلوا ميناء الإسكندرية، وفي الأثناء كان السلطان سليم الأول معسكراً في القاهرة بعد أن أتم فتح مصر، والتقى السلطان سليم بمصلح الدين واحتفى به، وأمده بعددٍ كبيرٍ من الجند ومعدات الحرب، فعاد بها إلى الجزائر.[43][65] والحق أن أمره جزءاً من قواته بالخروج للغزو في شرق المتوسط (حيث بإمكانه الغزو غرب المتوسط وبذا يبقى قريباً وجاهزاً للتدخل في أقرب وقت) في حين جيشه موزع ما بين جيجل والجزائر وعلى أبواب فتحٍ كبيرٍ مدعاة للتساؤل، إلا أن يكون -وهو الأرجح- اتفق مع أخيه عروج على إرسال بعثةٍ سراً إلى السلطان العثماني -وهو بعد في مصر- لإمداده بالعتاد وربما ترتيب أمورٍ أبعد مدىً كإعلان الجزائر ولايةً عثمانية مثلاً، وذلك من دون إثارة حفيظة السلطان الحفصي في تونس وقد توجسوا منه وتوجس منهم وبدا منه الجفاء منذ الاحتفال البالغ برسالة سليم الأول وهداياه، وهذا مايفسر الزيارة الودية لخير الدين إليه ريثما تظهر نتيجة البعثة السرية.

عروج حاكماً على الجزائر 922هـ/1516معدل

 
عروج بربروس. لوحة تخيلية بريشة "ثيودور دي بري" تعود للقرن السادس عشر

تنص المراجع أن عروج حالما وصل الجزائر أرسل إلى قائد الحامية الإسبانية في حصن بنون يأمره بالاستسلام وتسليم القلعة، فرد الأخير بالنفي، فوجه عروج مدافعه نحو الحصن وبدأ بقصفه واستمر على ذلك عشرين يوماً إلا أن مدافعه كانت ضعيفةً ولم تؤثر في الحصن مما أضعف ثقة الأهالي بالبحارة الأتراك، وتذكر بعض المراجع العربية أن البحارة كانوا يعاملون السكان معاملةً فظة، فتوجه "سالم التومي" الحاكم السابق للمدينة للاتفاق مع الإسبان على طرد الأتراك من الجزائر بهدف استرجاع سلطته السابقة، ولما علم عروج بالاتفاق اعتبره خيانةً، وأمر بقتل سالم التومي ليصبح عروج صاحب السلطة المطلقة في الجزائر فأعلن نفسه سلطاناً عليها، ورفع رايته فوق أسوارها وقلاعها وبادر بسك النقد الذي يحمل شعاره. وفي 2 رمضان 922هـ/30 سبتمبر 1516م شن الإسبان غارةً على مدينة الجزائر بعمارةٍ بحريةٍ من خمسةٍ وثلاثين إلى أربعين سفينةً محملةً بالجند، ودارت مع عروج وجيشه من الأتراك والجزائريين والمهاجرين الأندلسيين معركةٌ كبيرةٌ انتهت بانتصار عروج نصراً حاسماً.[55][66][67][68][69]

كتب عروج إلى خير الدين في جيجل يبشره بالنصر، وعندما وصله كتابه كان يستعد للخروج برفقة أخيه الأكبر إسحق ريس إلى الجزائر في عشر قطعٍ بحريةٍ لمساعدة عروج، فلما لم تعد من حاجةٍ لذلك خرجوا للغزو في البحر فاستولوا على ست عشرة قطعةً بحريةً محملةً بالبارود والرصاص والألواح والقطران والزيت والأرز والقمح، ورجعوا إلى جيجل بعد تسعةٍ وعشرين يوماً، ثم وصله كتاب من عروج بعد إيابه إلى جيجل يأمره فيه بالقبض على أحد الشيوخ كان يخبر الإسبان بتحركات عروج، فخرج خير الدين بخمسمئة بحارٍ إلى الجبال وقبض عليه وأمر بضرب عنقه وعين آخر بدلاً منه.[70][71]

بعد أيامٍ توجه خير الدين في أكثر من عشرين سفينة إلى الجزائر حيث اجتمع ثمة بأخويه إسحاق وعروج. وكان عروج يريد ضم مدينة تنس إلى نفوذه وتذكر بعض المراجع أن أهل المدينة أرسلوا له وفداً يطلب تحريرها من حاكمها من الأسرة الزيانية المتعاون مع الإسبان وقد جعل سلطته تحت حمايتهم، فتوجه خير الدين إلى تنس في عشرة سفنٍ، فصادف أربع سفنٍ إسبانيةٍ راسيةٍ في الميناء، وعندما رأى الجند الإسبان البحارة بقيادة خير الدين هرعوا إلى القلعة محتمين بأسوارها، فاستولوا على سفنهم ومدافعهم وبنادقهم، ونزل خير الدين بألفٍ وخمسمئة جندي وعسكر أمام القلعة متوقعاً مقاومةً شديدة، إلا أنه وجد أبواب القلعة مفتوحةً وقد خرج لاستقبالهم بضع مئاتٍ من السكان مرحبين وبايعوا عروج سلطاناً عليهم، وأخبروهم بأن أمير تنس الزياني ورجاله هربوا مع الإسبان، فأرسل خير الدين خلفهم ألفي مقاتلٍ حتى أدركوهم ودارت بينهم معركة انتهت بأسر ثلاثمئةٍ وخمسين جندياً من الإسبان وأما بقيتهم فقتلوا، في حين فقد خير الدين من مقاتليه سبعين أو ثمانين. قام خير الدين بتعيين أحد الضباط نائباً على المدينة وتوجه في ست عشرة قطعةً بحريةً إلى الجزائر. ماإن رجع خير الدين إلى الجزائر حتى تمكن أمير تنس السابق من الرجوع إلى المدينة بمساعدة الإسبان وعمه سلطان تلمسان، فثارت حميّة عروج لسماعه الخبر وقرر السير إلى تنس بنفسه واستصدر فتوىً من علماء الجزائر بإباحة دم الأمير لتعاونه مع الإسبان، وبعد وصوله في جمادى الأولى 923هـ/يونيو 1517م قام أهالي تنس بتقييد الأمير الزياني وسلموه إلى عروج فأمر بضرب عنقه، ودعا بعددٍ من الرؤساء -ممن بايعوا الأمير- للمثول بين يديه وأمر بضرب أعناقهم، وهكذا دخلت تنس تحت نفوذه. ودخل عدد من المدن الجزائرية تحت نفوذه كذلك وهي المدية ومليانة والبليدة. يذكر المؤرخون أن عروج عامل أخاه كمعاملته لنفسه فقام بتقسيم مملكته الجديدة إلى مقاطعتين شرقيةٍ يشرف عليها خير الدين ومقرها مدينة دلس، وغربية يقوم عليها بنفسه ومقرها الإداري مدينة الجزائر، وكل مقاطعةٍ تضم خمس بلديات.[72][73][74]

معركة تلمسان ووفاة إسحاق وعروج 924هـ/1518عدل

«كنا أربعة إخوة، شهدت استشهاد ثلاثة منهم. ماأعظم حكمة الله تعالى فأنا الوحيد الذي لم تُقَّدر له الشهادة، مما يعني أن إخوتي الثلاثة أفضل مني عند الله. جعل الله مقامهم جميعاً في الجنة، آمين بحرمة سيد المرسلين  . عندما وصل خبر استشهاد أخي إلى الجزائر قررت أن أعيش لغايةٍ واحدةٍ هي المضي في نفس الطريق الذي سار فيه أخي، تلك الغاية التي كانت تتمثل في التضييق على الكفار في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، فما قيمة الحياة بعد مقتل أخي؟»
خير الدين بربروس[75]

كانت مملكة تلمسان يحكمها بنو زيان الذين كانوا تحت الحماية الإسبانية، وسنة 923هـ/1517م ثار الأهالي على السلطان ففر هارباً وأرسلوا وفداً إلى عروج يبايعونه سلطاناً، سُرّ عروج لانضمامهم له دون قتال. أحدثت دعوة أهالي تلمسان لعروج ليكون سلطاناً هلعاً كبيراً لدى الإسبان لأنها عنت مد نفوذه وتوسيع غاراته أكثر إلى الغرب. أمر عروج بقطع جميع العلاقات مع وهران حيث كانت الحامية الإسبانية الرئيسة وفيها يقيم القائد الإسباني الأعلى في إفريقيا، وتوجه إلى تلمسان بقواته بعدما ترك خير الدين نائباً عنه في الجزائر. في طريقه واجه جيشاً من ثلاثة آلاف جندي وستة آلاف خيالٍ بقيادة السلطان الزياني الهارب إلا انه انتصر عليه وأكمل طريقه. ومالبث عروج أن أعلن نفسه حاكماً على تلمسان. حشد الإسبان جيشاً كبيراً وانضم لهم سلطان تلمسان الهارب "أبو حمو موسى الثالث" بجيشه بهدف استعادة عرشه، فخرج عروج لملاقاتهم ودارت بينهم معركة كبيرة عند نهر الملح (بالإسبانية Rio Salado) انتهت باستشهاده في جمادى الأولى 924هـ الموافق أيار/مايو 1518م. وكان "إسحق ريس" استشهد قبل ذلك بأشهرٍ في قلعة بني راشد (قلعة القلاع) أواخر شهر المحرم/كانون الأول/يناير من العام نفسه.[76][77][78][79][80][81]

سيرته تحت الحكم العثمانيعدل

بكلربك الجزائر 924هـ/1518عدل

 
رسالة أهالي الجزائر إلى السلطان سليم الأول سنة 1519م باللغة العثمانية.

بعد استشهاد عروج (1468-1518) أجمع البحارة على تسليم القيادة إلى أخيه خير الدين وذلك سنة 924هـ/1518م. كان خير الدين متأثراً كثيراً لهزيمة عروج ومقتله مع أفضل العساكر، علاوةً على ذلك فقد تخلى عنه بعض أصدقائه من قادة البحارة لعدم ارتياحهم وشعورهم بأنه لن يستطيع أن يكون بديلاً عن عروج.[82] في الوقت نفسه واجه موقفاً عصيباً ودقيقاً فقد انتفض عددٌ من النواحي على حكم الأتراك بعد استشهاد عروج، فثارت زواوة بقيادة أحمد بن القاضي، واستغل سلطان تونس الفرصة فأرسل طالباً منه أن يعترف بسلطة الحفصيين ويخضع له، إضافةً لتوقعه بمسير الإسبان إلى الجزائر للقضاء عليه بعدما تمكنوا من أخيه. اجتمعت هذه الظروف العسيرة كافةً على خير الدين مع الفكرة التي راودته الرحيل عن الشمال الإفريقي والتوجه إلى إسطنبول.[83]

أثناء هجوم الإسبان على تلمسان تمردت تنس وشرشال مع عودة حكامها القدامى، وبالوقت ذاته بات أحمد بن القاضي يحرض الأهالي والقبائل لتخلو الساحة له. إزاء ذلك وجّه خير الدين جنده إلى تنس وشرشال لتأديبهما بينما أجّل تأديب القبائل القوية لعدم مناسبة الظرف. اتبع خير الدين سياسةً حكيمةً ما جعل العلماء يقفون بجانبه، ويعاهدونه على طرد الأجنبي من البلاد، كما أجبر قسماً كبيراً من الأهالي على مساندته وتأييده علناً والتخلي عن معاداته. وكان مما عانى منه أيضاً تأمين السلاح والبارود. أما أبو حمو الزياني فبعدما تسنم عرشه ثانيةً على مملكة تلمسان بعد استشهاد عروج مدّ نفوذه حتى مليانة، فغدا بذا على مقربةٍ من الجزائر.

ويذكر المؤرخ "أحمد توفيق المدني" أن أهل الحل والعقد اجتمعوا في الجزائر وعرضوا على خير الدين تولي الإمارة بعد أخيه بإلحاحٍ شديدٍ وأن يواصل جهاده في سبيل الله منها، لكنه اعتذر وصرح لهم بعزمه على استئناف الجهاد على متن البحر، وأنه يعتزم السفر إلى إسطنبول طالباً منها أسطولاً للجهاد، فقال له العلماء: "إن الله يوجب عليك البقاء في هذه المدينة الإسلامية ولايسمح لك الدين بتركها نهبةً للمفترس". نقل المؤرخ أحمد بن أبي الضياف ما دار بين خير الدين وبين أعيان الجزائر فقال: "بأنه بقي منفرداً دون إخوته (الذين استشهدوا جميعاً في الجزائر) وقد رأيتم ما فعله بنا صاحب تلمسان من بني زيان، واستعانته علينا بغير ملتنا حتى كفانا الله أمره، وصاحب تونس الحفصي لا رأي له في نصرتنا وإعانتنا، وأسلمنا للعدو بمنع البارود عنا (أثناء حملة بجاية) لولا لطف الله، فالرأي هو أن نصل أيدينا بالقوة الإسلامية -وهو السلطان سليم خان- ونعتمد عليه في حماية هذه المدينة، ولايكون ذلك إلا ببيعته والدخول في طاعته، بالدعاء له في الخطب على المنابر، وضرب السكة باسمه، لنتفيأ ظل حمايته..."[84]

أدرك خير الدين بمعاينته الواقع الذي يتعايش معه حاجته لدولةٍ قويةٍ تحميه يعتمد عليها أوقاتَ الشدة والضيق، وكان آنذاك نجم الدولة العثمانية يسطع أقوى مايكون، وحكومتها أفضل من يمكنه من خلال دعمها ضمان وجوده وتقوية نفوذه، فضلاً عن أنها دولة إسلامية إطارها العالم الإسلامي وتهدف لحماية الإسلام، لذا قرر الدخول تحت حمايتها.[85] قام خير الدين بإرسال "حاجي حسين آغا" أحد أوثق رجاله إلى السلطان سليم الأول في إسطنبول الذي استقبله استقبالاً حسناً وأكرم وفادته ومن يصحبه من البحارة، وبعدما مكث في الأستانة واحداً وأربعين يوماً وقبل مغادرته وفي زيارة وداعٍ للسلطان، سلمه السلطان فرمان تعيين خير الدين "بكلربك" (تلفظ بَيْلربَي بالتركية وتعني أمير الأمراء) على الجزائر، وبذا غدت الجزائر ولايةً عثمانيةً كاملة (كانت دُعيت يوم ضمها عروج قضاء أو سنجق)، ثم سلمه سيفاً مرصعاً وخِلعةً مذهبةً وراية الإمارة. ولما أزفت ساعة الرحيل أمر السلطان أن تبحر السفن الجزائرية بقرب قصر طوب قابي كي يراها، فقامت السفن باستعراضٍ بين يديه وهي تطلق القذائف تحيةً له.

ويذكر المؤرخون وثيقةً محفوظةً في قصر طوب قابي في إسطنبول عبارة عن رسالةٍ من سكان الجزائر على اختلاف سويّاتهم مؤرخةً أوائلَ ذي القعدة عام 925هـ ما بين 26 أكتوبر إلى 3 نوفمبر عام 1519م كتبت بأمر خير الدين إلى السلطان سليم في إسطنبول، والغرض منها تأكيد ربط الجزائر بالدولة العثمانية، وجاء فيها أن خير الدين كان شديد التوق لأن يَمْثل بنفسه بين يدي السلطان ليعرض عليه شخصياً أبعاد قضية الجزائر، ولكن زعماء مدينة الجزائر توسلوا إليه البقاء ليستطيع مواجهة الأعداء إذا ماتحركوا، وطلبوا منه أن يرسل سفارةً نيابةً عنه. كانت الرسالة التي حملتها البعثة موجهة باسم القضاة والخطباء والفقهاء والأئمة والتجار والأعيان وعموم سكان مدينة الجزائر.[86] وبعد رجوع حسين آغا مع الوفد قبل خير الدين هدايا السلطان سليم باحترامٍ، ثم جمع ديوانه والأهالي وأعلن تبعيته رسمياً للدولة العثمانية.[87] وحل السلطان مسألة الحاجة للسلاح، فأرسل له ستة آلاف جندي منهم ألفي اإنكشاري مسلحين بالبنادق، وعدداً من المدافع مع سدنتها، وعدداً آخر من المتطوعة، وأعلنت الدولة تأمين نفقات السفر للمتطوعين الراغبين بالذهاب إلى الجزائر للجهاد، ووعدتهم بالامتيازات التي يحصل عليها الإنكشاريون.[88] وتذكر مراجع أخر عدد الجنود والمتطوعة الذين أرسلهم السلطان أربعة آلاف.[89][90][91]

يذكر المؤرخون أن خير الدين اتصف بالحنكة السياسية فضلاً عن الشجاعة والإقدام، فحسن تقديره ورباطة جأشه قِبَلَ الأزمات مكنّتاه من تحقيق أعمالٍ لم يحققها عروج، فلم يك يعرض نفسه للمخاطر إلا بعد درسها والتمعن فيها وبالحدود التي ترهب أعداءه، ولايقدم على أي عملٍ قبل أن يفهم أبعاده ومحصلة نتائجه، وكان ينأى بنفسه عن أي خطرٍ لا طائلَ منه، في الوقت ذاته كان إذا اتخذ قراراً ما عمل على إنجازه كاملاً فلم يعتدْ أن يفرّط في أمرٍ طالما اعتقد ضرورته وفوائده، وحينما يعزم على توجيه ضربةٍ فقلما يستطيع أحدٌ آخر توجيهها مثله.[92]

قيام ثورة الأهالي وإخمادهاعدل

يذكر المؤرخان "عزيز سامح التر" و"مبارك الميلي" أن أهالي الجزائر حينما لمسوا أن الأتراك يسعون جادين إلى تثبيت وجودهم، تآمروا تأليباً من القبائل المجاورة على سحقهم في يوم البازار (سوق البيع). فدخلت القبائل التي تقطن السهول المجاورة الجزائر خفيةً مع أسلحتهم، وقضت المؤامرة بذهاب قسمٍ منهم إلى الساحل حيث ترسو سفن الأتراك لحرقها، وحينما يشاهد البحارة النار تشتعل في سفنهم سيهرعون لإخمادها، وحالما يخرجون من المدينة يقوم الأهالي بإغلاق أبواب المدينة ويقومون بقتل من تبقى منهم، لأن أعدادهم ستكون قليلة عندئذٍ، وبذا يتخلصون من الأتراك، لكن جواسيس خير الدين أعلموه بالمؤامرة، فألقى القبض على المخططين، وقطع رؤوسهم وعلقها على باب القصر بعدما مثل بجثثهم، فخمدت ثورة الأهالي، وحسبوا حساب أي تمردٍ بعدئذٍ.[93][94]

الهجوم الإسباني على الجزائر 925هـ/1519عدل

 
لوحة تخيلية أوروبية من القرن السادس عشر تصور خير الدين بربروس

يذكر خير الدين في مذكراته أنه عندما وصله خبر وفاة أخيه عروج قرر أن يعيش لغايةٍ واحدةٍ وهي المضي في الطريق الذي سلكه أخوه، وتتمثل تلك الغاية في التضييق على الأوروبيين في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، فاتخذ العديد من الاحتياطات والتدابير، ولكن الإسبان لم يجردوا قوةً للقدوم إلى الجزائر. وقضى الشتاء في الاستعداد، فقام بإصلاح سفنه ومدافعه ومعداته وتجديدها. يذكر أن رسول بعثة الإمبراطور الروماني شارلكان أو كارلوس الخامس (كارل الخامس) جاءه قائلاً: "لقد مات أخوك وقتل أكثر جنوده فكُسِر جناحك. من تحسب نفسك حتى تقف في وجه أقوى ملكٍ مسيحيٍّ بدون أخيك؟ ماذا يمكنك أن تفعل؟ خذ سفنك ورجالك واخرج من الجزائر فوراً، وإياك وأن تطأ قدماك إفريقيا مرةً أخرى، إن هذا آخر إنذارٍ أوجهه إليك، سوف أملأ البحر بالسفن وأعود إلى الجزائر قريباً، فإذا تمكنت منك هناك، فلتعلم بأن عاقبتك ستكون وخيمة".

في الوقت نفسه كان خير الدين يُعرف في أوروبا باسم "ملك الجزائر" ويشغل منصب بكلربك لدى الدولة العثمانية فرأى أن مخاطبة شارلكان له بهذا الاستخفاف تستلزم منه موقفاً، فكتب له جواباً شديد اللهجة. وعندما تسلّم شارلكان رده أرسل أساطيل سدت الأفق اشترك بها أمراء تابعين له من نابولي وصقلية وألمانيا والأراضي المنخفضة. فرست سفنهم قبالة الجزائر. كان خير الدين مستعداً جيداً إذ توقع ردة فعله وأراد تلقينه درساً، فماإن أنزلوا قواتهم إلى البر حتى قام وجنوده بهجومٍ أدى لمقتل عددٍ كبيرٍ منهم فيما استسلم سبعمئةٍ إلى ثمانمئةٍ منهم من أصل عشرين ألفاً، أما الباقون فلاذوا بالفرار إلى سفنهم، وعاد قادة شارلكان مهزومين.[95]

تذكر بعض المراجع هذه المعركة برواياتٍ مسهَبَةٍ عن رواية خير الدين السالفة في مذكراته والذي لم يفصّل في أحداثها. يذكر "أحمد توفيق المدني" و"عزيز سامح التر" أن الإسبان لم يحتملوا ما أصابهم من هزيمةٍ عند أسوار الجزائر السنةَ الماضيةَ على يد عروج فشرعوا يستعدون للثأر، وزادهم هلعاً إعلان انضمام الجزائر للدولة العثمانية -ومن ثَم وصول الخطر العثماني إلى القسم الغربي من المتوسط الذي كان تحت السيطرة الإسبانية تماماً، إذ كانت أهم المدن الساحلية الجزائرية ومملكتي نابولي وصقلية تحت سيطرة الإمبراطور الروماني المقدس شارلكان-. اغتنم الإسبان مقتل عروج وانتصارهم في تلمسان وما أحدثاه من حزنٍ وأسىً، فاتفقوا مع أبي حمو صاحب تلمسان على التخلص من خير الدين ودولته الناشئة، وذلك بأن يهاجموا بحراً في الوقت الذي يتقدم فيه نحوها جيش أبي حمو. شملت الحملة الإسبانية أربعين سفينةً كبيرةً تقل خمسة آلاف مقاتل. وصل الإسبان الجزائر يوم 19 شعبان 925هـ الموافق 17 أغسطس/آب 1519م، واختاروا الساحل الممتد يسارَ وادي الحراش ميداناً لعملياتهم، كانت خطة خير الدين تجعل المعركة تكاد تكون طبق الأصل لمعركة السنة الماضية؛ أي ترك الجيش الإسباني ينزل إلى البر في النقطة التي يختارها فيضع سلاحه وعتاده، ثم مناوشته في كمينٍ محاولةً للإحاطة به من كل جهةٍ حتى ينهكه التعب قبل الالتحام به في معركةٍ فاصلةٍ في الساعة التي يرتئيها، وهكذا كان.

أنزل الإسبان جندهم وعتادهم ومن خلفهم وادي الحراش شرق مدينة الجزائر بعد مناوشاتٍ قليلةٍ، ولم يك بخلدِ خير الدين النقطة التي سيركزون هجومهم عليها حتى تحرك الجيش بكامل قوته ليرقى صعداً المرتفعات المحيطة بالجزائر فوصلوا "كدية الصابون" المشرفة على المدينة من الخلف، وأخذوا بسرعةٍ ببناء قلعةٍ فوق الكدية دعوها "قلعة الإمبراطور"، وجهزوها بالمدافع الثقيلة لوضع الجزائر تحت تهديد نيرانهم غير أن مهارة خير الدين الحربية -حسب المؤرخين- لم تمكنهم، فلم تصب مدافعهم إلا الأسوار الخلفية دونما ضررٍ كبيرٍ. ومع انشغال الإسبان ببناء القلعة كانوا يترقبون الجيش التلمساني وكان ركناً أساسياً في المعركة المقبلة، لكن انتظارهم دام ستة أيامٍ وتم بناء القلعة، وأرهقت المناوشات الجيش الإسباني، ولم يظهر أثر للتلمسانيين فقررت القيادة الإسبانية المبادرة بالهجوم. خلال يومين بدت علامات الإعياء والإنهاك على الإسبان، فبدؤوا بالانسحاب، وفي اليوم الثالث شن خير الدين بفرقةٍ من خمسمئة مقاتلٍ هجوماً من خلفٍ على معسكر الإسبان لتدميره وحرق قواربهم، خدع الإسبان بحركة الالتفاف هذه فهرعوا نحوها تاركين مواقعهم الدفاعية، فاستغلت قوات خير الدين الفرصة، وانقضت بكل قوتها محدثةً خللاً وارتباكاً في صفوف الإسبان مما اضطر بعضهم لتسليم نفسه دونما قتال، وغدت القوات الإسبانية وسط ذهولٍ كبيرٍ محاصرةً من البر وليس أمامها سوى البحر، فاندفعت نحوه مخلّفةً عتادها في ساح القتال. في هذا الوقت اشتد هيجان البحر ما جعل اقتراب السفن من الساحل خطِراً وغير متاحٍ، فلم يستطع الوصول إليها من الجند إلا القليل وبقي معظم الجيش على الساحل فقتل من قتل، وغرق حوالي أربعة آلاف، واستسلم ما يزيد على ثلاثة آلافٍ قتلوا أيضاً -يذكر بعض المؤرخين أن قتلهم كان انتقاماً لمقتل إسحق بن يعقوب أخي خير الدين الأكبر الذي قتل بعد استسلامه-. انتهت المعركة في 26 شعبان 925هـ الموافق 24 أغسطس/آب 1519م أي إنها دامت ثمانية أيامٍ، ويُذكر أيضاً أن أربعةً وعشرين سفينةً من الأسطول الإسباني جرفتها الأمواج إلى الساحل بكل ما فيها.[96][97]

يذكر "عزيز سامح التر" أن خير الدين في ربيع سنة 927هـ/1520م أرسل قوةً إلى تنس لإعادتها لنفوذه، فطلب صاحيها النجدة من الإسبان، فقدمت خمس عشرة سفينةً لمساندته، ولكن خير الدين أرسل ثماني عشرة سفينةً دعماً للقوة التي أرسلها وقاد بنفسه عمارةً بحريةً أخرى، وتوجه مباشرةً إلى تنس وضم قلعتها، وغنم خمس سفنٍ إسبانيةٍ، وعاد بعدها إلى الجزائر.[98]

صراع الزيانيين على تلمسانعدل

راية خير الدين بربروس، ويظهر في أعلاها آية قرآنية من سورة الصف

﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾

تليها عبارة «يامحمد». ثم أسماء الخلفاء الراشدين الأربعة: أبوبكر وعمر وعثمان وعلي على الجانبين. وفي منتصف الراية رسم لسيف علي بن أبي طالب ذو الفقار. ثم نجمة سداسية في الأسفل تعرف باسم خاتم سليمان لدى المسلمين.
راية أخرى مشابهة للأولى باختلاف العبارة العلوية إذ حوت الشهادتين في الإسلام:

«لا إله إلا الله محمد رسول الله»

أورد خير الدين في مذكراته أن أحد أمراء بني زيان هو "الأمير مسعود" قدم إليه طالباً مساندته ضد أخيه الأكبر "مولاي عبد الله"، فقام بإرسال قوةٍ من ثلاثة آلاف فارسٍ وألف راجلٍ معه. وكان السبب حسبما ذكر علمه من جواسيسه أن صاحب تلمسان "مولاي عبد الله" بدأ يثير الناس ضده ويتكلم عنه بسوء. ماإن علم مولاي عبد الله بقوات خير الدين حتى لاذ بالفرار إلى وهران مستغيثاً بالإسبان، أما مسعود فحقق انتصاراً بارداً دونما قطرة دمٍ، ودخل تلمسان وتربّع على عرشها. وكافأ جند خير الدين والمتطوعين العرب ممن شارك معه، وبعث لخير الدين خمسين ألفاً قيمة الخراج السنوي إضافةً لعددٍ كبيرٍ من الهدايا، وكتب خير الدين خطاباً له جاء فيه: «الآن بفضل سلطاننا جلست على عرش أجدادك، فاحذر مما كان سبباً في حرمان أخيك من عرشه، وإياك وظلم المسلمين، ولاتخالف أوامري قيد أنملة، ولاتتأخر عن دفع الخراج السنوي يوماً واحداً، ولاأسمع عنك أنك أقمت أي علاقة بالإسبان، فهم سوف يقضون عليك عندما يتمكنون منك. وتذكر بأن أخويك الكبيرين في وهران لاجئين عند الإسبان. وإذا كنت لاتريد أن ترى أحداً منهما جالساً على عرشك فخذ ما يلزم من تدابير لحماية نفسك وعرشك».[99]

لكن مسعوداً كما يذكر خير الدين ماإن جلس على العرش حتى شرع في ظلم الناس ونهب أموالهم بغير حق، ومزق كتاب خير الدين بعد قراءته، فسمع أخوه اللاجئ لوهران بفعله فاتصل بخير الدين طالباً المساعدة واعداً بأن يكون طوع أمره، فانتهزها خير الدين فرصةً فعفا عنه فيما كان راسياً في مستغانم القريبة من وهران والتي فتحها بدون عناءٍ وكانت بيد الإسبان، فقدم إليه "الأمير عبد الله الزياني" وأرسل معه ألفاً من رجاله إلى تلمسان. في الوقت نفسه كان خير الدين منشغلاً بإسكان ألفين ومئتين وخمسةٍ وثمانين مهاجراً موريسكياً في نواحي مستغانم كان حملهم على سفنه من الأندلس، فوهبهم أراضي لاستصلاحها والعمل بها.

وصل "الأمير عبد الله الزياني" إلى تلمسان وصار حاكماً عليها فيما تحصن أخوه "مسعود" بالقلعة خمسة وعشرين يوماً. فلجأ البحارة الذي أرسلهم خير الدين عوناً لعبد الله بخدعةٍ حربيةٍ لعدم امتلاكهم المدافع إذ رفعوا الحصار وتظاهروا بالفرار، فلما شاع بين أنصار مسعود فرارهم دفعهم الاستيلاء على الغنائم لتعقبهم، فارتد البحارة إليهم واستولوا على القلعة وسلموها للأمير عبد الله. عقب سقوط القلعة فر مسعود مع خمسةٍ أو عشرةٍ من رجاله دون معرفة مصيرهم متخلياً عن ستة آلافٍ من المقاتلين البدو الذين تحصن بهم في القلعة وهرب منها دون إخبارهم حتى إنهم استمروا بقتال بحارة خير الدين وهم لايعلمون أن أميرهم هرب، حتى إذا علموا أعلنوا استسلامهم. في معركة تلمسان هذه قام بحارة خير الدين بقتل خمسة آلاف بدوي وعفا عمن ألقى سلاحه واستسلم. ويوم الجمعة قرئت الخطبة باسم السلطان العثماني سليم الأول دلالة التبعية. وبعد ذلك غادر البحارة وقد تركوا مئةً منهم بطلبٍ من السلطان.[100]

أسر سلطان تونس والعفو عنهعدل

يذكر خير الدين في مذكراته أنه منذ استقراره في الجزائر كان مضطراً للانشغال بالأمراء المحليين وأشباههم في الجزائر وتونس والمغرب الذين استاؤوا من وجود الأتراك في الشمال الأفريقي. فشرع ملوك وأمراء تونس وتلمسان بالتحالف مع الإسبان وحبك المؤامرات ضدهم سراً وعلناً، ويذكر أن سبب ذلك هو أن سلطان تونس كان متوجساً منهم قبل الدخول في حماية العثمانيين، وكان يشك أن السلطان سليم الأول يرغب بضم تونس، وهكذا ازدادت الفجوة بين خير الدين وسلطان تونس. وازدادت أكثر عندما وقعت بيد خير الدين رسالة أرسلها الحفصي لسلطان تلمسان الزياني وفيها ما ملخصه: «إن هذا خير الدين قوي جدًا، بل هو أشد بلاءً من أخيه عروج. هاهو الآن قد استند إلى السلطان سليم خان، ولذلك فلا حد لغروره. لقد وضع في ذهنه التطلع لدولة عالمية تشمل حتى إسبانيا. إن السلطان سليم يظن أن خير الدين رجل دولةٍ حقاً، فجعله بايلربياً وباشا، وقلده السيف المرصع والخلعة والسنجق السلطاني، وسمح له أن يجمع من الأناضول ما يحتاج إليه من الرجال والسلاح وغيره من التجهيزات العسكرية. الأحوط لنا هو أن نكون معاً يداً واحدةً، فلاندع أي تركي في إفريقيا، فهم عشر سنوات من دخولهم شمال إفريقيا صاروا أسياداً علينا».

ويذكر خير الدين في مذكراته أن بعض القبائل استجابت لتحريض سلطان تونس، فأرسل إليها قوة مكونة من ستة آلاف راجلٍ وستة آلاف فارسٍ وأدّبها.[101]

بعدما فرغ خير الدين من أمر تلمسان وجه حهده لحل مسألة "أحمد بن القاضي" الذي أوجز خير الدين في مذكراته الحديث عنه فذكر أن والده أحد عظماء العرب في الجزائر، وأنه كان يُكنّ له قدراً كبيراً من الصدق والمودة. وقد حاول سلطان تونس الحفصي تحريضه على الخروج على خير الدين إلا أنه لم يوافقه، وبعد وفاته حل محله ابنه "أحمد" الذي كان أول ما قام به أن اتفق مع سلطان تونس على إخراج الأتراك من بلاد العرب، ويذكر خير الدين أن رسالةً بعثها أحمد بن القاضي إلى سلطان تونس الحفصي قبل وفاة والده بشهرين وقعت بيده وجاء فيها: «لنكن أنا وإياك يداً واحدةً لاستئصال شأفة الأتراك، ونطرد خير الدين من الجزائر، فأكون أنا سلطاناً عليها في مكانه، وقتها سوف أغدق عليك أموالاً طائلة، لقد كان والدي يحب الأتراك كثيراً، أما أنا فلايوجد قوم أبغض إليّ منهم». وعند وقوع هذه الرسالة بيد خير الدين خرج لحرب سلطان تونس باثني عشر ألفاً من رجاله، ونزل بأحد السهول. وعندما رآه سلطان تونس الحفصي "أبو عبد الله محمد المتوكل" من بعيد ظن أنه حليفه ابن القاضي، فباغته خير الدين بوابلٍ من القذائف جعلت قواته تتشتت، ووقع السلطان في الأسر، ويذكر خير الدين أنه قام بنصحه وحذره من تكرار فعلته، ثم أمر بإطلاق سراحه. وفي هذه المعركة استولى جيش خير الدين على ثلاثمئة خيمةٍ أمر بإرسالها إلى الجزائر بينما أقام في تلك المنطقة خمسة أيامٍ أو عشرة.[102]

ثورة ابن القاضيعدل

أورد خير الدين في مذكراته أنه بعد انتهائه من الحرب مع السلطان الحفصي أمر بالعودة إلى الجزائر، وفي طريقه استطاع "أحمد بن القاضي" اعتراضه حيث كَمن له في مكانٍ ضيّقٍ فأدهش هذا خير الدين، ووقعت بينهم معركة دامت ثلاث ساعات ونصف الساعة تمكن فيها سبعمئةٍ وخمسون بحاراً من تجاوز الكمين واستطاع خير الدين وجيشه الوصول إلى الجزائر. بدأت حركات العصيان تتوالد، وعمل ابن القاضي على جمع عددٍ كبيرٍ من السكان حوله، وبات يراسل كافة النواحي داعياً لتمرد على حكم الأتراك، وكان ممن استجاب لدعوته أحد بحارة خير الدين ويدعى "قره حسن" طمع في أخذ مكانه والانقلاب عليه فراسل ابن القاضي، وماإن علم خير الدين بذلك حتى قام بطرده. استطاع "أحمد بن القاضي" نهاية الأمر جمع جيشٍ قوامه أربعون ألف رجلٍ، وفي الوقت نفسه كان خير الدين مستعداً إذ كانت تبلغه أخبار ابن القاضي عن طريق جواسيسه، فقام بإرسال عشرة آلاف بحارٍ للتصدي للثائرين، واشتبكوا معهم في معركةٍ كبيرةٍ فقد فيها خير الدين ألفي بحارٍ وألفي جريحٍ، ولكنّ المعركة انتهت بالقضاء على العصاة عن بكرة أبيهم، ولم ينج منهم سوى سبعمئةٍ، والبقية بين قتيلٍ أو أسير، وجمع مئةً وخمسةً وثمانين من قادة التمرد مقيدي الأيدي، وجمع علماء الجزائر طالباً منهم الحكم الشرعي فيهم، فأخبروه بأن حكمهم الموت لخروجهم عليه، إلا أن بينهم كثيراً ممن تصدوا للإسبان فإن كان ثمة مجال للعفو فليعفُ عنهم. ثم سأل رؤساء البحارة فأجابه أحدهم بأن الوقت ليس وقت العفو واللطف وأنه يجب قتلهم ليكونوا عبرةً لغيرهم. فترجّح لخير الدين قول البحار وأمر بضرب أعناقهم.[103]

تبعات الثورة واستقراره في جيجل (20-1525م)عدل

 
خير الدين بربروس، لوحة معاصرة من القرن السادس عشر، متحف اللوفر، باريس

أشار خير الدين في مذكراته أن أهالي مدينة الجزائر لم يكونوا راغبين بحكم الأتراك وغير سعداءٍ بوجودهم، ولذا فكر في الانسحاب منها ليعرف أهلها قيمته على حد تعبيره، وذكر أيضاً أن انسحابه سيلحق أضراراً بالغةً بالحركة التجارية في البلاد، وأن السكان لن يستطيعوا إدارة الجزائر فضلاً عن التصدي للإسبان، ثم سيرجعون إليه كرّةً أخرى طالبين منه العودة للحكم، ومكث فترةً يقلب الموضوع من أوجهه حتى قرر يوماً أن يحمل بحارته وعائلاتهم وأموالهم في السفن الخمسة والعشرين الراسية في الميناء، وأرسل إلى بقية السفن التي خرجت للغزو أو كانت في عرض البحر أن تتجه إلى جيجل بدلاً من الجزائر، ويذكر أن أهالي المدينة تدفقوا إلى المرسى بعدما علموا برحيلهم عن الجزائر، وأرسلوا وفداً كبيراً من العلماء إلى سفينته طالبين صرف النظر عن الارتحال لكنه اعتذر، وذكر أيضاً أن أحمد بن القاضي أصيب بالذعر فكتب إليه يعتذر عن عصيانه إلا أنه لم يقبل اعتذاره ومضى في طريقه. وصل جيجل -أول مدينةٍ فتحها هو وأخوه عروج- بعد رحلة يومٍ كامل، ويذكر أن الأهالي أقاموا احتفالاً كبيراً لما علموا بقدومهم، لأن الغنائم التي كانت تتدفق على مدينة الجزائر ستتدفق على جيجل، وفي اليوم التالي وصل جيجل شيوخ القبائل وأعيانها من الجزائر وحتى من تونس وأعلنوا خضوعهم للعثمانيين. ودفعوا الخراج السنوي وأعلموا خير الدين بأنهم حاضرون لإمداده بما يحتاج من رجال.

على عادته لم يطل خير الدين المكوث في جيجل بل عجل وبحارته بالإبحار، فأغاروا على بلرم عاصمة صقلية وقصفوها، واستولوا على تسع قطعٍ بحريةٍ كانت تحوي أربعين مخزناً مشحوناً بالقمح وزيت الزيتون والخبز الجاف والألواح والفول والأرز والقهوة والقماش والرصاص. ثم إن خير الدين أقام في جيجل عدداً من الثكنات والمنازل، وقام ببيع ستةٍ وثلاثين ألف كيل قمحٍ بأسعارٍ رخيصةٍ للخبازين. كما أقام حوض بناء سفن صغيراً. وفي الصيف نفسه أرسل سفنه للغزو ثانيةً، فاتجهت إلى خليج البندقية واستولت على ثلاث سفنٍ كلٌّ منها تحمل عشرة آلاف دوقةٍ ذهبيةٍ فضلاً عن المئات من الأسرى من بينهم ستون أسيراً مسلماً أطلق سراحهم فوراً، وفي اليوم الرابع والعشرين من الإبحار رست السفن في جيجل، فأمر بتوزيع حمولة إحدى السفن على الفقراء وبيعت حمولة البقية، وقام بتوزيع حصص البحارة عليهم. الربيع القادم خرج في خمس عشرة سفينةً فدخل أولاً خليج جنوا ومكث أربعة عشر يوماً يُغير على سواحلها مستولياً على إحدى وعشرين سفينةً أرسلها إلى جيجل. اجتاز بعد ذلك "مضيق مسينا" ودخل خليج البندقية (الأرجح خليج أوترانت) وثمة التقى بصديقه "سنان ريس" وسفنه فرجع معه إلى جيجل وفي طريقهم استولوا على تسع قطعٍ بحريةٍ أخرى.[104]

تذكر بعض المراجع سبب انتقال خير الدين من الجزائر إلى جيجل برواياتٍ مختلفةٍ قليلاً، فيذكر المؤرخ "أحمد بن أبي الضياف" في كتابه "إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان" أن السلطان الحفصي محمد بن الحسن داخلته الغيرة من خير الدين بعد انتصاره في معركته الأخيرة على الإسبان، واشتد حذره منه وتحقق أنه إذا ماوصل يده بالدولة العثمانية سهل عليه الاستيلاء على الدولة الحفصية، وندم على إضاعة الحزم، فركب متن الفساد والفتنة بين نواب خير الدين، وكاتب صاحب تلمسان يحذره من غائلة خير الدين. ويذكر المؤرخ "أحمد توفيق المدني" بعدما اقتبس قول ابن أبي الضياف هذا أن خير الدين قسم مملكته في الجزائر إلى قسمين، شرقي يشمل البلاد القبائلية الجبلية، من شرقي العاصمة الجزائرية إلى حدود المملكة الحفصية التونسية ووضع على رأسه أحمد بن القاضي سلطان كوكو وقد وصفه بأنه صديقه ورفيقه في الجهاد على عكس ما يذكر خير الدين من العداوة التي بينهما. أما القسم الغربي الممتد من الجزائر إلى حدود الدولة الزيانية فوضع عليها "السيد محمد بن علي"، وظن خير الدين أنه يستطيع أن يعتمد على الزعيمين المحليين لحكم البلاد مباشرةً بيد أبنائها، تاركاً لمدينة الجزائر السلطة العليا ومباشرة أمور الحرب والسياسة، إلا أن الأمراء المحليين والإسبان كانوا له بالمرصاد، فمثلاً كان صاحب قلعة بني عباس "عبد العزيز" معادياً لأحمد بن القاضي، وقد جعله النظام الإداري الجديد تحت إمرته، وهو بعدما كان يحمل لواء العصيان ويعلن الطاعة والولاء للحفصيين بتونس تغير فجأةً عندما أعلن أحمد بن القاضي الثورة. وابن القاضي انفصل عن خير الدين بعدما أساءت الدسائس العلاقاتِ بينهما، وانصاع لمساعي الملك الحفصي معتمداً على مدده ورجاله، فماوسعَ خير الدين إلا الخروج له ومقاتلته مريراً في جبال زواوة، حتى اضطره للالتجاء إلى عنابة، ثم تلقى ابن القاضي مدداً من السلطان الحفصي، فعاد للحرب واستفزاز سكان الجبال ضد خير الدين، وساءت الحالة فقرر خير الدين الخروج بنفسه ثانيةً لقتال صديقه القديم المنشق. وذكر المؤرخ الفرنسي "دي قرامون" أن سلطان تونس عزم على إخضاع الجزائر لسلطته لأن شرقي الجزائر كان نظرياً تابعاً لدولة بني حفص، وتآمر مع ابن القاضي على أن يلتحق به أثناء اختراقه بلاد القبائل، وأن يجتمعا على مقاتلة خير الدين. خرج خير الدين معتقداً أنه سيرد غارة الحفصيين معتمداً على جيش الأتراك وجيش ابن القاضي، وماكادت المعركة تلتحم في "فليسة أم الليل" حتى أدار جنود ابن القاضي سلاحهم ضد خير الدين والأتراك فوقعوا بين نارين، وقتلوا عن آخرهم تقريباً، ونجا خير الدين بنفسه وبعض رجاله إلى جيجل وأرسل يطلب من الجزائر سلاحه وأسطوله وكنوزه، ويكمل المؤرخ الفرنسي فيقول إن أحمد بن القاضي استمر يتقدم في سهل متيجة شرقي مدينة الجزائر حتى دخل الجزائر فسلك فيها سيرةً أدهى وأمر من سيرة الأتراك.[105]

ويذكر المؤرخ "عزيز سامح التر" أن الأتراك بعد تمركزهم في الجزائر أحسوا أن الخطر سيأتيهم من تونس وتلمسان لذلك بدأ خير الدين يخطط لإخضاعهما لسيطرته، وبما أن شرق الجزائر كان مرتبطاً بتونس فقد اعتبر سلطان تونس خيرَ الدين عاصياً ومغتصباً فبدأ هو الآخر يحاول إعادة الجزائر إلى دائرة نفوذه وطرد خير الدين منها. ويذكر التر أن صفاء قلب خير الدين دفعه إلى تسليم نصف البلاد إلى أحمد بن القاضي معتقداً أن ذاك سيساعد على استقرار الأمور واستتاب الأمن، لكن ابن القاضي كان يكن الحقد والبغضاء لخير الدين فاتفق مع حاكم تونس وجمع القبائل حوله وحرضهم ضده، وحينما اطمأن إلى تأييدهم جهّزهم بالسلاح، وتحرك حسب الاتفاق مع الجيش التونسي باتجاه الجزائر، وأعلنت القبائل المجاورة لمدينة الجزائر تمردها، فاضطر خير الدين إلى تأديبها، واستمرت عملية التأديب قرابة ستة أشهرٍ، وقام أحمد بن القاضي بتأجيل الهجوم بسبب حلول الشتاء، وأجرى صلحاً مع خير الدين ثم توجه إلى تونس، فاستغل أخوه فرصة غيابه وعقد تحالفاً مع الجزائر بعدما أخبر خير الدين بالاتفاق الذي عقده أخوه مع حاكم تونس. عاد أحمد بن القاضي لتحالفه مع خير الدين، وجهز قواته وانضم إليه، وحينما كان خير الدين يحارب القوات التونسية، انقلب أحمد بن القاضي وجنوده على خير الدين وجنوده، فوجد خير الدين نفسه بين نارين، ولحق به جراء هذا التآمر خسائر فادحة، ولم ينج إلا هو وقلة من رجاله. وإثر هذه الهزيمة فقد نفوذه خارج مدينة الجزائر، وأعلن الجزائريون التمرد على الأتراك إلا أنهم لم يهاجموا القلعة التي يوجدون فيها، وبما أن علاقة الأتراك لم تكن حسنةً مع المناطق المجاورة فقد بقوا بدون تموين والمستلزمات المهمة، وغدا خير الدين شبه محاصرٍ، وبعد تفكيرٍ طويلٍ قرر ترك المدينة والرحيل عنها، ولكنه تخوف من مهاجمة أعدائه له عند تنفيذ قراره وقيامهم بمنعه من أخذ أمواله وعائلته، فتظاهر بتسليم البلاد لقره حسن وكلفه بإدارتها، وبحركة جماعية أخلى القصر، وحمل أمواله وأمتعته على متن تسع سفنٍ، ثم نادى الأشراف والأعيان وألقى بمفاتيح القلعة لهم وقال: "ليكن أهالي الإسلام وديارهم أمانةً في أعناقكم"، ثم ركب سفينته وتوجه إلى جيجل.[106] وقد ذكر المؤرخ الجزائري "مبارك الميلي" رواية التر نفسها.[107]

عودته إلى الجزائرعدل

كان انسحاب خير الدين من الجزائر إلى جيجل سنة 927هـ/1520م، وبعدها دخل أحمد بن القاضي الجزائر مع جنوده، ويذكر المؤرخون أنه ارتكب مظالمَ كبيرة بحق السكان، فغدا سكان الجزائر أكثر حباً وتقرباً للأتراك، بالإضافة إلى اختلال النظام الأمني الذي كان قائماً بوجود الأتراك وتدهور الأوضاع في المدينة فزاد التذمر من ابن القاضي. أثناء فترة انسحابه عمل خير الدين على استعادة قوته القديمة بالرغم من أن الدولة العثمانية لم تقدم له خلال هذه الفترة الحرجة أي مساعدات، وكل ما فعله كان بفضل جهوده وحسن تصرفه وإدارته للأمور كما يذكر المؤرخون، فأسس قوةً عسكريةً جيدةً من المتطوعين الذين انضموا إليه من داخل البلاد، واتفق مع سلطان قلعة بني عباس وكان معادياً لابن القاضي، وكانت الوفود من الجزائر تترى عليه تطلب منه العودة. وفي النهاية وبعد خمس سنواتٍ على خروجه تحرك بجيشٍ عدته اثنا عشر ألف بحارٍ منهم أربعة آلاف فارسٍ وثمانية آلاف راجلٍ وفي طريقه انضم له آلاف الفرسان من الأرياف المجاورة. عند اقتراب خير الدين من المدينة تعرض له بعض رجال أحمد بن القاضي في معركةٍ أسفرت عن مقتل ثمانمئةٍ منهم. كان لدى ابن القاضي اثنا عشر ألف فارسٍ وثمانية آلاف راجلٍ إلا أنه كان يشك برغبتهم بالتصدي لجيش خير الدين، ويالرغم من ذلك حاول ابن القاضي التصدي، فقام في إحدى الليالي بالإغارة على ثلاث معسكراتٍ لجيش خير الدين فكان أن فقد مئةً وخمسةً وثمانين من رجاله وسبعةً وتسعين من خيوله بينما لم يقتل من رجال خير الدين أحد، وفي الصباح أعاد هجومه كرةً أخرى إلا أن رجاله كانوا يفرون إلى أعالي الجبال كما يذكر خير الدين في مذكراته. ودام القتال على هذا الحال حتى قُتل "قره حسن" -وكان أحد بحارة خير الدين انضم لابن القاضي- فلم يبق لابن القاضي مجالٌ للنجاة. بعد ذلك قام أحد شيوخ العرب بقطع رأس ابن القاضي وأرسله لخير الدين. وبمقتل قره حسن وأحمد بن القاضي لم تبق حاجة للحرب فقد شُرعت أبواب الجزائر وطرقها أمام خير الدين، فدخلها بغير مقاومة.[108][109][110]

استمرار الصراع الزياني على تلمسانعدل

بعد استقرار خير الدين في الجزائر تفرغ للأوضاع الداخلية عاملاً على استعادة نفوذه السابق. كان صاحب تلمسان "الأمير عبد الله الزياني" -الذي أجلسه خير الدين على عرشها- انتهز فرصة خروج خير الدين من الجزائر ليلغي العملة التي كان يسكها باسم السلطان العثماني ويقوم بضرب عملةٍ باسمه ما دعا خير الدين بعد إيابه ليكتب له بوجوب إعادة السكة القديمة، وإرسال الضرائب المتأخرة، وهدده بالقتل إن لم يفعل. لكن "عبد الله الزياني" قام بتمزيق رسالة خير الدين حينما استلمها ورميها، فقرر خير الدين أن يساند ابنه الأمير "محمد الزياني" -وكان خرج على أبيه ليخلعه ولجأ إلى الجبال في ألفي فارسٍ-، ولما سار خير الدين بجيشه إلى تلمسان انضم له في الطريق الأمير محمد مع أتباعه. سار "عبد الله الزياني" من تلمسان إليهم، فالتقوا في مازونة وتمكن جيش خير الدين من تشتيت قوات عبد الله وأسره، وأمر بضرب عنقه على الفور وألبس ابنه الخلعة السلطانية وأمر أربعمئة بحارٍ بمرافقته إلى تلمسان، وقام الأخير فور وصوله بتسليم البحارة الضرائب المتأخرة الذين قاموا بدورهم بإرسالها إلى الجزائر.[111]

إثر عودته قام خير الدين بتقسيم أسطوله إلى وحداتٍ صغيرةٍ أرسلها للغزو تحت إمرة "سنان ريس"، وقد عاد الأخير بست سفنٍ تجر ست سفنٍ أخر غنمها في البحر كانت إحداها مشحونةً بالبارود والرصاص وقذائف المدفعية إضافةً لستين قذيفة من البرونز، وكانت أخرى مشحونةً بالنفط والقطران والأعمدة والألواح، وثالثة كانت تحمل زيتوناً وزيت زيتون وجبناً وعسلاً، ورابعة مشحونةً بالسكر، فيما كانت ثنتان أخريتان تحملان الأموال. عادت العمارة الأولى مشحونةً بالغنائم أكثر من غيرها، لكن لم تُصَبْ أي سفينةٍ من السفن الخمس والثلاثين بأي أذىً.[112]

تحرير حصن الصخرة 935هـ/1529عدل

 
لوحة تصور حصن الصخرة أو "البنيون" وهي قلعة تقع على جزيرةٍ صخرية على مسافة ثلاثمئة مترٍ من مرسى مدينة الجزائر.

بعدما عاد خير الدين من جيجل إلى الجزائر عمل فوراً على إعادتها إلى وضعها السابق حينما كانت تحت حكمه، فبدأ أولاً بضرب المتمردين بشدة، ودأب خلال سنتي 932هـ-933هـ /(26-1527)م على ملاحقة العصاة، فألقى القبض على حكام تنس وشرشال وقتلهم، وفرض سيطرته مجدداً على الساحل من جيجل حتى وهران. وسنة 1528م (934هـ-935هـ) تمردت قسنطينة وقتل عامل خير الدين عليها حتى كادت تسقط بيد المتمردين، فاضطر خير الدين ذلك العام لتوجيه ضربةٍ قاسيةٍ للمدينة والقبائل المجاورة لها، وغدت المنطقة وما جاورها خالية من السكان لشهورٍ وأضحت مأوىً للوحوش والأشقياء. وبعد مقتل أحمد بن القاضي سلطان إمارة كوكو لم يعد يواجه أي خطرٍ أو اعتراضٍ من أي جهةٍ، ولم يعد يخشى من جيرانه أحداً، إلا أن وجود الإسبان في حصن الصخرة (بنيون) بقي يشكل تهديداً. شيد الإسبان سنة 916هـ (1510[113] قلعةً حصينةً على أرضٍ صخريةٍ تدعى "البنيون" (بالإسبانية: Peñón) أي "حصن الصخرة" وتقع في عرض البحر على مسافة ثلاثمئة مترٍ من مرسى الجزائر، وشكل تمركزهم فيها خطراً كبيراً ومباشراً على مدينة الجزائر، كما كان وجودهم -عدا عما كانت السفن تواجهه من صعابٍ ذهاباً وإياباً- يعتبر بحق الأهلين إهانةً كبيرةً، فضلاً عن أنهم قبل قدوم الأخوين بربروس كانوا يمطرون مرسى الجزائر بقذائفهم، فيضطر أهالي المدينة للخضوع لهم وقبول إملاءاتهم. وباستقرار خير الدين في الجزائر نهائياً غدا طرد الإسبان من القلعة ضرورةً محتمةً لتعزيز سلطانه من جهةٍ وضماناً لسفنه وللميناء الأمن من جهة أخرى. فأرسل في مايو/أيار 1529 (935هـ) خطاباً لقائد القلعة "دون مارتن دي فرغاس" Don Martín de Vargas يعلمه بضرورة تسليمها ومغادرتها مع جنده دونما أذىً يصيبهم، لكن القائد رد بالرفض. شرع خير الدين بقصف القلعة لعشرين يوماً وتمكن من اقتحامها في 17 رمضان 935هـ/26 مايو 1529م، وبعد معركةٍ كبيرةٍ أعلن القائد استسلامه مع سبعمئةٍ من رجاله. يشير خير الدين في مذكراته أن الإسبان كانوا يقومون بقصف المآذن عندما يسمعون الأذان من باب التسلية، إلا أنهم أقلعوا عن فعلتهم الشنيعة بعد استقرار الأخوين بربروس في الجزائر. عقب استيلاء خير الدين على القلعة جيء بقائد المدفعية الذي كان دمر العديد من المآذن وقتل كثيراً من المؤذنين، فأمر بوضعه في فوّهةِ مدفع وقذفه إلى البحر، وضرب عنق مساعده مع عشرةٍ من جنود المدفعية، أما الباقون فألقوا في الزنازين. أمر خير الدين بتلغيم الصخرة وتفجيرها، وجمع ثلاثين ألف أسيرٍ كانوا يقبعون في السجون فاستخدمهم لجمع صخور القلعة لبناء كاسر أمواج يربط القلعة بالميناء. بعد عشرة أيامٍ من سقوطها قدمت -بناءً لطلب قائد القلعة- تعزيزاتٌ من تسع سفنٍ إسبانيةٍ محملةٍ بالمؤونة والأسلحة والمعدات لكنها لم ترَ لها أثراً، ولما اقتربت أكثر ولم تجدها ظنت أنها ضلت، وفيما هي تحاول تلمس طريقها إذا بخمسَ عشرةَ سفينةً من سفن خير الدين تحاصرها من كل جهة. تم القضاء على معظم جند السفن فيما استسلم ثلاثمئةٍ وخمسة وثلاثون. تركت هذه الحادثة انطباعاً عميقاً لدى الإسبان بأنه لم يعد بمكنتهم الاقتراب من سواحل الجزائر.[114][115][116]

حملة خير الدين على السواحل الإسبانية وإنقاذ الأندلسيينعدل

بعد فتح حصن الصخرة اتجهت أنظار خير الدين قٍبَلَ السواحل الإسبانية، فقام سنة 936هـ/1529م أو 937هـ/1530م بإرسال كبير قباطنته "آيدين ريس" إلى غرب المتوسط، وأمره بالتوغل حتى مضيق جبل طارق، وتمشيط السواحل الإسبانية والإغارة عليها دون أن يدع فرصةً للنيل منه بغية تخليص أكبر عددٍ من المسلمين اللاجئين إلى جبال غرناطة والسواحل وحمل كل من يقدر عليه. غادر آيدين ريس الجزائر في عشر سفنٍ حتى مضيق جبل طارق، فصادف في طريقه خمس قوادس (قادرغة) عملاقةٍ اشتبك معها في معركةٍ ضاريةٍ انتهت باستيلائه عليها جميعاً فشحنها بطواقمَ أتراكاً وأرسلها للجزائر، وتابع غاراته على المدن والبلدات المطلة على الساحل وقصفها بالمدافع، وحمل من يعثر عليه من المسلمين حتى لم يبق في سفنه موضع قدمٍ فارغ.

عندما علم الإمبراطور شارلكان بوجود آيدين ريس ناحية السواحل الإسبانية أرسل أكبر أميرالاته "بورتوندو" (باللغة الإسبانية: Rodrigo de Portuondo) ليقطع عليه طريق العودة ووعده بمكافأةٍ عشرة آلاف دوقةٍ إن نجح. اعترض بورتوندو بأسطولٍ من ثمانية قوادس آيدين ريس الذي تشاور مع صالح ريس -أحد رؤساء البحر من مرافقيه- في كيفية التصدي للإسبان، فتوصلا إلى وجوب إنزال الأندلسيين إلى البر ليتمكنوا من إدارة المعركة بفعاليةٍ (كان للحمولة الزائدة أثرها في بطء حركة السفن وتقييد إمكانية المناورة)، وعندما يفرغون من أمر الإسبان يعودون إليهم ويقلونهم. حالما علم الأندلسيون أصيبوا بالهلع، وتعالت أصواتهم بالنحيب رافضين النزول وأكثرهم من النساء والأطفال وقد أيقنوا أن عاقبتهم إن قُبض عليهم السبي أو القتل، فاضطر الريّسان لإجبارهم على النزول. دنت سفن بورتوندو كثيراً، فعاجلهم الريّسان بهجومٍ مباغتٍ وسريعٍ واشتبكا معهم في معركةٍ شرسةٍ انتهت بالاستيلاء على سبع سفنٍ عملاقةٍ وقتل بورتوندو وكافة قباطنته إضافةً إلى أسر ثلاثمئةٍ وخمسةٍ وسبعين، وقضى بقية الجند نحبهم في المعركة، كما أنقذ الأسرى المسلمون ممن كانوا مقيدين إلى المجاديف، أما الأندلسيون الذين أنزلوا من السفن فوقفوا يرقبون سير القتال ويبتهلون لله بالدعاء بالنصر حتى انتهت المعركة وأقلوا مجدداً. تمكن آيدين ريس من تحقيق انتصارٍ حاسمٍ بمساعدة صالح ريس الذي اشتهر بدهائه المفرط، ومنذ هذي المعركة المسماة معركة البليار (28 أكتوبر/تشرين الأول 1529) أطلق المسيحيون لقب "الشيطان الضارب" و"الكافر الضارب" على الأتراك. في هذه الفترة توفي "سنان ريس"، فقام خير الدين بعد وفاته بأيامٍ قلائل بتعيين آيدين ريس قائداً للأسطول مكانه، وصالح ريس نائباً له.[117][118][119]

الهجوم الإسباني على شرشال 938هـ/1531عدل

تنص المصادر أنه إثر فتح قلعة بنيون وهدمها عمّ الغضب والهيجان مختلف المناطق الإسبانية، فاندفع أهالي السواحل بشكلٍ ملحاح إلى المجلس الأعلى للدولة يشتكون أوضاعهم وما يعانون من رعبٍ جرّاء هجمات خير الدين وبحارته، وطالبوا باتخاذ تدابير، وبناءً على طلب الأهالي الحثيث قرر المجلس غزو الجزائر وإرسال حملةٍ ووافق شارلكان على القرار، وتورد مصادر أخر أن الإسبان أرادوا ضرب الجزائر ضربةً حاسمةً موجعةً بعدما لحقهم من هزيمةٍ في الجزائر سنة 1519م وما بعدها وأن يجعلوا الساحل الجزائري بأكمله تحت سيطرتهم إذ إنهم ذاك الوقت كانوا يسيطرون على شرقه بواسطة مركز بجاية، وعلى غربه بواسطة مركز وهران والمرسى الكبير.[120][121] الجدير ذكره أن الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي كان شارلكان على رأسها كانت أكبر وأغنى دولةٍ أوروبيةٍ في حينه فكانت تضم إسبانيا والنمسا وهنغاريا وبوهيميا والأراضي المنخفضة وكانت الدويلات الألمانية تدين لإمبراطورها بالولاء، فضلاً عن أملاكها الشاسعة فيما وراء البحار.

عين شارلكان القبطان الجنوي أندريا دوريا قائداً للحملة، فأخذ الأخير يجمع أسطوله في جنوا واستمر يجهّزه قرابة العام. وفي 938هـ/يوليو 1531م تحرك بأسطولٍ من ثلاثين أو أربعين سفينةً من جنوا نحو الساحل الجزائري، وأغار على شرشال ولم يك يحرسها سوى بضع مئاتٍ من البحارة الذين حينما رأوا الأسطولَ تحصنوا في القلعة، وفيما كان رجال دوريا منهمكين بنهب المرسى والمدينة انتهز البحارة الفرصة وفتحوا البوّاباتِ وفي هجومٍ خاطفٍ تعقبوا الإسبان في أزقة المدينة ودروبها واستطاعوا قتل مئات الجند مستغليّن تفرقهم وعجزهم عن الاجتماع في صعيدٍ واحد، وفرّ الآخرون إلى سفنهم فيما وقع ألفٌ وسبعمئةٍ في الأسر. عندما بلغ خير الدين هجوم دوريا على شرشال خرج إليه في أربعين قطعةً غير أن دوريا ماإن علم بخروجه حتى غادر شرشال ولم يدرك خير الدين سوى جزءٍ من الأسطول الذي وبعد معركةٍ عنيفةٍ أمكنه الاستيلاء عليه. عندما كانت المعركة على أشدها قام الأسرى المسلمون المقيدون بالسلاسل في السفن الإسبانية بكسر أغلالهم، وانجلت المعركة عن استشهاد أكثر من ثلاثمئةٍ من رجال خير الدين والاستيلاء على جزء الأسطول بأكمله. بلغت سفن خير الدين ستين قطعةً دخل بها جميعاً مرسى شرشال وبلغ عدد الأسرى المسلمين المحرّرين ألفان ومئتا أسيرٍ اختار بعضهم الدخول في خدمة خير الدين، بينما أعطى الآخرين ما يحتاجون من مالٍ وأرسلهم لبلادهم. أما الأسرى فبلغوا ألفاً وتسعمئة أحدهم برتبة "أميرال" إضافةً إلى قبطانٍ كبيرٍ آخر فأمر خير الدين بربطهم جميعاً بمجاديف السفن ليعملوا عليها، ولم يمكث في شرشال سوى ساعاتٍ قبل أن يغادرها إلى الجزائر.[122]

الحوادث حتى 939هـ/1533معدل

يشير خير الدين في مذكراته أنه كان يريد أسر أندريا دوريا ولذلك أمر "آيدين ريس" على رأس أسطولٍ كبيرٍ بتعقبه. خرج آيدين ريس فبلغ سبتة وكانت بيد البرتغال منذ 1415، ثم إلى جبل طارق جنوب إسبانيا، وعبره إلى المحيط الأطلسي ولما لم يقفُ له على أثرٍ قفل راجعاً وانعطف إلى جزر البليار شرق إسبانيا فقصف جزيرة ميورقة والسواحل الإسبانية المتوسطية، وتمكن من أسر ثلاثة آلافٍ، وأوغل مقترباً من الأراضي الإسبانية حتى إذا شارف على برشلونة -وكان على مقربةٍ منها دير كبيرٌ اعتاد ملوك إسبانيا زيارته كل سنةٍ- أغار آيدين ريس عليه وأسر ثمانين راهباً واستولى على ستةٍ وثلاثين صندوقاً من خزائنه. يشير خير الدين إلى أن هذا الهجوم كان بمنزلة ضربةٍ قاضيةٍ لكبرياء شارلكان. بلغ عدد ما استولى عليه آيدين ريس خمساً وخمسين قطعةً ما بين سفينةٍ كبيرةٍ وصغيرةٍ سحبها إلى الجزائر، وبهذا يكون خير الدين قد أعطى رده لدوريا بعد غارته على شرشال.

بلغ عدد الأسرى المحبوسين في الزنازين في الجزائر ستة عشر ألف أسيرٍ عدا من وضعوا للتجديف على السفن أو خصصوا للخدمة في المنازل. قام خير الدين باختيار خمسمئة أسيرٍ من المجدّفين وأرسلهم إلى إسطنبول كي يعملوا في الأسطول العثماني، وندب آيدين ريس في بعثةٍ للسلطان ولنقلهم في خمس عشرة سفينة. وصل آيدين ريس إلى إسطنبول ومثل بين يدي السلطان سليمان القانوني وقرأ عليه رسالة خير الدين بنفسه. وقام آيدين ريس بزيارة الوزراء وغيرهم من أركان الدولة وحظي منهم بتقديرٍ وإكرامٍ كبيرين. وطلبه السلطان للمثول بين يديه مرة أخرى، وأخبره بقبول جميع الأعمال التي يقوم بها خير الدين بصفته بكلربك (أمير الأمراء) على إيالة الجزائر، وأمر له بخمس سفنٍ ملأى بالمستلزمات من قذائف وآلات الحرب، وأيضاً عدداً من مهندسي المدافع. انطلق آيدين ريس عائداً إلى الجزائر وفي طريقه استولى على سبع سفنٍ أغار بها جميعاً على عددٍ من المدن وتمكن في غاراته تلك من أسر سبعمئة أسير. في الأثناء كان شارلكان منشغلاً عن الجزائر بعدما أرسل له أخوه ونائبه فرديناند الأول من فيينا يطلب المدد منه، فاكتفى بتحريض صاحب تلمسان على الثورة مرسلاً إليه أموالاً كثيرةً ووعداً بجعله سلطاناً على الجزائر. كان سلطان تلمسان يعتبر نفسه السلطان الشرعي على الجزائر فاستجاب لشارلكان وراح يوزع وعوده على المحيطين به، وأعلن عصيانه، عند ذاك أمر خير الدين "دلي محمد ريس" بالخروج إلى البحر تحسباً من أي مساندةٍ إسبانيةٍ بينما سار بنفسه إلى تلمسان، وإذ وصلها لم يلق إلا مقاومةً صغيرةً لاذ بعدها صاحب تلمسان فراراً، وأرسل العلماء يوسطهم بطلب العفو. فوافق خير الدين شرط أن يأتي بنفسه ويعتذر منه، فقدم واعتذر منه ودفع الخراج المتأخر. أما "دلي محمد ريس" فصادف بأسطوله ذي الأربعين قطعةً الإسبان في خمسٍ وثلاثين سفينةً، وسرعان مااشتبك معهم وماإن حمي الوطيس حتى أعلنت تسع وعشرين منها استسلامها، بينما لاذت الستة الباقية بالفرار.

يشير خير الدين في مذكراته أن مسلمي الأندلس قد قويت قلوبهم بعدما بلغتهم انتصارات المسلمين في الجزائر، فنزل ثمانون ألفاً ممن كانوا معتصمين بالجبال فألحقوا بالإسبان هزائم فادحة، وماإن وصلت أخبار الثورة لخير الدين حتى أمر محمد ريس بالخروج على رأس أسطولٍ من ستٍ وثلاثين سفينةً لنصرة الثائرين، وشرع محمد ريس على الفور بإمداد الثوار في السواحل الإسبانية. بلغت حملات أسطول خير الدين على الإسبان إحدى وعشرين حملةً كان يقوم في كل منها بإنقاذ آلاف المسلمين الأندلسيين من اضطهاداتهم وأهمها وأخطرها محاكم التفتيش ونقلهم إلى شمال إفريقيا. تولى خير الدين قيادة معظم هذه الحملات بنفسه، كما تولى "آيدين ريس" و"سنان ريس" قيادة الأسطول عدة مراتٍ.[123]

سيرته بعد توليه إمارة الأسطول العثمانيعدل

قبطان باشا الأسطول العثماني 940هـ/1534معدل

 
السلطان العثماني العاشر سليمان القانوني (حكم 20-1566)، سليمان المعظم كما لقبه الأوروبيون Suleyman the Magnificent

سنة 939هـ/1533 وجه السلطان سليمان القانوني فرماناً سلطانياً إلى خير الدين يأمره أن يستخلف من يُعتمد عليه لإيالة الجزائر والقدوم إلى إسطنبول. شرع خير الدين يتأهب للسفر، وتذكر المصادر أن أندريا دوريا حاول قطع الطريق عليه والحيلولة دون خروجه بأمرٍِ من شارلكان، لكنه فشل. خرج خير الدين من الجزائر في أسطولٍ كبيرٍ من ستٍ وعشرين سفينة قادرغة (أو قادس وهو نوع يعدّ السفينة الرئيسية في الأساطيل الحربية في البحر المتوسط) متجهاً إلى إسطنبول تاركاً بقية القطع في الجزائر وغرب المتوسط مستخلفاً ابنه المعنوي حسن آغا على الجزائر. وفي طريقه أغار على سواحل جنوب إيطاليا التابعةِ لشارلكان، وعلى سواحل جزيرة سردينيا ثم أوغل شمالاً حتى مشارف جنوة. كان السبب أن الدولة العثمانية كانت في حربٍ مفتوحةٍ مع إسبانيا وليتوّج دخوله إسطنبول بالنصر والغنائم. ومن ثَمَّ واصل طريقه محاذياً الساحل الإيطالي حتى مسينا (مضيق مسينا هو الفاصل بين صقلية والبر الإيطالي) فألفى عمارةً إسبانيةً من ثماني عشرة قطعةً استولى عليها بعد معركةٍ عنيفةٍ في عرض البحر وربطها إلى سفنه. أما أندريا دوريا فكان يجوب سواحل شبه جزيرة المورة فلمّا بلغه انتصار مسينا هرب إلى أيونيا فتعقبه خير الدين لكن لم يتمكن من إدراكه، فأرسل خمساً وعشرين سفينةً لمطاردته فصادفت في طريقها أسطولاً صغيراً لدوريا من سبع قطعٍ استسلمت ثنتان منها بعد الاشتباك معها ولاذت خمسٌ بالفرار. أما خير الدين فخرج من جزر أيونيا متجهاً نحو الجنوب فقدم سواحل المورة. وقتذاك كان "كامنكاش أحمد باشا" قبطان باشا الأسطول العثماني راسياً بقسمٍ من الأسطول في نافارين جنوب غرب المورة، فتوجها معاً إلى إسطنبول، وعند وصوله قام باستعراضٍ كبيرٍ أمام السكان، ونزل في قصر أحمد باشا مع ثمانية عشر ريساً من رياس البحر المشاهير، وفي اليوم التالي دعي مع بحارته للمثول في مجلس الديوان الهمايوني أمام السلطان الذي بالغ في الثناء عليهم.[124]

 
اقترح خير الدين على الصدر الأعظم إبراهيم باشا تنظيم حملاتٍ للعالم الجديد (أمريكا) لكن إبراهيم باشا اعتبر ضرورة الاكتفاء بالسيطرة على البحر المتوسط والمحيط الهندي

قام سليمان القانوني بتعيين خير الدين في منصب قبطان داريا على الأسطول العثماني أي أميراً على الأسطول، واستبقاه في منصبه على إيالة الجزائر بصفته «بكلربك» (أمير الأمراء) عليها، وطلب منه اختيار من يراه مناسباً لإدارتها نيابةً عنه والإشراف عليها باسمه. بعدما انتهى السلطان من اجتماعه مع خير الدين أمره بالذهاب إلى حلب ليلتقي الصدر الأعظم إبراهيم باشا للتباحث بخصوص شؤون المنصبين، وفي حلب مكث يومين ناقش فيها مع الصدر الأعظم الأوضاع السياسية في أوروبا والعمليات البحرية التي يضطلع بها الأسطول العثماني، وعند فراغهم أصدر إبراهيم باشا فرمان تعيين خير الدين في منصب قبطان داريا وألبسه الخلعة في 4 أبريل 1534م الموافق 21 رمضان 940هـ.[125]

وبوصفه قبطان الأسطول غدا عضواً في الديوان الهمايوني (ديوان السلطان) أو مجلس وزراء الدولة العثمانية، ومنحه السلطان صلاحياتٍ واسعةً بما يتعلق بصناعة السفن وتنظيم الأسطول -تذكر المصادر أنه غدا من أقرب مستشاري السلطان سليمان-. بدأ خير الدين معتمداً على خبرته فأرسى في الترسانة العامرة (مصانع بناء السفن في إسطنبول) واحداً وستين هيكل سفينةٍ في مدةٍ وجيزة. ساند السلطان سليمان باستراتيجيته البحرية خيرَ الدين بشكلٍ كبيرٍ إذ تلخصت سياسته بتعزيز الأسطول العثماني بحيث يكون أقوى من مجموع بقية الأساطيل، ومع احتمال تعذر ذلك من حيث عدد السفن، فقد تعهد بربروس بتأمين ذلك من حيث تفوق مرمى المدافع وتدريب الأفراد، وتقرر استبدال السفن والمدافع وتجديدها خلال بضع سنوات وبيع القديم منها، وتجهيز السفن بصورةٍ متفوقة.[126]

غزو السواحل الإيطالية 940هـ/1534عدل

لم يلبث خير الدين أن خرج للغزو في العام نفسه 940هـ/1534م في ثمانين سفينةً ميمّماً صوب إيطاليا حتى إذا بلغ مضيق مسينا Messina هاجم ودمر مدينة ريدجو Reggio المطلة على المضيق من البر الإيطالي، واستولى على قلعة "سانت أوسيدو" وأحرقها، ثم هاجم مدينة سان لوكا التابعة لريدجو ودمرها هي الأخرى، ومنها إلى مدينة جيترارو [الإنجليزية]، حيث أحرق ثماني عشرة سفينةً راسيةً، وتابع طريقه نحو نابولي فاستولى على قلعتها وأسر من فيها، فإلى منطقة فوندي (إيطاليا) التابعة لنابولي وتدميرها، كما هاجم قلاع سبرلونجا [الإنجليزية] ودمّرها، وغيرها من المدن والقلاع. تمكن خير الدين في هذه الحملة من أسر ستة عشر ألفاً، وفتح ثماني عشرة قلعةً أرسل مفاتحها مع الأسرى والجرحى وأربعمئةٍ وخمسةٍ وعشرين صندوقاً كبيراً من الغنائم على متن أربعين سفينةً إلى إسطنبول، وأبقى أربعين معه. اتجه من ثم إلى سردينيا فهاجمها وأنزل جنده فيها، وبعدما أثقلت سفنه الغنائم والأسرى توجه إلى الجزائر، لكنه بسبب سوء الأحوال الجوية حوّل إلى بنزرت (غرب تونس)، وماإن شاهد حاكم بنزرت ضخامة أسطول خير الدين حتى أسرع يخبر السلطان الحفصي. تنص المصادر على أن خير الدين قصد من ضرب السواحل الإيطالية وتدميرها بثّ الرعب في نفوس الإسبان وصرفاً لأنظارهم عن مهاجمته تونس، فبعمله أجبرهم على استنفار قواتهم في أراضيهم وخاصةً السواحل وتوزيعها للتصدي لخير الدين حال عودته مجدداً، فيما ينص بعضها الأخر على أن القصد كان استدراج أندريا دوريا ومنازلته، إلا أن الأخير لم يحرك ساكناً.[127][128][129] لكن المؤكد أنه كقائدٍ للأسطول لايمكنه مهاجمة تونس دون إذنٍ وتخطيطٍ مسبقين -والأرجح أنه جمع معلوماتٍ استخباراتيةً عسكريةً من قبل مغادرته الجزائر- على أنه يمكن القول إنه حقق هدفين استراتيجيين مهمين لنجاح حملته على تونس: أولاهما المفاجأة التامة بالإيحاء أن هدفه الإغارة على إيطاليا، خاصةً وأن تونس ليست في حالة حربٍ مع الدولة العثمانية، وثانيهما تأمين مؤخرته من انقضاض الأساطيل العدوّة ريثما يفرغ من حملة تونس.

فتح تونس 1534م وفقدانها 1535معدل

كان خط سير الأسطول بعد أوبته من إيطاليا التوجه إلى الجزائر وبسبب سوء الجوّ توجه إلى بنزرت Bizerte التونسية، ومنها إلى تونس عاصمة الحفصيين [على مايبدو كانت هذه هي المقاربة التي هدف منها خير الدين تحقيق المفاجأة لفتح تونس بسرعة وبأقل الخسائر]، وماإن وصل المدينة حتى خرج الأهالي لاستقباله، وفي الوقت نفسه استطاعت قواته دخول حلق الوادي La Goulette، أنزل جنده إلى البر، ودخل تونس بخمسة آلاف خيّالٍ، وتمكن من الاستيلاء على القلعة، ويذكر في مذكراته أنه توّغل جنوباً حتى بلغ القيروان وقفل عائداً إلى تونس، وفي 6 صفر 941هـ/16 أغسطس/آب 1534م هرب السلطان الحفصي أبو عبد الله الحسن من تونس، أما من قاوم من أنصاره فأُلقي القبض عليه وسُجن في القلعة فيما قتل بعض الشيوخ ممن وضعوا ترتيبات المقاومة.

استنجد السلطان الحفصي بالإمبراطور شارلكان لاستعادة عرشه. خفّ شارلكان الذي لم يكن ينتظر فرصةً خيراً من هذه ليثأر من خير الدين الذي بدوره شرع يستعدّ. كانت العادة الخروج ربيعاً أو صيفاً لكن على غير عادته شتاء ذاك العام أرسل بربروس بعض السفن لضرب السواحل الإسبانية، ويبدو أنه أراد تشتيت بحْرية العدو بهجومٍ استباقي، وجّه أسطوله للإغارة على سواحل سردينيا فعاد محملاً باثنتي عشرة ألف دوقةٍ ذهبيةٍ وأربعمئةٍ وخمسةٍ وسبعين أسيراً مع غنائم أخرى.[130]

 
الهجوم الإسباني على حلق الوادي.
 
استمر القصف الإسباني على حلق الوادي قرابة شهرٍ كامل.

خرج شارلكان من برشلونة في 1 ذو الحجة 941هـ/2 يونيو 1535م مع عشرين ألفاً من المشاة وألفين من الخيّالة حُشدوا من مناطق الإمبراطورية الرومانية المقدسة المختلفة إضافةً لفرسان مالطة [بعد فتح رودس (1522) على يد سليمان القانوني أقطع شارلكان "فرسان رودس" مالطا (1530م) بمصادقة البابا وتلقبوا بفرسان مالطا، وقد داوموا على نشاطهم المعهود بالقرصنة على السفن المسلمة ومهاجمة سواحل شمال إفريقيا على الخصوص]. اصطحب شارلكان عتاداً كبيراً من المدافع، وتنص بعض المصادر أن عدة سفنه بلغت مئتي سفينةً بينما يذكرها خير الدين في مذكراته خمسمئة قطعةٍ مابين حربيةٍ وناقلةٍ للجند. وصل شارلكان بعد سبعة عشر يوماً من مغادرته برشلونة، وكان الاستيلاء على تونس يستلزم احتلال قلعة حلق الوادي المتحكمة بخليج تونس والتي كان "سنان ريس" يدافع عنها مع تعليماتٍ بالصمود لأطول مدةٍ ريثما يصل الأسطول العثماني الذي أرسل بربروس يستدعيه [ثمة شكوكٌ حول هذا لأن مجموع الأسطولين العثماني والجزائري معاً كان صغيراً جداً وقتذاك فلا قِبَلَ لهما بمواجهة عمارة شارلكان البحرية الضخمة هذه]. حالما اقترب شارلكان أمر غالياته المرافقة الأربع [الغالية: أكبر السفن البحرية حجماً -تعادل البارجة اليوم-، وكانت إسبانيا من الدول القليلة التي تمتلك أسطولاً منها للإبحار بعيد المدى في أجواء المحيطات العاتية] بقصف القلعة بشكلٍ مستمر، ثم أنزل جيشه إلى البر بمدافعه الثقيلة وباشر الهجوم مع قصفٍ مدفعي، ومع ذلك بقيت القلعة صامدةً قرابة شهر، وبرغم القصف المكثف نظم سنان ريس ثلاث هجماتٍ خاطفةً على الإسبان قُتل خلالها ستة آلاف جندي منهم.

 
لوحة تعود للقرن السادس عشر تصور قوات خير الدين في معركة تونس 1535.

أما خير الدين فأقام في تونس يتربص لما سيقوم به السلطان الحفصي، ولم يهاجم الإسبان حتى لايدع له فرصة مهاجمته من الجنوب فيقع بين فكي كماشة. كان مع خير الدين اثنا عشر ألف جندي نصفهم من المتطوعين البدو، أما السلطان الحفصي الحسن فكان في طريقه إلى تونس في ألفٍ وستمئة فارسٍ وثمانية آلاف جملٍ محملٍ بالطعام ولوازم الحرب.

 
قوات الإمبراطور شارلكان.

وإذ بدت علامات سقوط حلق الوادي بيد الإسبان ظهرت أمارات التذمر والثورة في تونس، ويشير خير الدين في مذكراته أن خيانة الكثيرين كانت نتيجة دعاية السلطان الحسن عبر جواسيسه فقد أشاعوا بين الناس أنه اتفق مع شارلكان لإنقاذ تونس من الأتراك، وأنهم لن يريقوا قطرة دمٍ من مسلمٍ. وبذا وجد خير الدين ورجاله أنفسهم وسط محيطٍ معادٍ، وفي الأثناء سقطت قلعة حلق الوادي إلا أن سنان ريس بكفاءةٍ لاتخلو من شجاعةٍ تمكن من تنفيذ انسحابٍ بارعٍ إلى تونس في 14 محرم 942هـ/14 يوليو/تموز 1535م بمن بقي معه من البحارة الأتراك. بقي خير الدين يدافع عن تونس ستة أيامٍ بعد سقوط حلق الوادي، وكبّد شارلكان خسائرَ فادحةً.

بالتحاق سنان ريس وبحارته ارتفع عديد قواته إلى تسعة آلافٍ وسبعمئة جندي. في المقابل كان جيش العدوّ مؤلفاً من ثلاثين ألفاً مع خمسمئة سفينةٍ ومجهزاً بمئات المدافع يعاضده السلطان الحفصي الذي سار بجيشه من الجنوب. جعل هذا كله التصدي لهذه القوات بحكم المستحيل. علاوةً فإن أربعين مدفعاً ثقيلاً من عتاد خير الدين استولى عليها الإسبان في حلق الوادي.[131]

 
ارتكب جيش شارلكان بعد دخوله مدينة تونس مذابحَ مروعةً، فوصل عدد القتلى إلى ثلاثين ألفاً، واسترقّت عشرة آلاف امرأةٍ وطفلٍ حتى قيل إن قوائم فرس شارلكان اصطبغت بالدم من أشلاء الضحايا المتناثرة في شوارع المدينة وأزقتها.

وفد السلطان الحفصي إلى معسكر شارلكان وتذكر المصادر أنه خرّ على قدميه وقبّل رجليه، وشرع يحشد قواتٍ كبيرةً للنزال. في أول اشتباكٍ لخير الدين مع الأعداء فقد ألفين وخمسمئة جندي. كانت جميع المؤشرات تشي بأن ليس بوسعه الاستمرار بمن تبقى معه من جندٍ وعددهم سبعة آلافٍ ومئتين فضلاً عن شدة الحر إذ كانت المعارك في عز الصيف. بعد آخر هجومٍ على العدو أراد خير الدين الانسحاب إلى المدينة إلا أنه فوجئ بإغلاقها أبوابَها في وجهه، لقد انقلب عليه المتطوعون البدو وعددهم ستة آلافٍ وقاموا بينما كان خير الدين يقاتل ورجاله أمام الأسوار بفتح أبواب السجون لينطلق منها عشرة آلاف أسيرٍ أجنبي كان على رأسهم لفتح الأبواب أسيرٌ نصراني تحول إلى الإسلام يدعى جعفر فاندفع الأسرى من زنازينهم متفرقين في أنحاء المدينة وسيطروا عليها، وهكذا وقع خير الدين ورجاله بين نارين. حزم خير الدين أمره وفي هجومٍ كبيرٍ أخيرٍ بهدف تشتيت صفوف جيش شارلكان والنجاة من الحصار استطاع بجنوده البواسل تمزيق صفوف الأعداء بمنتهى الشجاعة، وشق طريقه حتى عنابة شرق الجزائر حيث كانت تنتظرهم أربع عشرة سفينةً حربية. في هذه المعركة الضارية سقط الآلاف من جنوده، لكنه نجا ولم يبقَ معه سوى آيدين ريس وسنان ريس وبضعة آلافٍ من البحارة المثخنين جراحاً. وفي الطريق توفي قائده المتمرس آيدين ريس غرقاً.

وإذ اقتحم الصليبيون تونس قاموا بمذبحةٍ مروّعةٍ. قتلوا ثلاثين ألفاً، واسترقّوا عشرة آلاف امرأةٍ وطفلٍ، وخربوا المساجد والمدارس وحتى المقابر ونهبوا محتويات القصور والدور، وحرقوا آلاف المخطوطات والكتب.[132] بانسحاب خير الدين من تونس -التي بقيت تحت سيطرته أحد عشر شهراً- وسقوطها بيد شارلكان خضع الحفصيون للإسبان فيما بقيت مناطق تونس الجنوبية وسواحلها الشرقية خاضعةً لبربروس. انسحب خير الدين من عنابة إلى الجزائر، ومن ثمة خرج في ثنتين وثلاثين قطعةً بحريةً حتى جزر البليار وتمكن من أسر خمسة آلافٍ وخمسمئةٍ من ميناءي ماهون وبالما. بعدئذٍ أوغل إلى المحيط الأطلسي وطاف في خليج قادش (كديز) جنوب غربي إسبانيا، ثم قام بتخريب ميناء فارو جنوب البرتغال، واستولى في سواحل فارو على سفينةٍ برتغاليةٍ كبيرةٍ ذات ستةٍ وسبعين مدفعاً وعلى متنها ثلاثمئة بحارٍ ويدفعها مئات الجدافين، كانت قادمةً من الهند محملةً ببضائعَ قيّمةٍ إضافةً إلى ستةٍ وثلاثين ألف دينارٍ ذهبي. عقب إقامةٍ قصيرةٍ في الجزائر عين ابنه المعنوي حسن آغا نائباً له على إيالة الجزائر وتوجه إلى الأستانة في 13 ربيع الآخر 942هـ/10 أكتوبر/تشرين الأول 1535م، وبخروجه من الجزائر هذه المرة أضحت حياته غير مرتبطةٍ بالشمال الإفريقي، لكن بالتاريخ العثماني.[133]

الحرب على البندقية (944هـ-947هـ)/(37-1540م)عدل

خرج خير الدين إلى الأستانة فيما غدت تونس محميةً إسبانية. بعد وصوله مثل بين يدي السلطان سليمان القانوني وقدّم له تقريراً مفصّلاً بما حصل، وقام بعددٍ من الزيارات الرسمية. اتجه بعد ذلك إلى الترسانة العامرة (مصنع بناء السفن) لمتابعة ما جرى من تطوراتٍ في غيابه، وأمر كبير المهندسين ببناء ثلاثين قادساً (قادرغة) لتكون جاهزةً مع موعد الخروج برفقة السلطان سليمان في حملته الهمايونية السابعة.[134][135][136]

كانت مياهٌ كثيرةٌ قد جرت تحت الجسور منذ عقد معاهدة الصلح بين الدولة العلية والبندقية عام 1502. جاء انتصار سليمٍ الأول على الصفويين (1514)، وضم الشام (1516) ومصر (1517) وانضمام الحجاز -تحت سلطة الأسرة الشريفية- (1517)، والجزائر -تحت سلطة الأخوين بربروس- (1517) إلى الدولة العثمانية -التي امتد نفوذها إلى المحيط الهندي ما جعلها في مواجهةٍ مباشرةٍ مع البرتغاليين- والفتوحات التي تكاد لاتتوقف في أوروبا (إقليم الروملي)، جاء كله ليجعل من الدولة العثمانية إمبراطوريةً عالميةً وأكبر قوةٍ بريةٍ في أوروبا لاتنافسها في ذلك إلا الإمبراطورية الرومانية المقدسة لكنها -بخلاف العثمانيين- كانت مشتتة الأقطار مابين إسبانيا وجنوب إيطاليا والنمسا وهنغاريا والأراضي المنخفضة. وُلدت استراتيجية سليمان القانوني من مبدأ ضرورة فرض نفوذٍ بحريٍّ عثمانيٍّ يتناسب والوضع الدولي الجديد الذي فرضه التوسع العثماني شرقيَّ البحر المتوسط Mediterranean Sea وجنوبيَّه وشرق أوروبا، واستغلال الوضع السياسي العام في أوروبا المنقسمة على ذاتها بسبب الحركة البروتستانتية التي أشعلها مارتن لوثر (1517م) فضلاً عن الصراعات بين ملوكها (كالعداءِ الطويلِ شديدِ اللددِ بين شارلكان الإمبراطور الروماني المقدس وفرنسوا الأول الملك الفرنسي)، وحقيقة تقلص نفوذ إسبانيا البحري كثيراً غرب المتوسط بعد ما قام به الأخوان بربروس في تونس والجزائر.

كانت جمهورية البندقية لقرونٍ متطاولةٍ القوة البحرية الأولى شرق المتوسط، وكان وجودها راسخاً عبر قواعدها المنتشرة في البحر الأيوني Ionian Sea وبحر إيجه Aegean Sea وشرق المتوسط وأهمها قبرص (سقطت عام 1571) وإقريطش أو كريت (سقطت عام 1645). والأهم سيطرتها على بحر إيجه بوابة الدخول إلى بحر مرمرة ما يجعل الطريق البحري إلى الأستانة مهدداَ حالَ الحرب ويضع شبه جزيرة المورة (أو البيلوبونيز البر اليوناني الرئيسي) تحت تهديد الأسطول البندقي (فتح آخر معقلين للبندقية في المورة صيف العام 1538). عزم العثمانيون على إنهاء هذه السيطرة أو على الأقل تقليصها قدر المستطاع وذاك هدفهم الاستراتيجي الأول من شنِّ الحرب على البندقية. يجدر القول إن سياسة البندقية كدولةٍ قائمةٍ على التجارة الدولية ابتغت السلام والحفاظ على أمان الطرق البحرية، وهدف أسطولها إلى الردع عن تهديد قوافلها البحرية، فلم تتّبعْ سياسةً عدائيةً تجاه المسلمين بعكس فرسان رودس (1310-1522) (أو فرسان مالطا بدءاً من 1530) وإسبانيا في المتوسط، والبرتغال في المحيط الهندي، وهي لن تسهم بتشكيل العصبة المقدسة (1538م) "The Holy League-1538" ضد الدولة العثمانية إلا بعدما أعلنت هذه الأخيرة الحرب عليها وبدأت بتجريدها من ممتلكاتها البحرية، وعقب كثيرٍ من المداولات والنقاش في مجلس الشيوخ (السيناتو) Venetian Senate.

بعدما تم توسيع الأسطول أعلنت الدولة العثمانية سنة 1537م الحرب على البندقية بعد صلحٍ دام خمساً وثلاثين سنةً بدعوى تقديم البندقية المساعدة المستمرة خفيةً لإسبانيا، ورفضها دعوة الديوان الهمايوني للدخول في التحالف الفرنسي العثماني، لكن سببها الرئيس تقليص النفوذ البندقي شرق المتوسط لصالح ترسيخ النفوذ البحري العثماني. وفي الواقع فإن الفترة (33-1537) بما فيها حملة خير الدين على تونس ماكانت إلا مرحلةً وسيطةً ريثما تنتهي تهيئة الأسطول استعداداً لهذه الحرب.

حملة أوترانتو وكورفو وبحر إيجة 944هـ/1537عدل

في 1 ذو الحجة 943هـ/11 مايو/أيار 1537م خرج خير الدين بعمارةٍ بحريةٍ نحو أوترانتو وجزيرة كورفو Corfu الاستراتيجية غرب اليونان والمشرفة على مضيق أوترانتو (72 كم) بين ألبانيا وإيطاليا، وكان سقوطها يعني تقييد حركة الأسطول البندقي -ولاسيما التجاري- مابين البندقية (كان البحر الأدرياتيكي يعد بحر البندقية بامتياز لسيطرتها على سواحله) والبحر المتوسط، ولحقه السلطان سليمان بالجيش بعد ستة أيامٍ في 7 ذو الحجة/17 مايو. تألّفت العمارة من مئتين وثمانين قطعةً بحريةً عليها ثلاثون ألف جدافٍ، وعشرات الألوف من جنود البحرية، وأربعة آلاف جندي إنكشاري، وستمئة مدفعٍ برّي، وعدة آلافٍ من السباهية (الفرسان). في 11 يوليو/تموز دخل الأسطول العثماني خليج آفلونيا قبل السلطان بيومين، ثم اجتاز مضيق أطرانط أو أوترانتو المدخل إلى بحر الأدرياتيك. كانت مهمته تأمين الحصار البحري ونقل الجند والمساندة بالقصف البحري فيما ينجز الجيش الفتح. احتلت أوترانتو في 23 يوليو/تموز 1537 (غرب المضيق التابعة لمملكة نابولي) لمدة شهر، لكن الحصار البحري العثماني-الفرنسي على كورفو لم يفلح في احتلالها لمناعة دفاعاتها. يذكر خير الدين في مذكراته معركةً عقب دخوله الأدرياتيك إذ لمح عمارةً بندقيةً كبيرةً، فشنّ هجوماً عليها، فأغرق أربعة عشر قادساً، واستولى على ستة عشر قادساً آخر، فيما لاذت البقية بالفرار.

قضت الخطة الموضوعة بأن يغزوَ العثمانيون إيطاليا من الجنوب فيما يدخلها فرانسوا الأول من الشمال الغربي، لكن الفرنسيين حققوا نجاحاً باهتاً عند التنفيذ وأوقفتهم القوات الجنوية، فلم يلبث السلطان طويلاً وقفل راجعاً إلى الأستانة براً، وأوكل خير الدين القسم الأكبر من الأسطول للطفي باشا ليعود به، وتوجه هو للغزو.[137]

كان على خير الدين متابعة الصراع بين الدولة العثمانية والبندقية في البحر. فغادر كورفو على رأس ستين أو سبعين سفينةً وقام بغزو جزيرة "كيفالونيا" (غرب اليونان والتابعة لها حالياً)، ثم هاجم جزيرة "كيثيرا" Kythira مابين كريت والمورة، وغنم منها غنائمَ كثيرةً، ثم حاصر بعض الجزر عند خليج أجانيطس لثلاثة أيامٍ قبل أن يحوزها. ثم هاجم جزر "مرتد" و"باروس" و"أنتيباروس" (اليونانية اليوم) في بحر إيجة واستولى عليها. ثم "جزر كيكلاد" في سبتمبر/أيلول 1537م الاستراتيجية جنوب بحر إيجة وكانت تُحْكم من قبل "دوقية الأرخبيل [الإنجليزية]" التابعة للبندقية. تجوّل خير الدين في الجزر واحدةً تلو أخرى وأجبر الدوق "جيوفاني كريسبو [الإنجليزية]" (بالإيطالية: Giovanni IV Crispo) على إعلان تبعيته للعثمانيين وتسديد خمسة آلاف ليرةٍ ذهبيةٍ ضريبةً سنويةً، كما تمكن من السيطرة على عددٍ من الجزر مثل "سيروس" و"نيوس" و"تينوس" و"بطمس" و"جياروس [الإنجليزية]" و"أستيباليا".[134][138]

الحلف الصليبي ومعركة بروزة 945هـ/1538معدل

الخلفية السياسيةعدل

اندلعت الحرب الإيطالية (36-1538) بين فرنسوا الأول وشارلكان بسبب وفاة فرنشيسكو سفورزا دوق ميلان (1535) دون وريث وانتقال الدوقية الغنية إلى ابنة أخته زوجة شارلكان. اهتبل العثمانيون الفرصة فأعلنوا حرباً -كانوا يحضرون لها منذ زمن- على البندقية (1537) وقاموا بغزو إيطاليا من الجنوب فيما كان على الفرنسيين غزوها من الشمال الغربي، الحملة التي لم تحقق كامل النجاح. في ظل وجودٍ عثماني ضاغطٍ شرق أوروبا وعلى أمواه المتوسط، وبوجه مدٍّ بروتستانتيٍّ متصاعدٍ في ألمانيا واسكنديناڤيا وفرنسا وسويسرا والأراضي المنخفضة [وفصل إنجلترا عن الكنيسة بموجب قانون السيادة (1534) على يد هنري الثامن] وجدت البابوية نفسها مع شارلكان أقوى عاهلٍ كاثوليكي. سعى البابا بولس الثالث لعقد حلفٍ مقدسٍ أو العصبة المقدسة (1538م) "The Holy League-1538" ضد العثمانيين ضم الإمبراطورية الرومانية المقدسة والبندقية والدويلات البابوية وجنوا وفرسان مالطا ومملكتي نابولي وصقلية التابعتين للإمبراطور والذي انعقد في فبراير/شباط (1538).

أملت الحلف ضروراتٌ سياسية، كان كل طرفٍ في حاجةٍ لا غنى عنها للآخر، كان موقف البندقية حرجاً فمن ناحيةٍ هي بحاجةٍ لكل عونٍ -ومن شارلكان خصوصاً- في مواجهة العثمانيين، ومن ناحيةٍ لاتريد خسارة تجارتها الشرقية في المتوسط التي تبدأ من مواني مصر والشام. وهي لم تبذل الأموال عبر رجالها في دهاليز الڤاتيكان لحث البابا لإنشاء الحلف إلا مكرهةً بعدما أعلن العثمانيون الحرب عليها، ولكن كان عليها الإسراع لأخذ المبادرة من أيديهم، وخاصةً بعدما استولى الجيش العثماني بالتعاون مع الأسطول على سلسلة حصونٍ في دالماشيا Dalmatia (صيف 1538) تابعةٍ لآل هابسبورج (النمسا) فزادت خشية البنادقة من تطلعاتٍ للسيطرة على الأدرياتيك Adriatic الذي يعتبرونه بمنزلة مياههم الإقليمية.

كان شارلكان في عداءٍ على طول الخط مع الدولة العلية وهو الذي مافتئ منذ ربع قرنٍ يخسر مواقعَ لصالحها على الأرض شرق ووسط أوروپا (حصار فيينا عامي 1529 و1532 مثلاً)، وفي المتوسط والجزائر على يد الأخوين بربروس، وأمل من هزيمتها -فضلاً عن تكريس زعامته كأكبر مدافعٍ عن العالم الكاثوليكي- تحجيم حليفها الفرنسي، ولكن كان عليه أن يؤمن ظهره من جهة الفرنسيين وتهديدهم لومبارديا وشمال إيطاليا، وكان جلياً أن لا أحد يمكنه التوسط في ذلك سوى البابا، فكانت هدنة نيس Truce of Nice في (18 يونيو/حزيران 1538) بين الخصمين اللدودين والتي مُرّرت بمساعٍ دبلوماسيةٍ حثيثةٍ ومكثفةٍ من البابا شخصياً (مع رفض فرنسوا الأول الاجتماع بشارلكان كان على بولس الثالث أن ينتقل من غرفةٍ لأخرى جيئةً وذهاباً لإتمامها) ما أتاح لشارلكان التفرغ لحربه المقبلة، ولنلاحظ أن إسراع خير الدين بالإقلاع كان بعد علم الأستانة بمفاوضات الهدنة أو عقب إبرامها بأيامٍ.

كان بولس الثالث بحاجةٍ للحلف ليس لإيقاف المدّ العثماني الذي بدا مهولاً فحسب، ولكن لتأمين السواحل الإيطالية أيضاً (حيث التهديد مباشر للدويلات البابوية) وبما أنه لايستطيع عقده ضد دولةٍ كاثوليكيةٍ كفرنسا فقد أمل من النصر على العثمانيين بفسخ عرى الشراكة بينهم وبين فرنسا وربما تطوير هدنة نيس -التي وقعها فرانسوا الأول على مضضٍ- إلى صلح. كانت صفة "القداسة" ومنحها البركة من البابا إيقاداً للروح الصليبية التي ظلت جمراً تحت الرماد منذ أيام الصليبيات، على أن توجهات كل طرفٍ وسياساته بقيت -كالعادة- تحكمها المصالح (القصيرة النظر أحياناً كثيرة).

سعى الحلف المقدس بزعامة البابوية والبندقية وشارلكان لتحجيم الدور البحري العثماني المتنامي في المتوسط، وأجمع الحلفاء أمرهم على هدفين رئيسين؛ عزم البندقية استعادة ممتلكاتها التي فتحها العثمانيون مؤخراً، واستعادة شارلكان سيطرته على الجزائر،[139] أو أقلها استعادة نفوذه البحري غرب المتوسط.

كانت الاستراتيجية العثمانية البحرية بناء أسطولٍ يوازي من حيث الكفاءة مجموع أساطيل الدول الأخرى، وسواءٌ كان ذلك اقتراح السلطان سليمان أو خير الدين فقد أثبتته الأحداث صحةً وبعدَ نظر، فأتت معركة بروزة كما معركة ليبانت (1571م) من بعد برهاناً عليه [تلك أيضاً غدت الاستراتيجية البحرية لبريطانيا حتى الحرب العالمية الأولى]، مثلما أثبتت استراتيجية اللعب على الصراعات بين الملوك الأوروبيين نجاعتها كما في التحالف مع فرانسوا الأول الذي يقال إن خير الدين كان من مؤيديه.

الإغارة على كريت 945هـ/1538معدل

صيف عام 945هـ/1538 خرج خير الدين مجدداً إلى بحر إيجة لكن الرحلة هذه المرة كانت محفوفةً بمصاعبَ غير مسبوقةٍ. كان يدرك ضرورة زيادة عدد السفن وتجديد القديم منها، ففي كل حملةٍ ينبغي ترك جزءٍ من الأسطول على السواحل للحماية فيما يكون جزءٌ آخر خارج الخدمة خاضعاً للصيانة، وزيادة الفتوح البحرية تتطلب زيادة عدد قطع الأسطول العاملة وزيادة سفن الإمداد والتموين (للمهام التعبوية واللوجستية). كان قد وجّه لبناء سفنٍ جديدةٍ وتحديث السفن العاملة على الفور وأمل بالانتهاء من مئة سفينةٍ في أسرع وقت، لكن وبينا كانت السفن تقارب الانتهاء طُلِب منه الخروج على وجه السرعة، فأبدى اعتراضه لأن السفن لم تجهز بعد. تزعم بعض المصادر أن بعض وزراء الديوان لجؤوا لحيلةٍ لحثه، فأشاعوا خبراً مفاده أن أندريا دوريا وصل جزيرة إقريطش (كريت) وهو يتربص مع أربعين سفينة لبعثة صالح ريس (عشرون قطعة) في أوبته محملاً بالبضائع من مصر، لكن هذا التفسير واهٍ إن لم يك ساذجاً لبعده عن الربط مع مستجدات الأحداث. أما الأرجح فإن العثمانيين قد علموا بطبيعة الحال عن طريق استخباراتهم في أوروبا ومن حليفهم فرانسوا الأول بأمر الحلف المقدس (سبع دولٍ) ضد الدولة العثمانية (فبراير/شباط 1538) بمساعي بابا روما هادفاً لاتحاد أكبر قوتين أوربيتين بحريتين في المتوسط البندقية وإسبانيا بغية تدمير الأسطول العثماني قبل أن يستفحل خطره أكثر وخاصةً مع دخول القطع الحديثة والمحدثة الخدمة، ولاشك أنه نما إلى الأستانة نبأ "هدنة نيس" (18 يونيو/حزيران 1538) بين فرانسوا الأول وشارلكان ما يعني خروج فرنسا من تحالفها مع العثمانيين وأن على الدولة العلية متابعة صراعها وحدها الآن. دليل ذلك عدم رغبة خير الدين بالخروج قبل استكمال السفن الجديدة لعلمه أن خروجه هذه المرة سيكون لملاقاة أسطول التحالف الضخم. كانت غيوم معركةٍ مصيريةٍ فاصلةٍ تتلبد في الأفق. أما إسراعه بالإبحار فربما كان حقاً لورود معلوماتٍ عن إبحار دوريا كما توجب الأخذ بالحسبان احتمال أن شارلكان كان جهز أسطوله للإقلاع نحو شرق المتوسط بمجرد عقد الهدنة مع الفرنسيين، ولما كانت حملة صالح ريس في طريقها من مصر فقد شكلت هدفاً سهل المنال وكريت أقرب قاعدةٍ حيث يمكن انتظارها ومفاجأتها منها، ومن هنا جاء التوقع بوصوله إلى كريت. وفي عصرٍ تقتضي المعلومات فيه زمناً طويلاً للوصول حيث السفن التجارية الشراعية تعد أسرع السبل لنقل الأخبار فمن الطبيعي أن يكون للتوقع والتخمين دورٌ كبيرٌ في استكمال الصورة.

هُرِعَ بربروس بما أمكنه من سفنٍ في 9 محرم 945هـ/7 يونيو/حزيران 1538 وتشير مصادر أخر أن ذلك إنما كان في 9 صفر/7 يوليو/تموز. بلغت عمارته البحرية أربعين سفينةً وكان منتظراً أن تلحق به تسعون فور انتهائها. ودّعه السلطان إلى البحر، كما ودعه رجال الدولة حتى الميناء [ما يدل على عظم مهمته هذه المرة]. عندما علم خير الدين أن دوريا لم يك في كريت عمد إلى فتح بعض الجزر الإيجيه، ولما وصل جزيرة "إمروز [الإنجليزية]" أخرج سبعةَ عشر مدفعاً قابلاً للاستخدام من سفينةٍ غارقةٍ عند سواحلها. ثم فتح جزيرة "سكياثوس" بعد حصار ستة أيامٍ، وأسر ثلاثة آلافٍ وثمانمئة. في تلك الأثناء وصلت من الأستانة تسعون سفينةً انضمّت مع عمارة صالح ريس إلى أسطول خير الدين، فارتفع عديد سفنه إلى مئةٍ وخمسين، أعيدت منها ثنتا عشرة سفينةً إلى "جاليبولي" لنقص تجهيزاتها، وأُرسلت البقية صوب جزيرة "وابية" (أغريبوز). قام خير الدين بفتح جزيرة "سكيروس" وأرسل الغنائم إلى إسطنبول. ثم بسط سيطرته على جزر "أندروس" و"تينوس" و"سريفوس" و"سكوربينتا" على التوالي من الشمال إلى الجنوب.[140]

 
خريطة جزيرة كريت. رسم محيي الدين بيري ريس في القرن السادس عشر الميلادي

توجه خير الدين نحو "كريت" بعدما فرغ من جولاته في الجزر الإيجية "سبورادي" و"كيكلاد". كانت كريت الخاضعة للبنادقة -منذ الحملة الصليبية الرابعة (1204)- موقعاً استراتيجياً لا غنى عنه للسيطرة على بحر إيجة والتحكم فيه، ولم يك هذا بخافٍ على العثمانيين وأن كريت بوابة هذا البحر. أدرك خير الدين أن قواته غير كافيةٍ لفتحها والسيطرة عليها لكبر مساحتها (8336 كم2)، فخطط لغاراتٍ لتدمير مواقعَ مختارةٍ، وفي الوقت نفسه تكون استطلاعاً لأي هجومٍ في المستقبل، لكن الأرجح من ذلك أنه لم يرد الانشغال بمعاركَ جانبيةٍ قد تقتضي أشهراً في الوقت الذي يتوقع أسطولاً ضخماً يترصده اغتناماً لفرصةٍ لمهاجمته، ويدل على ذلك تفضيله الاستيلاء على جزرٍ صغيرةٍ بغاراتٍ خاطفةٍ بدلاً من انخراطه في معركةٍ طويلةٍ لفتح كريت التي أدرك بخبرته المديدة في الجزائر وتونس وكورفو أن تحصيناتها ستسمح لها بالصمود طويلاً [في الحرب العثمانية البندقية الخامسة لفتح كريت (1645) صمدت العاصمة كانديا Candia بمفردها للحصار عشرين سنةً (49-1669) ما حدا بالشاعر الإنجليزي اللورد بايرون (1788-1824) من بعدُ لتشبيهها بحصار طروادة].

وصل أسطول خير الدين إلى كريت على مشارف قلعة "كانديا" (الخندق)، وقام بإبرار جنده لكنه بدلاً من انشغاله بمهاجمتها هاجم نحو عشرين قريةً قريبةً من منطقة "ميلابوتاما" ودمّرها، ثم هاجم مدينة "ريثيمو" Rèthimno الساحلية. بعدها وصل منطقة يطلق عليها "أبوكوران" فاستولى على ثمانية قرىً بما فيها المناطق المحيطة، ثم إلى ميناء "خانيا" Haniá غرب الجزيرة لكنه واجه دفاعاً مستميتاً من المحتمين بقلعتها الحصينة ما دفعه للتخلي عن حصارها طويلاً مُؤْثراً الإغارة على البلدات والقرى المجاورة.

كان فتح الجزر الصغيرة وتقليص الوجود العسكري البحري للبندقية من ضمن استراتيجية الحرب عليها، لكن تبقى الإغارة على كريت ملغزةً لأول وهلةٍ، إذ أنّى لخير الدين أن يشغل جنده وجلّ أسطوله وقد كان من الواضح عدم نيته فتحها فقد استهدف بغاراته في المقام الأول مناطقَ زراعيةً على الساحل الشمالي حيث أكبر موانئ الجزيرة وأهمها. الرأي أنه أراد إلحاق أكبرِ خسائرَ ممكنةٍ ياقتصاد الجزيرة -وقد داهمها في موسم المحاصيل- بحيث لاتستطيع إمداد أسطولٍ معادٍ، ولتحقيق ذلك بأعلى فعاليةٍ عمد لتدمير المناطق القريبة من الموانئ فلايعود يمُكْنَتها تزويد أي سفنٍ دون إضاعة وقتٍ طويلٍ في جلب المؤن من مناطقَ بعيدة. ليس هذا فحسب؛ إن إنزال جنوده وتنقلهم وإرسالهم لتدمير القرى والمناطق الزراعية الشاسعة تطلب وقتاً فهل كان على ثقةٍ بأن أسطول التحالف بعيدٌ عن مهاجمته في أثناء ذلك، ولماذا -والحال هذه- لم يبدأ بكريت أولاً. واقع الأمر أن هذا الأسطول لن يجتمع قبل سبتمبر/أيلول من ذاك العام، وإذا كان خير الدين تعجل الخروج في حملته بسبب توقعاتٍ أو معلوماتٍ ثبت خطؤها إلا أن مخططاته وأعماله من بعدُ لاتوحي بخشيته من هجومٍ وشيكٍ خلال أيامٍ، أغلب الرأي أنه وردته معلوماتٌ استخباراتيةٌ أثناء تجواله في بحر إيجة أن اجتماع أسطول العدو لايزال بعيداً ما جعله يحول أنظاره قِبَلَ كريت، الأمر الذي يؤشر على كفاءة مصادر المعلومات العثمانية في أوروبا، يُلاحظ أن البحرية العثمانية في الوقت ذاته (صيف 1538) ساعدت الجيش في احتلال سلسلة حصونٍ للنمسا في دالماشيا (شرقي البحر الأدرياتيكي).

بعد هجماتٍ لشهرٍ متواصلٍ اتجه خير الدين نحو جزيرة "كارباثوس" (كربة) (بين كريت ورودس) فاستولى عليها، وأقام بها عشرة أيام، وفي الأثناء بسط سيطرته على جزيرة "كاشوت [الإنجليزية]". مر الأسطول بعد ذلك على بعض الجزر المجاورة لرودس (منذ فتحها عام 1522م أضحت رودس قاعدةً رئيسيةً للبحرية العثمانية في البحر الإيجي)، إلا أن رياح السموم هبت بشدةٍ على سفنه ماأنهك مُجدّفي السفن، فأمرهم خير الدين بالاستراحة في جزيرة "كوس" حيث استعمل بعض اليونانيين من أبناء الجزر للتجديف إضافةً لآخرين قدموا من الأناضول ما يدل على نقصٍ لديه في المجدفين كافٍ للسفن الجديدة أو استغنائه عن بعضهم لثبوت عدم جدارتهم (كان يعتمد على اليد العاملة في التجديف كما الأسرى)، وبعدما حصل على بعض احتياجاته الضرورية انطلق إلى جزيرة "أستروبالاي" واستولى عليها. بلغ مجموع الجزر والقلاع التي استولى عليها كما يشير في مذكراته ثمانيةً وعشرين جزيرةً وسبع قلاعٍ تابعةً للبندقية رتب على كلٍّ منها حاميةً ومنها آخر معقلين للبندقية في المورة مونيمفاسيا Monemvasia ونافبليو Nafplion، كما أغار على "وابية" (أغريبوز)، وبلغ أسراه عشرين ألفاً عدداً. كان هذا على وجه التقريب في يوليو/تموز 1538م.[141][142][143]

معركة بروزة Battle of Prevezaعدل

 
خير الدين بربروس (يمين) وسنان ريس (يسار). لوحة لفنانٍ إيطاليٍّ مجهولٍ من عام 1535

"في العيون تبدو الهزيمة أول ماتكون"

نهاية المطاف عقدت جميع الأطراف العزم على تجميع أساطيلها عند ساحل جزيرة كورفو[139] وصلت سفن البندقية أولاً إلى جزيرة كورفو مكان ازدلاف الأسطول المسيحي. ثم قدم الأسطول البابوي بقيادة الأدميرال "ماركو جريماني [الإيطالية]" الذي أحسّ بالملل من انتظار بقية الأساطيل، فبادر بمهاجمة قلعة "بروزة" بأسطوله ذي الثلاث والثمانين قطعة، إلا أن "حسين شاه بك" حاكم قلعة "قارلي إيلي [الإنجليزية]" -التي كانت بروزة تتبعها- صدّ هجومه فيما كان يبعث بالرسل إلى السلطان سليمان الذي كان يغزو "البغدان" لإبلاغه بالتطورات. أخذ جريماني يقصف القلعة بالمدفعية البحرية لتغطية جنده في إبرارهم على الساحل، لكن حسين شاه بك بهجومٍ مباغتٍ استطاع خطف أولئك الجنود، فشدد جريماني القصف وأنزل جنوداً أخر، لكنه -متكبداً خسائرَ جسيمةً- لم يفلح بالاستيلاء على المدينة واضطر في النهاية للعودة إلى كورفو عقب سماعه بالأسطول العثماني في طريقه إلى بروزة.[144]

 
أندريا دوريا الأدميرال الجنوي قائد الأسطول الإسباني في المتوسط الذي يشهد التاريخ أنه لم يربح معركةً على خير الدين. ريشة سيباستيانو ديل بيومبو (1526)

تناهى إلى علم خير الدين هجوم جريماني على بروزة بينما كان مرابطاً في جزيرة كوس منذ آخر جولةٍ له في بحر إيجه وغزو كريت، فأرسل حملةً استطلاعيةً من عشرين سفينةٍ بإمرة طرغود ريس لاستطلاع الوضع، فصادف أربعين سفينةً للحلف، فعاد مسرعاً ليخبر بأنهم تجمعوا عند سواحل بروزة. في الوقت نفسه كان خير الدين يجمع الأنباء ومستجدات الأوضاع حتى حصل على معلوماتٍ مفصلةٍ بخصوص أسطول التحالف وأنه في طريقه لهجومٍ مشتركٍ ضده، فتحرك بأسطوله ذي المئة والاثنتين وعشرين سفينةً إلى بروزة ومعه عشرون ألف جندي من رجال البحر والمدفعيين ماعدا المجدفين. تتفاوت المصادر التاريخية في تحديد أعداد سفن أسطول التحالف. أشار خير الدين في مذكراته إلى أكثر من ستمئة سفينةٍ منها ثلاثمئةٍ وثمانية سفنٍ بحريةٍ، وعشرين ومئة سفينةٍ كبيرةٍ ناقلةٍ للجند، مع الآلاف من الجدافين، وأنه ينقل على متنه ستين ألف جندي. وعندما وصل خير الدين إلى بروزة استعداداً للنزال، كان أندريا دوريا المكلف بالقيادة قد وصل في 2 جمادى الأولى 945هـ/25 سبتمبر/أيلول 1538م.[145]

قبيل المعركة جمع خير الدين قادة أسطوله، وتشاور معهم حول ما بجب اتخاذه من إجراءات. أوصى بعض القادة بإنزال عددٍ من الجنود والمدافع إلى الساحل لمواجهة الكثرة العددية لقوات الحلف، فلم يعرب خير الدين في البداية عن رضاه بالفكرة، إلا أنه بعدما علم بمحاولات الحلفاء إبرار قواتهم سارع لإنزال جنده واستطاع وقف إبرارهم بواسطة القصف المدفعي. بعد ذلك أخذت قوات التحالف بقصف ساحل المدينة بالمدفعية، لكن بعض قادة الأسطول بادروا إلى إجبار سفن الحلف على التراجع والانسحاب عن طريق الخروج بسفنهم أمام الأسطول. تحركت قوات الحلف نحو مضيق بروزة ولما وصلته بدأت بمهاجمة السفن العثمانية الراسية في بروزة، فأمر خير الدين بقرع الطبول ورفع راية الحرب، والتحرك إلى الأمام. تقدم الأسطول العثماني ستة أميالٍ في عرض البحر، ومن ثم رسا، وماإن اجتمعت سائر السفن الأخرى حتى شرع بمهاجمة الخصم بصيّبٍ من قصفٍ مدفعي، استغرقت هذه المناورات سحابة النهار ومع المغيب بدأ أسطول الحلف بالانسحاب تحت جنح الظلام، فعاد خير الدين إلى الخليج وجمع مجلس قيادته لمناقشة المستجدات وما يجب إنجازه.[146]


تحرك دوريا -بموجب قرارات مجلس الحرب الخاص بالحلف الصليبي- جنوباً نحو مدينة ليبانت للهجوم عليها. انطلق أسطول الحلف بقيادة دوريا في ساعات الصباح الأولى من يوم 4 جمادى الأولى 945هـ/25 سبتمبر 1538م، وفي صباح اليوم ذاته أبحر الأسطول العثماني شمالاً نحو جزيرة كورفو [على مايبدو بناءً على استطلاعاته بأنها نقطة ازدلاف الأسطول المعادي]. أثناء إبحاره كلف خير الدين بعض الرجال بالصعود إلى صواري السفن لاستطلاع الأوضاع عن بعد، فرأى هؤلاء بعض سفن الحلف راسيةً على مقربة من جزيرة ليفكادا، وعليه فطن خير الدين لوجود الأسطول الخصم في المنطقة، فحول وجهته نحو الجنوب. وعندما أشرقت الشمس أدرك دوريا أن الأسطول العثماني يطارده مبحراً خلفه.

 
توزع الأسطولين المتحاربين في بروزة (1538)
 
سيدي علي ريس قائد الميسرة في بروزة

كانت الرياح في ساعات الصباح الأولى تهب في صالح أسطول التحالف حتى أرهق ذلك طواقم الأتراك، لكن مع سطوع الشمس انقطع هبوب الرياح لتتوقف حركة سفن الحلف الشراعية الكبيرة، وفي الأثناء بدأ خير الدين هجومه مما أدهش دوريا وأصابه بالحيرة، فقضى عدة ساعاتٍ في ترددٍ بالغٍ في خوض المعركة، وبعد طول تفكيرٍ قرر دخولها. التقى الأسطولان على بعد 3-4 أميال غرب ساحل جزيرة "ليفكادا". اتخذ الأسطول العثماني وضع الهلال. كان بربروس في الجناح الأوسط ومعه في سفينة القيادة ابنه حسن وربيبه حسن آغا، وكان على رأس السفن في الجناح الأوسط "سنان ريس"، و"جعفر ريس"، و"شعبان ريس"، أما الجناحان فالأيمن كان بقيادة "صالح ريس"، والأيسر بقيادة "سيدي علي ريس"، وكان على رأس الاحتياط في المؤخرة "طرغود ريس"، وجعل خير الدين "مراد ريس" و"صادق ريس" و"قوزلجة محمد" تحت إمرته. وأما دوريا فقد نظم أسطوله بحيث اصطفّت السفن الشراعية الكبيرة كنسقٍ أول في المقدمة تليها القوادس ذات المجاديف موزعة على ثلاثة أنساقٍ، ثم السفن ذات المجاديف الصغيرة، وجاءت السفن من النوع الذي كان يضم الأشرعة والمجاديف في آنٍ في المؤخرة. وكان دوريا يتمركز في صف قوادس النسق الثاني.

 
لوحة تخيلية تصور معركة بروزة بين الأسطولين العثماني والصليبي، ويبدو كل من درويا وخير الدين فيها. ريشة أوهانيس أوميد بهزاد عام (1866)

كان خير الدين يدرك التفوق العددي لأسطول العدو، لذلك لم يستسغ فكرة الهجوم عليه والالتحام معه وجهاً لوجه، فبدأ بمهاجمته بقصف مدفعي عن بُعد. وقد أحدثت المدفعية العثمانية بعيدة المدى خسائر كبيرة في صفوفه، حيث قام خير الدين بجعل أسطوله في موقع يمكِّن القذائف من دك سفن التحالف، وفي المقابل لم تستطع قذائف أسطول التحالف -الأقصر من حيث المدى- الوصول إلى سفن الأسطول العثماني. فبادر دوريا بإصدار أوامره لأساطيله بالاقتراب من الأسطول العثماني، وأراد أن يطوق الأسطول العثماني من الخلف مستقلاً القوادس في النسق الثاني من أسطوله إلا أنه فشل بتنفيذ هذه الخطة بسبب اقترابه من مدى المدفعية العثمانية التي لم تسمح له بذلك. وعمد دوريا إلى إعادة تنفيذ هذه الخطة ثانيةً إلا أن خير الدين كان قد أدرك المخطط، واتخذ التدابير اللازمة لمواجهته. فبينما كان دوريا يحاول تطويق الأسطول العثماني عمد خير الدين إلى تغيير اتجاه سفنه، وضرب قوات التحالف من الجنب. وعندما حاول دوريا إجراء مناورة عكسية، تحرك الأسطول العثماني في المقابل، ولم يعط فرصة لأسطول التحالف لمهاجمته. كان دوريا قد تمركز في صف القوادس الثاني ليتخذ السفن الكبيرة في النسق الأول درعاً يحتمي به من هجوم الأسطول العثماني، فقام خير الدين بهجومٍ مباغتٍ غير متوقعٍ قلب فيه الموازين، إذ هجم فجأةً على قوادس النسق الثاني لأسطول الحلف التي كان يتمركز فيها دوريا وأحدث شقاً في صفوفها، وبدأ بالاشتباك معها. كما بادرت القوات العثمانية الاحتياطية بمحاولة تطويق أسطول الحلف مجدداً. أذهل هذا الهجوم الأخير قادة أسطول التحالف -وخاصةً دوريا- بشكل كبير، ولذا بدأت سفنهم في التصادم ببعضها بعضاً ما أحدث خسائر فادحة فيها، فأصدر دوريا أمراً بالانسحاب وقد أدرك أن الأمور بدأت بالتدهور بعد المناورات الأخيرة. وفي الأثناء هبت رياح شديدة أسفرت عن إصابة أسطول الحلف بحالةٍ من التخبط غير أنها كانت سبباً في نجاته من براثن الأسطول العثماني لأنها استدارت حتى جعلت الرياح تهب من خلفها، وانطلقت مسرعة فراراً من الميدان. كان الليل بدأ يرخي سدوله فانتهز دوريا الفرصة وأمر سفنه بإطفاء المصابيح، واستطاع أن ينجو في ظلمة الليل، لكن هذه الخطوة تسببت في الوقت نفسه بإصابة العديد من سفنه بمدفعية الأسطول العثماني فيما توجه الأسطول صوب جزيرة كورفو.[147]

دامت المعركة خمس ساعاتٍ فقد أسطول التحالف فيها ستين سفينةً و2775 أسيراً، ولم يفقد الأسطول العثماني سوى بضع سفنٍ وثمانمئة جندي بين قتيلٍ وأسير. وقد منعت ظلمة الليل والرياح الشديدة أي محاولةٍ لتعقب سفن دوريا. أرسل خير الدين في الحال ربيبه حسن آغا (والي الجزائر) إلى السلطان سليمان القانوني لإخباره بالنصر، فتلقاه وهو عائد من غزو البغدان (مولدوفا)، واستمع إلى رسالة النصر من خير الدين، فأمر بإعلان النصر في شتى الولايات العثمانية وبمنحةٍ لخير الدين مائة ألف قطعة نقدٍ فضيةٍ مكافأة، وبعدما مكث خير الدين عند سواحل بروزة ما بين خمسة عشر إلى عشرين يوماً استولى على جزيرة كيفالونيا، ثم انطلق من سواحل اليونان الغربية إلى إسطنبول لقضاء الشتاء.[148]

حصار كاستيلنوفا 945هـ/1539معدل

 
البحر الأدرياتيكي
 
الغازي خسرو بك أمير البوسنة فاتح بلغراد يستقبل وفداً نمساوياً
 
رسم لمدينة كاستيلنوڤا في القرن الثامن عشر.

كانت الحرب العثمانية-البندقية الثالثة ماتزال مستعرةً، فبعد هزيمة الصليبيين في بروزة قام البنادقة بهجماتٍ عدةٍ على الحدود الغربية للدولة العثمانية ما دفع أمير سنجق البوسنة [الإنجليزية] "الغازي خسرو بك" (1480-1541) إلى الاستيلاء على قلعة "نين" الخاضعة للبنادقة والواقعة شمال غرب مدينة "زادار" الساحلية على الأدرياتيك Adriatic، كما تمكن من إحباط هجومٍ لهم على قلعة "نادين".

كانت مدينة "كاستيلنوڤا" Castelnuovo (بالإيطالية القلعة الجديدة) تتبع سنجق البوسنة العثماني (عاصمته سَراييفو) وتقع على مدخل "خليج كاتارو" من الشمال (تدعى اليوم هرسك نوفي [الإنجليزية] في دولة الجبل الأسود Montenegro) حازها العثمانيون مابين (1482-1797)، وخليج كاتارو عبارة عن خليجٍ ضيقٍ متعرجٍ بطول نحو ثلاثة كيلومترات يمكن حمايته بالمدفعية من اليابسة على جانبيه ويوفر ملجأً طبيعياً لعمارةٍ بحريةٍ خلال الشتاء وقاعدةً محميةً مثاليةً لاستخدامها للإغارة في الأدرياتيك ومضيق أوترانتو وعلى الساحل الشرقي لإيطاليا، وكان أندريا دوريا أراد الثأر لهزيمته ورأى أن استعادة كاستيلنوڤا الحصينة سيبعد خطر الوجود العثماني عن مضيق أوترانتو فضلاً عن رمزيتها لكونها مدينةً كاثوليكيةً وسط محيطٍ من الأرثوذكس (الصرب وشعب الجبل الأسود) والمسلمين (الألبان والبشناق) فهي تمثل حصناً للحضارة في وجه البربرية (من وجهة نظر الرأي العام الأوروبي)، فلبث على حذرٍ غير بعيدٍ (في كورفو غالباً) حتى إذا علم بمغادرة خير الدين انتظر نحو عشرة أيامٍ (ما يكفي وصوله الأستانة) ثم هاجمها وحاصرها بعد شهرٍ واحدٍ من معركة بروزة -مستغلاً الفترة الحرجة ما بين وصول الخبر واستنفار الدعم العسكري وإرساله ووصوله- ليضمن أكبر هامش زمنٍ للتحرك، وأنزل جنده إلى ساحل المدينة تحت وابلٍ من قصفٍ مدفعي. استمات المدافعون عنها، وفشلت محاولاتهم للانسحاب من قلعة المدينة وسقط الكثير منهم في هذه المحاولات، وقلّ عددهم ما دفعهم إلى الاستسلام نهاية الأمر، فترك دوريا حاميةً من ستة آلاف جندي فيها، ولم يستطع "الغازي خسرو بك" استردادها بالرغم من كل ما بذله من مساعٍ، فأوكل السلطان سليمان ذلك لخير الدين، فقدمها في أغسطس/آب 1539 على رأس عمارةٍ من مئةٍ وخمسين سفينةً، ووصل "خسرو بك" هو الآخر بقواته براً. رفض قائد الحامية الإسبانية استسلاماً مشرّفاً عرضه خير الدين. حوصرت المدينة وقلعتها عشرين يوماً من البر والبحر، وبعد قصفٍ مدفعيٍّ عنيفٍ، ونقب أسوارها وتسلل الجنود إلى داخلها تمكن من استعادتها في 25 ربيع الأول 945هـ/24 أغسطس/آب 1539م. [149] كان ذلك كل ما استطاع دوريا تحقيقه في حملته تلك.

اكتسبت تلك الموقعة أهميةً إضافيةً لأنها مثلت إقرار أوروبا الغربية (أو العالم المسيحي Christendom كما كانت تسمى وقتذاك) بفقدان حوض المتوسط الشرقي وإقلاعها عن محاولاتها لاستعادة شيءٍ من النفوذ فيه، لكن الأهم أنها اتخذت غرضاً في الأدب الشعبي الأوروبي (أشعارٌ وأهازيجُ وأغانٍ) بتشجيعٍ من الكنيسة لإظهار بسالة الإسبان وفروسيتهم وقلتهم وتشبيههم بأبطال الأساطير الإغريقية بوجه همجية الأتراك [150]، مع أن الأمر نفسه كان جرى بالمقابل عندما استعادها دوريا السنة السالفة. في ضوء الدراسات الحديثة حول المركزية الأوروبية (التمركز حول الذات) والاستعلاء تجاه الآخر والاستشراق -بالأخص بعدما جاء به إدوارد سعيد والمحدثون من تحليلاتٍ- سنجد معركةً صغيرةً على الحدود مثل حصار كاستيلنوڤا قد ضخّمت واستغلت دعائياً على أوسع نطاقٍ لترسيخ فكرة "الحضارة مقابل الهمجية" مثلما سيستخدم حصار نيس وأسطورة كاترين سيجورانس (1543) بعده بقليل، في حين تمّ التعتيم على أحداثٍ حقيقيةٍ يندى لها الجبين كمذبحة تونس (1535)، ومحاكم التفتيش الإسبانية.

البندقية تطلب الصلحعدل

عقب استعادة كاستيلنوفا صيف عام 945هـ/1539م استثمر خير الدين انتصاره لتوسيع النفوذ العثماني في المنطقة، فحاز الأراضي المجاورة لقلعة ريسان Risan على خليج كاتارو وأغار على الحصن البندقي على الخليج، ثم اتجه شمالاً فأغار على حصنٍ إسباني بجوار بيزارو Pesaro على الساحل الغربي للأدرياتيك (البر الإيطالي). لم ينوِ العثمانيون يوماً القضاء على البندقية، كان هدفهم من الحرب فرض نفوذهم على مياه المتوسط، وأرادوا منها دوماً تنشيط الحركة االتجارية مع مصر والشام وما يدره عليهم هذا من فوائدَ وأرباحٍ، لكن هذه الغارات وما سبقها من فتوحاتٍ شرقي المتوسط ومعركة بروزة، فضلاً عن توسعات والي البوسنة الغازي خسرو بك في دالماشيا أشعرت البنادقة باقتراب الخطر من عقر دارهم، وزادهم أن الحلف المقدس كان وبالاً عليهم، وأن استمرارهم فيه سيدفع السلطنة العثمانية للتشدد في شروطها، ورأوا خيراً لهم طلب الصلح منها على ما انتهت إليه الحرب من نتيجة، وفي أكتوبر/تشرين الأول 1540 توصلت البندقية إلى اتفاقٍ بشروطٍ قاسيةٍ، فقد أقرت للعثمانيين بما حازوه وبدفع ثلاثمئة ألف دوكةٍ ذهبيةٍ غرامة، وأضحت بذا خارج الحلف المقدس.

محاولة شارلكان استمالة خير الدين وغزو الجزائرعدل

أرسل شارلكان عن طريق أندريا دوريا وفداً إلى خير الدين في إسطنبول يعرض عليه سراً منصب قائد الاًسطول الإسباني في المتوسط وحاكماً على الممتلكات الإسبانية في شمال إفريقيا، وفي بعض المصادر ملكاً على الشمال الإفريقي مع معاهدةٍ مع إسبانيا يالتعهد بدفع جزيةٍ سنويةٍ، وفي سبتمبر/أيلول 1540 وبجهود خير الدين اعتقل الوفد وخابت مساعي شارلكان في ذلك.

مع نهاية عام 1540 لربما لم يك في أوروبا أحد أشد تميزاً من الغيظ من شارلكان فقد خذلته البندقية وعقدت صلحاً مع العثمانيين منسحبةً من الحلف المقدس؛ الحلف الذي دعت هي إليه وفشل حتى الآن في تحقيق أيٍّ من أهدافه فضلاً عن هزيمته المريرة في بروزة، وحبطت محاولة اجتذاب بربروس لتغيير ولائه. لم يك كبرياء شارلكان ليقبل بهذه المحصلة وعزم على تحقيق هدفه الخاص من الحلف "احتلال الجزائر"، فسارع في سريةٍ تامةٍ إلى حشد أسطولٍ هائلٍ -شاركت فيه الدول الباقية في الحلف عدا البندقية- من أربعمئةٍ وخمسين ناقلة جندٍ وخمسٍ وستين سفينة حربية شحنها بأربعةٍ وعشرين ألفاً من المشاة وألفي فارسٍ، وأسهم البابا بجيشٍ إيطالي بقيادة حفيده ثم أعلنها أخيراً حملةً صليبيةً -ما يعني مغفرة الخطايا لمن يشارك بها- ومنحها بركته ورايةً بابويةً وفتح باب التطوع لها.

في 28 جمادى الآخرة 948هـ الموافق 23 أكتوبر/تشرين الأول 1541 نزل شارلكان بقواته في خليج الجزائر بعدما استعرض ليومين أسطوله الضخم في البحر قبالة المدينة، ثم اتجه شمالاً بغربٍ حتى وصل البحر من جهتها الغربية وطوّقها براً وبحراً. كان حسن آغا ربيب خير الدين ونائبه على الجزائر -والذي لايملك إلا أقل من ستة آلاف مقاتل- قد استنفر رجال القبائل وأقسموا على القتال حتى آخر قطرة دمٍ، فشكل أولئك فرق فرسانٍ فدائيةً قليلة العدد خفيفة الحركة للانقضاض بأسلوب الكر والفر على مجنبات الجيش ومؤخرته أثناء مسيره. بعد إتمام الحصار هبت عاصفة ليلية هوجاء، ولم يكن الجيش أنزل بعدُ المدافع والخيام من السفن غطرسةً وثقةً بالنصر، فبات الجند في العراء وعلى الوحل وأفسد المطرُ مسحوق البارودَ، ومع تباشير الصباح شن المدافعون -بالرغم من فارق العدد- هجوماً على الطليان على الجناح الأيسر للعدو فأزالوهم عن مواقعهم حتى معسكراتهم، فأنجدهم فرسان مالطا، فانسحب المجاهدون أمامهم فتبعوهم إلى الأسوار -ظناً منهم بفرارهم- ففُتحت الأبواب ودخل المجاهدون، وبقي المهاجمون خارجها والمدافعون من فوق الأسوار يحصدونهم بنيرانهم ومدفعيتهم. هرع شارلكان لنجدة قواته وشن -لينقذ ماء وجهه- هجوماً عاماً لم يقدر له أي نجاحٍ في ظل معنوياتٍ منهارةٍ وفساد البارود وعدم وجود المدفعية لقصف الأسوار وتغطية الهجوم.

ثم جاء تحطم مئةٍ وخمسين سفينةِ نقلٍ بما عليها من مدافعَ ومؤنٍ جراء العواصف القوية ليزيد الطين بلّةً، وثار المجدفون الأسرى المسلمون في السفن الحربية ففُقدت السيطرة على ست عشرة منها ارتطمت بالساحل وأنقذ الجزائريون نحو ألفٍ وأربعمئةٍ منهم. أمام هذا الفشل الذريع ونفاد مؤن الجيش -كانت المؤن لم تُفرّغ من السفن بعد- انسحب الصليبيون بظروفٍ صعبةٍ جداً في مسيرٍ من أربعة أيامٍ اضطروا فيه لذبح الخيول للطعام، وزادهم رهقاً غارات الفدائيين التي لم تتوقف ليلاً نهاراً، ولم يقلع الأسطول إلا في 3 نوفمبر/تشرين الثاني نحو بجاية التي كان الجزائريون قد حاصروها ومنعوا عنها التموين، فلم يجد شارلكان ما يتقرب به إلى الله سوى الأمر بجمع اليهود من المدينة فقتل بعضهم واسترق الباقي.

أسفرت الحملة المنكوبة عن اثني عشر ألفاً بين قتيلٍ وغريقٍ وأسير، وخسارة مئتي سفينةٍ منها ثلاثون حربية، ومئتي مدفعٍ فضلاً عن الخسائر التموينية والمادية، فكانت من أسوأ ما أصاب البحرية الإسبانية من كوارثَ وربما لم تفُقْها إلا خسارة أسطول الأرمادا أمام إنجلترا (1588). وانفرط عقد الحلف المقدس فلم تقم له قائمة من بعد. هبّ خير الدين على رأس عمارةٍ كبيرةٍ من الأستانة لكنه وصل بعد انسحاب شارلكان، فبقي فترةً قصيرةً ثم أبحر باتجاه السواحل الإسبانية والإيطالية ليوقع رده على تلك الحملة المشؤومة.[151]

حملة فرنسا 1543-1544معدل

وفاتهعدل

 
ضريح خير الدين بربروس.

عام 1545م في نحو الخامسة والسبعين تقاعد خيرالدين في إسطنبول في داره على شاطئ بيوكديري Büyükdere شمال غرب البوسفور، وتفرغ ليملي مذكراته على سنان مُرادي ريَّس والتي بلغت خمسة أجزاءٍ بخط اليد معروضةٍ في متحف قصر طوب قابي Topkapı ومكتبة جامعة إسطنبول. نشرت المذكرات من قبل الأكاديمي التركي أحمد شيمشيرجيل، وحُوِّلت إلى روايةٍ بعنوان "البحر المتوسط كان لنا" من قبل م. إرطغرل دوزداغ.

عام 1546م توفي خيرالدين Hayreddin Barbarossa ودفن في ضريحه الذي بناه المعمار سنان عام 1541م على الطراز المعماري العثماني في بشيكطاش مجاوراً للمتحف البحري حالياً في الجزء الأوروبي من إسطنبول شمال القرن الذهبي.

وأقيم النصب التذكاري الملاصق لضريحه تخليداً لذكراه عام 1944.

أثرهعدل

 
نصب "خير الدين بربروس" عند المتحف البحري بإسطنبول.
 
رصيف "خير الدين باشا" البحري، بشكطاش، إسطنبول.
 
السفينة "بربروس" (1840م).
  • كان قباطين (باش قبودان) الدولة العثمانية يقفون على قبر بربروس في بشيكطاش وهم يرتدون القفاطين (بالتركية: Kaftan)، ويدعون الله ويوزعون الطعام صدقة للفقراء.
  • كانت السفن الحرب التركية ومازالت حتى اليوم، إذا خرجت إلى سفر أو إلى تدريب، تطلق قذيفة مدفع تحية لبربروس عند المرور أمام قبره.
  • تكريما لخير الدين بربروس باشا، قام النحاتان المشهوران علي هادي بارا (1906-م1971) (بالتركية: Ali Hadi Bara) و زهدي مريد اوغلو (1906-1992م) (بالتركية: Zühtü Müridoğlu) في أعوام 1941-1943م بنحت تمثال لبربروس نُصّب في منطقة بشكطاش بإسطنبول، وكُتب وراء التمثال الكلمات التالية للشاعر والكاتب والسياسي والدبلوماسي التركي يحيى كمال بياتلي (1884-1958م) (بالتركية: Yahya Kemal Beyatlı) : 
من أين تأتي أصوات المدافع تلك الآتية من أفق البحر؟
ربما بارباروس، مع البحرية!
هل هم راجعون من الجزر؟ أم من تونس أو الجزائر؟
مئتا سفينة مزينة في الأفق الحر
آتون من أرض الهلال الصاعد
من أي مدينة قادمة تلك السفن المباركة؟

الآراء والمواقف حولهعدل

رأي الغربعدل

رأي المسلمينعدل

عائلتهعدل

اخوته
  • إسحق ريس (لديه ابن اسمه مصطفى بك).[153]
  • عروج ريس.
  • إلياس ريس.
زوجاته
أولاده

معرض الصورعدل

انظر أيضاًعدل

ملاحظاتعدل

  • 1: لم يتم فتح بجاية بالكامل وطرد الإسبان منها في هذه الغزوة، إذ لم يتحقق ذلك إلى في عهد صالح ريس.[155]

المراجععدل

باللغة العربيةعدل

  1. أ ب النص الكامل متوفر في: http://www.oxfordreference.com/view/10.1093/acref/9780195382075.001.0001/acref-9780195382075 — المؤلف: Emmanuel K. Akyeampong و هنري لويس غيتس — العنوان : Dictionary on African Biography — الناشر: دار نشر جامعة أكسفوردISBN 978-0-19-538207-5
  2. ^ العنوان : تاريخ الجزائر في القديم و الحديث، ج3، مبارك بن محمد الميلي، مكتبة النهضة الجزائرية، الجزائر، ص60
  3. ^ Charles Quint (1500-1558) (باللغة الفرنسية). Flammarion. صفحة 574. ISBN 978-2-0813-4652-9. 
  4. ^ فريد بك المحامي & تحقيق: حقي 1981, p. 230
  5. ^ شاكر 2000, p. 104
  6. ^ المدني 1976, p. 192
  7. ^ دوبرا, بيشرو & ترجمة: السباعي 2015, p. 90
  8. ^ المدني 1976, p. 156
  9. أ ب العسلي 1980, p. 27
  10. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 22
  11. ^ العسلي 1980, p. 28
  12. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 72-73
  13. ^ العسلي 1980, p. 26
  14. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 27
  15. ^ المدني 1976, p. 156-157
  16. ^ أوزتونا & ترجمة: سلمان 1988, p. 241-242
  17. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 23: 33
  18. ^ أوزتونا & ترجمة: سلمان 1988, p. 242
  19. ^ أوزتونا & ترجمة: سلمان 1988, p. 242:243
  20. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 34: 41
  21. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 34-35
  22. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 41: 46
  23. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 10
  24. ^ أوزتونا & ترجمة: سلمان 1988, p. 245
  25. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 42-43
  26. ^ خنوف 2007, p. 58-59
  27. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 49
  28. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 50-51
  29. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 49: 53
  30. أ ب خنوف 2007, p. 60
  31. ^ المدني 1976, p. 162: 165
  32. ^ الميلي 1964, p. 35-36
  33. ^ أوزتونا & ترجمة: سلمان 1988, p. 246
  34. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 54: 56
  35. ^ المدني 1976, p. 167
  36. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 57: 61
  37. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 61-62
  38. ^ أوزتونا & ترجمة: سلمان 1988, p. 246-247
  39. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 62: 67
  40. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 67: 69
  41. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 71
  42. أ ب خنوف 2007, p. 58
  43. أ ب ت ث أوزتونا & ترجمة: سلمان 1988, p. 247
  44. ^ المدني 1976, p. 166
  45. ^ عبد القادر 2006, p. 49
  46. ^ عبد القادر 2006, p. 48-49
  47. ^ المدني 1976, p. 166-167
  48. ^ الميلي 1964, p. 36
  49. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 67-70-71
  50. ^ المدني 1976, p. 169
  51. ^ المدني 1976, p. 169: 171
  52. ^ خنوف 2007, p. 61-62
  53. أ ب الميلي 1964, p. 37-38
  54. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 71: 73
  55. أ ب خنوف 2007, p. 62
  56. أ ب ت بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 74
  57. ^ الميلي 1964, p. 43
  58. أ ب سعد الله 1998, p. 141
  59. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 50
  60. ^ عبد القادر 2006, p. 53
  61. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 50-51
  62. أ ب الميلي 1964, p. 44
  63. أ ب المدني 1976, p. 174
  64. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 51
  65. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 74: 76
  66. ^ الميلي 1964, p. 44: 46
  67. ^ المدني 1976, p. 174: 183
  68. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 51: 56
  69. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 77: 79
  70. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 79
  71. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 57
  72. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 80: 85
  73. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 57: 59
  74. ^ المدني 1976, p. 184: 186
  75. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 92-93
  76. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 86: 92
  77. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 59: 67
  78. ^ المدني 1976, p. 186: 192
  79. ^ الميلي 1964, p. 47: 51
  80. ^ عبد القادر 2006, p. 55
  81. ^ فيلافي 2002, p. 77
  82. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 70
  83. ^ الميلي 1964, p. 51
  84. ^ المدني 1976, p. 196-197
  85. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 72
  86. ^ الصلابي 2001, p. 211-212
  87. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 95: 100
  88. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 71-72
  89. ^ المدني 1976, p. 198
  90. ^ صالح 2006, p. 106: 108
  91. ^ صغيري 2011, p. 22: 25
  92. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 71
  93. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 75
  94. ^ الميلي 1964, p. 53-54
  95. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 93-94
  96. ^ المدني 1976, p. 205: 211
  97. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 75: 78
  98. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 78
  99. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 102: 105
  100. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 106: 109
  101. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 98: 101
  102. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 109-110
  103. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 109: 117
  104. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 117: 122
  105. ^ المدني 1976, p. 211: 213
  106. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 79: 81
  107. ^ الميلي 1964, p. 55
  108. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 83: 85
  109. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 123: 131
  110. ^ المدني 1976, p. 213-214
  111. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 131: 133
  112. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 133-134
  113. ^ عبد القادر 2006, p. 57
  114. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 85: 88
  115. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 134: 138
  116. ^ المدني 1976, p. 214: 218
  117. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 88-89
  118. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 138: 142
  119. ^ المدني 1976, p. 218: 220
  120. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 92: 95
  121. ^ المدني 1976, p. 221: 225
  122. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 148: 151
  123. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 152: 159
  124. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 159: 169
  125. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 101: 104
  126. ^ أوزتونا & ترجمة: سلمان 1988, p. 289: 291
  127. ^ أوزتونا & ترجمة: سلمان 1988, p. 291
  128. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 112: 110
  129. ^ أمجان & ترجمة: فاروق، كمال 2014, p. 189-190
  130. ^ أوزتونا & ترجمة: سلمان 1988, p. 291: 294
  131. ^ أمجان & ترجمة: فاروق، كمال 2014, p. 190: 196
  132. ^ التر & ترجمة: عامر 1989, p. 112: 123
  133. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 171: 180
  134. أ ب أوزتونا & ترجمة: سلمان 1988, p. 294-295
  135. ^ كوندوز، أوزتورك & ترجمة: علي، لطفي أوغلي 2008, p. 239
  136. ^ فريد بك المحامي & تحقيق: حقي 1981, p. 234
  137. ^ أوزتونا & ترجمة: سلمان 1988, p. 276-277
  138. ^ أمجان & ترجمة: فاروق، كمال 2014, p. 203-204
  139. أ ب بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 183-184
  140. ^ أمجان & ترجمة: فاروق، كمال 2014, p. 206-207
  141. ^ أوزتونا & ترجمة: سلمان 1988, p. 295
  142. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 181: 183
  143. ^ أمجان & ترجمة: فاروق، كمال 2014, p. 208-209
  144. ^ أمجان & ترجمة: فاروق، كمال 2014, p. 215-216
  145. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 184: 189
  146. ^ أمجان & ترجمة: فاروق، كمال 2014, p. 217: 219
  147. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 190: 192
  148. ^ أمجان & ترجمة: فاروق، كمال 2014, p. 219-222
  149. ^ أمجان & ترجمة: فاروق، كمال 2014, p. 234-235
  150. ^ قالب:Martínez Laínez,
  151. ^ العسلي، بسام: خير الدين بربروس، (نسخةpdf)، دار النفائس، بيروت، ط1، (1400هـ-1980م)، ص 150-165
  152. ^ Barbaros Hayrettin Pasa، اطلع عليه بتاريخ 05 ديسمبر 2017 
  153. أ ب أوزتونا & ترجمة: سلمان 1988, p. 303
  154. ^ أوزتونا & ترجمة: سلمان 1988, p. 301
  155. ^ بربروس & ترجمة: دراج 2010, p. 73

بلغاتٍ أجنبيَّةعدل

  1. ^ Bagley & Kissling 1997, p. 106
  2. ^ Aksan & Goffman 2007, p. 114
  3. ^ & Boularès 2011, p. 328
  4. ^ 1911 Encyclopædia Britannica/Barbarossa, Volume 3، (بالإنجليزية: على موقع ويكي مصدر Wikisource)، اطلع عليه بتاريخ 30 شعبان 1439 هـ الموافق 16 مايو 2018م
  5. ^ Capponi 2007, p. 30
  6. ^ Piracy: the complete history, Angus Konstam, page 80, 2008
  7. ^ Feeding people. feeding power: imarets in the Ottoman Empire, Nina Ergin, Christoph K. Neumann, Amy Singer, page 98, 2007
  8. ^ Between Venice and Istanbul: colonial landscapes in early modern Greece, Siriol Davies,Jack L. Davis, page 36, 2007
  9. ^ The Turks: Ottomans, Hasan Celâl Güzel, Cem Oğuz, Osman Karatay, Murat Ocak, 2002
  10. ^ İsmail Hâmi Danişmend, Osmanlı Devlet Erkânı, pp. 172 ff. Türkiye Yayınevi (Istanbul), 1971. (بالتركية)
  11. ^ Bozbora، Nuray (1997)، Osmanlı yönetiminde Arnavutluk ve Arnavut ulusçuluğu'nun gelişimi، صفحة 16 
  12. ^ Virginia H. Aksan & Daniel Goffman, The early modern Ottomans: Remapping the Empire, Cambridge University Press, 2007, ISBN 978-0-521-81764-6, p. 106.
  13. ^ Daniel Goffman, The Ottoman Empire and Early modern Europe, Cambridge University Press, ISBN 978-0-521-45908-2, p. 145.
  14. ^ Frank Ronald Charles Bagley et al., The Last Great Muslim Empires: History of the Muslim World, Brill Academic Publishers, 1997, p. 114.
  15. ^ Die Seeaktivitäten der muslimischen Beutefahrer als Bestandteil der staatlichen Flotte während der osmanischen Expansion im Mittelmeer im 15. und 16. Jahrhundert, p.548, Andreas Rieger, Klaus Schwarz Verlag, 1994
  16. ^ Capponi 2007, p. 30
  17. ^ Konstam، Angus (2016-08-25). The Barbary Pirates 15th-17th Centuries (باللغة الإنجليزية). Bloomsbury Publishing. ISBN 9781472815446. 
  18. ^ Clot 2005, p. 145

Martínez Laínez, Fernando; Sánchez de Toca Catalá; José María (2006). Tercios de España: la infantería legendaria (in Spanish). Madrid: EDAF. ISBN 978-84-414-1847-9.

المصادرعدل

باللغة العربيةعدل

بلغاتٍ أجنبيَّةعدل

  • Aksan، Virginia H.؛ Goffman، Daniel (2007)، The early modern Ottomans: Remapping the Empire (باللغة الإنجليزية)، Cambridge-UK: Cambridge University Press، ISBN 978-0-521-81764-6 
  • Bagley، Frank Ronald Charles؛ Kissling، Hans Joachim (1997)، The Last Great Muslim Empires: History of the Muslim World (باللغة الإنجليزية)، Brill-Netherlands: Brill Academic Publishers 
  • Boularès، Habib (2011)، Histoire de la Tunisie : les grandes dates de la préhistoire à la révolution (باللغة الفرنسية)، Tunis: Cérès Ed 
  • Capponi، Niccolò (2007)، Victory of the West : the great Christian-Muslim clash at the Battle of Lepanto (باللغة الإنجليزية) (الطبعة 1)، Cambridge, MA: Da Capo Press، ISBN 0306815443، OCLC 86222610 
  • Clot، André (2005)، Suleiman the Magnificent (باللغة الإنجليزية)، London: Saqi، ISBN 0863565107، OCLC 57118515 
  • Martínez Laínez, Fernando; Sánchez de Toca Catalá; José María (2006). Tercios de España: la infantería legendaria (in Spanish). Madrid: EDAF. ISBN 978-84-414-1847-9.

وصلات خارجيةعدل