باعلوي

سلالة من آل البيت

آل باعلوي أو آل أبي علوي أو بنو علوي سلالة من بني هاشم تنتسب إلى رسول الله محمد Mohamed peace be upon him.svg من آل الحسين بن علي بن أبي طالب. يسكنون منطقة حضرموت باليمن، وكانت بداية تواجدهم في حضرموت سنة 319 هـ/ 931 م بعد أن وصل جدهم أحمد المهاجر إليها ثم انتشروا بعد ذلك في أنحاء العالم.[1] يتبعون منهج أهل السنة والجماعة على المذهب الشافعي في الفقه، وعلى المذهب الأشعري في العقيدة، ولهم طريقتهم في والسير السلوك إلى الله وهي طريقة السادة آل باعلوي إحدى الطرق الصوفية المنتشرة في العالم الإسلامي.[2]

يرجع أصل تسميتهم (باعلوي) إلى أحد أجدادهم في النسب وهو علوي بن عبيد الله بن أحمد المهاجر، أول من سُمي بعلوي من ذرية المهاجر. وهي في اللغة الفصيحة (العلوي) وأتى استعمال (باعلوي) بعد تأثرهم بالحضارمة في طريقتهم في النسبة إلى آبائهم، ومعنى (با) عند الحضارمة (ابن). غير أنهم لا يستعملون هذين اللقبين إلا في التراجم والأنساب، وينسب الشخص إلى قبيلته، إلا أن هناك أفرادًا قليلين من بني علوي ما زالوا يلقبون بـ(باعلوي)؛ لعدم انتسابهم إلى بعض القبائل المشهورة. وينسب إلى آل باعلوي بنو أخويه بصري وجديد ابني عبيد الله بن أحمد المهاجر مجازًا؛ لشهرة نسب أخيهم علوي، خصوصًا أن بني بصري وبني جديد قد انقرضوا في أوائل القرن السابع الهجري.[3]

عُرف عن آل باعلوي الدعوة إلى الله تعالى ونشر العقائد والأفكار التي يحملونها بالحكمة والموعظة الحسنة. وكان منشئ طريقتهم ومؤسسها محمد بن علي باعلوي المعروف بـ"الفقيه المقدم" الذي ترك السلاح ووضعه في مرحلة زمنية كانت فيها القبائل مشغولة بحمل السلاح والقتال والتنازع فيما بينها على الحكم والرئاسة، فتبعه قومه العلويون، ونقلهم بذلك إلى الإطار الصوفي السلمي الذي يعطي أولوية للجانب التربوي الروحي ونبذ العنف والتعصب. وقد احتلوا المرتبة الأولى في السلم الاجتماعي في حضرموت لنسبهم الشريف، ودورهم الاجتماعي والمالي والإصلاحي بين الناس، ونشر وتعليم الناس مبادئ الإسلام، وإنشاء المساجد والمدارس العلمية، بالإضافة إلى تقدمهم في المراكز العلمية والفكرية التي جعلتهم يحتلون الصدارة في المجتمع.[4]

تاريخهم

بعد استشهاد الحسين بن علي حفيد رسول الله   في موقعة كربلاء لم ينج أحد من ولده إلا ابنه علي زين العابدين، فقد كان مريضًا ولم يقاتل مع والده، ورجع إلى المدينة المنورة مع من بقي من أهله. وكان ممن عاد معه من أهله ابنه محمد الباقر الذي شهد معركة كربلاء وهو صغير، فعاش حياته في المدينة ومن بعده ابنه جعفر الصادق كذلك. وأما علي العريضي فهو أصغر أولاد جعفر الصادق وأطولهم عمرًا، ولقب بـ"العريضي" نسبة إلى قرية العريض بالقرب من المدينة المنورة التي سكن بها. ومن أولاده محمد النقيب الذي انتقل من المدينة المنورة بعد موت أبيه إلى العراق وسكن البصرة وتديّرها وأصبح نقيبًا للأشراف هناك، وكذا ابنه عيسى الملقب بـ"الرومي" فقد تولى نقابة الأشراف في العراق بعد أبيه. وأعقب عيسى الكثير من الولد منهم أحمد المهاجر (جد آل باعلوي).[5]

كانت حياة الجد أحمد المهاجر في البصرة، وفي ربوعها ترعرع، وكان خلفاء بني العباس قد اتخذوا من العراق قاعدة لملكهم، وعندما بدأ الضعف يحل بهم ظهرت القلاقل والثورات، وراحت الفتن تعصف بالعراق شيئًا فشيئًا، وكان من أشدها القرامطة وهجومهم على البصرة في مطلع القرن الرابع الهجري، وظهور طائفة الزنج. وفي تلك الظروف المضطربة وفي عام 317 هـ بالتحديد، هاجر أحمد بن عيسى، الذي لقب لذلك بـ"المهاجر"، فارًّا بدينه من تلك الفتن الهائجة من البصرة إلى الحجاز مع صحبة سبعين من أهله وأتباعه، ليحط رحله عاما من الزمان بالمدينة المنورة، ثم غادرها إلى مكة المكرمة لأداء مناسك الحج، بعد أن دخلها القرامطة وانتزعوا الحجر الأسود. ولم يتيسر له التوطن بأحد الحرمين، فخرج من مكة متوجهًا إلى عسير، فاليمن، إلى أن وصل وادي حضرموت عام 319 هـ، فتنقل في قرى الوادي، ثم استقر في النهاية ببلدة الحُسيسة المعروفة الآن بشعب المهاجر. وبقدومه لأرض حضرموت انتشر مذهب أهل السنة وذهب نفوذ مذهب الإباضية الذي كان سائدا في تلك البلاد. واصل أولاد أحمد المهاجر من بعده التنقل في قرى الوادي، فاستوطنوا قرية سُمل مدة من الزمان، ثم ارتحلوا عنها وسكنوا قرية بيت جُبَير. وفي عام 521 هـ انتقل علي بن علوي الشهير بـ"خالع قسم" من ذرية المهاجر إلى مدينة تريم واتخذها موطنًا له ولأولاده. ومنذ ذلك الحين أصبحت تريم مقرًا لبني علوي إلى يومنا هذا.[2]

هجراتهم

هاجر بعض بني علوي في أواخر القرن السادس الهجري وبعده شرقًا إلى الهند والملايو وبورما وإندونيسيا والفلبين، وغربًا إلى كينيا وتنزانيا وأوغندا وجزر القمر وزنجبار وغيرها، ورجع كثير منهم إلى الحجاز. فالهند كلها على مذهب أبي حنيفة، إلا مناطق كجرات وأحمد آباد ومليبار، حيث ينتشر المذهب الشافعي بتأثير السادة بني علوي. وكذلك جنوب شرق آسيا، وساحل شرق إفريقيا، كلها مناطق سنيّة شافعية تبعًا للدعاة من بني علوي. والذين أدخلوا الإسلام إلى الهند الصينية وإندونيسيا، من ذرية أحمد بن عبد الله بن عبد الملك بن علوي عم الفقيه المقدم. ومنهم علي زين العابدين بن أحمد، الذي قدم إلى جوهور بالملايو، في القرن التاسع الهجري، وتزوج ابنة السلطان التي ولدت له محمد، الذي أبحر من جوهور على المراكب الشراعية إلى خليج منداناو بالفلبين، فكان أول من دعا أهلها إلى الإسلام. وقد انتشر وجودهم وبقيت ذراريهم إلى اليوم في القرى النائية من تلك البلاد التي قصدوها.[6]

جهودهم الدعوية

كان للعلويين الحضارم دور كبير في نشر الإسلام والعلم والهدي النبوي في جنوب شرق آسيا ونواحي أفريقيا، حيث ذكرت كتب التاريخ الإسلامي واليمني، وحتى الغربي والاستشراقي، انتشار الإسلام في الهند وجنوب شرق آسيا، والتي تشمل إندونيسيا وبروناي وماليزيا وسنغافورة وفطاني والفلبين حتى مشارف كوريا واليابان وأرض سيام وكمبوديا على يد السادة الأشراف من بني علوي الحسينيين. وأول من اشتهر بالهند من أبنائهم هم بنو عبد الملك، فقد انتشروا هناك واتصلوا بملوك وزعماء المسلمين بالهند، ولهم مكانة عالية بين مسلمي الهند ويُدعون بآل عظمة خان، وكان منهم الدعاة والساسة والجنود، ثم انتقلت ذريتهم إلى جزر الهند الشرقية التي عرفت فيما بعد بإندونيسيا، أو أرخبيل الملايو، فكان لهم بها شهرة فائقة. أما نشرهم الإسلام في نواحي أفريقيا فقد كان للسادة آل باعلوي الفضل والشرف في دخول الإسلام ونشره وتوسيع رقعته في نواحي شرق أفريقيا؛ بدءًا من أقصى شمال إريتريا ومرورًا بالحبشة والصومال وكينيا وتنزانيا وأوغندا وجزر القمر ومدغشقر وحتى الموزمبيق في أقصى الجنوب. ويذكر بعض الباحثين أن السادة آل باعلوي قدموا للعالم الإسلامي مثله مساحةً وسكانًا بإدخالهم الإسلام إلى شرق آسيا وشرق أفريقيا.[4]

مذهبهم

المذهب الفقهي الذي عليه السادة آل باعلوي هو مذهب الإمام الشافعي، الذي قدر له الانتشار في اليمن في عهد مبكر. وقد كان للمهاجر أحمد بن عيسى (جد آل باعلوي) الدور البارز في انتشار مذهب الشافعي في حضرموت قبل سائر اليمن في تلك الحقبة، حيث أن انتشار المذهب الشافعي في اليمن كان في حدود سنة 340 هـ فما بعد، فيكون انتشاره بحضرموت بواسطة أحمد المهاجر قبل ذلك التاريخ. ولم يقف دورهم على مجرد التمذهب بمذهب الشافعي، بل لهم في إحيائه ونشره، وتحريره والتصنيف فيه القدر الكبير، فضلًا عما أنشؤوه من معاهد وأربطة ومدارس كثيرة، وما نشروه من اتّباع المذهب ودرسه وتدريسه في أنحاء المعمورة كشرق آسيا وإفريقيا والهند وغيرها من البقاع. أما المذهب العقدي لهم فهو المذهب السنّي الأشعري، وذلك بعد استقرار أمر حضرموت على مذهب أهل السنة مع زوال شوكة الإباضية منها. فآل باعلوي من قديم نشأتهم انتهجوا المذهب الأشعري في الأصول، ومذهب الشافعي في الفروع، وهو ما عليه عمدتهم أبو حامد الغزالي.[2]

تصوفهم

لقد كان عبيد الله بن أحمد المهاجر أول صوفي تعرفه حضرموت حيث لم يذكر التاريخ اسم صوفي بها قبله، فقد تلقى علم التصوف عن الشيخ أبي طالب المكي عندما حج سنة 377 هـ، ثم تلقى هذا العلم من بعده ذريته، ولكن هذه الأنفاس الفردية لم تتخذ في الواقع تأثيرًا شاملًا كمدرسة ومنهج بل اتخذت شكلًا وراثيًا عائليًا في ذرية آل أبي علوي إلى أن جاء الفقيه المقدم محمد بن علي. فجمع بين طريقتين: طريقة آبائه وأجداده، وطريقة أبي مدين شعيب المغربي، ثم حولهما إلى منهج عملي ومدرسة سلوكية في الحياة. وبذلك يكون الفقيه المقدم أول من وضع قواعد الأساس لطريقة السادة آل أبي علوي إحدى الطرق الصوفية التي ينسب إليها الفضل في انتشار الإسلام على مساحة جغرافية واسعة، فقد جاء الفقيه المقدم في طريق الله بأسلوب عجيب ومسلك قريب، جمع في ذلك بين العلم والحال، والتحلي بالآداب الشرعية ومحاسن الأخلاق. ولقوة استعداده وأتباعه من أولاده وثبات طريقتهم، بقي ظهورها فيهم، ولم يزالوا لها يتوارثون. وغدا بنو علوي إلى اليوم من أهم مصادر التصوف في حضرموت.[7]

أعمالهم التنموية

كانت حضرموت من أقل بلدان الجزيرة العربية ثروة وليس فيها ما يغري من الأمن والولاء والأعوان، ولكن أحمد المهاجر قصدها ورأى أن يأتي حضرموت لما فيها، وكان رجلًا ثريًا جدًا، فبذل الأموال الطائلة في بناء الديار وتملك العقارات. واستمر أولاده من بعده كذلك، واشتغلوا بالزراعة، واشتروا الأراضي وغرسوها نخيلا وأشجارا، وبنوا البلدان، فقد أسس عبيد الله بن أحمد المهاجر بيت جبير وصارت بلدة عامرة وزراعية، واشترى علي بن علوي أرضًا بعشرين ألف دينار وسماها قِسَم باسم أرض بالبصرة تملكها أسرته، وبنى بها دارا وأنشأ حولها مزارع واسعة حتى صارت بلدة قائمة إلى اليوم. وأسس غيرهم بلدانا أخرى كثيرة. وكان محمد صاحب مرباط شهيرًا بزراعته وتجارته، إلى جانب شهرته بحماية القوافل التي تحمل التجارات، حتى اشتهرت به مدينة مرباط وانتعشت وعمرت. فبعد وصول المهاجر إلى حضرموت واستقراره بها هو وأبناؤه وحفدته ومن بعدهم تحولت حضرموت من حالة ضنك وفاقة إلى حالة يسر وثراء، حيث انتشرت الزراعة في نواحي الأودية وامتدت وانتعشت أراضي بالنخيل والزروع، وحفرت آبار، وأنشئت سدود لتوزيع مياه السيول شهدت بها الآثار وبقايا البلدان.[8]

صفاتهم

كان بنو علوي ولا زالوا أهل علم، يسعون في طلبه ثم في تعليمه، ويحثون الناس على تحصيله. قال الإمام الحداد: "ما وجدنا الخير كله إلا في العلم، ولولا العلم ما عرف العبد ربه، ولا عرف كيف يعبده". ويزهدون في الدنيا، مع بذل جهدهم ما استطاعوا في الاستتار، واجتناب الشهرة، فيقول أيضًا: "الشهرة ليست من عادة ساداتنا آل باعلوي"، ويقول: "لا يزال في كل زمان من آل باعلوي أولياء، ما بين ظاهر أو خامل، ولا يكون الظهور إلا لواحد منهم والبقية خاملين، إذ لا حاجة إلى ظهور اثنين أو ثلاثة من بيت واحد وبلد واحد. والستر على حالين: ستر الوَلِيّ عن نفسه، بحيث لا يعرف بأنه وَلِيّ، وستر الإنسان عن غيره بأن يعرف هو بأنه وَلِيّ، ويخفى ذلك عن غيره ولا يطلع منه الغير على ذلك". وكانوا يربّون طالب العلم على مكارم الأخلاق، ويهذبونه ويؤيدونه، إلى أن تصبح سيرته كلها محمدية. قال الحبيب عيدروس بن عمر الحبشي: "كان السادة بنو علوي أدناهم في العلم من يكون عنده ما يغنيه عن علم غيره من العلماء، وكان كل واحد منهم يحفظ مناقب أهله وسيرهم وكراماتهم، وكان أكثر الأخذ منهم للعلم والأدب بالتلقي، والتأدب بالحال، لا بكثرة القراءة في الكتب والقيل والقال". وقال الحبيب أحمد بن حسن العطاس: "كان السلف الصالح من العلويين وغيرهم يربّون طالب العلم على سلامة الصدر، وحسن الظن بالله، وبخلق الله، والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، ومراعاة الحقوق لأهلها، وتعظيم العلم والعلماء والأولياء والمؤمنين والمسلمين. ويراقبون قلوبهم وأسماعهم ويحفظونها عن كل ما يدخل التشويش مما حصل سابقا، لأجل أن تبقى قلوبهم نقية وطاهرة وصافية ونفوسهم مطمئنة، وهممهم معلقة بالخير وأسبابه".[6]

عاداتهم وتقاليدهم

هناك عادات وتقاليد وآداب عامة يزاولها كل أبناء الشعب الحضرمي ويشترك في القيام بها، وكثير منها موروث ومأخوذ من الآداب الإسلامية، ومن ذلك تقبيل اليد، حيث أن المشايخ آل بافضل كانت تُقبل أيديهم احترامًا لهم، فلما جاء العلويون إلى حضرموت أشاروا إلى أبناء الشعب بأن يحولوا هذا التقبيل إلى العلويين لأنهم أحق به. فيُقبل غير العلوي يد العلوي ويلقبه بالسيد وبالحبيب إشارة إلى محبته له من أجل انتمائه إلى الرسول محمد  ، واعترافا بما قدمه أجداده من خدمات علمية وإصلاحية لهذا الشعب. ومن عاداتهم أنهم لا يزوجون نساءهم لغير العلوي أو الشريف في النسب لما نصّ عليه الإمام الشافعي في مذهبه بمراعاة شرط الكفاءة من ناحية النسب في النكاح، ولكن هذه العادة أخذت في التلاشي عند المهاجرين منهم خاصة؛ لعدم توفر المكافئ لهم في بعض بلاد المهجر، بالإضافة إلى تغير أحوالهم التي كان أجدادهم عليها. ولهم في تريم مقبرة خاصة تسمى بمقبرة زنبل يدفن فيها كل من ينتسب إلى بني علوي، وهي إحدى ثلاث مقابر متجاورة الاسم الجامع لهم مقبرة بشّار. وفي مكة المكرمة أيضًا لديهم حوطة خاصة بهم في مقبرة المعلاة تسمى بحوطة السادة العلويين.[7]

نقابتهم

تأسست نقابة للسادة العلويين في الثلث الأول من القرن التاسع الهجري، وهي عبارة عن منظمة تتركز في إدارة الحياة العملية العامة التي يعيشها العلويون، ونصّت اتفاقيتهم أو معاهدتهم الأساسية على أن لا يحيدوا في أعمالهم وفي معاملاتهم عن دائرة الشرع الشريف، وأن يضبطوا أوقافهم وصدقات مساجدهم ويضعوها في مواضعها ومصارفها الشرعية، ويعينوا لها نظارًا أكفاء، وأن ينصروا من أصيب منهم بمظلمة بالوسائل السلمية. وانتخبوا عمر المحضار بن عبد الرحمن السقاف ليكون أول نقيب عليهم ورئيسًا لإدارة نقابتهم التي تتألف من عشرة منتخبين من أعيانهم، وعلى كل فرد من العشرة خمسة ضمناء في أن لا يخالفوا الطريق المرسوم له في الإدارة، وإذا لم يؤد واجبه بكفاءة يبدل بآخر يعينه النقيب إلى غير ذلك من الترتيبات، ويقوم بتنفيذ مواد الاتفاقية حاكم تريم المتولي على حصن الرناد، قصر الحكم آنذاك. وكان لهذه النقابة أثر كبير في استمرار العلم والثقافة والتربية الإسلامية فيهم جيلا بعد جيل، وقد تولى بعد المحظار نقباء آخرون منهم عبد الله العيدروس، وأبو بكر العدني، وأحمد بن علوي باجحدب. ولكن النقابة انقطعت فيما بعد القرن الحادي عشر الهجري، وإن بقيت آثارها الأدبية إلى اليوم.[7]

مناصبهم

المناصب جمع "مُنصِب" وهو المرجع في الأمور الهامة والمشاكل الاجتماعية، وكما يطلق على المقام والوجاهة والشرف والحسب، والمناصب منتشرون في معظم مدن وقرى وأودية حضرموت، وشغلهم غالبا التفرغ لإصلاح ذات البين وعقد الصلح والهدنة بين القبائل المسلحة، وإرشاد الجهال والقيام بنشر المبادئ الإسلامية في الأماكن البعيدة عن الدعاة بأنفسهم وبتلاميذهم، وقِرَى الضيف بأن تكون ديارهم مفتوحة دائما وكل وقت للنزلاء والغرباء من الحضر والبدو. وقد تأسست هذه المناصب في القرن العاشر الهجري، وأول من عرف بتأسيس المنصبة من بني علوي أحمد بن حسين العيدروس وابنه عبد الله المتوفيان بتريم، والشيخ أبي بكر بن سالم المتوفى بعينات. وهؤلاء المناصب يتمتعون بالوجاهة والنفوذ الروحي وحسن العقيدة فيهم بين القبائل المتسلحة، ولهم سلطة عليهم في حدود معينة. ومن أبرز القبائل العلوية التي تحدرت منها المناصب آل الشيخ أبي بكر بن سالم ولهم وجاهة عظيمة لدى القبائل اليافعية والمهرة والمناهيل وغيرهم، وآل العطاس ووجاهتهم أكثر لدى قبائل الجعدة ونهد، وآل العيدروس ووجاهتهم لدى القبائل الشنفرية والتميمية.[7]

ألقابهم

السادة أو سادة حضرموت

لتمييزهم عن باقي قبائل وعشائر حضرموت حيث يطلق عليهم هذا اللقب لانتمائهم إلى آل البيت النبوي.

العلويون أو علويو حضرموت

وسبب التسمية قديمًا حيث أنهم أحد فروع ثلاثة:[9]

  1. البصريون: ذرية بصري بن عبيد الله بن أحمد المهاجر، انقرضوا في القرن السابع الهجري.
  2. العلويون: ذرية علوي بن عبيد الله بن أحمد المهاجر، بقيت إلى الآن وإليها ينتسب آل باعلوي.
  3. الجديديون: ذرية جديد بن عبيد الله بن أحمد المهاجر، انقرضوا في القرن السابع الهجري.

كما أن اللقب "العلوي" يطلق أيضًا على من ينتسب إلى الإمام علي بن أبي طالب، وقد يطلق أحيانًا على الموالين له في بعض العصور. فليس منهم:[3]

  • العلويون بالمغرب: وهم أشراف حسنيون منهم ملوك المغرب الآن، الذين جاء جدهم الحسن بن قاسم الحسني من الحجاز إلى المغرب، ومنهم فرع يسكن المدينة حاليا يُعرفون بالأشراف المغاربة.
  • طائفة العلويين في سوريا: وقد أطلق عليهم هذا اللقب مؤخرًا وهو إطلاق يفيد معنى الموالاة للإمام علي لا الانتساب إليه، وكانوا يسمون "المتاولة" أو "المتولية"، و"النُصيرية" سابقا.
  • العلويون بشنقيط: نسبة لقبيلة ذوي علي، قيل أنهم ينتسبون إلى محمد بن علي بن أبي طالب، وقيل إلى علي آخر هو جد القبيلة.
  • بنو علي: بطن رئيسي من مسروح من قبيلة حرب بن سعد بن خولان، كانت ديارها عوالي المدينة ثم انساحت إلى نجد شرق القصيم، ولازال لهم وجود في نواحي المدينة، والنسبة إليهم (علوي).
  • العُلُوات: فرع من الأشراف العمور من الأشراف آل بركات بن أبي نمي الثاني القتادي الحسني، والنسبة إليهم (عِلِوي).
  • آل علي: فرع من آل أبي القاسم بن حسن بن عجلان بن رميثة بن أبي نمي الأول القتادي الحسني، ويقال للفرد منهم (العَلَوي)، ويسكنون الليث وضواحيها.
  • العُلَوات: بطن من البطنة من الصواعد من عوف من مسروح من قبيلة حرب، والنسبة إليهم (علوي).

الحبيب

كان السادة من آل باعلوي يلقبون بالإمام والشيخ إلى حوالي القرن الحادي عشر الهجري، ثم أطلق على الأكابر والعلماء منهم لقب "الحبيب" فيقال الحبيب عبد الله الحداد، والحبيب أحمد بن زين الحبشي، ولا يزال هذا لقبهم إلى اليوم.[6] وأول من اشتهر وعرف بهذا اللقب هو الحبيب عمر بن عبد الرحمن العطاس المتوفى سنة 1072 هـ.

آل بصري وآل جديد

وهم أبناء عمومة لآل باعلوي ذرية بصري بن عبيد الله بن أحمد المهاجر وذرية جديد بن عبيد الله بن أحمد المهاجر وقد انقطع نسلهم على رأس الست مئة الهجرية. كان الغالب على ذريتهم الفقه والعبادة والتبحر في فنون العلم والعمل، ولكن اندرست أخبارهم، وأهملت فضائلهم ولم يبق ذكر أحد منهم إلا عدد قليل من الرجال، حيث كان أهل حضرموت يتناقلون الأخبار بالمذاكرات، ولم يقيّدوها بالكتابة في الكتب. كانت لبني بصري الرياسة العلمية بتريم، وكانت لهم حارتان بها إحداهما تعرف الآن بحافة آل العيدروس بقرب مسجد العيدروس، والثانية حافة مسجد الحبوظي. ولهم مآثر عديدة أهملت ولم تقيد. ثم انقرض نسل بني بصري، وانتقلت رياسة الفقه والعلم وتقدمة المشيخة من بعدهم إلى بني عمهم جديد، وكانت حارتهم بتريم عند مسجدهم الذي يعرف الآن بمسجد بروم. ثم إن بني جديد انقرضوا أيضًا، فتفرد بنو علوي برياسة العلم والدعوة والإرشاد بتريم، وانحصرت الذرية الشريفة الباقية إلى اليوم فيهم.[10]

نسبهم

حافظ بنو علوي على أنسابهم صافية نقية، ولهم في ذلك كتب معروفة، ومشجّرات دقيقة محفوظة، سُلِّم لهم؛ لحفظ أنسابهم، يقول القاضي جعفر اللبني أحد مؤرخي مكة: "وأكثر السادة قاطني مكة والمدينة هم آل باعلوي الذين انتشر ذكرهم في حضرموت، ثم صاروا يقدمون من حضرموت إلى مكة والمدينة وغيرهما من بلاد الله، فهؤلاء السادة هم المسلَّم لهم؛ لحفظ أنسابهم، وهم المعروفون عند نقيب السادة في مكة والمدينة، ولا يكون نقيب السادة إلا منهم، وتضبط مواليدهم أينما كانوا، وتُحصر أسمائهم، وتحفظ أنسابهم على الطريقة المعروفة عندهم، لاقتسام وارداتهم من أوقاف ونحوها، ومن عداهم من كل من انتمى إلى النسب الطاهر سواء كان مصريًا أو شاميًا أو روميًا أو عراقيًا؛ فإنهم على كثرتهم لم يسلَّم لهم؛ لعدم ضبط أنسابهم على قاعدة سليمة عند الجمهور، غير أن بعضهم قد تقوم معه قرائن يحصل بها بعض الظن عل صدق مدَّعاه".[3]

كتب ومشجرات اختصت بحفظ أنسابهم

  • «الجواهر السَّنية في نسبة العِترة الحُسينية» لعلي بن أبي بكر السكران
  • «غُرر البهاء الضوي في مناقب بني جديد وبني بصري وبني علوي» لمحمد بن علي بن علوي خرد
  • «الشجرة النبوية في تحقيق أنساب السادة العلوية» لعبد الله بن شيخ العيدروس
  • «المشرع الروي في مناقب السادة بني علوي» لمحمد بن أبي بكر الشلي
  • «العقد النبوي والسر المصطفوي» لشيخ بن عبد الله العيدروس
  • «شمس الظهيرة في نسب أهل البيت من بني علوي» لعبد الرحمن بن محمد المشهور
  • «خدمة العشيرة في تلخيص وتهذيب وتذييل شمس الظهيرة» لأحمد بن عبد الله السقاف
  • «من أعقاب البضعة المحمدية الطاهرة» لعلوي بن محمد بلفقيه
  • «المعجم اللطيف في أسباب الألقاب والكنى في النسب الشريف في بني علوي» لمحمد بن أحمد الشاطري
  • «الشجرة الزكية في الأنساب وسير آل بيت النبوة» ليوسف بن عبد الله جمل الليل
  • «الروض الجلي في نسب بني علوي» لمرتضى الزبيدي الحسيني

وقد حُفظت أنسابهم في مشجّرة عامة كبيرة تقع في خمسة عشر مجلدًا، جمعها النسابة عبد الرحمن المشهور صاحب «شمس الظهيرة»، فكانت هي الشجرة المعتمدة، ومازال يُسجل فيها إلى يومنا هذا في الحجاز واليمن وحضرموت ودول شرق آسيا وشرق أفريقيا، وحُفظ أصلها في تريم بحضرموت، واعتمدت عليها رابطة السادة العلويين في جاكرتا بإندونيسيا. وهناك مشجّرة عامة مشهورة للمُسنِد عيدروس بن عمر الحبشي، ومشجّرة عامة أخرى كانت محفوظة بمكة كان يقوم بالتدوين فيها القاضي أبو بكر بن أحمد بن حسين الحبشي. ومع وجود هذه المشجّرات العامة، وُجدت مشجّرات خاصة لكثير من قبائل بني علوي، يسجلون فيها أنسابهم.

واقعة إثبات نسبهم

بعد أن استوطن أحفاد المهاجر تريم طلب بعض الولاة منهم إثبات نسبهم توكيدًا لما إدعوه وأن يكون ذلك بمقتضى حكم قضائي، وكان بتريم إذ ذاك ثلاث مئة مفتي، فسار علي بن محمد بن جديد المتوفى سنة 620 هـ إلى العراق وأثبت النسب عند قاضيها وأشهد عليه مئة من العدول ممن أراد الحج، ثم التقى هؤلاء الشهود بحجاج حضرموت في مكة وشهدوا لهم بذلك، فلما قدم هؤلاء الحجاج الحضارم إلى حضرموت وشهدوا بإثباته اعترف الناس لهم بالنسبة الشريفة وأقروا لهم بالفضل وأجمع المشايخ والعلماء على ذلك.[11]

ومن المعلوم أن أحمد المهاجر عندما جاء إلى حضرموت لازال لديه أسرة وأقارب بالبصرة حيث بقي ابنه محمد على أمواله، وكذلك ابناه علي والحسين، وقد ذهب حفيده جديد بن عبيد الله للنظر في تلك الأموال وزيارة الأقارب. ثم استثمر أبناء وحفدة المهاجر بحضرموت من ريع أموالهم بالعراق سنين طويلة، فكانوا على اتصال بموطن أجدادهم وببني أعمامهم هناك، وكانت عندهم أخبارهم والقادمون منهم يذكرونهم بسيرتهم وتاريخهم.[8]

سلسلة نسبهم

يجتمع آل باعلوي في شجر أنسابهم إلى محمد صاحب مرباط وينقسمون بعده إلى فرعين: فرع ينتسب إلى (عم الفقيه المقدم) علوي بن محمد صاحب مرباط، وفرع ينتسب إلى (الفقيه المقدم) محمد بن علي بن محمد صاحب مرباط.[12]

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
محمد
صلى الله عليه وسلم
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
فاطمة
الزهراء
 
 
 
علي
ابن أبي طالب
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الحسين
السبط
 
علي
زين العابدين
 
محمد
الباقر
 
جعفر
الصادق
 
علي
العريضي
 
محمد
النقيب
 
عيسى
الرومي
 
أحمد
المهاجر إلى الله
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
علوي
عم الفقيه المقدم
 
محمد
صاحب مرباط
 
علي
خالع قسم
 
علوي
صاحب بيت جبير
 
محمد
صاحب الصومعة
 
علوي
صاحب سمل
 
عبيد الله
صاحب العرض
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الفقيه المقدم
محمد
 
علي
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
(سلسلة نسب أصول السادة آل باعلوي)

المراجع

  1. ^ الفضالة, صالح حسن (2013). الجوهر العفيف في معرفة النسب النبوي الشريف. بيروت، لبنان: دار الكتب العلمية. صفحة 104. مؤرشف من الأصل في 13 ديسمبر 2019. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  2. أ ب ت بن سميط, زين بن إبراهيم (2005). المنهج السوي شرح أصول طريقة السادة آل باعلوي. تريم، اليمن: دار العلم والدعوة. مؤرشف من الأصل في 13 ديسمبر 2019. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  3. أ ب ت الحبشي, أيمن بن محمد. إتحاف الأحبة في بيان مشتبه النسبة (PDF). مؤرشف من الأصل (PDF) في 18 مارس 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  4. أ ب السقاف, عبد العزيز محمد. "العلويون في اليمن.. درس تاريخي". اليمني الجديد. مؤرشف من الأصل في 11 مايو 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  5. ^ جمل الليل, يوسف بن عبد الله (1423 هـ/ 2002 م). الشجرة الزكية في الأنساب وسير آل بيت النبوة (الطبعة الثانية). الرياض، المملكة العربية السعودية: مكتبة جل المعرفة/ مكتبة التوبة. مؤرشف من الأصل في 06 يوليو 2018. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة); تحقق من التاريخ في: |تاريخ= (مساعدة)
  6. أ ب ت البدوي, مصطفى حسن (1994). الإمام الحداد مجدد القرن الثاني عشر الهجري. دار الحاوي. مؤرشف من الأصل في 13 ديسمبر 2019. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  7. أ ب ت ث الشاطري, محمد بن أحمد (1415 هـ). أدوار التاريخ الحضرمي. المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية: دار المهاجر. مؤرشف من الأصل في 04 أكتوبر 2018. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة); تحقق من التاريخ في: |تاريخ= (مساعدة)
  8. أ ب شهاب, محمد ضياء; عبد الله بن نوح (1400 هـ). الإمام المهاجر (PDF). جدة، المملكة العربية السعودية: دار الشروق. مؤرشف من الأصل (PDF) في 27 يناير 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة); تحقق من التاريخ في: |تاريخ= (مساعدة)
  9. ^ المشهور, أبو بكر بن علي (1422 هـ). الإمام عبيد الله ابن المهاجر سلسلة أعلام حضرموت 2 (PDF). عدن، اليمن: أربطة التربية الإسلامية فرع الدراسات وخدمة التراث. مؤرشف من الأصل (PDF) في 18 مارس 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة); تحقق من التاريخ في: |تاريخ= (مساعدة)
  10. ^ خرد, محمد بن علي (1423 هـ). غرر البهاء الضوي ودرر الجمال البديع البهي. القاهرة، مصر: المكتبة الأزهرية للتراث. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة); تحقق من التاريخ في: |تاريخ= (مساعدة)
  11. ^ الحامد, صالح بن علي (1423 هـ). تاريخ حضرموت. الجزء الأول. صنعاء، اليمن: مكتبة الإرشاد. صفحة 309. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة); تحقق من التاريخ في: |تاريخ= (مساعدة)
  12. ^ الكاف, سقاف بن علي. دراسة في نسب السادة بني علوي (PDF). مؤرشف من الأصل (PDF) في 18 مارس 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)

وصلات خارجية