افتح القائمة الرئيسية

الإيثار في الإسلام

(بالتحويل من الإيثار)


الإيثَار لغةً: مصدر آثر يُـؤْثِر إيثَارًا، بمعنى التَّقديم والاختيار والاختصاص، فآثره إيثارًا اختاره وفضله، ويقال: آثره على نفسه، والشيء بالشيء خصه به[1].

والإيثَار اصطلاحًا: (أن يقدِّم غيره على نفسه في النَّفع له، والدَّفع عنه، وهو النِّهاية في الأخوة)[2].

وقال ابن مسكويه: (الإيثار: هو فضيلة للنَّفس بها يكفُّ الإنسان عن بعض حاجاته التي تخصُّه حتى يبذله لمن يستحقُّه)[3].

فاَلْإِيثَارُ فِي اَلْإِسْلَامُ إذن هو تفضيل الغير عن النفس، وتقديم مصلحتهِ علَى المصلحة الذاتية، وهو أَعلى درجات السخاء وأكْمَلُ أنْواعِ الجود وَمنزلة عظيمة من مَنازلِ العطاء.[4][5]

الفرق بين الإيثار وغيرها من الصفات المقاربةعدل

الفرق بين الإيثار والسخاء والجودعدل

ذكر ابن قيم الجوزية فروقًا بين كلٍّ مِن الإيثار والسَّخاء والجود، مع أنَّها كلَّها أفعال بذلٍ وعطاء، فقال: (وهذا المنزل – أي الإيثَار-: هو منزل الجود والسَّخاء والإحْسَان، وسمِّي بمنزل الإيثَار؛ لأنَّه أعلى مراتبه، فإنَّ المراتب ثلاثة:

إحداها: أن لا ينقصه البذل ولا يصعب عليه، فهو منزلة السَّخاء.

الثَّانية: أن يعطي الأكثر ويبقي له شيئًا، أو يبقي مثل ما أعطى فهو الجود.

الثَّالثة: أن يؤثر غيره بالشَّيء مع حاجته إليه، وهي مرتبة الإيثار)[6] .

فوائد الإيثارعدل

الفردعدل

المجتمععدل

الحث على الإيثار في القرآنعدل

قال الله تعالى (في سورة الحشر):   وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ    .

قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: وهو يصفُ الأنصار: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ)) مِن قَبل المهاجرين، ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ)) يقول: ويعطون المهاجرين أموالهم إيثَارًا لهم بِها على أنفسهم ((وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) يقول: ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثَرُوا به مِن أموالهم على أنفسهم)[7].

وقال ابن كثير: (أي: يقدِّمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالنَّاس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك) [8].

ويقول ابن تيمية: (وأمَّا الإيثَار مع الخصاصة فهو أكمل مِن مجرَّد التَّصدق مع المحبَّة، فإنَّه ليس كلُّ متصدِّق محبًّا مؤثرًا، ولا كلُّ متصدِّق يكون به خصاصة، بل قد يتصدَّق بما يحبُّ مع اكتفائه ببعضه مع محبَّة لا تبلغ به الخصاصة)[9].

وقال تبارك وتعالى (في سورة البقرة):   لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ    .

فبين الله تبارك وتعالى أنَّ مِن البرِّ بعد الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والأنبياء.. إطعام الطَّعام لمحتاجيه، وبذله لمريديه، مع حبِّه واشتهائه والرَّغبة فيه، وقد جاء به الله تعالى -أي: إطعام الطَّعام- بعد أركان الإيمان مباشرة، وفي ذلك دلالة على عظمته وعلو منزلته. قال ابن مسعود في قوله (على حبِّه): هو أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل البقاء، وتخشى الفقر.[10].

قال تعالى (في سورة الإنسان):   عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا   إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا    .

وقد (اخْتُلِف في مرجع الضَّمير ((عَلَى حُبِّهِ))، هل هو راجع على الطَّعام أم على الله تعالى ؟ أي: ويطعمون الطَّعام على حُبِّ الطَّعام؛ لِقِلَّته عندهم وحاجتهم إليه، أم على حُبِّ الله رجاء ثواب الله؟ وقد رجَّح ابن كثير المعنى الأوَّل، وهو اختيار ابن جرير، وساق الشَّواهد على ذلك، كقوله: ((وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ)) [البقرة:177]، وقوله: ((لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ)) [آل عمران: 92].

والواقع أنَّ الاستدلال الأوَّل فيه ما في هذه الآية، ولكن أقرب دليلًا وأصرح قوله تعالى: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) [الحشر: 9] ) [11].

وقال الله تعالى (في سورة آل عمران):  لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ    .

(يعني: لن تنالوا وتدركوا البرَّ، الذي هو اسمٌ جامعٌ للخيرات، وهو الطَّريق الموصل إلى الجنَّة، حتى تنفقوا ممَّا تحبُّون، مِن أطيب أموالكم وأزكاها. فإنَّ النَّفقة مِن الطَّيب المحبوب للنُّفوس، مِن أكبر الأدلَّة على سماحة النَّفس، واتِّصافها بمكارم الأخلاق، ورحمتها ورقَّتها، ومِن أدلِّ الدَّلائل على محبَّة الله، وتقديم محبَّته على محبَّة الأموال، التي جبلت النُّفوس على قوَّة التَّعلُّق بها، فمَن آثر محبَّة الله على محبَّة نفسه، فقد بلغ الذِّروة العليا مِن الكمال، وكذلك مَن أنفق الطَّيبات، وأحسن إلى عباد الله، أحسن الله إليه ووفَّقه أعمالًا وأخلاقًا، لا تحصل بدون هذه الحالة)[12].

الحث على الإيثار في السنة النبويةعدل

وعن أبي هريرة   قال: ((جاء رجل إلى النَّبيِّ   فقال: يا رسول الله، أي الصَّدقة أعظم أجرًا ؟ قال: أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم ، قلتَ: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان))[13].

قال ابن بطال: (فيه أنَّ أعمال البرِّ كلَّما صعبت كان أجرها أعظم، لأنَّ الصَّحيح الشَّحيح إذا خشي الفقر، وأمَّل الغنى صعبت عليه النَّفقة، وسوَّل له الشَّيطان طول العمر، وحلول الفقر به، فمَن تصدَّق في هذه الحال، فهو مؤثر لثواب الله على هوى نفسه، وأمَّا إذا تصدَّق عند خروج نفسه، فيخشى عليه الضِّرار بميراثه والجوار في فعله)[14].

عن أبي موسى الأشعري   قال: قال رسول الله  : ((إنَّ الأشعريِّين إذا أرملوا في الغزو، أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثمَّ اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسَّويَّة، فهم منِّي، وأنا منهم))[15].

يقول العيني: (فيه منقبة عظيمة للأشعريِّين من إيثارهم ومواساتهم بشهادة سيدنا رسول الله وأعظم ما شرفوا به كونه أضافهم إليه ....وفيه فضيلة الإيثَار والمواساة) [16].

وقال أبو العباس القرطبي: (هذا الحديث يدلُّ على أنَّ الغالب على الأشعريين الإيثَار، والمواساة عند الحاجة... فثبت لهم بشهادة رسول الله  : أنَّهم...كرماء مؤثرون)[17].

عن أبي هريرة   قال: قال رسول الله  : ((طعام الاثنين كافي الثَّلاثة، وطعام الثَّلاثة كافي الأربع))[18]. وفي لفظ لمسلم: ((طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثَّمانية)).

(قال المهَلَّب: والمراد بهذه الأحاديث الحضُّ على المكارمة في الأكل والمواساة والإيثَار على النَّفس))، الذي مدح الله به أصحاب نبيَّه، فقال: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) [الحشر:9]. ولا يُراد بها معنى التَّساوي في الأكل والتَّشاح؛ لأنَّ قوله عليه السَّلام: ((كافي الثَّلاثة)) دليل على الأثرة التي كانوا يمتدحون بها والتَّقنُّع بالكفاية، وقد همَّ عمر بن الخطاب في سنة مجاعة أن يجعل مع كل أهل بيت مثلهم، وقال: لن يهلك أحد عن نصف قوته)[19].

درجات الإيثارعدل

ذَكَر الهروي أنَّ للإيثار ثلاث درجات:

  • الدَّرجة الأولى: (أن تؤثر الخَلْق على نفسك فيما لا يَحْرُم عليك دينًا، ولا يقطع عليك طريقًا، ولا يفسد عليك وقتًا).[20].

قال ابن القيم في شرحه لهذه الدَّرجة: (يعني: أن تُقدِّمهم على نفسك في مصالحهم، مثل: أن تطعمهم وتجوع، وتكسوهم وتعرى، وتسقيهم وتظمأ، بحيث لا يؤدِّي ذلك إلى ارتكاب إتلافٍ لا يجوز في الدِّين)[21] .

  • الدَّرجة الثَّانية: (إيثار رضى الله تعالى على رضى غيره، وإن عَظُمَت فيه المحن وثَقُلَت به المؤن، وضَعُفَ عنه الطول والبدن).

قال ابن القيِّم: (هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته، ولو أغضب الخَلْق، وهي درجة الأنبياء وأعلاها للرُّسل عليهم صلوات الله وسلامه وأعلاها لأولي العزم منهم، وأعلاها لنبيِّنا صلى الله عليه وسلم)

  • الدَّرجة الثَّالثة: (إيثارُ إيثارِ الله تعالى: فإنَّ الخوض في الإيثَار دعوى في الملك، ثمَّ تَرْك شهود رؤيتك إيثار الله، ثمَّ غيبتك عن التَّرك).

قال ابن القيم: (يعني بإيثار إيثار الله: أن تنسب إيثارك إلى الله دون نفسك، وأنَّه هو الذي تفرَّد بالإيثَار لا أنت، فكأنَّك سلمت الإيثَار إليه فإذا آثرت غيرك بشيء فإنَّ الذي آثره هو الحقُّ لا أنت، فهو المؤْثر حقيقة... وقوله: ثمَّ ترك شهود رؤيتك إيثار الله، يعني أنَّك إذا آثرت إيثار الله بتسليمك معنى الإيثَار إليه: بقيت عليك مِن نفسك بقيَّةٌ أخرى لابدَّ مِن الخروج عنها وهي: أن تُعْرِض عن شهودك رؤيتك أنَّك آثرت الحقَّ بإيثارك، وأنَّك نسبت الإيثَار إليه لا إليك... وقوله: ثمَّ غيبتك عن التَّرك. يريد: أنَّك إذا نزلت هذا الشُّهود وهذه الرُّؤية: بقيت عليك بقيَّةٌ أخرى وهي رؤيتك لهذا التَّرك المتضمِّنة لدعوى ملكك للتَّرك، وهي دعوى كاذبة؛ إذ ليس للعبد شيء مِن الأمر، ولا بيده فعل ولا ترك، وإنَّما الأمر كلُّه لله)[22] .

أقسام الإيثارعدل

  • إيثار رضا اَللَّه عزَّ وجَلْ على رضا غيرهِ وإن عُظِمَة فِيهِ المحَن وأغظب الخلقُ.
  • إيثار الآخرين علَى النفس وتقديم مصلحتهم على المصلحة الشخصية وهُو درجة عالية في البذل والتضحية.

طالع أيضاًعدل

مراجععدل

  1. ^ المعجم الوسيط (ص1/5)
  2. ^ التعريفات للجرجاني (1/59)
  3. ^ (تهذيب الأخلاق) المنسوب للجاحظ (19)
  4. ^ Neusner، Jacob Eds (2005). Altruism in World Religions. Washington, D.C.: Georgetown Univ. Press. صفحات 79–80. ISBN 1-58901-065-5. 
  5. ^ M (2004). Key Concepts in the Practice of Sufism: Emerald Hills of the Heart. Rutherford, N.J.: Fountain. صفحات 10–11. ISBN 1-932099-75-1. 
  6. ^ مدارج السالكين لابن القيم (2/292)
  7. ^ جامع البيان في تفسير القرآن للطبري (ص22/527)
  8. ^ تفسير القرآن العظيم لابن كثير (ص8/70)
  9. ^ منهاج السنة النبوية لابن تيمية (7/129)
  10. ^ تفسير السمعاني (1/172)
  11. ^ أضواء البيان لمحمد الأمين الشنقيطي (ص8/394)
  12. ^ تيسير الكريم الرحمن للسعدي (ص1/970)
  13. ^ رواه مسلم (1032) والبخاري (13/19)
  14. ^ شرح صحيح البخاري (5/193)
  15. ^ رواه مسلم (2500) والبخاري (2486)
  16. ^ عمدة القاري للعيني (13/44)
  17. ^ المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (6/452)
  18. ^ رواه مسلم (2058) والبخاري (5392)
  19. ^ شرح صحيح البخاري لابن بطال (9/471)
  20. ^ منازل السائرين لعبد الله الأنصاري الهروي (22/138)
  21. ^ مدارج السالكين لابن القيم (2/297)
  22. ^ مدارج السالكين لابن القيم (2/311)

وصلات خارجيةعدل