افتح القائمة الرئيسية

اللاماركية هي الفرضية القائلة بأن الكائن الحي يمكنه أن ينقل إلى نسله الخصائص التي اكتسبها من خلال الاستخدام أو عدم الاستخدام لهذه الخصائص خلال حياته. ومن المعروف أيضاً باسم وراثة الخصائص المكتسبة أو الميراث اللين. سميّت على اسم عالم الأحياء الفرنسي جان باتيست لامارك (1744-1829)، الذي قام بدمج عمل الميراث اللين في نظريّاته التطوريّة كمكمّل لمفهومه حول تقويم العظام، مما يدفعه نحو التعقيد. يتم الاستشهاد بهذه النظريّة في الكتب المدرسيّة كنقيض للداروينيّة.[1][2] هذا يرسم صورة خاطئة لتاريخ البيولوجيا، حيث أن لامارك لم ينشئ فكرة الميراث اللين، والتي كانت معروفة منذ الحقبة الكلاسيكيّة وما بعدها، ولم يكن التركيز الأساسي لنظريّة لامارك للتطوّر. علاوةً على ذلك، في كتابه "أصل الأنواع" (1859) أيّد تشارلز داروين فكرة "استعمال وعدم استعمال الميراث" على الرغم من رفضه لجوانب أخرى من نظريّة لامارك.

حاول العديد من الباحثين منذ عام 1860 العثور على أدلّة على هذه النظريّة، ولكن تمّ تفسيرها جميعاً إمّا عن طريق آليّات أخرى مثل التلوّث الجيني، أو الاحتيال. من ناحية أخرى، تعتبر تجربة "أوغست وايزمان" الآن أنها فشلت في دحض اللاماركيّة لأنها لم تتناول فكرة الاستعمال وعدم الاستعمال . في وقت لاحق، حلّت الوراثة المندليّة محلّ فكرة وراثة المسات المكتسبة، مما أدّى في نهاية المطاف إلى تطوير التوليف الحديث، والتخلّي العام عن اللاماركيّة في علم الأحياء. على الرغم من هذا، استمرّ الاهتمام باللاماركيّة.

وقد أبرزت الدراسات التي أجريت في مجال علم التخلّق الوراثي وعلم الوراثة وفرط الحركة الجسديّة، الوراثة المحتملة للسمات التي اكتسبها الجيل السابق. وقد تم الاختلاف حول توصيف هذه النتائج باسم اللاماركيّة. يعتبر الميراث من (نظريّة تطوّر جينوم كامل) -الذي يتكوّن من جينومات جميع الميكروبات التكافليّة للكائن الحيّ وكذلك جينومه- أيضاً لاماركيّاً إلى حدّ ما في الواقع، على الرغم من كل الداروينيّة الموجودة في ميكانيّتها.

التاريخ المبكّرعدل

الأصلعدل

تمّ اقتراح ميراث الخصائص المكتسبة في العصور القديمة، وظلّت فكرة قائمة لعدّة قرون. كتب مؤرّخ العلوم كونواي زيركل في عام 1935:

«لم يكن لامارك أوّل أو أكثر علماء الأحياء المتميزين الذين يؤمنون بتوريث الصفات المكتسبة. لقد أيّد مجرّد اعتقاد تمّ قبوله عموماً لمدّة لا تقلّ عن 2200 عام قبل وقته، واستخدمه لشرح كيفيّة حدوث التطوّر. قُبلت فكرة توريث الصفات المكتسبة من قبل أبقراط وأرسطو وجالين وروجر بيكون وجيروم كاردان وليفينوس ليمنيوس وجون راي ومايكل أدانسون وجو فرايد وبلومنباخ وإراسموس داروين وغيرهم.[3]»

أشار زيركل إلى أن أبقراط قد وصف عمليّة الانفصال، وهي النظريّة القائلة بأنّ ما يتم توريثه مستمدّ من كامل جسم الوالد، بينما اعتقد أرسطو أنّه أمر مستحيل؛ لكنّ على الرغم من ذلك، وافق أرسطو ضمنيّاً على الميراث الخاص بالخصائص المكتسبة، مع إعطاء مثال على وراثة العمى، على الرغم من الإشارة إلى أن الأطفال لا يشبهون والديهم دائماً. سجّل زيركل أن بليني الأكبر فكّر بنفس الطريقة. أشار زيركل أيضاً إلى أن القصص التي تنطوي على فكرة وراثة الخصائص المكتسبة تظهر مرّات عديدة في الأساطير القديمة والكتاب المقدّس، واستمرّت حتّى أعمال روديارد كيبيلينغ "مجرّد قصص للأطفال".[4]

غالباً ما يتمّ استخدام العنق الطويل للزرافة كمثال في التفسيرات الشائعة لـ اللاماركيّة. ومع ذلك، كان هذا مجرّد جزء صغير من نظريّته للتطوّر نحو "الكمال"؛ كان التوضيح الافتراضي. وقد استخدمه لامارك لمناقشة نظريّته في الوراثة وليس التطوّر.[5]

مرجع اللاماركيّةعدل

يعتبر علماء الأحياء التطوريّين أن تحديد اللاماركيّة مع وراثة الخصائص المكتسبة، بما في ذلك مايكل جيزيلين كقطع أثريّة مزيّفة للتاريخ اللاحق للفكر التطوّري، يتكرّر في الكتب المدرسيّة بدون تحليل، ويتناقض بشكل خاطئ مع صورة مزوّرة لتفكير داروين. يشير جيزيلين إلى أن "داروين قبل وراثة الخصائص المكتسبة، فعل مثلما فعل لامارك، وحتّى أن داروين اعتقد بأن هناك بعض الأدلّة التجريبيّة لدعمها."

عالم الحفريّات ومؤرّخ العلوم الأمريكي ستيفن جاي غولد كتب ذلك في أواخر القرن التاسع عشر، عندما قام أنصار التطوّر "بإعادة قراءة لامار، نازعين الشجاعة منه... ورافعين جانب واحد من الميكانيكيّات –وراثة الصفات المكتسبة- للتركيز بشكل مركزي لم يسبق له مثيل من قبل لامارك نفسه"[6]. يجب اعتبار تقيد اللاماركيّة بهذه الزاوية الصغيرة وغير المميزة من فكر لامارك أكثر من مجرّد تسمية خاطئة، وتشويه لذكرى العالم صاحب النظريّة الأكثر شمولاً.[7][8]

اللاماركيّة الحديثةعدل

إن فترة تاريخ الفكر التطوّري بين وفاة داروين في ثمانينات القرن التاسع عشر، وأساس علم الوراثة السكانيّة في عشرينيّات القرن العشرين وبداية التوليف التطوّري الحديث في ثلاثينيّات القرن العشرين، أطلق عليها بعض المؤرخين بكسوف الداروينيّة. خلال ذلك الوقت، قبل العديد من العلماء والفلاسفة حقيقة التطوّر، لكنّهم شكّكوا فيما إذا كان الانتقاء الطبيعي هو الآليّة التطوريّة الرئيسيّة.[9]

من بين البدائل الأكثر شعبيّة كانت النظريّات التي تنطوي على وراثة الخصائص المكتسبة خلال الكائن الحيّ. بعض العلماء شعروا أن مثل هذه الآليّات اللاماركيّة كانت مفتاحاً للتطوّر، ودعوا إلى اللاماركيّة الحديثة. من بين هؤلاء العلماء، عالم النبات البريطاني جورج هينسلوا (1835-1925)، الذي درس آثار الإجهاد البيئي على نمو النباتات، اعتقاداً منه أنّ هذا التغيّر الناتج عن البيئة قد يفسّر الكثير من تطوّر النبات؛ وعالم الحشرات الأمريكي ألفيس سبرينغ باكارد الابن، الذي درس الحيوانات العمياء التي تعيش في الكهوف وكتب كتاباً في عام 1901 عن لامارك وعمله.[10][11]

كما شمل علماء الحفريّات مثل إدوارد درينكر كوب وألفيس هيات، اللذين لاحظا بأن السجل الأحفوري أظهر بشكل خطي شبه منتظم أنماطاً من التطوّر بحيث شعرا بأن الآليّات اللاماركيّة توضّحه بشكل أفضل من الانتقاء الطبيعي. بعض الناس، بمن فيهم كوب والناقد الدارويني صامويل بوتلير، شعروا بأن وراثة الخصائص المكتسبة من شأنها أن تسمح للكائنات الحيّة بتشكيل تطوّرها الخاص، لأن الكائنات الحيّة التي اكتسبت عادات جديدة ستغيّر من أنماط استخدام أعضائها، والذي يمكن أن يطلق عليه تطور لاماركيّ. لقد اعتبروا أن هذا تفوّق فلسفيّ على آليّة داروين للاختلاف العشوائي التي تمارسها الضغوط الانتقائيّة. ناشد اللاماركيّون هؤلاء، مثل الفيلسوف هربرت سبنسر وعالم التشريح الألماني إرنست هيكل ليروا أن التطوّر عمليّة تقدّميّة بطبيعتها. [21]قام عالم الحيوان الألماني ثيودور إيمر بجمع اللاماركيين مع الأفكار حول تكوين العظام، وهي فكرة أن التطوّر موجّه نحو هدف ما.[12]

مع تطوّر التوليف الحديث لنظريّة التطوّر، وعدم وجود أدلّة على آليّة لاكتساب ونقل خصائص جديدة، أو حتّى وراثيّتها، فقدت اللاماركيّة أفضليّتها. على عكس الداروينيّة الجديدة، فإن اللاماركيّة الجديدة هي مجموعة فضفاضة من النظريّات والآليّات غير المتجانسة إلى حدّ كبير والتي ظهرت بعد وقت لامارك نفسه، بدلاً من مجموعة متماسكة من العمل النظري.[13]

المصادرعدل

  1. ^ Ghiselin، Michael T. (1994). "The Imaginary Lamarck: A Look at Bogus "History" in Schoolbooks". The Textbook Letter (September–October 1994). مؤرشف من الأصل في 12 October 2000. 
  2. ^ Gould 2002, pp. 177–178
  3. ^ Zirkle، Conway (1935). "The Inheritance of Acquired Characters and the Provisional Hypothesis of Pangenesis". The American Naturalist. 69 (724): 417–445. doi:10.1086/280617. 
  4. ^ Darwin 1794–1796, Vol I, section XXXIX نسخة محفوظة 22 يونيو 2019 على موقع واي باك مشين.
  5. ^ Desmond & Moore 1991, p. 617: "But Darwin was loath to let go of the notion that a well-used and strengthened organ could be inherited."
  6. ^ Liu، Yongsheng (2008). "A new perspective on Darwin's Pangenesis". Biological Reviews. 83 (2): 141–149. PMID 18429766. doi:10.1111/j.1469-185x.2008.00036.x. 
  7. ^ Darwin، Charles (April 27, 1871). "Pangenesis". Nature. 3 (78): 502–503. Bibcode:1871Natur...3..502D. doi:10.1038/003502a0. 
  8. ^ Holterhoff, Kate (2014). "The History and Reception of Charles Darwin's Hypothesis of Pangenesis". Journal of the History of Biology. 47 (4): 661–695. doi:10.1007/s10739-014-9377-0. 
  9. ^ Bowler 1992
  10. ^ Larson, Edward J. (2004). A Growing sense of progress. Evolution: The remarkable history of a Scientific Theory. Modern Library. صفحات 38–41. 
  11. ^ Gould، Stephen (2001). The lying stones of Marrakech : penultimate reflections in natural history. Vintage. صفحات 119–121. ISBN 978-0-09-928583-0. 
  12. ^ Bowler 2003, p. 367
  13. ^ Simpson 1944, p. 75