حقوق الطبيعة

حقوق الطبيعة هي نظرية قانونية وفقهية تصف الحقوق المتأصلة بوصفها مرتبطة بالنظم البيئية والأنواع الحية، على غرار مفهوم حقوق الإنسان الأساسية. إن مفهوم حقوق الطبيعة يتحدى قوانين القرن العشرين، والتي تستند عمومًا إلى إطار مَعيب يصف الطبيعة بكونها «مصدرًا» يمكن امتلاكه واستخدامه وتدهوره. يزعم أنصار هذا الرأي أن القوانين القائمة على حقوق الطبيعة تعمل على توجيه البشرية للعمل على نحو يتفق مع العلوم الحديثة القائمة على النظام، وهو ما يثبت أن البشر والعالم الطبيعي مترابطان جوهريًا.

The Earth seen from Apollo 17.jpg

ترتكز هذه المدرسة الفكرية على خطين أساسيين من التفكير. الأول هو: بما أن الاعتراف بحقوق الإنسان يستند جزئيًا إلى الاعتقاد الفلسفي بأن تلك الحقوق تنبع من وجود البشرية نفسها، فمن المنطقي أيضًا تنشأ الحقوق المتأصلة للعالم الطبيعي من وجود العالم الطبيعي. تؤكد حجة ثانية وأكثر واقعية أن بقاء البشر يعتمد على الأنظمة البيئية المعافاة، وعلى هذا فإن حماية حقوق الطبيعة تعمل بدورها على تعزيز حقوق الإنسان ورفاهية البشر.

من منظور حقوق الطبيعة، فإن أغلب القوانين البيئية في القرن العشرين تستند إلى إطار بالٍ يرى أن الطبيعة تتكون من أجزاء منفصلة ومستقلة، وليس من مكونات تشكل جسدًا أكبر. هناك انتقادات أكثر أهمية تتلخص في أن هذه القوانين تميل إلى الخضوع للمصالح الاقتصادية، وتهدف إلى الاستجابة للتدهور الذي يحركه الاقتصاد وتخفيف حدته جزئيًا، بدلًا من وضع حق الطبيعة في الازدهار كهدف أساسي لها.

اعتبارًا من عام 2019، كانت قوانين حقوق الطبيعة موجودة على المستويات المحلية إلى الوطنية في 12 دولة، بما في ذلك عشرات المدن والمقاطعات في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، في هيئة أحكام دستورية، واتفاقيات تعاهدية، وفرائض محلية، وقرارات قضائية.

المبادئ الأساسيةعدل

يزعم مؤيدو حقوق الطبيعة أنه، مثلما تم الاعتراف بحقوق الإنسان على نحو متزايد في القانون، ينبغي الاعتراف بحقوق الطبيعة وإدراجها في أخلاقيات وقوانين الإنسان.[1] يستند هذا الادعاء إلى منحيين من التبرير: أن نفس الأخلاق التي تبرر حقوق الإنسان تبرر أيضًا حقوق الطبيعة، وأن بقاء البشر على قيد الحياة يعتمد على أنظمة بيئية صحية.[2][3][4]

أولا، يقال إنه إذا نشأت حقوق الإنسان المتأصلة من الوجود البشري، فمن المنطقي أيضًا أن تنشأ الحقوق المتأصلة للعالم الطبيعي من وجود العالم الطبيعي.[5] توسعت حقوق الإنسان وما يرتبط بها من واجبات لحماية تلك الحقوق مع مرور الوقت.[6][3] كان أبرزها اعتماد الأمم المتحدة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 اعترافًا رسميًا بفئات واسعة من حقوق الإنسان غير القابلة للتصرف. أيضًا أعرب واضعو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن اعتقادهم بأن مفهوم حقوق الإنسان الأساسية لا ينشأ عن «قرار سلطة عالمية، بل عن حقيقة قائمة».[7]

لذلك، فإن بعض العلماء يدعون أنه نظرًا إلى أن حقوق الإنسان الأساسية تنبع من وجود الإنسان نفسه، فإن حقوق الطبيعة تنشأ بالمثل من وجود الطبيعة نفسها، ولذلك ينبغي أن تستمر النظم القانونية للإنسان في التوسع للاعتراف بحقوق الطبيعة.[1][2][8] من أبرز مؤيدي هذا النهج، المؤرخ الثقافي الأمريكي توماس بيري،[9][10] والمحامي الجنوب أفريقي كورماك كولينان، والفيزيائي الهندي والمدافع عن البيئة الاجتماعية فاندانا شيفا، وأستاذ القانون الكندي ومقدم التقارير الخاص لحقوق الإنسان والبيئة في الأمم المتحدة ديفيد بويد.[11][12][13]

قدم توماس بيري فلسفة وأخلاقيات القانون التي أسماها «شريعة الأرض» التي تحدد قوانين الأرض باعتبارها أساسيات وأسبابًا بحكم حقيقة وجود أي شيء فإن له الحق في أن يكون ويتطور.[14][9][10] ازداد الاعتراف بفلسفة شريعة الأرض والترويج لها من قبل مفكرين قانونيين ومن الأمم المتحدة والمشرعين والفلاسفة وخبراء الاقتصاد الإيكولوجي وغيرهم من الخبراء حول العالم كأساس للحكم المتمحور حول الأرض، بما في ذلك القوانين ونظم الاقتصاد التي تحمي الحقوق الأساسية للطبيعة.[11]

ثانيًا، تتلقى حقوق الطبيعة دعمها أيضًا من خلال الحجة القائمة على النفعية التي تزعم أن الإنسانية لا تستطيع أن تزدهر في الأمد البعيد إلا بقبول التعايش المتكامل بين البشر والعالم الطبيعي.[15] أشار بيري إلى أن مفهوم رفاه الإنسان المستمد من النظم الطبيعية التي ليس لها حق أساسي في الوجود هو مفهوم غير منطقي بطبيعته،[2] وأن حماية حقوق الطبيعة تعزز المصلحة الذاتية للبشر.[13][12]

يقدم المفهوم القانوني والفلسفي لحقوق الطبيعة تحولًا من إطار الطبيعة كملكية أو مورد إلى الطبيعة كشريك مترابط في مجتمع الأرض. تهدف هذه المدرسة الفكرية إلى اتباع نفس المسار الذي اتبعته حركات حقوق الإنسان، حيث كان الاعتراف بالحقوق في البداية شيئًا «غير وارد»، ولكن في وقت لاحق نضج إلى رؤية عالمية واسعة النطاق.[3]

كتب كريستوفر ستون، أستاذ القانون في جامعة جنوب كاليفورنيا، بشكل مكثف عن هذا الموضوع في مقاله المثير بعنوان «هل يجب للأشجار أن تحظى بمكانة؟»، الذي استُشهد به خلال جلسة نزاع في المحكمة العليا للولايات المتحدة ضمن قضية «سييرا كلوب ضد مورتون» لموقفه أن «القضايا البيئية يجب أن تُحلّ من قبل الطبيعة نفسها».[4][16] حسب وصف ستون وآخرين، تكشّفت الحقوق الإنسانية على نحو متزايد مع مرور الوقت وأصبحت «بديهية»، كما في إعلان الاستقلال الأمريكي، حتى وإن كانت هذه الحقوق غير موجودة أساسًا في القانون.[4][3] إن نجاحات حركات حقوق الإنسان السابقة والحالية توفر دروسًا للحركة الحالية لتوسيع دائرة مجتمع الأرض لتشمل النظم الطبيعية والأنواع الحية ككيانات لها حقوق.[6][17]

دعم الأسس والتطورعدل

نقد الأنظمة القانونية المتمركزة حول الإنسانعدل

يؤكد مؤيدو التحول إلى نظام قانوني أكثر حماية للبيئة أن النظم القانونية والاقتصادية الحالية تفشل لأنها تعتبر الطبيعة ملكية بالأساس، يمكن أن تتدهور من أجل الربح والرغبة البشرية.[2][18][19] يشيرون إلى أن منظور الطبيعة كمورد اقتصادي في المقام الأول قد أدى بالفعل إلى تدهور بعض النظم الإيكولوجية والأنواع إلى حد كبير، لدرجة أن خبراء بارزين في السياسات يبحثون الآن في إطار استراتيجيات «فرز الأنواع المهددة بالانقراض» لتحديد الأنواع التي سيتم تركها وشأنها، بدلً من إعادة النظر في الاقتصاد الذي يدفع التدهور.[20][21] رغم أن القوانين البيئية في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين توفر مستوى ما من الحماية للنظم الإيكولوجية والأنواع الحية، فإن الجدل يُثار حول أن هذه القوانين فشلت إيقاف، ناهيك عن فشلها في عكس، التدهور البيئي العام، لأن الطبيعة بحكم تعريفها تخضع لمصالح بشرية واقتصادية، وليس لرفاه متمركز حول الأنواع الحية نفسها.[1][22][23]

يؤكد مؤيدو حقوق الطبيعة أن إعادة تصور القوانين البيئية الحالية من إطار حقوق الطبيعة ستوضح القصورات التي تعاني منها الأنظمة القانونية الحالية. على سبيل المثال، يضع قانون الأنواع المهددة بالانقراض في الولايات المتحدة الأولوية لحماية المصالح الاقتصادية القائمة، وذلك بتفعيل دور القانون فقط عندما تتجه مجموعات من الأنواع الحية نحو الانقراض. على النقيض من ذلك، فإن «قانون الأنواع المتمتعة بالصحة» من شأنه أن يعطي الأولوية لتحقيق ازدهار جماعات الأنواع الحية، وتيسير الأنظمة الاقتصادية التي تدفع إلى الحفاظ على الأنواع.[21]

مثال آخر يقول إن تشريع «توجيه بنية المياه» الصادر عن الاتحاد الأوروبي عام 2000، «الذي حظي بقبول واسع باعتباره التشريع البيئي الأوروبي الأكثر متانة وطموحًا حتى الآن»،[24] يعتمد على هدف يضمن «الحالة الجيدة» لجميع مياه الاتحاد الأوروبي، وهو ما يشمل النظر في «التدفقات البيئية» اللازمة.[25]

انظر أيضًاعدل

مراجععدل

  1. أ ب ت Cullinan, Cormac (2011). Wild Law: A Manifesto for Earth Justice (الطبعة 2nd). United States: Chelsea Green Publishing. ISBN 978-1603583770. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  2. أ ب ت ث Berry, Thomas (1999). The Great Work: Our Way into the Future. Bell Tower, Crown Publishing Group. ISBN 978-0609804995. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  3. أ ب ت ث Stone, Christopher D. (1996). Should Trees Have Standing? And Other Essays on Law, Morals, and the Environment (الطبعة rev'd 2010). United Kingdom: Oxford University Press. ISBN 978-0379213812. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  4. أ ب ت Nash, Roderick Frazier (1989). The Rights of Nature: A History of Environmental Ethics. Wisconsin, U.S. ISBN 978-0299118440. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  5. ^ Sheehan, Linda (2013). "Realizing Nature's Rule of Law through Rights of Waterways". In Voigt, Christina (المحرر). Rule of Law for Nature: New Dimensions and Ideas in Environmental Law. United Kingdom: Cambridge University Press. ISBN 978-1107043268. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  6. أ ب Leopold, Aldo (1949). A Sand County Almanac, with Essays on Conservation from Round River. United Kingdom: Oxford University Press. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  7. ^ Santa Cruz, Hernán. "Universal Declaration of Human Rights - History of the Document". United Nations. مؤرشف من الأصل في 19 فبراير 2020. Hernán Santa Cruz of Chile, member of the drafting sub-Committee, wrote:
    “I perceived clearly that I was participating in a truly significant historic event in which a consensus had been reached as to the supreme value of the human person, a value that did not originate in the decision of a worldly power, but rather in the fact of existing—which gave rise to the inalienable right to live free from want and oppression and to fully develop one's personality. In the Great Hall…there was an atmosphere of genuine solidarity and brotherhood among men and women from all latitudes, the like of which I have not seen again in any international setting.”
    الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  8. ^ Shiva, Vandana (2011). Earth Democracy: Justice, Sustainability, and Peace (الطبعة Reprint 2015). Berkeley, CA, U.S.: North Atlantic Books. ISBN 978-1623170417. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  9. أ ب Bell, Mike (2003). "Thomas Berry and an Earth Jurisprudence: An Exploratory Essay". The Trumpeter. 19 (1): 69–96. ISSN 0832-6193. مؤرشف من الأصل في 07 أبريل 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  10. أ ب Burdon, Peter (2012). "A Theory of Earth Jurisprudence" (PDF). Australian Journal of Legal Philosophy. 37: 28–60. مؤرشف (PDF) من الأصل في 07 أبريل 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  11. أ ب الجمعية العامة للأمم المتحدة Harmony with Nature: Note by the Secretary General A/71/266 August 1, 2016.
  12. أ ب Boyd, David R. (2017). The Rights of Nature: A Legal Revolution that Could Save the World. Toronto, Ontario, Canada: ECW Press. ISBN 978-1770412392. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  13. أ ب Rai, Kavish (January 8, 2020). "Nature should have rights just as much as human beings do". The Asian Age. India. مؤرشف من الأصل في April 7, 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  14. ^ Berry, Thomas (2006). Evening Thoughts: Reflecting on Earth as a Sacred Community. San Francisco, CA, U.S.: Sierra Club Books. ISBN 978-1619025318. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  15. ^ Thiele, Leslie Paul (2011). Indra's Net and the Midas Touch: Living Sustainably in a Connected World. Cambridge, MA, U.S.: MIT Press. ISBN 978-0262016094. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  16. ^ Sierra Club v. Morton, 405 U.S. 727, 745-747 (S. Ct. 1972).
  17. ^ Ssenyonjo, Manisuli; Baderin, Mashood A., المحررون (2016). International Human Rights Law: Six Decades after the UDHR and Beyond. Routledge. ISBN 978-1409403593. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  18. ^ Suzuki, David (March 11, 2020). "If corporations have legal rights, why not rivers?". straight.com. Canada: The Georgia Straight. مؤرشف من الأصل في April 7, 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  19. ^ Bookchin, Murray (Summer 1987). "Social Ecology versus Deep Ecology: A Challenge for the Ecology Movement". Green Perspectives: Newsletter of the Green Program Project, Nos. 4–5. مؤرشف من الأصل في 07 أبريل 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  20. ^ Ellen Hanak, Jay Lund, Ariel Dinar, Brian Gray, Richard Howitt, Jeffrey Mount, Peter Moyle, Barton Thompson (February 2011). Managing California's Water: From Conflict to Reconciliation (PDF) (Report). U.S.: Public Policy Institute of California. ISBN 978-1582131412. مؤرشف (PDF) من الأصل في 05 أغسطس 2019. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  21. أ ب Sheehan, Linda (Winter 2019). "Implementing Nature's Rights through Regulatory Standards" (PDF). Vermont Journal of Environmental Law. 21 (4). مؤرشف من الأصل (PDF) في 29 سبتمبر 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  22. ^ Shannon Biggs, Osprey Orielle Lake, Tom B.K. Goldtooth, ed.s (December 2017). Rights of Nature & Mother Earth: Rights-based law for Systemic Change (PDF) (Report). Movement Rights, Women's Earth & Climate Action Network, Indigenous Environmental Network. مؤرشف (PDF) من الأصل في 05 فبراير 2018. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  23. ^ Borràs, Susana (2016). "New Transitions from Human Rights to the Environment to the Rights of Nature". Transnational Environmental Law. 5 (1): 113–143. doi:10.1017/S204710251500028X. مؤرشف من الأصل في 13 يونيو 2018. اطلع عليه بتاريخ 20 أبريل 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  24. ^ Voulvoulis, Nikolaos (January 1, 2017). "The EU Water Framework Directive: From great expectations to problems with implementation". Science of the Total Environment. 575 (575): 358–366. Bibcode:2017ScTEn.575..358V. doi:10.1016/j.scitotenv.2016.09.228. PMID 27744201. مؤرشف من الأصل في April 7, 2020. اطلع عليه بتاريخ 20 أبريل 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  25. ^ V. Ramos; N. Formigo; R. Maia1 (2017). "Ecological flows and the Water Framework Directive implementation: An effective coevolution?" (PDF). European Water (60): 423–432. مؤرشف (PDF) من الأصل في 07 أبريل 2020. اطلع عليه بتاريخ 20 أبريل 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)