افتح القائمة الرئيسية

فقه الجهاد (القرضاوي)

كتاب من تأليف يوسف القرضاوي
Question book-new.svg
المحتوى هنا ينقصه الاستشهاد بمصادر. يرجى إيراد مصادر موثوق بها. أي معلومات غير موثقة يمكن التشكيك بها وإزالتها. (مارس 2016)
Emblem-scales.svg
هذه المقالة بها ألفاظ تفخيم تمدح بموضوع المقالة، مما يتعارض مع أسلوب الكتابة الموسوعية. يرجى حذف ألفاظ التفخيم والاكتفاء بالحقائق لإبراز الأهمية.

كتاب فقه الجهاد لمؤلف يوسف القرضاوي يعرض الكتاب مفهوم الجهاد في الإسلام وهو من أعظم الموضوعات خطرا، وأبعدها أثرا، لما له من قيمة وأهمية في الحفاظ على هوية الأمة، والدفاع عن كيانها المادي والمعنوي، وعن أرضها وأهلها، وعن رسالتها التى هى مبرر وجودها وبقائه، وهي رسالة الإسلام وبغير الجهاد يصبح حماها مستباحا، ودم أبنائها رخيصا رخص التراب، وتغدو مقدساتها أهون من حفنة رمل في الصحراء وتهون الأمة عند أعدائها، فيتجرأ عليها الجبان، ويتعزز عليها الذليل. ولقد راينا في الجهاد ثلاثة مواقف أو ثلاث فئات: فئة التى تريد إماتة الجهاد، الفئة التى تعلن الحرب على العالم كله وفئه التوسط والاعتدال.

فقه الجهاد
فقه الجهاد دراسة مقارنة لأحكامه وفلسفته في ضوء القرآن والسنة
معلومات الكتاب
المؤلف يوسف القرضاوي
اللغة العربية
الناشر مكتبة وهبة – القاهرة
تاريخ النشر سنة 2010
السلسلة القسم العلمي بمؤسَّسة الدُّرر السَّنية
الموضوع الجهاد
التقديم
نوع الطباعة مجلد
عدد الصفحات 1648 صفحة
المواقع
ويكي مصدر فقه الجهاد  - ويكي مصدر

قضية الجهاد التى شرق الناس فيها وغربوا، باعتباره أحد الموضوعات الأساسية التى لابد من الكتابة المنهجية فيها، لحاجة المسلمين خاصة، وحاجة العالم عامة، إلى معرفتها معرفة حقة، بعيدة عن غلو الغالين، وتقصير المقصرين.

محتويات الكتابعدل

  • الباب الأوَّل حقيقة الجهاد ومفهومه وحُكمه
  • الباب الثاني أنواع الجهاد ومراتبه
  • الباب الثالث الجهاد بين الدِّفاع والهجوم (مناقشة أدلَّة الفريقين من الهُجوميِّين والدِّفاعيِّين)
  • الباب الرابع أهداف الجهاد (القتالي) في الإسلام
  • الباب الخامس منزلة الجهاد، وخَطر القعود عنه، وإعداد الأمَّة له
  • الباب السادس جيش الجهاد الإسلامي؛ واجباته، وآدابه، ودستوره
  • الباب السابع بماذا ينتهي القتال
  • الباب الثامن ماذا بعدَ القتال
  • الباب التاسع القتال داخل الدائرة الإسلاميَّة
  • الباب العاشر الجهاد وقضايا الأمَّة
  • خاتمة تتضمَّن ما انتهى إليه من الترجيحات الفقهيَّة، والاستنباطات الاجتهاديَّة، والتحقيقات العلميَّة، والوقفات التحليليَّة في كتابه (فقه الجهاد)

نبذة عن الكتابعدل

الكتاب يقوم في الغوص في لجة هذا البحر الخضم، لبحث الموضوع من جذوره، ورده إلى اصوله المحكمة من نصوص القرآن والسنة، وإعادة قرائتها وتدبرها وفقهها في ضوء الأصول الدينية، والمقاصد الشرعية، والقواعد المرعية، والمسلمات العلمية والعملية، والرجوع إلى أقوال المتقدمين، والموازنة بينها، وترجيح الراجح منها، وعدم الاكتفاء بالأقوال الشائعة على الألسن، فكثيرا ما تشيع بعض الآراء وتنشر وتشتهر، حتى ليحسب القارئ أنها الرأي الوحيد ولا رأي غيره، فإن قرأ وتوسع، وراجع ووازن، تبين له أن في الأمر خلافا كبيرا، وأن الأمر الشائع ربما لم يكن هو الأقوى والأصوب.ومنهجى في هذا الكتاب يقوم على جملة عناصر أساسية.

  • أولاً الاعتماد أساسا على القرآن
  • ثانياً اعتماد السنة الصحيحة
  • ثالثا الاغتراف من بحر الفقه كله
  • رابعا المقانة بين الإسلام وغيره من الأديان والقوانين، وخامسا، الربط بالواقع المعاصر.

توجة الكاتبعدل

صدَر هذا الكتاب في مجلَّدين كبيرين، تناول فيه مؤلِّفه قضيةً عظيمة في الفِكر الإسلامي الحديث؛ ضلَّت فيها أفهام، وزلَّت فيها أقدام، مع أنَّها ذِروة سَنام الإسلام، ألا وهي: قضية الجهاد. ومؤلِّف الكتاب الشيخ يوسف القرضاوي ، وله كتابات متعدِّدة، وقد رأس العديدَ مِن الهيئات ومراكز البحث، وهو عضو في أكثر من هيئة أكاديميَّة للدِّراسات الإسلاميَّة، ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

عرض الكتابعدل

تألَّف الكتاب من جزأين كبيرين، تضمَّنَا مقدِّماتٍ وتَعريفات أوليَّةً، وعشرةَ أبواب، وخاتمة، وأُتبعت بتِسعة ملاحق؛ ونظرًا لكِبر حجم الكتاب فإنَّا نكتفي في هذا العرض المختصر بعرض أبواب الكتاب، وهي كالتالي

  • الباب الأوَّل: حقيقة الجهاد ومفهومه وحُكمه
  • الباب الثاني: أنواع الجهاد ومراتبه
  • الباب الثالث: الجهاد بين الدِّفاع والهجوم (مناقشة أدلَّة الفريقين من الهُجوميِّين والدِّفاعيِّين)
  • الباب الرابع: أهداف الجهاد (القتالي) في الإسلام
  • الباب الخامس: منزلة الجهاد، وخَطر القعود عنه، وإعداد الأمَّة له
  • الباب السادس: جيش الجهاد الإسلامي؛ واجباته، وآدابه، ودستوره
  • الباب السابع: بماذا ينتهي القتال؟
  • الباب الثامن: ماذا بعدَ القتال؟
  • الباب التاسع: القتال داخل الدائرة الإسلاميَّة
  • الباب العاشر: الجهاد وقضايا الأمَّة
  • خاتمة: تتضمَّن ما انتهى إليه من الترجيحات الفقهيَّة، والاستنباطات الاجتهاديَّة، والتحقيقات العلميَّة، والوقفات التحليليَّة في كتابه (فقه الجهاد)

ثم أتبعه بتِسعة ملاحق ليست من أصل الكتاب

نقد الكتابعدل

لقدْ أحْدث هذا الكتاب منذ صُدوره دويًّا كبيرًا في الساحة الفِكريَّة المعاصِرة، وصدَرت عنه دراسات، وعُقدتْ له ندوات وحَلقات، وتباينتْ رُدود الأفعال تُجاهه؛ بيْن مادح مفرِط في الإطراء، وبين ذامٍّ وناقِم ومنتقِد، وبيْن وسط متوازن، ونحن في هذا العرْض المختصر سنُشير إلى أهمِّ المآخذ والانتقادات على الكتاب، ثم نُعلِّق عليه باختصار شديد؛ إذ هذا الأمْر يتطلَّب دراسةً مستقلَّة، وإلى ردٍّ مطوَّل، لكن ليس هذا محلَّه: فمن المآخذ على الكتاب ومؤلِّفه:

  • تبنِّي المؤلِّف لمنهج التيسير غير المنضبط وتتبُّع الرُّخَص والأقوال الشاذَّة، في كتابه هذا وسائر كُتبه وفتاويه، والذي يُسمِّيه "الوسطية"، وهو عنوان برَّاق يبهر؛ ولكن من خلال تصفُّح الكتاب وتعليلات أحكام المؤلِّف في مُصنَّفاته، يَتبيَّن أنَّ هذا المنهج يعني تتبع الرُّخَص، واختيار الأسهل والأيسر من الأقوال والآراء أيًّا كانت، وإنْ كان دليلها ضعيفًا، أو محتملًا، أو أثرًا لا يثبُت عن قائله، أو قولًا شاذًّا ليس بمعتبَر. مع توسُّعه في الاستدلال بالفِقه كلِّ الفقه حتى فِقه الفِرق المخالفة لأهل السُّنة والجماعة من الشيعة الزيديَّة والرَّوافض والخوارج وغيرهم، إذا وجد فيها الحلَّ - كما يقول! ولهذا أمثلةٌ كثيرة في الكتاب الذي نتناوله؛ مثل رأيه في مسألة النَّسخ في القرآن، فنراه في (ص: 297، 298) يحكي الخلاف مجرد الخلاف وإنْ لم يكن مُعتبَرًا، ويميل إلى رأي أبي مسلم الأصفهاني من المعتزلة، الذي قال بعدم وقوع النَّسخ في القرآن

والحقُّ أنَّ الكتاب والسُّنة والفِقه المنبني عليهما، والمتقيِّد والمنضبط بهما، فيه الحلُّ لكلِّ مشكل ممَّا هو معاصر ومستجَد؛ فقط إذا أحسن الفقيهُ الاستدلال، ووفِّق في تنزيل النصوص على الواقع.

  • تقسيمه للفقهاء قديمًا وحديثًا فريقين فريق الهجوميِّين، وفريق الدفاعيين؛ أعلن الشيخ يوسف القرضاوي اعتزازه بانتمائه إليهم الهجوميون هم الذين يرون فرضًا على جماعة المسلمين أن تغزو ولو مرة واحدة في السنة ديار الكافرين للدعوة للإسلام وتوسيع دياره، ويرون في الكفر بحد ذاته سببًا كافيًا لإعلان الحرب وشرعية القتل، حتى وإن لم يجترح أهله عدوانًا على المسلمين وأنَّ جماعة المسلمين تكون آثمةً إذا لم تفعل ذلك. ونسب هذا الرأي - وانتقده بشدَّة - لجمهور من الفقهاء منهم الإمام الشافعي، مع كثرة ترديده لهذه الكلمات: الهجوميون - المتشددون - دعاة الحرب على العالم مع مقابلتها بـ: الدفاعيون – المعتدلون – دعاة السلم.

وهذا ممَّا لا يليق، ولا يحسن أن يوصف به العلماء والفقهاء الأجلاء، مع ما توحيه هذه الألقاب من الذم والانتقاص، والنفرة من آراء هؤلاء الهجوميين، ودعاة الحرب على العالم، وما أشبه.

وما أجمل ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية « فيجب على المسلمين بعدَ موالاة الله تعالى ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، موالاةُ المؤمنين كما نطَق به القرآن، خصوصًا العلماء, الذين هم ورثة الأنبياء الذين جعَلَهم الله بمنزلة النجوم, يُهتدَى بهم في ظُلمات البَر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هِدايتهم ودِرايتهم »

  • ومِن أهمِّ المؤاخذات التي أُخذتْ على الكتاب ومؤلِّفه: كلامه عن حُكم الجهاد شرعًا (ص: 77 - 101)، وهي مِن أخطر مسائل الكتاب وأهمِّها، وقد انْبنَى عليها الكتابُ كلُّه حيث قال (ص: 403): "المنهج الذي التزمه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أنَّه يُسالم مَن سالمه، ويُحارب مَن حاربه، وأنَّه لم يبدأْ أحدًا بقتال قط، إلَّا أن يبدأه هو"، بل الأخطر مِن ذلك أنَّه جاء برأيٍ ثالث لا وجودَ له على مرِّ القرون، وهو قوله (ص: 403): "وهذا كلُّه يؤكِّد ما ذهبْنا إليه من تحريم قِتال المخالفين المسالمين للمُسلمين، الذين لم يبدُ منهم أي إساءة للإسلام ولا لأمَّته، لم يقاتلوهم في الدِّين، ولم يخرجوهم من ديارهم، ولم يظاهروا على إخراجهم، بل ألقوا إليهم السلم، وكفوا أيديهم وألسنتهم عن المسلمين، فهؤلاء ليس لهم منا إلا البر والقسط"، ثم يقول: "أما من أساء إلى المسلمين، واعتدى عليهم، فمن حق المسلمين بل من واجبهم أن يقاتلوه؛ ذودًا عن دينهم وحرماتهم، حتى يدخل في الإسلام، أو يعطي الجزية عن يد وهو صاغر.

مع أنَّه قال قبل ذلك (ص: 96): "وممَّا ينبغي أن يُضاف إلى الموانع والأعذار التي ذكرها الفقهاء لترك الغزو في كلِّ عام: أن تتوافق دولُ العالَم على السلام والامتناعِ عن الحرب، وحلِّ المشكلات بالوسائل السِّلمية، وإتاحة الفُرصة لتبليغِ الدعوة بالوسائل العصريَّة السِّلمية، بالكلمة المقروءة والمسموعةِ والمُشاهدة، كما هو الواقع في عَصرِنا".

فهو قد قرَّر أنَّ هذا هو محل النزاع في المخالفين المسالمين للمسلمين، وذكر قولين اثنين للسَّلف: الأول: أنَّه فرْض (كِفاية، أو عين) ويسقُط بغزوهم مرَّةً في السَّنة، والثاني: أنَّ هذا مستحبٌّ؛ فمِن أين جاء بأنَّه محرَّم! ومَن قال بهذا من العلماء قديمًا وحديثًا؟! فالجهاد المشروع عندَ المؤلِّف فقط هو "جهاد الدفع"، فالجهاد يكون واجبًا فقط إذا تعرَّضت دار الإسلام للعدوان أو تعرض المسلمون للفتنة في دِينهم، وأنَّ ما ورد في القرآن الكريم وبخاصة في سورة التوبة من نصوص تأمر بقتال المشركين كافَّةً، كانت من قبيل المعاملة بالمثل؛ {كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: 36]، ولم تكن توجيهًا عامَّا، وقاعدة للتعامل مع غير المسلمين كافة، بل كانت حديثًا عن فئة مخصوصة من مشركي العرب بدأت بحرب الإسلام منذ ظهوره وطاردته حتى في مهجره، ونكثت العهود وألَّبت عليه الجميع لاستئصال شأفته؛ {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [التوبة: 13]، وفي السورة نفسها وفي غيرها ما يُخصصها من مثل {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال: 61]، ولا مجال لضرب القرآن بعضه ببعض، بل الأصل إعمال كل الآيات والأحاديث، وهي تجتمع على إقرار قاعدة: الإسلام يسالم مَن يسالمه، ويحارب من يحاربه. وبهذا فَسَّر كلَّ غزوات الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، وكلَّ الفتوحات في تاريخ الإسلام العظيم بداية من الخلفاء الراشدين إلى آخِر فتح في الإسلام! وأنَّ ممارسة الجهاد القتالي فريضة تجب على المسلمين فقط عندما تتوفَّر موجباتها - وطبعًا قد انتفت تلك الموجبات عند المؤلِّف الآن - من مثل العدوان على المسلمين وعلى بلادهم وعلى دينهم. فليس على المسلمين غزو ديار الكافرين إذا كانوا آمنين على أنفسهم منهم، وحسبهم أن يكون لهم جيش مرهوب الجانب مسلَّحًا بأحدث الأسلحة، وعلى أعلى مستوى من التدريب ينشُر قواته في كل الثغور حتى يرتدعَ الأعداء، ولا يُفكِّروا في الهجوم على المسلمين فيكون فرض الكفاية قد أُدِّي

وهذا الذي ذهَب إليه المؤلِّف مخالفٌ للأدلَّة الصريحة من القرآن والسُّنة، والإجماع المنعقد على مشروعية غزو الكفَّار في عقر دارهم، وإن لم يَبدؤونا بقِتال، والخلاف فقط في كونه فرْض كفاية - وهو قول الجمهور - أو فرْض عين، والقول بأنَّه نفل أو مستحبٌّ شاذ، ولم يصحَّ عن أحد، أمَّا القول بتحريم ذلك؛ فهو من أغرب ما سمعته الآذان! وقد قرَّر العلماء قاطبةً سلفًا وخلفًا مِن كل المذاهب واتَّفقوا على هذا الأمْر، وكتُبُهم ومدوَّناتهم في التفسير والسِّير والفقه، شاهدة بذلك، ونظرًا لضيق المقام عن الإطالة نشير إلى بعض أقوالهم، ونحيل على بعضها

قال الإمام الشافعي (ت: 204هـ): (دلَّ كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلَّى الله عليه وسلَّم على أن فرض الجهاد إنما هو على أن يقوم به من فيه كفاية للقيام به حتى يجتمع أمران أحدهما أن يكون بإزاء العدو المخوف على المسلمين من يمنعه، والآخر أن يجاهد من المسلمين من في جهاده كفاية حتى يسلم أهل الأوثان، أو يعطي أهل الكتاب الجزية) [الأم للشافعي (4/ 176)، وانظر: الحاوي الكبير للماوردي (14/ 105 - 113)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (12/ 99 - 103)، كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار (ص: 498)، المجموع شرح المهذب (19/ 265، وما بعدها)، نهاية المطلب في دراية المذهب (17/ 474)

وجاء في "الكتاب" للقدوري الحنفي (ت: 428هـ) وشرحه "اللباب" للميداني (ت: 1298هـ): (الجهاد فرض على الكفاية؛ لأنَّه لم يفرض لعينه، إذ هو إفساد في نفسه، وإنما فُرِض لإعزاز دين الله ودفْع الفساد عن العباد، وكل ما هو كذلك؛ فهو فرض كفاية إذا حصَل المقصود بالبعض، وإلَّا ففرض عين...، وقتال الكفَّار واجب وإن لم يبدءونا للنصوص العامَّة) [اللباب في شرح الكتاب (4/ 114 - 115)، وانظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (4/ 122، 123)

وقال ابن حزم (ت: 456هـ): (والجهاد فرض على المسلمين فإذا قام به من يدفع العدو ويغزوهم في عقر دارهم ويحمي ثغور المسلمين، سقط فرضه عن الباقين وإلا فلا، قال الله - تعالى -: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 41]) [المحلى بالآثار (5/ 340)، وانظر: مراتب الإجماع (ص: 122)، الإقناع لابن المنذر (2/ 449)، السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار (ص: 942 وما بعدها)...].

وقال ابن عبد البر المالكي (ت: 463 هـ): (والجهاد عندنا بالغزوات والسرايا إلى أرض العدو فرض على الكفاية، فإذا قام بذلك من فيه كفاية ونكاية للعدو سقط عن المتخلفين... ثم ذكر الآيات والأحاديث في فضل الجهاد) [الاستذكار (5/ 130).]. وقال ابن رشد الحفيد (ت: 595هـ): (فأما حُكم هذه الوظيفة فأجمع العلماء على أنَّها فرض على الكفاية لا فرض عين، إلا عبد الله بن الحسن، فإنه قال: إنها تطوع. وإنما صار الجمهور لكونه فرضًا؛ لقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة: 216] الآية، وأما كونه فرضًا على الكفاية، أعني: إذا قام به البعض سقط عن البعض فلقوله تعالى: {وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة: 122] الآية) [بداية المجتهد ونهاية المقتصد (2/ 143)، وانظر: الذخيرة للقرافي (3/ 385 - 386)، الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (2/ 173)، إرشاد السالك إلى أشرف المسالك في فقه الإمام مالك (ص: 50)

وقال ابن قدامة الحنبلي (ت: 620هـ): (والجهاد من فُروض الكفايات، في قول عامَّة أهل العِلم. وحُكي عن سعيد بن المسيَّب، أنه من فروض الأعيان...) [المغني لابن قدامة (9/ 196)، وانظر: الشرح الكبير على متن المقنع (10/ 364)، شرح منتهى الإرادات (1/ 617)

ودونك كتب التفسير والسير المشهورة، فقلِّب صفحاتها، وسوف ترى الأمر واضحًا وضوحَ الشمس في رابعة النهار

وما ذكره المؤلِّف عن "المسالمين للمُسلمين، الذين لم يبدُ منهم أي إساءة للإسلام ولا لأمَّته، لم يقاتلوهم في الدِّين...إلخ". ظاهره صحيح، ولكنه عند التأمُّل ليس في محلِّه؛ لأنَّ الأمْرَ بالبر والإقساط والعدْل متوجِّه إلى الذين كانوا آمنوا بمكة ولم يُهاجروا، فأذن الله للمؤمنين ببرِّهم والإحسان إليهم، أو إلى مَن لم يهاجر من غير أهل مكة، أو إلى مُشركي مكَّة مَن لم يقاتلِ المؤمنين، ولم يخرجوهم من دِيارهم، ونَسخ اللهُ ذلك بعدُ بالأمرِ بقِتالهم، أو في الذين صالحوا المؤمنين على ألَّا يُقاتلوهم ولا يُعينوا عليهم أحدًا، فرخَّص اللهُ في بِرِّهم، أو لكل من وصفُهم هكذا؛ والكفرة المتصفين بما في حيِّز الصِّلة كالذِّمي، ومعلومٌ أنَّ برَّ المؤمن مِن أهل الحرب ممَّن بينه وبينه قرابةُ نسب، أو ممَّن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب، غيرُ محرَّم ولا منهيٍّ عنه إذا لم يكُن في ذلك دَلالةٌ له، أو لأهل الحرْب على عورةٍ لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكُراع أو سلاح [ينظر: تفسير الطبري (23/ 321 - 323)، تفسير البغوي (5/ 71)، تفسير ابن كثير (8/ 91)، تفسير الألوسي (14/ 270) .]، فلا يعني هذا إطلاقًا النهيَّ عن غزْو الكفَّار المسالمين في عُقر دارهم وتَخييرهم بيْن الإسلام أو الجزية أو النزول على حُكم المسلمين أو الحرب.

وما ذكره المؤلِّف أنَّ مِن موانع غزو الكفَّار: "أن تتوافق دولُ العالَم على السلام والامتناعِ عن الحرب... كما هو الواقع في عَصرِنا". نقول: إن كان هذا صلحًا وهدنةً؛ فهو جائز بالشروط المعلومة عند الفقهاء. وقوله: "كما هو الواقع في عَصرِنا"؛ إن كان يريد به أن الكفار فعلا ممتنعون عن حرب المسلمين ويحلون المشكلات بالوسائل السلمية، فالواقع غير ذلك كما هو مشاهد في العراق، وأفغانستان، وكشمير، وبورما.

وإن كان يُريد أنهم يتيحون الفُرصة لتبليغِ الدعوة بالوسائل العصريَّة السِّلمية، بالكلمة المقروءة والمسموعةِ والمشاهدة. ففيه بعض الصحَّة؛ فلا تخفى الحرب الإعلاميَّة، والتضييق على المسلمين على كلِّ بصير. على أنَّ المسلمين لو قالوا: لن نُتيح للكفَّار الفرصةَ في بلادنا للدعوة إلى دِينهم - وهو واجبٌ بالطبع، ومعلومٌ من الدِّين بالضرورة؛ فهل يا تُرى سيُتيح الكفَّار للمسلمين الفرصة للدعوة إلى دينهم بالوسائل المذكورة؟!

  • ومن المؤاخذات والأخطاء المنهجية أيضًا على المؤلِّف في الكتاب: اعتماده على بعض الآثار المروية عن الصحابة الكرام دون تمحيص لأوجه ثبوتها، وهل صحَّت إليهم أم لا؟، ثم بناء الحُكم عليها، والاستدلال بها على مسألة متنازَع فيها، وليس الأثر مُحكَمًا فيها، بل يحتمل التأويل كما فعَل في أثر ابن عمر الذي استدل به على استحباب جهاد الطلب لا وجوبه. مع أنَّ الناقل للأثر نفسه (الجصاص) قد وجَّهه على غير ما استدلَّ به المؤلِّف! قال الشيخ القرضاوي في (ص: 77) نقلًا عن الجصاص: «ورُوي فيه عن ابن عمر نحو ذلك، وإن كان مختلفًا في صحته... وساق الأثر وفيه، أن رجلا سأل عبد الله بن عمرو بن العاص عن الفرائض – وابن عمر جالس حيث يسمع كلامه – فقال: الفرائض: شهادة أن لا إله إلا الله ...، والجهاد في سبيل الله. قال: وكأنَّ ابن عمر غضب من ذلك، ثم قال: الفرائض: شهادة أن لا إله إلا الله...، وترك الجهاد. ورُوي عن عطاء وعمرو بن دينار نحوه... عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أواجب الغزو على الناس؟ فقال هو وعمرو بن دينار: ما علمناه».

فالجصاص نقل هذه الأخبار بصيغة التمريض (رُوي) التي تشير إلى الضعف. وأشار إلى الاختلاف في صحته، هذه واحدة، والثانية: أن الجصاص نفسه قال - في الموضع نفسه -: «وجائز أن يكون قول ابن عمر وعطاء وعمرو بن دينار، في أنَّ الجهاد ليس بفرض، يعنون به أنه ليس فرضًا متعينًا على كل أحد كالصلاة والصوم ، وأنه فرض على الكفاية». فكيف يستدل بهذا أو يعتمد عليه في الاستدلال، بل تنقض به سائر الأدلة؟!

  • ومنها أيضًا: زعمه (ص: 96، 104) بأنَّ الظروف التاريخيَّة وليست نصوص الإسلام هي ما دعا كثيرًا من الفقهاء إلى القول بفرضية جهاد الطلب لغزو ديار الكافرين؛ إذ كانت الأمة مهدَّدة باستمرار من جيرانها الأقوياء دولة الفرس ودولة الروم، حيث لم تكن قوانين دولية تقوم على تبادل الاعتراف بين الدول ومنع العدوان كما هو اليوم رغم تجاوز الأقوياء لها

وهذا طعن خطير في علماء الإسلام العظام وفقهائه الأجلاء؛ أبسبب ما كان سائدًا من علاقات بين الأمم والدول تقوم على أساس القوة والحرب، والتهديد الوجودي الذي ظل الإسلام معرَّضًا له منذ لحظة ظهوره داخل البيئة العربية أو من محيطها؛ ترك الفقهاء - الأئمَّة الربانيَّون!- الأدلَّةَ والنصوصَ وتركوا الاستنباط منها، وتأثَّروا بالواقع الذي كان سائدًا من عَلاقات بين الأمم والدول آنذاك.

وبناءً على هذا يأتي -باسم الوسطية والاعتدال- مَن يأخذ الأدلَّة، ويستنبط منها ما لم يستنبطه منها هؤلاء! ويقول: إنَّ الواقع قد تغيَّر؛ فالكفَّار يَسمحون! نعم يسمحون لنا ويتفضَّلون ويمنون علينا!! بالدعوة إلى دِيننا، ويفسحون لنا الطريق، فقد زالت العقبات، ونحن في عصر حقوق الإنسان وعُصبة الأُمم والسَّلام الدولي، وما عادت حرب القوَّة هي الأساس، وليس هناك تهديد وجودي يواجهه الإسلام! ويخالف الحقائق المشاهدة من حرب الكفار وإيذائهم المسلمين؛ فلا تَقتيل ولا تشريد للمسلمين في بقاع الأرض؛ لا تغييب للإسلام في أرضه، لا تحكُّم في أنظمتهم وسياستهم، ومناهجهم التعليميَّة، ولا إبعاد لهم عن شريعة ربِّهم، لا تنصير، ولا محاربة للإسلام وأهله، لا خطر... إلخ؛ فلا مبرر للجهاد حينئذٍ، ولا داعي لغزو البلاد؛ لتكونَ كلمة الله تعالى هي العُليا، لا حاجة ليكون الدِّين كلُّه لله، لا حاجة ليظهر دِينُ الله الحق على الدِّين الباطل كلِّه، نعم لا للحرب ولا للهجوم!!

ففقهاؤنا الأجلَّاء، وسلفنا النُّبلاء، الذين سبقونا لكلِّ خير، وجاهدوا بكل أنواع الجهاد حتى وصل إلينا هذا الدين نقيًّا، لا يَليق بهم - ولا بعلمهم وفضلهم وخوفهم من الله تعالى - أن يُقال عنهم: إنَّ الظروف التاريخيَّة وليستْ نصوص الإسلام هي ما دعا كثيرًا منهم إلى القول بفرضية جهاد الطلب لغزو ديار الكافرين؛ فهل هذا من حُسن الظنِّ بهم؟!

  • ومنها: كلامُه في مسألة الرِّدَّة (ص: 197 - 198)، وأنَّ معيار مقاومة الردَّة (على حدِّ تعبيره!) إذا دعا المرتدُّ غيرَه إلى الردَّة فقط! أمَّا إنْ ارتدَّ في نفسه ولم يدْعُ غيره؛ فجزاؤه في الآخرة! ولا نَدري من أين جاء بهذا القول ومَن قال به على مرِّ العصور! وهل قال الرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم: "مَن بدَّل دينه ودعا غيرَه فقاوموه"؟! أم قال: «مَن بدَّلَ دِينَه فاقْتُلوه»
  • ومِن المآخِذ كذلك: قوله (ص: 273): «حُكم قِتال المسالمين ومناقشة أدلَّة من أجازه!

ثم قال: هناك من الفقهاء - قديمًا وحديثًا - مَن ذهبوا إلى أن المسلمين مطالبون شرعًا! بتوسيع أرض الإسلام كلما أمكنهم ذلك، وأنهم يجب عليهم أن يغزو مَن يلونهم من غير المسلمين [الكفَّار] كلَّ سنة مرة على الأقل؛ إيذانًا بقوة الإسلام وإعلاء لكلمته، لتبقى دائمًا هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وضم الدول الكافرة بالتدريج؛ لتكون تحت سلطان الأمَّة الإسلامية، والنظام الإسلامي؛ ليروا بأعينهم الإسلامَ بتشريعاته العادلة، وتوجيهاته الفاضلة في حال تطبيقه؛ فخضوعهم هنا للإسلام شريعةً، وليس للإسلام عقيدةً، فهذه متروكةٌ لاختيار الناس وإرادتهم، ولا إكراه فيها بحال، وفيها جاء قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256].

وهناك من الفقهاء - قديمًا وحديثًا -: مَن ذهبوا إلى أنَّ القتال في الإسلام لم يشرع! في حق مَن يسالم المسلمين ومن لم يقاتلهم في الدين، ولم يخرجهم من ديارهم ولم يظاهر على إخراجهم، بل كفوا أيديهم عنهم، وألقَوْا إليهم السلم. فهؤلاء ما جعل الله لهم عليهم سبيلًا، بل أمر المسلمين أن يبروهم ويقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين...». ثم قال : انقسم أهل العلم في موضوع الجهاد إلى فريقين:

1- فريق دُعاة السلم... وزعم أنَّه صُنِّف في هذا القسم، وأنه يعتزُّ بهذا ويحمد الله تعالى أن هداه لهذا؛ لأنه هو الذي يعبر عن حقيقة الإسلام في القضية

2- فريق دُعاة الحرب، وذكر أدلَّتهم ومستنداتهم - ذكر 9 أشياء - وردَّ عليها واحدةً واحِدةً

فيُؤخذ عليه؛ أولًا: قوله "ومناقشة أدلَّة مَن أجازه"، وهل هناك مَن لم يُجزه قديمًا أو حديثًا؟! ففرق بين من قال بفرضيته وحتميته، ومَن قال بسُنيته واستحبابه. أمَّا من لم يقل بجوازه أو أنه لم يشرع! - وهل يعني هذا كراهته أو حرمته؟! الله أعلم!! فلا نعلم قديمًا ولا حديثًا قائلًا بهذا.

ثانيًا تسويته في حكاية الخِلاف بين الفريقين في الحُكم في قتال المسالمين بين الفريقين - قديمًا وحديثًا- ولم يذكر لنا من هؤلاء ومن هؤلاء؟! هل هم فريقان مستويان! أم هؤلاء جمهور من المحقِّقين والأئمَّة سلفًا وخلفًا، وكلامهم ونصوصهم ثابتةٌ صريحة في هذا، وهؤلاء قلةٌ قليلة، وكلامهم يفتقر إلى صحَّة النقل وصراحة الاستدلال الله أعلم وأين هذا الكلام، وما موقف العلماء منه قديمًا وحديثًا؛ أليس هناك ردٌّ لأحد أو تعقيب

ثالثًا هل يُقال على المخالف - لا سيَّما إنْ كان من الأئمَّة الكبار، فضلًا عن الصحابة الأجلاء والتابعين الأبرار - هل يُقال عليهم "دُعاة حرب" أو "هجوميُّون" - والمؤلِّف يُكررها دومًا في صفحات الكتاب! ومِن ثَمَّ لا يَنبغي أن يُعتز بهذا، وليست هذا مِن الهداية؛ لأنه رأيٌ لا يعبِّر عن حقيقة الإسلام في القضية! وهل هذا أدب في الخلاف، أو الطريقة المثلى في حِكاية الخلاف؟!! ومن العجيب أنَّ الدكتور القرضاوي يستدلُّ من كلام العلماء بأشياءَ تردُّ عليه! كما فعل في نقله كلام الجصاص، والرازي، والقاسمي؛ فنقل كلام الجصَّاص وناقشه! وفي كلام الرازي والقاسمي التالي له ردٌّ على مناقشته للجصَّاص! فيصحُّ كلام الجصاص، فينقض استدلالَه به ويرد على نفسه! انظره وتأمَّله في الكتاب (ص: 278 - 284).

  • ومن المؤخذات أيضًا: نقله للنصوص بالبتر أحيانًا، والاستدلال بها على غير ما استدلَّ بها مَن نقلها عنه أحيانًا أخرى - كما فعَل في نقله السابق عن الجصَّاص – ومن ذلك ما نقله عن الطبري في تفسير قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُم حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} (ص: 277)؛ قال: «وقد جاء عن بعض مُفسِّري السَّلف: أنهم قالوا : الفتنة هي الشرك والكفر...» ثم اختصر كلام ابن جرير وذكَر من هؤلاء: قتادة والربيع ومجاهد والضحاك "، ثم ذكَر كلام الجصَّاص والرازي، وفيه بعض نقولات أن معنى الفتنة هو فتنة المؤمنين في دِينهم، وصدهم عن سبيل الله والمسجد الحرام...؛ ليثبت أنَّ الشرك والكفر وحْدَه ليس علَّةً لابتداء القتال

فنقول أولًا: ما ذكره مخالفٌ للواقع؛ فإنَّ هذا قول جمهورهم وأئمَّتهم، وليس (بعض مفسِّريهم)؛ فممن لم يذكرهم الشيخ مع أنَّ ابن جرير ذكرهم: ابن عبَّاس ترجمان القرآن، وابن زيد، والحسن البصري، وناهيك بهم مع مَن ذكرهم! ثم إنَّ ابن جرير من عادته ذِكرُ الخلاف، وقد قال في هذه الآية: «وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل»، ولم يذكُر خِلافًا

ثانيًا الرأيان أصلًا لا تعارض بينهما، بل هذا في آية البقرة، وذاك في آية الأنفال، وقد جمَع بينهما كثيرٌ من العلماء، فانتفتِ المعارضة وصحَّ أنَّ قولهم واحدٌ لا اختلاف فيه! ولا يؤثِّر في القضية شيءًا.

  • وكذا من المؤاخذات: الاستدلال بأقوال أهل العلم في غير محلِّها، ونسبة تقرير أقوال لهم وتحقيقات مخالفة لما في كتبهم ونصوصهم المعتمدة؛ ومن هذا: احتجاجه على مذهبِه (ص: 396 - 397) بالرِّسالة المنسوبة لشيخ الإسلام ابن تيميَّة بعنوان: "قاعدة مختصرة في قتال الكفار ومهادنتهم وتحريم قتلهم لمجرد كفرهم"، مع أن جملة من المحقِّقين قد حكَموا بعدم ثبوتها لابن تيمية، وأنَّ بعضها من كلامه، ومحذوف منها شيء، ومُدخَل فيها شيء آخر، وكلامه وتقريراته في كتبه المشهور كالصارم المسلول، والجواب الصحيح ومجموع الفتاوى وغيرها، يخالف ما فيها، وهو أنهم يُقاتَلون لأجْل كُفرهم؛ ينظر: مجموع الفتاوى (4 / 205)، (28 / 349358، 359)، والجواب الصحيح (1/75)، والصارم المسلول (2/514)، والصفدية (2/321)، ونحوها. كما أنَّ الذين سردوا مؤلفات ابن تيمية كابن رشيق، وابن عبد الهادي، وابن رجب لم يذكروا تلك الرسالة التي جزم المحقق بثبوتها لابن تيمية ! على أنها لو صحَّت نسبتها له فإنَّ شيخ الإسلام إنما أراد بيان أنَّنا إذا قاتلنا الكفَّار من أهل الكتاب والمجوس والمشركين، فلا نقتل سوى من يقاتلنا، ففرق بين القتل والقتال، وفي هذه الحالة لا نقتلهم بمجرد كفرهم، فلا نقتل مَن ليس مقاتلاً من النساء والصبيان والشيوخ والرهبان والزمنى والمجانين وأهل الصوامع والأجراء والحراث ونحوهم ممن لم ينصب لنا الحرب، وأنَّ الكفار من المشركين وعبدة الأوثان إذا تركوا المسلمين، ولم يحاربوهم، ورضُوا بإعطائهم الجزية عن يد وهم صاغرون، فلا داعي لقتلهم وقتالهم.

ومِن كلام ابن تيمية الواضح الذي لا لبس فيه مما يخالف ما ذكره المؤلِّف عنه قول: (واللهُ قدْ فرَض على المسلمين الجهادَ لمن خرجَ عن دِينه وإنْ لم يكونوا يُقاتلوننا، كما كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وخلفاؤه يُجهِّزون الجيوش إلى العدو وإن كان العدوُّ لا يَقصدُهم) جامع المسائل لابن تيمية (5/ 302). والأصل: أن تُجمع نصوص العلماء ويوفَّق بينها، ولا يُنسب قول لعالم من مصنَّف مشكوك في نِسبته إليه، أو من كلام مُجتزأ، أو مختصر اختصارًا مخلَّا له.

  • ومن هذه المؤاخذات: كلامه عن مسألة النَّسخ في القرآن:

فقد تكلَّم المؤلِّف عن النسخ في القرآن (ص: 288 - 303) وذكَر أنه ليس مجمعًا عليه، وكأنه مال إلى القول بأنه لا نسخ في القرآن، وعليه فآية السَّيف ليست ناسخةً لكل الآيات التي تأمُر بالصفح والعفو، وتنهى عن قتال مَن لم يقاتلنا، وعليه فابتداءُ قتال الكفَّار المسالمين وغزوهم ليُسلموا أو يقرُّوا بالجزية، أو يُقتل محاربهم ويخضعون لسلطانِ الإسلام الحقِّ – ابتداؤهم بالقتال ليس فرضًا على الأمَّة، بل ليس المسلمون مطالبين به! بل هو اعتداءٌ منهيٌّ عنه! فعليه هو حرام

ولا يحتمل الرد هنا الإطالة؛ فلننقل كلامًا لأحد العلماء المحقِّقين، وفيه توجيه للآية حتى على قول مَن قال بأنَّها مُحكَمة، ووجه كون الاعتداء بأنَّه قتل النِّساء والصبيان والرُّهبان وشبههم؛ وهو المفسِّر الفقيه ابنُ عطية؛ قال رحمه الله تعالى: «وقوله تعالى: {وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ...} الآية، هي أوَّل آية نزلت في الأمر بالقتال. قال ابن زيد والربيع: معناها: قاتلوا مَن قاتلكم وكفُّوا عمَّن كفَّ عنكم، ولا تَعتدوا في قتال مَن لم يُقاتلوكم، وهذه الموادعة منسوخةٌ بآية براءة، وبقوله: {قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: 36]، وقال ابن عبَّاس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد: معنى الآية: قاتلوا الذين هم بحالة مَن يقاتلكم، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم، فهي مُحكَمة على هذا القول، وقال قوم: المعنى لا تَعْتدوا في القِتال لغير وجْهِ الله كالحميَّة وكسْب الذِّكر». [تفسير ابن عطية "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" (1/ 262).].

وقال أيضًا: «وقوله تعالى: {وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} أمر بالقتال لكلِّ مشرك في كلِّ موضع على قول من رآها ناسخة، ومن رآها غير ناسخة قال: المعنى: قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: {فَإِنْ قاتَلُوكُمْ}، والأوَّل أظهر، وهو أمر بقتال مطلَق لا بشرْط أن يَبدأ الكفَّار، دليلُ ذلك قوله: {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ}، والفِتنة هنا: الشِّرك وما تابعه من أذى المؤمنين، قاله ابن عباس وقتادة والربيع والسُّدي... والانتهاء في هذا الموضع يصحُّ مع عموم الآية في الكفَّار أن يكون الدخولَ في الإسلام، ويصحُّ أن يكون أداءَ الجزية...».

  • كذلك من المؤاخذات على الشيخ القرضاوي في هذا الكتاب: تضعيفه للأحاديث الصريحة التي تخالف رأيه، أو الاستدلال بالمحتمل منها على غير وجهه، مثلما فعَل في الكلام على حديث «بُعثِتُ بالسَّيف بين يدي الساعة ...» (ص: 335 - 346) فقد جمَع طرقه ونقل الكلام جرحًا وتعديلًا وأكْثر حتى ضعَّف الحديث، وقال بأنه مخالف لظاهر القرآن كما في قوله تعالى : {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] وغيرها من الآيات. هذا مع أنَّ ثَمَّة علماء كثيرين قد صحَّحوا هذا الحديث، وشرحوه وبيَّنوا معناه، وأوضحوا مغزاه (منهم: أبو الحسن الدارقطني؛ في "العلل" (9/273/1754)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في "الاقتضاء"، "ص39"؛ قال: "وهذا إسناد جيد". والحافظ العراقي؛ قال في "تخريج الإحياء" "1/ 342": "سنده صحيح". والذهبي؛ قال في « سير الأعلام »(15/509) : «إسناده صالح»، والحافظ ابن حجر؛ قال في "الفتح" "10/ 222": "سنده حسن"، إضافةً إلى رواية الأئمَّة ونقلهم له في كتب العقيدة والفقه والسيرة، واحتجاجهم به، والاستدلال به على فضل الجهاد، وغيره كثير؛ كما قال ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم" (1/270): «وقد احتج الإمام أحمد وغيره بهذا الحديث»؛ وممَّن صحَّحه من المعاصرين الشيخان (أحمد شاكر، والألباني)، وقد نقل الدكتور القرضاوي تصحيحهما، ولكنَّه رمى (أحمد شاكر) بالتساهُل، و(الألباني) بالانسياق وراءه في التصحيح مع أنه نقل تساهل (أحمد شاكر) عن (الألباني) نفسه!

ولو سلمنا جدلًا أنَّ الشيخين تساهلَا في تصحيحه؛ فكيف بمن ذكرناهم من الأئمة المتقدمين؟! أم لأنَّ هذا الحديث يمثِّل – عند المؤلِّف - أكبر وصمة عار للإسلام، وهو شُبهة عظيمة؛ إذ أنَّه انتصر بالسَّيف - فعلى هذا فالحديث ضعيف، ويخالف ظاهر القرآن؟! فنقول: هل العلماء الذين صحَّحوا هذا الحديث وما في معناه رأوا فيه هذه الوصمة وهذا العار، وهذه الشُّبهة؟ أم له عندهم تأويل مُعتبَر، وفهم صحيح، يتَّسق مع باقي نصوص الشريعة التي لا تتعارض بحال؟ وللجواب عن هذا: دونك أيُّها القارئ الكريم كتُب الأئمَّة وشروحهم، تجد فيها بُغيتك، وخصوصًا الكتاب الفرد "الحِكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: ((بعثت بالسيف بين يدي الساعة))" لابن رجب الحنبلي، ومن النُّكت: أنَّ ابن رجب ذكر سِتَّة سيوف للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه رضي الله عنهم، وكلها سيوف حقٍّ؛ فماذا سيقول الدكتور القرضاوي فيها

  • ومن المؤاخذات أيضًا: حصر المؤلِّف غاياتِ الجهاد وأهدافه (443 - 467) - بناءً على رأيه السالف في حكم الجهاد – في أنها تقتصر فقط على ردِّ الاعتداء، ومنْع الفِتنة - فِتنة المسلمين عن دِينهم - أو تأمين حريَّة الدعوة، وإنقاذ المُستضعفين، وتأديب الناكثين للعهود، وفرض السلام الداخلي بالقوة.

وبَدءًا نقرِّر: أنَّ الجهاد عبادة مِن العبادات، ولا يُشترط في كلِّ عبادة معرفة الغاية والحِكمة منها، فما علينا إلَّا التسليم؛ فلا تثبت قدَم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام.

ثم ثانيًا: هل ما ذكره من غايات للجهاد - ليقوِّض به جِهاد الطلب - هل هذه هي الغايات وحْدَها؟! فأين هو من قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] و[الصف: 9]؟! قال ابن كثيرٍ في تفسيره (4/136): "{لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} أي: على سائر الأديان، كما ثبَت في الصحيح، عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ((إنَّ اللهَ زوَى لي الأرض مشارقَها ومغاربَها، وسيبلُغ مُلكُ أمَّتي ما زُوي لي منها)) [أخرجه مسلم (2889) وغيره من حديث ثوبان رضي الله عنه.].. وذكر أحاديث كثيرةً؛ منها: حديث تميم الداري رضي الله عنه أنَّه سمع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليبلغنَّ هذا الأمْر ما بلَغ الليلُ والنهارُ، ولا يترُك اللهُ بيتَ مدَر ولا وبَر إلَّا أدخله هذا الدِّين، بعزِّ عزيز، أو بذُلِّ ذليلٍ، عزًّا يُعزُّ اللهُ به الإسلام، وذلًّا يُذلُّ الله به الكُفر»، فكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب مَن أسلم منهم الخيرُ والشرفُ والعزُّ، ولقد أصاب من كان منهم كافرًا الذُّلُّ والصغارُ والجزيةُ [أخرجه الإمام أحمد (16957)، وابن مندهْ في "الإيمان" (1085) ، والبيهقي في "السنن"(9/181)، وغيرهم. وقال الهيثمي في المجمع (6/17): رجاله رجال الصحيح.]. وحديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر، إلَّا أدخله اللهُ كلمةَ الإسلام بعزِّ عزيز، أو بذُلِّ ذليل، إمَّا يعزُّهم الله فيجعلهم من أهلها، وإمَّا يذلهم فيَدينون لها» [أخرجه الإمام أحمد (23814)، وابن حبان في صحيحه (6664) وغيرهما. وصححه الألباني في تخريج أحاديث المشكاة (39).]...إلخ.

فكيف يظهر الدِّين وكيف تُفتح البلاد؟! وكيف يدخل الدِّين بيت المدر والحجر؟! وكيف يَدين له كلُّ مَن في الأرض، وكيف يكون العمَّال (أمراء ورؤساء) على البلاد - كلِّ البلاد - من المسلمين ثم أين هو من قولِه تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 140 - 142].

ثم ثالثًا نقول: أين نصوص فضل الجهاد في سبيل الله تعالى ومنزلته وخطر القعود عنه، التي تواترت وكثرت عن العد والإحصاء، وصُنِّفت فيه المصنفات المفردات، وقد أفرد المؤلف الباب الخامس لها (ص: 505 - 602)؛ فهل هذه النصوص كلها في جهاد الاضطرار والدفاع؟! وبالطبع لا يُعقل أن تتوجَّه صيغ الأمر والحث هذه كلها إلى شيء اضطراري دفاعي؛ فالإنسان لا يمدح على ما اضطر إليه، ولكن يمدح على ما يفعله ابتداءً رجاء الأجر.

ثم رابعًا: كل هذه الأوامر وصيغها المختلفة: قاتلوا، جاهدوا، اغزوا... ما حُكمها؟ أهو الاستحباب الذي يُفضي إلى التقويض وترْك الأمر بالكليَّة، ثم التحريم؟! أم أنها كلها في الدِّفاع وقتال الاضطرار والتأمين وحفظ الثغور وخامسًا وسادسًا وسابعًا ... إلخ.

  • ومِن هذه المؤاخذات: قوله (ص: 469): "هدف محو الكفر من العالم مرفوض"!

سبحان الله العظيم! هدف محو الكفر من العالم مرفوض؟! ألَسْنا مأمورين شرعًا أن نعبِّد النَّاس كل الناس لربِّ الناس، وأن نمحوَ الكفر بالله تعالى من دُنياه؟! بغضِّ النظر عمَّا يكون كونًا بعد ذلك.

ومن العجيب أن المؤلِّف نقل عن الرازي كلامًا في غاية الوضوح، وفيه أبلغُ ردٍّ على كلامه هنا، ولكنَّه نقله في معرض آخر، واستدلَّ به على شيء آخر! فممَّا قاله الرازيُّ: «... فالكافر أبدًا يسعى بأعظم وجوه السَّعي في إيذاء المؤمنين وفي إلْقاء الشُّبهات في قلوبهم، وفي إلقائهم في وجوه المحنة والمشقَّة، وإذا وقعتِ المقاتلة زال الكُفر والمشقَّة، وخلُص الإسلام، وزالت تلك الفتن بالكليَّة. قال القاضي: إنه تعالى أمَرَ بقتالهم، ثم بيَّن العلَّة التي بها أوجب قِتالهم، فقال: {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}، ويخلص الدِّين الذي هو دِينُ الله من سائر الأديان، وإنَّما يحصُل هذا المقصود إذا زال الكُفر بالكليَّة! ثم حكَى الرازي الخلاف في كون محو الكُفر خاصًّا بأهل مكة أم بالعالَم كله: ثم قال: «... وأمَّا إذا كان المراد مِن الآية هو الثاني، وهو قوله: قاتلوهم لغرضِ أن يكون الدِّين كله لله، فعلى هذا التقدير لم يمتنع حملُه على إزالة الكُفر عن جميع العالَم؛ لأنَّه ليس كل ما كان غرضًا للإنسان، فإنَّه يحصُل، فكان المرادُ الأمرَ بالقتال لحصول هذا الغرض، سواء حصَل في نفس الأمر أو لم يحصل» [تفسير الرازي (15/ 483 - 484).]. ونُضيف كلامًا فصلًا مُحكمًا لابن القيِّم في تعليله لقول مَن خصَّ الجزية بأهل الكتاب والمجوس فقط؛ قال: «قالوا: المراد من إرسال الرُّسل وإنزال الكتب إعدامُ الكُفر والشِّرك من الأرض، وأن يكون الدِّين كلُّه لله، كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ} [البقرة: 193]، وفي الآية الأخرى: {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ} [الأنفال: 39]، ومقتضى هذا ألَّا يُقرَّ كافر على كُفره، ولكن جاء النصُّ بإقرار أهل الكتاب إذا أَعطَوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، فاقتصرنا بها عليهم، وأخذنا في عموم الكفَّار بالنصوص الدالة على قِتالهم إلى أن يكون الدِّين كله لله...» [أحكام أهل الذمة (ص: 95).]! فكيف يقال بعد ذلك: " هدف محو الكفر من العالم مرفوض.

  • ومن المؤاخذات كذلك: قوله (ص: 1009): «وفي ضوء نصوص القرآن ومقاصد الشريعة، وفي ظل المتغيرات الدولية والإقليمية والمحلية، وسيادة مفهوم المواطنة لدى الأمم المختلفة: أنه لا مانع من إنشاء كنائس [دُور الشِّرك بالله عز وجل] في ديار الإسلام»

فلا يظنَّنَّ ظانٌّ أنَّنا نُجيز أو نُبيح أو نقرُّ المخالفات والانتهاكات، وترويع الآمنين، وسفْك الدِّماء التي عصمَها الله تعالى – باسم الجهاد، كل هذا لم يكن ونبرأ إلى الله تعالى منه، ولكن المسلك الخطير هو أن نُضيِّع الشرائع بسبب ممارسات أتباعها الخاطئة؛ فنردَّ على الخطأ بخطأ أكبرَ منه وأفدح! فليس معنى القول بفرضية جهاد الطلب على الأمَّة هو العدوانَ والانتهاك، أو الخبْط العشواء في التفجير والقتْل لكلِّ الناس في كلِّ الدول، بلا شروط ولا ضوابط، بل للجهاد أحكامٌ مؤصَّلة، وقواعد مقرَّرة، وشروط مُبيَّنة، وآداب متَّبعة، محلُّها كتُب الفقه في أبواب الجهاد وتفاصيل أحكامه، وقد ذكَر الدكتور القرضاوي منها أشياء حَسنة في كتابه.

على أنَّ في الكتاب جزيئاتٍ كثيرة، فيها كثير من النظر، وتحتاج إلى نقْد ومراجعة، ونقولاته واستدلالاته، وتقريراته عن العلماء ونسبة الأقوال إليه، تحتاج إلى تأمُّل ومراجعة النقول وعرْضها على باقي مصنفاتهم، ومُحكم كلامهم. وبطبيعة الحال لا يناسب هذا المقام الولوج فيها.

المراجععدل

المصادرعدل