تمرد الخوارج (866-896)

كان تمرد الخوارج انتفاضة كبرى ضد الخلافة العباسية استمرت بين عامي (866 - 896). تركز التمرد في مناطق الموصل وديار ربيعة من ولاية الجزيرة (في المناطق الشمالية من بلاد ما بين النهرين)، واستمر قرابة ثلاثين عامًا قامت خلالها الحكومة المركزية وسلطات مقاطعات الخلافة بعدة محاولات لقمعها. أحبط التمرد أخيرًا بعد أن قام الخليفة أحمد المعتضد بالله بعدة حملات عسكرية لاستعادة سلطة الخلافة في المنطقة.

تمرد الخوارج
Central Abbasid Caliphate Ninth Century.svg
 
بداية 866  تعديل قيمة خاصية (P580) في ويكي بيانات
نهاية 896  تعديل قيمة خاصية (P582) في ويكي بيانات
الموقع الجزيرة الفراتية  تعديل قيمة خاصية (P276) في ويكي بيانات

قاد الانتفاضة في بادئ الأمر خارجي محلي يدعى مساور بن عبد الحميد الشاري. بعد وفاة مساور عام 877، خلفه، في قيادة التمرد، هارون بن عبد الله البجالي، الذي بقي قائدًا للتمرد حتى نهايته في عام 896.

خلفيةعدل

كانت حركة الخوارج حركة طائفية دينية بارزة انتشرت في بدايات التاريخ الإسلامي، واشتهرت بتعصب أعضائها ومعارضتهم الشديدة للمؤسسة الإسلامية الحاكمة. رفض الخوارج تشريع حكم العلويين والأمويين والعباسييين على حد سواء، وتحملوا، على مدى قرنين من الزمن، مسؤولية قيام العديد من الثورات ضد الحكومات التي حكمت دولة الخلافة الإسلامية. نجح الخوارج في الوصول إلى مبتغاهم في بعض ثوراتهم. كان وجود الخوارج في العديد من المناطق التي يسيطر عليها المسلمون مصدرًا، شبه دائم، لمشاكل حكماء دولة الخلافة.[1]

في منطقة الجزيرة التابعة لدولة الخلافة، تمتعت فرقة الصفرية التابعة للخوارج بتأييد كبير منذ أواخر القرن السابع الميلادي، ولاسيما في قبيلة ربيعة. اشتعلت، بين عامي 750 و865، أكثر من 12 ثورة، لكنها أخمدت بسهولة من قبل الحكومة العباسية. اندلع أحدث تمرد للخوارج في عام 862، أي قبل تمرد مساور بنحو أربع سنوات.[2]

بدءًا من عام 861، دخلت الخلافة العباسية فترة ضعف شديد (سميت بفترة فوضى سامراء)، وأصيبت خلالها الحكومة المركزية في سامراء بالشلل التام بعد اندلاع صراع شرس حول السلطة بين الخلفاء والمؤسسة العسكرية. على امتداد ستينيات القرن الثامن، عانت الحكومة مرارًا وتكرارًا من صعوبات مالية وأعمال شغب في العاصمة، إضافة إلى حركات تمرد في العديد من المقاطعات. تفاقمت هذه المشاكل في عام 865، عندما خاض الخليفتان المتنافسان، أحمد المستعين بالله، ومحمد المعتز بالله، حربًا أهلية وسط العراق، خلفت آلاف القتلى، وألحقت أضرار اقتصادية كبيرة في المنطقة. حتى بعد انتهاء الحرب، في أوائل عام 866، استمرت حالة عدم الاستقرار في دولة الخلافة، وتكررت أعمال الشغب في كل من سامراء وبغداد.[3]

اندلاع التمردعدل

كان السبب المباشر لاندلاع التمرد، بحسب المؤرخ ابن الأثير الجزري، هو اعتقال سلطات دولة الخلافة للدهقان ابن مساور بن عبد الحميد الشاري، من بلدة البوزيج،[4] في بلدة حديثة الموصل. لم يمر خبر اعتقال ابن مساور على أبيه مرور الكرام، فما كان منه إلا أن حشد كوكبة من أنصاره الذين أعلنوا مبايعته. سارت المجموعة بقيادة مساور نحو بلدة حديثة الموصل ودخلتها، وتمكنت من تحرير نجل مساور من السجن بعد أن اضطر قادة الشرطة في البلدة للاختباء من المجموعة المهاجمة.[5]

سرعان ما تعاظم الدعم الذي حظي به مساور، خصوصًا بعد وقوف وفود العرب البدو والأكراد في المنطقة إلى جانبه. بعد فشل محاولات المتمردين للتقدم في مدينة الموصل،[6] قرروا محاولة التقدم جنوبًا باتجاه طريق خراسان الواصل بين بغداد وحلوان في خريف عام 867. عندما أرسل والي بغداد قائدين لحماية الطريق، اشتبك مساور مع أحدهما، وتمكن من قلته مع المئات من رجاله، وأجبر القائد الآخر على التراجع نحو بغداد. بعد انتصاره هذا، انتقل مساور إلى مدينة حلوان وقتل أكثر من 400 رجل من المدافعين عنها.[7]

تعاقب، خلال التمرد، عدة حكام داخل مدينة الموصل؛ إذ عزل الحاكم الخزاعي، العقبة بن محمد، من قبل الزعيم العربي التغلبي، أيوب بن أحمد، الذي عين ابنه حسن حاكمًا خلفًا له.[8] في بداية عام 868، وردًا على تنامي قوة المتمردين، شكل نائب والي الموصل، أسدي الله بن سليمان، جيشًا انطلق به نحو مناطق المتمردين الذين كانوا متمركزين بالقرب من نهر الزاب. التقى الطرفان في شهر مايو 868، واندلعت بينهما معركة في وسط وادي نهر الزاب. بعد قتال عنيف، تمكن الخوارج من الانتصار في المعركة، ومن تكبيد جيش الموالي خسائر فادحة في الأفراد والعتاد، ما اضطر نائب والي الموصل، أسدي الله بن سليمان، إلى الهرب إلى أربيل. تمكن المساور، من خلال هذا الانتصار، من زيادة سلطته في المنطقة،[9] وقام في العام التالي بحملة عسكرية ضد الموصل. بسبب ضعف القوات المدافعة عن المدينة، تمكن المساور مع قواته من دخولها دون أي مقاومة تذكر. مكث المساور مع أتباعه في الموصل لفترة وجيزة أدى خلالها صلاة الجمعة في أحد مساجدها، وانسحب بعدها إلى مدينة حديثة الموصل.[9] بعد ذلك، عين الخليفة العباسيُ التركيَ أزكوتيجين حاكمًا على الموصل. في عام 874 أرسل أزكوتيجين ابنه لتعيينه نائبًا للحاكم، لكنه طرد من قبل مواطني المدينة، فأرسل بعدها كلًا من هيثم بن عبد الله، وإسحاق بن أيوب التغلبي اللذان واجها نفس مصير ابنه. على مدى السنوات العديدة التالية، بقي المساور نشطًا في مناطق واسعة من الموصل وأجزاء من شمالي العراق.[10] أرسل المساور قادة عسكريين لإدارة المناطق الواقعة تحت سيطرته، فأنشأوا ثكنات عسكرية وجمعوا الضرائب من السكان المحليين.[11] أصبح السفر عبر المنطقة صعبًا على موظفي الحكومة الذين كانوا يتعرضون لخطر الاعتقال أو القتل من قبل أنصار المساور. تلقى المساور دعمًا من قبل عدد من القبائل العربية والكردية القريبة من الموصل، التي تعاطفت معه ومع قضيته، وقاتلت معه حكومة الخلافة.[12]

حملات العباسيين ضد المساورعدل

 
عاصر تمردَ الخوارج أربعةُ خلفاء عباسيين، من المعتز إلى المعتضد.

بدءًا من عام 867، أطلقت الحكومة العباسية سلسلة من الحملات العسكرية في محاولة منها لقمع تمرد الحوارج. بدأت هذه العمليات في عهد الخليفة المعتز بالله (866 – 869)، دون أن تحقق في عهده أي نجاح يذكر.[13] أرسل المعتز بالله في بادئ الامر الضابطين ساتيكين وخطرمش للقتال ضد المساور.[14] نجحت خطة المعتز بالله، وتمكن الضابطان من هزيمة المساور في منطقة جلولاء في شهر ديسمبر.[15] تمكن نشارى بن طاجيباك، أحد القادة العسكريين التابعين لصالح بن وصيف، في شهر سبتمبر 868، من إلحاق الهزيمة بالمساور، وقتل عدد كبير من أتباعه.[16] في العام التالي، أرسلت دولة الخلافة العباسية القائد العسكري، يارجوخ، لقتال المتمردين، لكنه هزم وأجبر على الفرار إلى سامراء.[17]

بعد الإطاحة بالمعتز، ووفاته، واصل حليفته، المهتدي (869 – 879)، الحملات العسكرية ضد الخوارج. في يناير عام 870، تلقلى الخليفة العباسي تقارير حول هجوم المساور على بلدة بلد، فما كان منه إلا أن أمر القادة العسكريين، موسى بن بغا الكبير ومفلح التركي والبيَقبق، بالتقدم ضده؛ إلا أن اشتعال أزمة سياسية في عاصمة الخلافة تسبب بتأجيل الحملة. بعد تأخر دام عدة أشهر، أعاد موسى والبيَقبق حشد قواتهما، وغادرا إلى الجزيرة في السادس من أبريل. أقامت قوات موسى والبيقبق قاعدة عسكرية في منطقتي السن والمفلح لتعقب تحركات المساور. اشتبكت قوات دولة الخلافة في نهاية المطاف مع المتمردين في أحد الجبال بالقرب من مدينة الحديثة. لم تسر المعركة بالشكل الذي تمناه المساور، الذي تراجعت قوة جيشه بعد قتاله لمنشقين عنه، وأمر جيشه في نهاية الأمر بالانسحاب من أرض المعركة. تقدم قائد قوات الخلافة العباسية، المفلح، إلى مدن مختلفة في منطقة ديار ربيعة، لإعادة فرض سيطرة الخلافة.[18]

مراجععدل

  1. ^ Levi Della Vida, pp. 1074-77
  2. ^ Vaglieri, pp. 39-40; Madelung, pp. 766-67
  3. ^ Gordon, pp. 90-104; Waines, pp. 299-303
  4. ^ Al-Tabari, v. 35: p. 147
  5. ^ Ibn al-Athir, pp. 186-87; Weil, p. 406
  6. ^ Ibn al-Athir, p. 187; Weil, p. 406
  7. ^ Al-Tabari, v. 35: pp. 147-49; Ibn al-Athir, p. 190; Weil, p. 406
  8. ^ C. Edmund Bosworth, p. 413
  9. أ ب Ibn al-Athir, p. 195; Weil, p. 407
  10. ^ Ibn al-Athir, pp. 195, 219; Weil, p. 465
  11. ^ Vaglieri, p. 40; al-Tabari, v. 36: p. 24; Ibn al-Athir, 220
  12. ^ Al-Tabari, v. 36: pp. 136, 158; Ibn al-Athir, pp. 238, 248, 272
  13. ^ Al-Ya'qubi, p. 614, who states (in summary form) that al-Mu'tazz was prompted to action after Musawir expelled the governor of Mosul, marched in the direction of Surra Man Ra'a (Samarra) and occupied the town of al-Muhammadiyyah, "three فرسخ from the palaces of the caliph"
  14. ^ Al-Tabari, v. 35: p. 147. Satikin was an officer in the service of بغا الشرابي; al-Tabari, v. 35: p. 153
  15. ^ Al-Tabari, v. 35: p. 151; Ibn al-Athir, p. 192; Weil, p. 406
  16. ^ Al-Tabari, v. 35: pp. 146, 155; Ibn al-Athir, p. 196
  17. ^ Al-Tabari, v. 35: p. 161
  18. ^ Al-Tabari, v. 36: pp. 87, 90-91. Halfway through al-Tabari's account of the fight between the caliphal army and Musawir, he switches the name of the commander from Muflih to Musa. Ibn al-Athir, p. 219, gives sole credit to Muflih as the commander during the battle, but dates the fight to after Mu'tamid's ascension. He also adds the detail that the campaigns against Musawir in this year were prompted after Musawir's seizure of parts of Iraq had hindered the ability of the government to pay the troops' salaries, causing the army to clamor for action against the Kharijites. Al-Mas'udi, v. 8: p. 8, claims that the campaign took place after Musawir had approached Samarra with an army and caused a measure of disorder around the capital.