ندرة حداد

شاعرٌ مَهجري حمصي

نَدْرة حَدَّاد (30 أكتوبر 1881 - 27 مايو 1950) هو شاعرٌ مَهجري حمصي، كان قد اختارَ مدينة نيُويُورك موطنًا لعَيْشِه وأدبه. كان أيضًا يُساعد شقيقَه الأديب عبد المسيح حَدَّاد في تحريرِ جَريدة السائح المَهْجريَّة. تصفه المصادر بأنه «طويلَ القامة، ممتلئَ الجسم، هادئَ الحركات، خافتَ الصَّوْت، خَجُولًا، طيِّب القلب، طاهرَ السَّريرة، وفيًّا، مستقيمًا، رقيقَ العاطفة، يغلبُه شعورُه وتخنقُه عبراتُه ويرتجف صوتُه عندَ إلقائه قصائد الرثاء أو الحنين».[1]

ندرة حداد

معلومات شخصية
الميلاد 30 أكتوبر 1881   تعديل قيمة خاصية (P569) في ويكي بيانات
حمص  تعديل قيمة خاصية (P19) في ويكي بيانات
تاريخ الوفاة 27 مايو 1950 (68 سنة)   تعديل قيمة خاصية (P570) في ويكي بيانات
الإقامة حمص (30 أكتوبر 1881–26 ديسمبر 1897)
نيويورك (26 ديسمبر 1897–27 مايو 1950)  تعديل قيمة خاصية (P551) في ويكي بيانات
مواطنة الدولة العثمانية (1881–1918)
الولايات المتحدة  تعديل قيمة خاصية (P27) في ويكي بيانات
عضو في الرابطة القلمية  تعديل قيمة خاصية (P463) في ويكي بيانات
عدد الأولاد 3   تعديل قيمة خاصية (P1971) في ويكي بيانات
إخوة وأخوات
الحياة العملية
المهنة شاعر،  وتاجر،  ومحرر  تعديل قيمة خاصية (P106) في ويكي بيانات
اللغة الأم العربية  تعديل قيمة خاصية (P103) في ويكي بيانات
اللغات العربية،  والإنجليزية  تعديل قيمة خاصية (P1412) في ويكي بيانات
بوابة الأدب

حياتُه وسيرتُه

عدل

وُلدَ نَدْرة حَدَّاد، شاعرُ العاصِي، في 30 تشرين الأوَّل/أكتوبر سنةَ 1881 م في مدينةِ حِمْص السوريَّة، وسطَ البلاد. وهو من أسرة حمصيَّة عريقة ومعروفة في المَدينة. تلقَّى عُلُومَه الأولى في المَدْرسَةِ الأرثوذكسيَّة. وقد كان قبلَ هجرتِه شابًّا ظريفًا يعمل في دائرةِ قَلَم المال بحِمْص، كما ذكر شقيقُه عبد المَسيح في جريدتِه «السَّائِح». تصف المصادر نَدْرة حَدَّاد بأنه كان «طويلَ القامة، ممتلئَ الجسم، هادئَ الحركات، خافتَ الصَّوْت، خَجُولًا، طيِّب القلب، طاهرَ السَّريرة، وفيًّا، مستقيمًا، رقيقَ العاطفة، يغلبُه شعورُه وتخنقُه عبراتُه ويرتجف صوتُه عندَ إلقائه قصائد الرثاء أو الحنين».

هاجر نَدْرة حَدَّاد إلى الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة في 26 كانون الأوَّل/ديسمبر سنة 1897م، وهو بعمر 17 عامًا؛ وأقامَ في مدينة نيُويُورك يتعاطى التجارَة في بادئ الأمر، قد طوَّف البلاد، قبلَ أن يعودَ ويستقرَّ فيها. ولكنَّه لم ينسَ مُيُولَه إلى ميدان الأدبِ والصِّحافة، فأخذ ينظمُ الشِّعر، وكان يساعد شقيقَه الأديب عبد المسيح حَدَّاد في تحريرِ جَريدة السائح المَهْجريَّة، حيث عملَ رئيسَ تَحْريرٍ لها لسنواتٍ قبلَ أن ينتقلَ للعمل في أحدِ البُنوك. ولكن، كانت تأتي عليه أوقاتٌ لا ينظمُ فيها الشعرَ إِلَّا لِمامًا، حَتَّى أصبحت قصائدُهُ أَشْبهَ بالحَوْليَّات. تزوَّج نَدْرة حَدَّاد من هَدْبا حدَّاد، وأَنْجَبَ منها وليَم ورُوبرت وجوزيت.

تُوفّي ندرة حدَّاد مساءَ يوم السبت 27 مايو/أيَّار سنة 1950 م، وكان ذلك فجأةً خلال حَفْلة عرس بعد أن أنشدَ فيها شعرَ التَّهاني، حيث ألقى قصيدتَه الأخيرة «آمنتُ بالحبّ»، وشعرَ بعدها بضيقٍ في التنفُّس ألزمَه الجلوسَ ليُفارقَ الحياةَ بعدَ ذلك بوقتٍ قصير جدًّا.

شعرُه ونشاطه الأدبي

عدل

يعدُّ ندرة حدَّاد أحدَ الأعضاء البارزين المؤسِّسين للرابطة القلميَّة التي رأت النورَ في نيويورك سنة 1920 م وانفرطَ عقدُها سنة 1931 م. تُشير المصادر بأنَّ «مَنْ يقرأ شعرَ نَدْرة حَدَّاد لا يشكُّ أبدًا في سلامة طَوِيَّته، ونقاء سريرته، وطيب نَفْسِه، وحبِّه للآخرين، وبعده تمامًا عن التَّمَذْهُب الضيِّق والتعصُّب الدِّيني والنَّظرة الحسيرة. لقد برهنَ في شعره وفي مجرياتِ حياته أنَّه كانَ رحبَ الصدر، واسِع الأفق، وَدُودًا يَسِرًا، لا تلمحُ في خطابه نبرةَ حِقْدٍ أو صوت ضغينة. وقد أحبَّه كلُّ من كان حولَه، وأشادوا بأخلاقه وحُسْن معاملته وصفاء نفسه». وفي هذا الصَّدد يقول مِيخائيل نعيمَة عنه بأنه كان «متدفِّقَ العاطفة، رقيقَها، بسيط العِبارة رشيقها، يكرهُ التكلُّفَ والتصنُّع، وتأبى نفسُه العزيزة التملُّقَ والتسكُّع، فيُطلِق الشعرَ طاهرًا من الحَذْلقة والبَهْرجَة، حاملًا عُصارةً صافية من أحاسيسه الصادقة وأفكاره الهادئة، فلا هو بالغاضِب النَّاقِم، ولا هو بالثائر الهادِم. كما كان شاعرًا عفيفَ اللِّسان، حيَّ الوجدان، نقيَّ القلب، وديعَ النَّفْس، صادقَ النَّبْض والنَّبْرة، حيِّيَ الوَجْنَتَيْن، سِخِيَّ الكَفِّ والعَيْن».

أصدر نَدْرة حدَّاد ديوانه الوحيد «أَوْراق الخَريف» سَنةَ 1941 م، أي قبلَ وفاته بنحو 9 سنوات، فهو بلا شكٍّ نظمَ المَزيدَ من القصائد التي لم يحتوِ عليها ذلك الديوان. ولذلك، جُمع المزيدُ من شعره بعد نحو 70 سنة من وفاته، وصدر تحتَ عنوان «ديوان نَدْرة حدَّاد».

وقفات مع شعره

عدل

هناك وِقْفاتٌ لابدّ منها مع شعر ندرة حدَّاد؛ ومن تلك الوقفات وقفةٌ «مع مَنْطقِه الإنساني الرَّاقي وروحه النبيلة ونفسه السَّامية؛ فها هو يُعلنها صافيةً نقيَّة أنَّه لا يردُّ الصَّاعَ صاعين إلى من يبادره بالأذى، ولا يطالع أحدًا بسوء أو ضرر»، فيَقول:

أَنا راضٍ بالعَصا يا أَيُّها الحامِلُ رُمْحَكْ
وَسَأَرْضَى خُبْزَكَ الأَسْوَدَ فِي الحُبِّ وَمِلْحَكْ
وَسَأَنْسَى جُرْحَ قَلْبِي كُلَّما شاهَدْتُ جُرْحَكْ
وأَرى لَيْلَكَ لَيْلي، وَأَرى صُبْحِيَ صُبْحَكْ
وإذا أَخْطأتَ نَحْوي، فأَنا الطالِبُ صَفْحَكْ

كما أنَّ الشاعرُ «لا يَفْتأُ يَدْعو إلى المَحبَّة والوداد، والتآلُف والتَّصافي، مُسْتندًا في ذلك إلى إنسانيَّته الوارِفة وسَريرتِه النقيَّة»، حيث يقول:

ما أَجْمَلَ الدُّنْيَا لَوَ انَّ بُيُوتَها
تُبْنَى بِلا عُمَدٍ وَلا أَطْنابِ
تُبْنَى مِنَ الحُبِّ الذي لا يَشْتَكي
أَصْحَابُهُ مِنْ مالِكٍ أَوْ جابي
الحُبُّ دينُ اللهِ، فَلْيَكُ دينُنا
في كُلِّ كارِثَةٍ وَكُلِّ مُصابِ
فالبَيْتُ، إِنْ نَأَتِ المَحَبَّةُ ساعَةً،
عَنْهُ، غَدَا بَيْتًا بِلا أَبْوَابِ

كما يُخاطِب من حَولَهُ فيقول:

لا تَسْأَلُوني مَنْ حَبيبي بَيْنَكُمْ
فَجَميعُكُمْ، إِنْ تَسْأَلُوا، أَحْبَابي

كما يَدعو مجدَّدًا إلى الحبِّ، ويجعله فوقَ كل مال وجاه، فيقول في تهنئة عروسَيْن بزَواجهما:

عِيشَا نَديمَيْنِ مَعًا
صَافَى الزَّمانِ أَوْ جَمَحْ
سِيرَا بِدَرْبِ الحُبِّ إِنَّ
الحُبَّ مِنْ أَسْمَى المِنَحْ

وهو، لولا الحبُّ، لما لبَّى دَعواتِ التَّهْنئة أو الحضُور في المناسبات:

أَنا لَوْلا الحُبُّ وَالحُبْ
بُ إِذا يَدْعُو يُلِحُّ
لم أَكُنْ بَيْنَكُمْ وَالقَلْ
بُ مَجْرُوحٌ يَسُحُّ

ورغمَ كلِّ هذا الحبُّ الذي يحمله الشاعرُ في نفسه، ويريده للناس، لكنَّه لم يجدْه بينهم؛ وها هو في أبياتِه هذه يشكو ذلك، ويحزُّ في نفسِه ألَّا يرى ما يريد إلَّا بينَ غير البَشَر:

فَتَّشْتُ في النَّاسِ على ضائِعٍ
عَرَفْتُهُ بالسَّمْعِ لا بالنَّظَرْ
يَدْعُونَهُ الحُبُّ، وكَمْ جاهِلٍ
مِثْلي يَظُنُّ الحُبَّ بيْنَ البَشَرْ!
فَتَّشْتُ عَنْهُ طُولَ عُمْري فَلَمْ
أَجِدْ لَهُ في النَّاسِ أَدْنَى أَثَرْ
فَرُحْتُ نَحْوَ الغابِ حَيْثُ الظِّبا
تَرْعَى، وحَيْثُ الطَّيْرُ تَعْلُو الشَّجَرْ
أَنْشُدُ ما في النَّاسِ قَدْ فاتَني
كَعاشِقٍ يَنْشُدُ خِلًّا هَجَرْ
فَجُلْتُ فيما بَيْنَها مُدَّةً
عَرَفْتُ ما قَدْ كانَ عَنِّي اسْتَتَرْ
الحُبُّ في البُهْمِ جَلِيًّا يُرَى
والحُبُّ فِينا لا يَراهُ البَصَرْ
فَقُلْتُ في نَفْسي: أَلَا لَيْتَنا
كالنَّمْلِ أَوْ كالطَّيْرِ أو كالبَقَرْ

وحُقَّ بعدَ هذا وذاك أن يقولَ الدُّكْتور عيسَى النَّاعُوري في هذا الشاعر: «حُبٌّ كبير وألم كبير، يَنْبعان من قلبٍ كبير، تلك هي خُلاصةُ شعر نَدْرة حدَّاد المَجْموع بين دَفَّتي ديوانِه «أوراق الخريف»».

لقد اختارَ ندرة حدَّاد لشعرِه مَجْزوءات البحور وقِصارَها؛ وغلبَ عليه طابعُ الوصفِ والتأمُّل؛ وبثَّ فيه أمانيه وخَواطرَه ومشاعرَه، وأَلْبَسَ كثيرًا منه لَبُوسَ التفَكُّر والحكمة والتَّساؤل والدعوة إلى الحبِّ والسَّلام؛ وتناولَ مُعْظَمَ أغراضه وموضوعاته.

ففي وصيَّةٍ يُسْديها لابنه، يحثُّه على العطاء وأن يكونَ مَنْبعًا للخير والمَعْروف، فيَقول:

كُنْ حَكيمًا فَكِرامُ النْ
نَاسِ عاشُوا حُكَماءَ
كُنْ دَواءً في الوَرَى إِيْ
يَاكَ أَنْ تَغْدوَ داءَ
اِجْمَعِ المالَ إِذا اسْطَعْ
تَ، وَلا تَنْسَ العَطاءَ

ويدعو الشاعرُ إلى الفضيلة فيقول:

وَفي الدُّنْيَا دُرُوبٌ لَيْسَ تُحْصَى
وما مِثْلُ التُّقَى لِلْمَرْءِ دَرْبُ

وهذه وقفةٌ مع نظرة الشاعر للمَوْت وما وَراءَه، فهو لا يَخْشاه، بل يرى فيه نِعْمةً من نِعَم الله، إنَّه فاتحةُ الخلُود:

إِنَّ الحَياةَ مَعارِكٌ، وَلها
في كُلِّ يَوْمٍ بَيْنَنا وَثْبُ
وَحُرُوبُها مَوْصُولَةٌ، فإِذا
عَصَفَتْ بِنا حَرْبٌ بَدَتْ حَرْبُ
فَعَلامَ نَخْشَى فَقْدَها وَلَنا
بَعْدَ الحَيَاةِ المُرَّةِ الغَلْبُ
وَالمَوْتُ مِنْ نِعَمِ الإلَهِ، فَكَمْ
قَنِطٍ نَجا وَفِراشُهُ التُّرْبُ!

ويَقول:

عَلِّمْ صِغارَكَ أَنْ يَعيشُوا
في الحَياةِ بِلا قُيُودِ
وَانْهَضْ بِهِمْ، لا تَنْسَ صُحْ
بَةَ ذلكَ الوَطَنِ الشَّهيدِ
عَلِّمْهُمُ أَلَّا يَخافُوا
المَوْتَ في سُبُلِ الصُّعُودِ
فَالمَهْدُ فاتِحَةُ الرَّدَى
وَاللَّحْدُ فاتِحَةُ الخُلُودِ

هناك من يَتوقَّى ذكرَ المَوْت وما يتعلَّق به من أشياء تلازمه، لكنَّ الشاعرَ لا يعبأ بكلِّ ذلك، بل يدعو مَنْ حولَه إلى أن يناجوه بعدَ موته، وألَّا يحزنوا لفِراقه، فهو راضٍ به مقبلٌ عليه:

وَإِذا شِئْتُمْ مُناجاتي اجْلِسُوا
حَوْلَ قَبْري ساعةً عِنْدَ المَغيبْ
لا تَنُوحُوا لِفِراقي حَسْرَةً
أَنا مَنْ يَكْرَهُ أَصْوَاتَ النَّحيبْ
لا تَظَنُّوا القَبْرَ فيهِ غُرْبَةٌ
لَيْسَ مَنْ في صُحْبَةِ القَبْرِ غَريبْ
عِشْتُ في الدُّنْيَا زَمانًا لم أَجِدْ
أَحَدًا في النَّاسِ أَدْعُوه قَريبْ

كيف لا؟ وهو يرى أنَّ المَوْتَ انتصار، انتصارٌ للروح على الجسد، وللخُلود على العُبور، وللشَّقاء على الراحة والهدوء:

عَجِبْتُ لِباكٍ قَدْ تَناسَى مَصيرَهُ
فَلَوْ يَذْكُرُ الباكي لَعَدَّ الرَّدَى نَصْرا

ويؤمِنُ ندرة حدَّاد بالبعث والنُّشُور، وبأنَّ ما تقدِّمه في الحياة محفوظٌ في اللوح عند ربِّ السماء:

هُنا يَرْقُدُ الشَّاعِرُ
هَنيئًا لَهُ مِنْ رُقادْ
هُنا قَبْرُهُ الفاخِرُ
وَلا قُبَّةٌ أَوْ عِمادْ
هَنِيئًا لَهُ قَدْ عَبَرْ
إلى الضِّفَّةِ الثَّانِيَةْ
هُناكَ اللِّقا المُنْتَظَرْ
لِذي الفِكْرَةِ العالِيَةْ
هَنِيئًا لِذا المَضْجَعِ
فَفيهِ شُعُورٌ حُجِبْ
أَنَفْسِي! تَعالي اسْمَعي
على اللَّوْحِ ما قَدْ كُتِبْ

والشاعرُ زاهدٌ متواضِع، لا يحبُّ المديحَ والإطراء، ولا يطيب له ذلك:

يا غُصْنُ إِنْ تُنْسَبْ إِلَيْ
يَ فَأَنْتَ في الأَشْجارِ خاسِرْ
خَدَعُوكَ بِاسْمي مِثْلَما
خَدَعَتْهُمُ مِنِّي الظَّوَاهِرْ
ما كُنْتُ مِنْ أَهْل الصَّلا
حِ كَما دُعِيتُ وَلا بِطاهِرْ
أَنا لَسْتُ مِنْ أَهْلِ المَكا
رِمِ وَالمَحامِدِ وَالمَآثِرْ
أَنا مِثْلُ باقي النَّاسِ جَبْ
بّارٌ عَنِيدٌ غَيْرُ جابِرْ

أمَّا الحنينُ، فللشاعِر وقفة شامخة معه، فله شغفٌ إلى بلاده لا يُردُّ، وشوقٌ إلى مدينتِه حمص لا يُقاس؛ وفي ذلك يَقول:

خُذُوني إلى حَيْث يَشْدُو الهَزارْ
وتَسْمَعُ أُذْني حَفيفَ الشَّجَرْ
وَحَيْثُ أَرَى الشَّمْسَ طُولَ النَّهارْ
ويَسْطَعُ لَيْلًا عَلَيَّ القَمَرْ
خُذُوني ولَوْ مَرَّةً في الزَّمَنْ
إِلى نَهْرِ «أُورنتَ» ذاكَ الجَميلْ
لأَنْفي بِمَرْآهُ، ذاكَ الحَسَنْ،
هُمُومًا دَهَتْني زَمانًا طَويلْ
خُذُوني لأَقْضي بَقِيَّةَ عُمْري
بِهِ بَيْنَ ميماسِهِ والدُّوَيْرْ
لَعَلِّي أَنْسَى مَصائِبَ دَهْري
إِذا ما أَتَيْتُ جِنانَ القُصَيْرْ
خُذُوني إلى أَرْضِ حِمْصٍ صِحابي
فإِنِّي بِها لا أَزالُ الوَلُوعْ
وَقُولوا إِذا مِتُّ دُونَ إِيابِ:
بَرَاهُ الحَنينُ وذَرْفُ الدُّمُوعْ

أمَّا الطبيعةُ فالوقفةُ معها طويلة، فلقد كان ندرة حدَّاد مفتونًا بها، مؤمنًا بمدى جمالها، يسحرُه التأمُّلُ فيها، ويتمنَّى أن يعيشَ دومًا في أكنافها، وأن ينهلَ من صفائها وبراءتها وعُذْريَّتها. ولذلك، فقد أمعنَ في وصفها، مثل عددٍ من شعراء المَهجر. وكان لغتُه في ذلك يَسِرة سهلة الوصول والفهم، فلم يتقعَّرْ في ألفاظه ولم يختر غريبَها.

يطيلُ الشاعرُ النظرَ أمامَ زهرةٍ لفتت انتباهَه، فيطيب له الحديثُ إليها، وينسج في حضورها بعضًا من قصَّة حياته ونظرتِه للكون والإنسان؛ ولا يُخْفي من وراء ذلك بعضَ الضياعَ والتشتُّت اللذين يَعْصِفان به:

يا زَهْرَةً لَعِبَتْ بِها
أَيْدِي الزَّمانِ القاسِيَة
ما أَنْتِ وَحْدَكِ يا جَمي
لةُ بَعْدَ عِزَّك ذاوِيَةْ
إنِّي غَبَطْتُكِ بالذُّبُو
ل كَما غَبَطْتُكِ زاهِيَة
قَدْ أَطْرَبَتْني الطَّيْرُ نا
ئِحَةً عَلَيْكِ وشادِيَةْ
فَسَتَرْجَعينَ، وإِنْ ذَبُلْ
تِ، مَعَ الطَّبيعَةِ نامِيَةْ

يجلسُ الشاعرُ في لحظاتٍ تأمُّل، بَعيدًا عن ضجيج الحضارةِ الأمريكيَّة الصاخبة من حولِه، فيُخاطب الروضَ خِطابَ المُحبِّ الوالِه، ويُناجيه مناجاةَ المُتشوِّق الهائِم؛ ويُطيل النظرَ في تفاصيله، ويجد أنسَه فيه، ولا ينسى أن يشكو إليه ما يعتلجُ في نفسه من أنين وألم:

بَيْني وَبَيْنَ الرَّوْضِ حُب
بٌ لا يَزولُ ولا يَبينْ
قَدْ كانَ لي الخِلَّ الأمَي
نَ إذا جَفا الخلُّ الأَمينْ
آَتيهِ مَعْصوبَ الجَبي
نِ فَأَنْثَني طَلْقَ الجَبينْ
وَلى الخَريفُ فزُرْتُهُ
وَزِيارَتي دَيْنٌ وَدِينْ
فبَدا أَمامي خاليًا
مِمَّا يُشَمُّ وَما يَبينْ
لا نَسْمَةٌ، لا خُضْرَةٌ،
لا زَهْرَةٌ، لا يَاسمَينْ
إِلَّا هُناكَ «وُرَيْقَةٌ»
تَحْكي بصُفْرَتِها الطَّعينْ
خاطَبْتُها وخِطابُ مِثْ
لي دَمْعَةُ المُتَوَجِّعينْ

ومن شعره التأمُّلي قولُه مخاطبًا نفسه، التي كثيرًا ما خاطبها وبثَّ إليها ما يساوِرُه من شكوكٍ وآمال وآلام:

يا نَفْسُ لَيْسَ النَّاسُ إلْ
لَا تائِهِينَ بِبادِيَةْ
مُتَفَرِّقينَ مَضَوْا، فَكُلْ
لٌ مِنْهُمْ في ناحِيَةْ
هذا فَتًى ذو هِمَّةٍ
يُدْنِي الأَماني القاصِيَةْ
هَذا يَلِذُّ لَهُ المَسي
رُ هَوًى وَراءَ الغانِيَةْ
هذا تَطيبُ لَهُ السُّهُو
ل، وذَاكَ يَهْوَى الرَّابِيَةْ
وَسَيَنْتَهُونَ كَما انْتَهَى الش
شُعَراءُ عِنْدَ القافِيَةْ

وهو في مَعْرض تأمُّله يعودُ فيكرِّر استعدادَه للموت، وترحيبَه به؛ ويدعو إلى الوئام والألفة، وترك التَّنازُع والخصام:

يا نَفْسُ ما لَكِ تَنْفُري
نَ لَدَى افْتِكارِكِ بالنِّهايَةْ؟
أَجَهِلْتِ أَنَّ حَيَاتَنا
في الكَوْنِ أَشْبَهُ بِالرِّوايَةْ؟
أَجْلى مَشاهِدِها عِدا
ءٌ في البَسيطَةِ أَوْ جِنايَةْ
وَالسِّلْمُ وَهْوَ أَحَبُّها
ما بانَ إِلَّا بَعْدَ غايَةْ
أَفَتُعْرضينَ عَنِ الحَقي
قَةِ بَعْدَ تَمْثيلِ الغِوَايَةْ؟
إِنَّ التي تَخْشَيْنَ قُرْ
بَ وُصولِها بِنْتُ البِدايَةْ
فَاسْتَقْبِليها غَيْرَ خا
ئِفَةٍ فَما مِنْها وِقايَةُ
فَلَعَلَّ دَوْرَ الحُبِّ يَظْ
هَرُ بَعْدَ أَدْوارِ السِّعايَةْ

وتخالطُ الحكمةُ فلسفةَ الشاعر، فهي كثيرةُ الوُرودِ في شعره، تأتي على شكل نصائح يُسْديها للآخرين أحيانًا، أو سياق قصائد أخرى:

الوَرْدُ في كُرْسِيِّ أَغْصانِهِ
كَالمَلْكِ وَالأَوْراقُ شِبْهُ الخَفيرْ
تَرُدُّ عَنْهُ الرِّيحَ، في عَصْفِها،
ولَفْحَةَ الشَّمْسِ وَحَرَّ الهَجيرْ

ويرى الشاعرُ أَنْ ليسَ كلُّ لقاءٍ يبعث الحبَّ، فالحبُّ قد ينطلق أُوارهُ بالابتعاد وينهار باللقاء:

فَقَدْ يَنْهارُ حُبٌّ في التَّلاقِي
وَقَدْ يَقْوَى وَإِنْ سَتَرَتْهُ حُجْبُ

يلبِّي ندرة حدَّاد دعوةَ من يحبُّ، وليس للمُحبِّين إِلَّا أن يفعلوا ذلك؛ فالأماكن تجملُ بلقاء المُتَشاوِقين واجتماع المُتَآلفين:

دَعاني مَنْ أُحِبُّ، وَكُلُّ نَفْسٍ
تُلَبِّي، إِنْ دَعاها، مَنْ تُحِبُّ
وَأَجْمَلُ مَنْظَرٍ في الكَوْنِ رَوْضٌ
تَلاقَى عِنْدَهُ صَبٌّ وَصَبُّ
أَرَى حِزْبًا يَسُودُ الحُبُّ فِيهِ
وَقَلَّ وُجُودُ حِزْبٍ فيهِ حُبُّ

وتختلطُ الحكمةُ لدى الشاعر بالزُّهْد، فهو لا يهتمُّ لما أَفْرزته الحضارةُ الحديثة والتقانةُ المتقدِّمة. إنَّ عيشًا هادئًا بلا ضجيج، ومَأْكلًا خفيفًا بسيطًا بلا أَرَق ولا هموم، ومأوًى عاديًّا متواضعًا، كلُّ ذلك هو من أَجلِّ أُمْنِياته:

وَهَبْ ناجَيْتَ أَرْوَاحًا تَوارَتْ
فَأَدْرَكَ كُلُّ إِنْسانٍ مَقَرَّهْ
فَلَسْتَ بِزائٍدٍ في الأَرْضَ شِبْرًا
وَلَسْتَ بِزائِدٍ في التُّرْبِ ذَرَّةْ
وَلَسْتَ بِمُنْقِصٍ، ما عِشْتَ دَهْرًا
تُفَكِّرُ، مِنْ مِيَاهِ الكَوْنِ قَطْرَة
وَلَسْتَ بكُلِّ ما أُوتِيتَ عِلْمًا
تَضُمُّ إِلى شُعُورِ الرَّأْسِ شَعْرَةْ
هَنِيئًا لِلأُلَى عاشُوا قَديمًا
وأَفْضَلُ قُوتِهِمْ ماءٌ وكِسْرَهْ
بِبَيْتٍ تَخْفِقُ الأَرْيَاحُ فِيهِ
وكُلُّ أَثاثِهِ طاسٌ وجَرَّةْ
فَفِي تِلْكَ المَعيشَةِ كُلُّ هَمٍّ
وفي هَذي السَّعَادَةُ والمَسَرَّةْ

بلى، لقد كان الشاعرُ زاهدًا في الدُّنيا، غيرَ مَفْتونٍ بها، يطيب له أن يُعدِّدَ همومَها ويعرِّض فيها:

وَما هِيَ الدُّنْيَا، وَما نَفْعُها
وكُلُّ ما فيها مُمِلٌّ حَقيرْ
هذا عَليلٌ لا يُرْجَّى لَهُ
بُرْءٌ، وذا مُنْذُ صِباهُ ضَريرْ
وَذا على أَمْوالِهِ خائِفٌ
وَذاك لا يَمْلِكُ شَرْوَى نَقيرْ
وَذي فَتاةٌ خانَها دَهْرُها،
في إِلْفِها، تَبْكي بِدَمْعٍ غَزيرْ
وتِلْكَ أُمٌّ في اللَّيَالي غَدَتْ
سَهْرانَةً تَحْنو على ابنٍ صَغيرْ
إِنْ نامَ نامَتْ، إِنَّما خِلْسَةً
وقَلْبُها اليَقْظانُ حَوْلَ السَّريرْ

لم تخلُ بعضُ قصائد ندرة حدَّاد من الأسلوبِ الخطابي المباشر، سواءٌ في شعره الذي ألقاه في المناسبات أو غيرها. ومن ذلك قولُه:

ظَلَلْتُ أَمْشي تائِهًا لا أَعِي
حَتَّى رَأَتْ عَيْنايَ ماءَ الغَديرْ
فَمِلْتُ والإِنْسانُ مِنْ طَبْعِهِ
يُسَرُّ بالماءِ وَسَمْعِ الخَريرْ
إلى مَكانٍ تَحْتَ صَفْصافَةٍ
تَبْدو لَنا كالخائِفِ المُسْتَجيرْ
جَلَسْتُ فَوْقَ المَرْجِ في ظِلِّها
فَخِلْتُنِي في مَقْعَدٍ مِنْ حَريرْ
أَميلُ إِنْ مالَتْ إِذا هَزَّها،
مِنْ جانِبِ الوَادي، الهَواءُ الكَثيرْ
فَدَبَّ في القَلْبِ حَنينٌ إلى
جَمالِ سُوريَّا العَديمِ النَّظيرْ

وهنا يتَّضحُ الأسلوبُ المباشر في النَّظْم رغم ما في هذه الأبيات من دقَّة الوصف ومنطِق الحكمة:

وَإذا مِتُّ بِأَرْضٍ
تُخْرجُ القَوْمَ الأُسُودا
تَدْفَعُ الأَبْناءَ في المَجْ
دِ إِلى الحَرْبِ جُنُودا
وإِذا مَاتَ مَنْهُمْ
بَطَلٌ كانَ شَهِيدا
تَبْذُلُ المالَ فيَغْدُو
لِلَّظَى الحَرْب وَقُودا
تَجْعَلُ الإِنْسانَ حُرًّا
طارِحًا عَنْه القُيُودا
تُكْرِمُ العَالمَ حَيًّا
ثُمَّ تَبْكيهِ فَقيدا
تُبْغِضُ الظَّالِمَ في الحُكْ
مِ ولَوْ كانَ عَميدا
تُكْرِمُ الضَّيْفَ وتَرْعى
لِنَزيلِيها العَهُودا
فانْدُبُوني أَنا مَنْ يَهْ
وَى على الأَرْضِ الخُلودا

ومِثْلُ ذلك قولُه:

أَنا إِنْ مِتُّ بِأَرْضٍ
ماتَتْ الأَحْرارُ فِيها
وَقَضَى في الذَّوْدِ عَنْها
لُّ شَهْمٍ مِنْ بَنيها
وَرَأَيْتُمْ كُلَّ غِرٍّ
بَعْدَهُمْ صارَ فَقيها
وَقَليلَ الفَهْمِ وَالإِدْ
راكِ يَغْتابُ النَّبيها
وَذَوي الأَمْوَال وَالأَمْ
لاكِ يَخْتالُونَ تِيها
وَفَقيرَ الحالِ مَنْبُو
ذًا ولَوْ كانَ نزيها

أمَّا قَصيدتُه المُطوَّلة «الرَّاهِبة»، فمنهم من رآها غايةً في الروعة ومن الفرائد في الدِّيوان، ومنهم مَنْ عدَّها من أضعف قصائِده في ديوانه «أوراق الخريف»، حيث يقول عيسى الناعوري عنها: «ونظمَ ندرة حدَّاد قصَّةً شعريَّة طويلة بعنوان «الرَّاهِبة» تقع في 110 أبيات بوزنٍ واحد وقَوافٍ متعدِّدة… غيرَ أنَّ الصِّياغةَ الشعريَّة في هذه القصيدة الطويلة لم تكن موفَّقة، فقد كانت عباراتُها ركيكةً مُهَلْهَلة». وهذا يدلُّ على أنَّ النقَّادَ قد لا يتَّفقون في الحُكْم على الشِّعر، فمثلُ هذا هو خلافٌ عميق في الرؤية وليس مجرَّد تفاوتٍ بسيط.

هكذا كان الشاعرُ نَدْرة حدَّاد مرآةَ عصره، وصورةً للرابطة القلميَّة في نيويورك التي مثلَّت أدباء المهجر الشِّمالي خيرَ تمثيل، لكنّه تفرَّد في أشياء خاصَّة به. ومع أنَّه لم يخرج عن نطاق القصيدة العربية خروجًا سافرًا، إلَّا أنَّه صبغَ شعره بصبغةٍ جديدة نادى من خلالها إلى الحبِّ والسَّلام، ووقف متأمِّلًا في خلق الله، فعبَّر خيرَ تعبير عن جَمال الطبيعة وسحرها، عن خبايا نفوس البشر وطَوَاياهم، فجاء شعرُه جديدَ المَضْمون والمُحْتَوى، قديمَ البناء نسبيًا.

المراجع

عدل
  1. ^ أَدبُنا وأُدَباؤنا في المَهاجِر الأمريكيَّة، جُورج صيدَح، الطَّبعة الرابعَة، مَكْتبة السَّائِح، طرابلُس، لبنَان، 1999 م.

المراجع كاملةً

عدل
  • ديوان الشاعر المهجري ندرة حدّاد (أوراق الخريف وقصائد أخرى)، استدرك عليه وقدّم له واعتنى به د. حسّان أحمد قمحية، الطبعة الأولى، دار الإرشاد، حمص، 2020 م.
  • جَريدَة السَّمير المَهْجريَّة، إِيليَّا أبو ماضي.
  • جَريدَة السَّائح المَهْجريَّة، عبد المَسيح حدَّاد.
  • أَدَب المَهْجَر، الدُّكْتور عيسَى النَّاعُوري، دار المَعارِف، الطَّبعَة الثَّالثة، 1977 م.
  • "لمحةٌ عن كتاب: ديوان الشاعر الـمهجري نَدْرة حدَّاد – شاعر العاصي". مؤرشف من الأصل في 2022-06-05. اطلع عليه بتاريخ 2022-06-03.