معركة فارنا

معركة وقعت بين الدولة العثمانية بقيادة السلطان مراد الثاني وبين تحالف قوات صليبية أوروپية عام 1444م، وتم القضاء فيها على الجيش الصليبي وإنهاء حملة ڤارنا الصليبية والتمهيد لفتح القسطنطينية.
شعار مراجعة الزملاء
هذه المقالة تخضع حاليًا لمرحلة مراجعة الزملاء بهدف فحصها وتقييمها، تحضيرًا لترشيحها لتكون ضمن المحتوى المتميز في ويكيبيديا العربية.
تاريخ بداية المراجعة 2 يناير 2020

معركة ڤارنا (باللغة التركية العثمانية: وارنه محاربه سى) (بالتركية: Varna Muharebesi)، آخر الحملات الصليبية ضد الدولة العثمانية، وإحدى الحروب التي غيرت التاريخ في المنطقة ووطدت مستقبل العثمانيين لقرون بعدها في منطقة البلقان.[8][9] وقعت "معركة ڤارنا" يوم "الخميس" (هناك اختلافات في التقاويم لحساب اسم هذا اليوم من الأسبوع) بتاريخ 28 رجب 848هـ الموافق في 10 نوڤمبر 1444م،[9][10][11] بالقرب من مدينة ڤارنا البلغارية الواقعة غرب البحر الأسود، بين الدولة العثمانية بقيادة السلطان مراد الثاني، وقوات الحملة الصليبية الأوروپيَّة بقيادة القائد السياسي والعسكري المُحنَّك يوحنا هونياد أكبر الولاة والنبلاء في المملكة المجرية والذي كان قائداً لكل القوات المسيحية المشتركة. أُختير ملك بولونيا والمجر ڤلاديسلاڤ الثالث قائدا شرفياً على الجيوش الأوروپية في تلك المعركة التي انتهت بمقتله، كما شارك فيها "ميرچه الثاني" حاكم "الأفلاق"، والمندوب البابوي الكاردينال "يوليان سيزاريني" وأساقفة محاربون آخرون.

معركة ڤارنا
جزء من حملة ڤارنا الصليبية
والحروب العثمانية في أوروپا
Battle of Varna-ar.png
تحركات القوات المتحاربة أثناء المعركة
معلومات عامة
التاريخ 10 نوڤمبر 1444م
البلد
Flag of the Ottoman Empire.svg
الدولة العثمانية  تعديل قيمة خاصية البلد (P17) في ويكي بيانات
الموقع بالقرب من مدينة ڤارنا الساحلية، بلغاريا
43°13′00″N 27°53′00″E / 43.216666666667°N 27.883333333333°E / 43.216666666667; 27.883333333333  تعديل قيمة خاصية الإحداثيات (P625) في ويكي بيانات
النتيجة انتصار ساحق للعثمانيين Ottoman flag.svg
المتحاربون
Fictitious Ottoman flag 2.svg الدولة العثمانية
القادة
Fictitious Ottoman flag 2.svg السلطان مراد الثاني
القوة
60,000 جندي[1]
(15,000 جنود الإنكشارية، فرسان السپاهية، جنود النخبة من قوات السلطان)


مصدر آخر: 24.000[2]

عدة مصادر:20,000[3] /

24,000[4] / 30,000[5][6]
(15,000 بولونيون، جنود مجريون، كرواتيون، بوهيميون
7,000[7] – 8,000 [4] أفلاقيون، 1,000 جندي من ليتوانيا، الولايات البابوية، الإمبراطورية الرومانية، كرواتيا، بلغاريا)

الخسائر
غير معروف 15 الف

نقض الصليبيون والبابا عهد الصلح الذي عقدوه مع العثمانيين بعد أن نفّذ العثمانيون شروط العهد من جانبهم وسلَّموا عدة بلاد ومدن للصليبيين، فحنث الملك الصليبي باليمين الذي أقسمه على الإنجيل بأن ينفذ بنود معاهدة الصلح وغدَرَت جيوش الدول الصليبية وحشدوا جنودهم وساروا يذبحون المسلمين الآمنين بالصلح في المدن التي مرّوا عليها، قاصدين مدينة ڤارنا الواقعة على ساحل البحر الأسود في بلغاريا كي يلتقوا بالسفن الصليبية هناك ويستقلوها فيهاجموا العاصمة العثمانية أدرنة، إلا أن السلطان مراد الثاني أسرع بتعبئة ونقل القوات عبر المضيق البحري في سباق مع الزمن ولحق بالصليبيين عند مدينة ڤارنا قبل أن يلتقوا السفن الصليبية، وأوقع بهم شر هزيمة امتد أثرها عدة قرون في شبه جزيرة البلقان ومهدت لفتح القسطنطينية بعدها بتسع سنوات.

على الرغم من قوة العثمانيين التي يقدرها البعض بالضِعف أو الضِعفين، إلا أن المعركة العنيدة كان من الممكن أن تنتهي لصالح الصليبيين بحسب المصادر الغربية، ولكن عندما قرر ڤلاديسلاڤ الثالث قتل السلطان مراد الثاني شخصيا وهرع إلى الهجوم على المقر السلطاني في المعركة على خلاف الخطة، قتله الإنكشارية العثمانيون في المعركة وحزّوا رأسه ورفعوها على حربة، ونتيجة لتهوره هرب باقي الجنود الصليبيون وتعرَّض الجيش الصليبي لهزيمة كاملة ثقيلة، مما عزز موقف العثمانيين في شبه جزيرة البلقان لعدة قرون بعد نصرهم الساحق في المعركة.[12]

ظلت الدولة العثمانية بعد نصرها الساحق آمنة لعدة عقود من أية محاولات جادة أخرى لطردها من أوروپا، وكانت تلك المعركة هي آخر محاولة في القرون الوُسطى لدفع العثمانيين خارج جنوب شرق أوروپا، ولم تُشارك الإمبراطورية البيزنطية بجنودها في معركة ڤارنا ضد العثمانيين خوفًا من ضياع مدينة القسطنطينية بفقدانها جنودها، وكانت القسطنطينية هى آخر ما تبقى لهم من أملاك.[13]

قوي موقف العثمانيين في شبه جزيرة البلقان نتيجة للمعركة، وعانى الصليبيون المنهكون عام 1448م من هزيمة وحشية أخرى في معركة كوسوفو الثانية، وبعد ذلك لم يبذلوا أية محاولات جادة لاستعادة شبه الجزيرة من الدولة العثمانية، وتمهّدت بذلك الأرضية لفتح القسطنطينية عام 1453م بعد معركة ڤارنا بتسع سنوات، وفتحها السلطان اليافع محمد الثاني الذي تلقب بالفاتح ابن السلطان مراد الثاني.

لفتت معركة ڤارنا النظر إلى التكتيكات المختلفة التي طُبِّقت في ملاقاة القوات المضادة.[11]

إن النتائج الحقيقية المهمة لهذه المعركة حدثت في المجال السياسي. فبهذا النصر استعاد السلطان مراد الثاني قوته في السياسة الداخلية، وتزعزع بعنف الاعتقاد بأن العثمانيين قد طُردوا من أوروپا، وأصبح العالم الغربي الذي تضائلت حماسته وإقباله على لم الشمل، متشائماً.[11]

بُذلت المحاولات في الغرب لعدة قرون منذ القرن الخامس عشر الميلادي لتفسير كارثة معركة ڤارنا والعثور على المسؤولين عن الهزيمة، واستمرت هذه المناقشة حتى نهاية القرن العشرين.


محتويات

تمهيدعدل

قامت "معركة ڤارنا" نتيجة لخطة القُوى المسيحية الصليبية بقيادة البابوية والمجريين المدعومين من البيزنطيين الرامية إلى طرد العثمانيين من شبه جزيرة البلقان ونزول القوات الصليبية بأدرنة عاصمة العثمانيين، والاستيلاء على المكان والقضاء على التهديد العثماني تمامًا.[9][11] كانت "معركة ڤارنا" هي المعركة الأخيرة التي أنهت حملة ڤارنا الصليبية التي بدأت رسميا يوم 1 يناير 1443م بمرسوم بابوي صادر عن الكنيسة الرومانية الكاثوليكية بتوقيع البابا إيجين الرابع بابا الكنيسة الكاثوليكية.[14]

في اجتماع بمدينة أورشوڤا أُعطي يوحنا هونياد القيادة العليا للجيوش الصليبية كي يقود قوات التحالف الصليبي المُكوَّن من مملكة المجر ومملكة بولونيا والاتحاد الكرواتي المجري والتاج البوهيمي (التشيك حالياً) ودوقية ليتوانيا الكبرى وإمارتي "الأفلاق" والبغدان (تُشكلان جزء من رومانيا الحالية) والمتمردين البلغار والإمبراطورية الرومانية المقدسة والدولة البابوية والفرسان التيوتونيين.[15][16][17] تصاعدت حملة ڤارنا الصليبية خلال عدة معارك، وعُرفت أيضاً باسم "الحملة الطويلة"، وبلغت تلك المعرك ذروتها بانتصار عثماني حاسم على التحالف الصليبي في "معركة ڤارنا" التي قُتل فيها ملك بولونيا والمجر الملك ڤلاديسلاڤ الثالث وقُتل فيها أيضاً المندوب البابوي الكاردينال "يوليان سيزاريني" (بالإيطالية: Giuliano Cesarini, seniore) في نفس يوم المعركة، كما قُتل أساقفة آخرون قادوا قوات صليبية، وأعداد غفيرة من الصليبيين.

في بداية سنوات حملة ڤارنا الصليبية عاميّ 1443-1444م، أوقع الصليبيون عدة هزائم بالعثمانيين من جهة الغرب بينما تمرد الداماد "إبراهيم بك الثاني" حاكم إمارة قرمان (باللغة العثمانية: قره مان) المجاورة لإمارة العثمانيين في الأناضول ونهب المدن العثمانية من جهة الشرق، مما اضطر السلطان العثماني مراد الثاني الذي أُجبر على قتال الصليبيين في الروملي وقتال الداماد "إبراهيم بك الثاني" في الأناضول للإسراع بإجراء تفاهمات لمعاهدة سلام مع الملك ڤلاديسلاڤ الثالث لمدة 10 سنوات كي يغادر الروملي مصطحباً الجيش العثماني إلى الأناضول ويتفرغ لتأديب إمارة القرمانيين الذين طعنوا العثمانيين من الخلف، إذ أن العثمانيين كانوا قد ساعدوا "إبراهيم بك الثاني" شخصياً للصعود إلى العرش إمارته ولكنه خانهم بعدها وتحالف مع المجر سراً ليحاربا العثمانيين سوياً من الجهتين، ولكن العالم المسيحي فسَّر- خطئاً - معاهدة سلام "أدرنة-سكدين" بأنها الخطوة الأولى في إزالة الإمبراطورية العثمانية من البلقان.

اكتملت اتفاقات الصُلح في عام 1444م، ووقّع السلطان مراد الثاني معاهدة سلام "إدرنة-سكدين" مع ملك بولونيا والمجر ڤلاديسلاڤ الثالث، وأقرَّ بموجبها استقلال الأراضي الصربية المتاخمة للمجر، ووعد الطرفان بعدم عبور جيوشهما نهر الدانوب الفاصل بينهما لمدة 10 سنوات، وأقسم السلطان على القرآن الكريم وأقسم الملك على الإنجيل بألا ينقضا هذه المعاهدة. وفي أغسطس 1444م، نقل السلطان مراد الثاني العرش إلى ابنه السلطان محمد الثاني البالغ من العمر 12 عامًا، وقرر الابتعاد عن شؤون الدولة.[18]

استفاد الكاردينال المسيحي "يوليان سيزاريني" من هذا الموقف الذي انتقل فيه حُكم الدولة العثمانية إلى الطفل السلطان محمد الثاني، وعلى رغم من وجود معاهدة صلح سارية مع العثمانيين، قام بإقناع الملك ڤلاديسلاڤ الثالث بالحنث بيمينه في معاهدة السلام مع العثمانيين فأطاعه وانطلق في حملة صليبية جديدة ضد العثمانيين فعبروا نهر الدانوب مخالفين بذلك معاهدة السلام، وذبحوا المسلمين بالمدن التي مرّوا عليها ظلماً وعدواناً بغير ذنبٍ حتى وصلوا إلى مدينة ڤارنا وعسكروا شمالها.[17][19][20]

لم يتوقع الملك ڤلاديسلاڤ الثالث ولا سيزاريني أن يُرجع السلطان الطفل محمد الثاني أباه السلطان "المُعتزِل" ليقود الجيش العثماني بدلاً عنه، ولكن حدث مالم يتوقعاه، إذ عاد السلطان لقيادة العثمانيين وجمع جيشه بسرعة هائلة بل إنه استخدم أسطول الجنويين الذين كان من المفترض أن يمنعوه من عبور المضيق بحسب خطتهم مع الصليبيين، وأقنعهم بنقل كامل الجيش العثماني على سفنهم كي يعبر المضيق البحري من أرض الأناضول (آسيا الصغرى) إلى الروملي (أوروپا) وليسير الجيش العثماني بسرعة فائقة ويظهر في ڤارنا ويفاجئ الصليبيين الذين كانوا يتدارسون الانسحاب قبل مجيئه، لتنشب معركة ڤارنا الفاصلة.[17]

أحوال البلدان قبيل المعركةعدل

الدولة العثمانيةعدل

في عام 1440م، حاصر السلطان مراد الثاني مدينة بلغراد عاصمة الصرب الحدودية والقلعة الرئيسية في المجر مدة ستة أشهر، ولكنه لم ينجح في الاستيلاء عليها لشدة الدفاع عنها.

كان وصول العثمانيين لبلغراد إنذاراً جديداً لأوروپا بالخطر العثماني القادم، وكان لابد من العمل على الوقوف بوجه قوة العثمانيين، ما أدى إلى "معركة ڤارنا" عام 1444م.

بعد استلام السلطان مراد الثاني العرش عام 1428م وكان عمره يومئذ 18 عاماً، أعاد إلى أملاك الدولة العثمانية ولايات آيدن وصاروخان ومنتشا وغيرها من الإمارات التي استولى عليها تيمورلنك وفصلها عن إمارة العثمانيين عقب معركة أنقرة عام 1402م التي هُزم فيها جدُّه السلطان بايزيد الأول، والتي كانت أكبر معركة في القرون الوسطى من حيث عدد الجيشين، والتي أعاد تيمورلنك حُكم تلك الإمارات إلى حُكَّامها القدامى ليدينوا له بالولاء بعد أن هزم وأسر السلطان بايزيد الأول، فاحتفظ بولاء أولئك الحكام تحت راية دولته الجديدة في الأناضول. استرد السلطان الشاب مراد الثاني بلاد قرمان،[21][22][23] واسترد كل ما فصله تيمورلنك عن الدولة العثمانية.[10][24]

بعد استعادة كل أملاك العثمانيين التي كان تيمورلنك قد سلبها منهم في الأناضول، تفرّغ السلطان مراد الثاني لإعادة فتح البلاد الأوروپية التي استقلَّت من بعد موت جده السلطان بايزيد الأول؛ فحارب ملك المجر وفتح مدينة "كولمباز" الواقعة على الضفة اليُمنى لنهر الدانوب (واسمه بالعثمانية: "نهر الطونه"، أو نهر "الدونا" باللغة المجرية)، وأَلزم ملك المجر بالتوقيع على معاهدة يتخلى بها عن البلاد الواقعة على الضفة اليُمنى لنهر الدانوب، بحيث يكون النهر فاصلاً بين أملاك الدولة العثمانية ومملكة المجر.[10]

في عام 1440م، حاصر السلطان مراد الثاني مدينة بلغراد عاصمة الصرب الحدودية والقلعة الرئيسية في المجر مدة ستة أشهر،[25] ولكنه لم ينجح في الاستيلاء علي القلعة لشدة الدفاع عنها واضطُّر إلى العودة إلى الأناضول لوقف هجمات "القرمانيين".[26][27] أثناء عودة العثمانيين من بلغراد إلى الأناضول حدثت بضعة مناوشات عسكرية على الطريق قام بها يوحنا هونياد، ما أُطلق عليه "الحملة الطويلة". كان عدم نجاح العثمانيين في فتح بلغراد هذه المرَّة إنذاراً جديداً نبّه أوروپا إلى الخطر العثماني القادم وماقد ينطوي عليه المستقبل من فتوحات للعثمانيين في أراضيهم، وكان لابد من العمل بجدّ على الوقوف بوجه قوة العثمانيين المتنامية.[28]

الديسپوتية الصربيةعدل

لما رأى حاكم الصرب "دوراد برانكوڤيتش" (بالصربية: Đurađ Branković)(سيريلية صربية: Ђурађ Бранковић)(بالمجرية: Brankovics György) واسمه أيضاً "(جُريج) برانكوڤيتش" أنه لن يقوى على الدولة العثمانية، رضخ بأن يدفع الجزية السنوية وقدرها 50,000 دوقيَّة من الذهب البندقي إلى العثمانيين، وأن يُقدم للسلطان فرقة من جنوده للمساعدة أوقات الحروب، وأن يقطع علاقاته مع ملك المجر، وأن يزوج ابنته "مارا برانكوڤيتش" للسلطان مراد الثاني، وأن يتنازل أيضًا للعثمانيين عن بلدة "كروشيڤاتس" الواقعة وسط بلاد الصرب؛ لتكون حصنًا منيعًا للجنود العثمانيين لدرء أي فتن مستقبلية.[10]

ولكن في السنة التالية عام 841هـ/1439م، عصى "جُريج برانكوڤيتش" ونقض الهدنة مع السلطان مراد الثاني وثار في وجه الدولة العثمانية مستغلاً انشغال السلطان مراد الثاني بالحرب مع إمارة قرمان،[29][30][31] فكانت عاقبة عصيانه أن توجَّه السلطان مراد الثاني بجيشه من الأناضول إلى الروملي وسار إلى بلاد الصرب والمجر وفتح مدينة "سمندرية" (بالإنجليزية: Smederevo) الواقعة بالقرب من مدينة بلغراد عاصمة بلاد الصرب بعد أن حاصرها مدة ثلاثة أشهر،[32][33] وفرَّ "جُريج برانكوڤيتش" إلى بلاد المجر محتميًا عند ملكها،[32][34] ثم حاصر بعدها السلطان مدينة بلغراد عاصمة الصرب مدة ستة أشهر ولكنه لم يتمكن من فتحها لشدة دفاع من بها من الجنود.[35][36]

 
صورة من داخل قلعة سمندريَّة (Smederevo) التي فتحها السلطان مراد الثاني يوم الخميس 16 ربيع الأول 842هـ الموافق 5 سپتمبر 1438م بعد عصيان ديسپوت الصرب "جُريج برانكوڤيتش". أخلى العثمانيون القلعة بعد أسبوع واحد من انتهاء مفاوضات معاهدة أدرنة-سكدين، ليستلمها مرة أخرى "جُريج برانكوڤيتش" يوم الخميس 7 جمادى الأول 848هـ الموافق 22 أغسطس 1444م.

مملكة المجرعدل

وقعت المملكة المجرية في أزمة بعد وفاة "الملك سيغيسموند" عام 1437م، إذ تولى حكم المملكة المجرية من بعده صهره (زوج ابنته) وخليفته الملك ألبرت الثاني ملك ألمانيا الذي عاش مُدَّة عامين فقط ثم تُوفي هو الآخر في عام 1439م تاركاً أرملته أليصابت اللوكسمبورجية حُبلى بطفل لم يولد بعد هو: "لاديسلاس المشهور باليتيم" (أو: لازلو)، حفيد الملك سيغيسموند والوريث الشرعي للعرش. ولكن بالطبع لم يُتوَّج الرضيع "لاديسلاس" من بعد وفاة أبيه في هذه الظروف الحرجة، وانتخب النبلاء المجريون بدلاً منه الملك الشاب ڤلاديسلاڤ الثالث (بالبولندية: Władysław III Warneńczyk) ملك بولونيا ونصَّبوه على عرش المجر أيضاً رغم النزاعات المستمرة، راجين مساعدته في الدفاع عنهم ضد فتوحات العثمانيين المتلاحقة.

بعد تتويج الملك ڤلاديسلاڤ الثالث ملكاً على المجر، لم يَعُد إلى وطنه مرة أخرى أبداً بل بقي مُتولياً حكم المملكة المجرية بجوار النبيل المجري البارز يوحنا هونياد،[37] الذي ساعد الملك الجديد ڤلاديسلاڤ من خلال تهدئة المقاطعات الشرقية وفاز بمنصب كبير (بالمجرية: Nádor) في إمارة الأردل (ترانسيلڤانيا) وحمل مسؤولية حماية الحدود الجنوبية للمجر. كان يوحنا هونياد ابناً غير شرعي لملك المجر السابق ثم أصبح قائداً للمجر، وكان كاثوليكياً متعصباً هدفه الأوحد هو إخراج العثمانيين من البلقان ومن أوروپا، درس تكتيك الحرب العثماني بصورة جيدة وتمكن بهذا من الانتصار على بضعة جيوش عثمانية سارت إليه.[29][37][24]

بحلول نهاية عام 1442م، أَمَّنَ ڤلاديسلاڤ وضعه في المجر، ورفض اقتراح عثماني للسلام مقابل الحصول على مدينة بلغراد.[27][37]

معاهدة أدرنة-سكدين 1444معدل

 
مقاطعات رومانيا الثلاث:
-الأخضر: إمارة الأفلاق أو والاتشيا "Wallachia"
-البرتقالي: إمارة البغدان أو مولداڤيا "Moldavia"
-الأصفر: إمارة الأردل أو ترانسيلڤانيا "Transylvania".
حاربت الأقاليم الثلاثة ضد العثمانيين في معركة ڤارنا، وكانت ممالك مستقلة يومئذ.
كان يوحنا هونياد هو حاكم إمارة الأردل (ترانسيلڤانيا).
 
رسم تخيلي للسلطان العثماني مراد الثاني الذي قاد جيشًا جرَّارا والتقى بِالعساكر الصليبيَّة عند مدينة وارنة (ڤارنا) البُلغاريَّة وانتصر عليهم انتصارًا كبيرًا، ثم عاد إلى عُزلته وانقطع للعبادة، فتنازل عن المُلك لِولده مُحمَّد الثاني للمرة الثانية. اللوحة بريشة "جون يونغ"، ونُشرت عام 1815م.

كانت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية تتحزّب منذ زمن طويل للدعوة إلى حملة صليبية ضد العثمانيين، ومع نهاية كل من الحرب الأهلية المجرية في وقت واحد تقريباً مع مثلها في بيزنطة، أصبحت الكنيسة قادرة على بدء المفاوضات مع الدول المسيحية والتخطيط بشكل واقعي لإطلاق ائتلاف صليبي جديد، ولكن هذا لم يمنع إقامة هدنة مع العثمانيين مع الاستمرار في حشد الجهود الصليبية.

وفي المقابل، يُعتقد أن السلطان مراد الثاني كانت لديه في هذا الوقت رغبة كبيرة للسلام بسبب عدة دوافع مجتمعة، هي:

مفاوضات السلامعدل

في 6 مارس 1444م، أرسلت مارا برانكوڤيتش مبعوثًا إلى والدها "جُريج برانكوڤيتش" ديسپوت الصرب؛ وفتحت بذلك باب النقاش لبدء مفاوضات السلام مع الدولة العثمانية، مما أدّى لاحقاً إلى معاهدة سلام أعادت لوالدها "جُريج برانكوڤيتش" حُكم ديسپوت الصرب.[27][40]

في 24 أبريل 1444م، أرسل الملك ڤلاديسلاڤ رسالة إلى السلطان مراد الثاني تُفيد بأن سفيره "ستويكا جيسدانيتش" (Stojka Gisdanić) مُسافر إلى أدرنة عاصمة العثمانيين بصلاحيات كاملة للتفاوض نيابة عنه، وطلب منه أنه بمجرد التوصل إلى اتفاق وحلفانه اليمين، أن يُرسل السلطان مراد الثاني سفراءه مع المعاهدة إلى المجر، وعندها يُقسم الملك ڤلاديسلاڤ الثالث أيضاً ويحلف اليمين على المعاهدة.[27]

في نفس ذات اليوم الذي أرسل فيه سفيره إلى السلطان مراد الثاني للاتفاق على الصلح، عقد الملك ڤلاديسلاڤ المجلس التشريعي بمدينة "بودا" (بودابست)، وأقسم أمام الكاردينال "يوليان سيزاريني" (بالإيطالية: Giuliano Cesarini, seniore) بأن يقود حملة صليبية جديدة ضد العثمانيين في الصيف. وافق على تلك الهدنة من كان أكبر مؤيد لادعاء "لاديسلاس اليتيم" العرش، وبالتالي زال خطر نشوب حرب أهلية مجرية أخرى.[27]

في 12 يونيو 1444م، قَبِلَ الوفد المجري عرض السلطان مراد الثاني قبولاً مبدئياً،[41] ونتج عن ذلك اطلاق سراح الأسير "محمود بك جلبي الجندرلي" زوج أخت السلطان مراد الثاني والذي عاد إلى أدرنة عاصمة العثمانيين ووصلها أوائل شهر يونيو 1444م.

أُجريت المفاوضات لإبرام معاهدة السلام بين يونيو وأغسطس 1444م، أولاً في مدينة أدرنة ثم في مدينة سكدين (بالإنجليزية: Szeged)، ومع ذلك لم يكن الصليبيون مهتمون تمامًا بالسلام خاصة مع قيام الكاردينال "يوليان سيزاريني" بالدفع من أجل استمرار الحملة الصليبية. وفي نهاية المطاف وجد الكاردينال حلاً من شأنه أن يتيح استمرار القتال والتصديق على المعاهدة.

في 15 أغسطس 1444م تم القسم على "معاهدة سلام سيجيد" (تُسمَّى عند العثمانيين: معاهدة أدرنة-سكدين) ودخلت حيز التنفيذ.[10][27][42]

القسم على معاهدة السلامعدل

 
مسار نهر الدانوب مُبين على الخارطة باللون الأحمر وكأنه يقطع أوروبا إلى شمال وجنوب. أقرّت بنود معاهدة سلام "أدرنة-سكدين" ألا يعبر نهر الدانوب جيوش أياً من الطرفين لمدة 10 سنوات، وأقسم السلطان على القرآن الكريم وأقسم الملك على الإنجيل بألا ينقضا المعاهدة التي دخلت حيز التنفيذ. كانت الدولة العثمانيية تقع جنوب نهر الدانوب، والصليبيون شماله. نقض الصليبيون العهد سريعاً وعبروا نهر الدانوب وعاثوا في المدن المُسلمة فساداً وقتلاً للأبرياء حتى وصلو مدينة ڤارنا (Varna) المُبينة في يمين الصورة قُرب مصب نهر الدانوب في البحر الأسود، وفيها قامت معركة ڤارنا.

في أغسطس 1444م ، وبمجرد أن أقسم السلطان مراد الثاني اليمين للامتثال للمعاهدة، أُرسلت إلى مدينة سكدين المجرية (بالمجرية: Szeged) مع "سليمان بلطة أوغلي" (باللغة التركية العثمانية: بلطه أوغلو سليمان)(بالتركية: Baltaoğlu Süleyman) و"ڤراناس" (بالإنجليزية: Vranas أو Branas) الرومي، للتصديق عليها من قِبَل الملك ڤلاديسلاڤ، وهونياد، وبرانكوڤيتش.[43]

في 1 أغسطس، صادق الملك على المعاهدة في مدينة سكدين وأقسم اليمين المغلظة على الإنجيل أن يحترم المعاهدة وأن يلتزم بما اتُفق عليه فيها.[44]

في 15 أغسطس 1444م، تم التصديق على المعاهدة في مدينة "ڤاراد" (بالمجرية: Várad) بأداء اليمين من قبل يوحنا هونياد، لنفسه و"نيابة عن الملك نفسه وجميع شعب المجر"، و"جُريج برانكوڤيتش" الصربي.

بحسب المؤرخ المجري "يوحنا دي ثوروجز" (بالمجرية: Thuróczy János)(بالألمانية: Johannes de Thurocz) (حوالي 1435م-1488/89م)، فإن الملك ڤلاديسلاڤ عيّن هونياد لتوقيع معاهدة السلام.

بعد إتمام المعاهدة مع المسيحيين في الروملي، صنع السلطان مراد الثاني السلام أيضاً مع الداماد "إبراهيم بك الثاني" حاكم إمارة قرمان في الأناضول في أغسطس 1444م، وكان الداماد "إبراهيم بك الثاني" قد انتهز فرصة انشغال السلطان مراد الثاني مع الصليبيين ونهب المدن العثمانية في الأناضول بما في ذلك أنقرة وكوتاهية، وكان ذلك أحد أسباب تعجل السلطان مراد الثاني في توقيع المعاهدة مع المجر.[45] وفي هذا الخصوص، أفتى مؤرخ الدولة المملوكية الفقيه الشافعي ابن حجر العسقلاني (توفي 1448م) والفقيه الحنفي سعد الدين ديري (توفي 1462م) بالقاهرة، بوجوب قتل الداماد "إبراهيم بك الثاني" إن لم يَتُب ويستغفر، بسبب طعنه العثمانيين من الخلف أثناء جهادهم الكفار.[24][29]

يُشتبه في أن "جُريج برانكوڤيتش" ديسپوت الصرب الذي حقق أكبر استفادة من هذه المعاهدة بعودة إمارته إليه، أنه قد أتم مفاوضاته الخاصة مع "سليمان بلطة أوغلي"، إلا أن نتائج تلك المفاوضات غير معروفة كونها لم تصل الباحثين.

بنود المعاهدةعدل

حصن غولوباتس (Golubac)
حصن سمندريَّة (Smederevo)
أعاد السلطان مراد الثاني حصن غولوباتس وحصن سمندرية إلى "جُريج برانكوڤيتش" ديسپوت الصرب بموجب معاهدة إدرنة-سيجيد 1444م.

وقّع السلطان العثماني مراد الثاني هُدنة لمدة عشر سنوات مع المجر، وأقسم الملك المجري على الإنجيل والسُلطان مراد الثاني على القُرآن الكريم على عدم مُخالفتهما شُرُوط هذا الصُلح ما داما على قيد الحياة.[46] وبمقتضى المعاهدة حصلت إمارة الصرب وإمارة الأفلاق على استقلالهما، أما المجر فقد كان هناك عدد من النقاط الإستراتيجية الأخرى مثل إنسحاب العثمانيين من الأرناؤوط ودفع السلطان مبلغ كبير قدره 100,000 فلورين كتعويض.[44]

  • نَصَّت الشروط النهائية للمعاهدة على أن يُعيد السلطان مراد الثاني 24 مدينة صربية بما في ذلك قلاع غولوباتس (Golubac) وسمندرية (Smederevo)، إلى "جُريج برانكوڤيتش" (بالصربية: Đurađ Branković) الحاكم الصربي المنفي، ومدينة "ألاجه حصار" (بالتركية: Alacahisar)(حاليا: "كروشيڤاتس" Kruševac).[35]
  • أطلق السلطان مراد الثاني سراح ابني "جُريج برانكوڤيتش": غريغور برانكوڤيتش (بالصربية: Grgur Branković) الإبن الأكبر وأسطفان برانكوڤيتش (بالصربية: Stefan Branković) الإبن الثالث له.[47][48] كان العثمانيون قد عَيَّنوا غريغوراً والياً على سمندرية بعد أن فتحوها وانتزعوها من والده عام 1439م، إلا أن غريغور لم يُقابل ذلك بالحُسنى بل تآمر وخطَّط ضد العثمانيين فطردوه من منصبه وأودعوه السجن في مدينة أماسية في أبريل 1441م ثم سَمَلُوا عينيه وأعمَوه هو وأخاه أسطفان بعدها بشهرين في 8 مايو 1441م. أما أسطفان فكان شقيق غريغور من نفس الأم وعُرف تاريخياً باسم "أسطفان الأعمى" (بالصربية: Стефан Слепи) ولم يستطع المُطالبة بالعرش بعد وفة أبيه عام 1456م بسبب عماه ولكنه تبوأ ذات المنصب لاحقاً كديسپوت الصرب بين 1458م و 1459م بعد وفاة شقيقهما "لازار" (بالإنجليزية: Lazar) أصغر أبناء جُريج برانكوڤيتش، وتم تبجيله لاحقاً باسم "القديس أسطفان الأعمى" من قِبل الكنيسة الصربية الأرثوذكسية. كانت "مارا" أختهما من أم أخرى وإحدى زوجات السلطان مراد الثاني وهي الإبنة الثانية بعد غريغور ويليها أسطفان ثم كاترينا ثم لازار الصغير.
  • بموجب الصيغة النهائية للمعاهدة تمت إعادة تأسيس الصرب كدولة عازلة بين الدولة العثمانية والمجر وأن تكون الإمارة الصربية الجديدة تابعة للعثمانيين،[24] وكان العثمانيون قد فتحوا كل أراضي الصرب سابقاً. وحُسمت في المعاهدة عودة الإمارة المذكورة إلى الحاكم السابق الهارب "جُريج برانكوڤيتش"، فأعاد العثمانيون الديسپوتية الصربية ولذلك وجب عليها دفع الضرائب للعثمانيين وتقديم المساعدات العسكرية لهم.
  • عودة الأرناؤوط وجميع الأراضي الأخرى بما في ذلك 24 قلعة إلى المجر.
  • على العثمانيين أيضًا دفع تعويض قدره 100,000 فلورين ذهب وإطلاق سراح ابني "جُريج برانكوڤيتش".
  • إطلاق سراح الأسرى من الجانبين.[30]
  • وافقت المجر على عدم مهاجمة بلغاريا أو عبور جيشها نهر الدانوب.[49]
  • تم الاتفاق على هدنة لمدة عشر سنوات مع المجر، وبذلك لم يعد "ڤلاد الثاني دراكول" (بالإنجليزية: Vlad II Dracul) ڤويڤود (حاكم) الأفلاق مضطرا للحضور إلى بلاط السلطان مراد الثاني، ولكنه كان لا يزال يتعين عليه دفع الجزية إلى العثمانيين.[43]

أسباب الصلح بين الطرفينعدل

 
شبه جزيرة البلقان مُبيَّنَة على الخارطة باللون الأزرق، وهي تضم عدّة دول حالياً.
 
"جُريج برانكوڤيتش" (Đurađ Branković) ديسپوت الصرب، كانت ابنته "مارا" إحدى زوجات للسلطان مراد الثاني، ورفض أن ينضم للجيش الصليبي في معركةڤارنا بعد توقيعه المعاهدة التي استرد بها أملاكه سلمياً من العثمانيين.[50][19]

كان من أسباب عقد الصلح بين الدولة العثمانية ومملكة المجر ما يلي:

تنفيذ بنود المعاهدةعدل

 
قبر الشاهزاده "علاء الدين" چلبي أكبر أبناء السلطان مراد الثاني والذي كان يعده لخلافته. كان موته كارثة نفسية على والده لحبه إياه، فحزن عليه السلطان وشعر بالتعب من أعباء السلطنة وازداد هم الدُنيا عليه فتنازل عن المُلك لابنه محمد الثاني الذي عرف فيما بعد بمحمد الفاتح، وانقطع السلطان مراد الثاني لِلعبادة.

في 22 أغسطس 1444م، وبعد أسبوع واحد من انتهاء المفاوضات، استعاد "جُريج برانكوڤيتش" أراضيه في الصرب بادئاً باستلام مدينة سمندرية في نفس ذلك اليوم بعد أن أخلاها له العثمانيون.[51] وخلال نفس الأسبوع أيضاً، عرض الملك ڤلاديسلاڤ عرش بلغاريا على يوحنا هونياد[51] بناء على توصية الكاردينال "يوليان سيزاريني" الذي كان يحث الملك على التخلي عن قَسَمه الذي أدّاه للعثمانيين والوفاء بقسَمِه الذي قطعه للمسيحيين بغزو العثمانيين في الخريف.[52]

بحلول منتصف سپتمبر، تم الانتهاء من جميع عمليات نقل المدن والقلاع والأراضي، سواء تلك التي نصت عليها المعاهدة أو تلك المتعلقة بالمفاوضات الأساسية، مما سمح للحملة الصليبية بأن تصبح محور اهتمام المجر الرئيسي.

ما بعد الصلحعدل

بعد إتمام الصلح تُوفي في أماسيا الشاه زاده "علاء الدين" چلبي (بالتركية: Alaüddin Çelebi) أكبر أبناء السلطان مراد الثاني وكان عمره 18 سنة، [24] ولقبه: "أولو" أي: الكبير، [53] والذي كان يعده السلطان لخلافته، [30] جراء سقوطه من على جواده أثناء رحلة صيد، فحزن عليه السلطان وشعر بالتعب من أعباء السلطنة وازداد هم الدُنيا عليه، فتنازل عن المُلك لابنه محمد الثاني الذي عرف فيما بعد بمحمد الفاتح والبالغ من العمر 12 عامًا آنذاك، وانقطع السلطان مراد الثاني لِلعبادة، وأقام بعيداً عن العاصمة إدرنة.[9][25]

اعتبر الطرفان: العثماني والمجري أن هذه الاتفاقية بمثابة فرصة لالتقاط الأنفاس، وخصوصًا بعد سلسلة طويلة من الصراعات والحروب، ولكن الملك ڤلاديسلاڤ والكاردينال سيزاريني نقضاها سريعاً بعد فترة وجيزة.[13]

خروج الصليبيين للحربعدل

 
 
ممر "آيتوسكي"
موقع ممر "آيتوسكي" ومدينة "ڤارنا" على خريطة بلغاريا. سار الجيش العثماني خلال ممر "آيتوسكي" ومنه وصل إلى "ڤارنا" لملاقاة الصليبيين الذين نقضوا المعاهدة وعبروا نهر الدانوب خلاف الإتفاق وعاثوا في مدن المسلمين قتلاً وإفساداً.

على الرغم من مفاوضات المعاهدة، إلا أن التخطيط للحملة الصليبية ظل مستمراً واستعداداتهم المحمومة للمعركة ضد العثمانيين:

  • في 1 أغسطس، صادق الملك على المعاهدة في مدينة سكدين وأقسم اليمين المغلظة على الإنجيل.[44]
  • في 4 أغسطس، أعلن الملك حملة عسكرية ضد العثمانيين، تحت ضغوط مندوب البابا، الكاردينال "يوليان سيزاريني".[44]
  • في 10 أغسطس، أصدر الملك أمره بتجميع الجيش، وبدأت استعدادات محمومة للحرب.[44]
  • بدلاً من 1 سپتمبر، تحرك الجيش الصليبي من المجر في النصف الثاني من نفس الشهر وعبر نهر الدانوب بين 18 و 22 سپتمبر.[44]
  • تم كل ذلك سراً وغدراً بدون إشعار العثمانيين بنقض المعاهدة.
  • عندما وصل إلى السلطان نبأ عبور الصليبيين لنهر الدانوب ومسيرهم في سهل الدانوب غير المأهول بالسكان، ترك السلطان "مغنيسية" التي كان معتزلاً فيها وسار إليهم في 40,000 من جنود الأناضول الآسيوية،[24][53] وعبر بهم المضائق البحرية بمعونة سفن جنوة،[9] ثم انضم إليه في تراقيا الشرقية الجنود العثمانيون الذين كانوا في الروملي الأوروپية جاءوا تحت قيادة الصدر الأعظم (كبير الوزراء) خليل باشا الجندرلي وسار بهم في ممر "آيتوسكي" (Aytoski prokhod) ببلغاريا الموصل إلى مدينة ڤارنا.[44][54]
  • في 9 نوڤمبر، وصل الجيش الصليبي بقيادة الملك ڤلاديسلاڤ الثالث إلى أسوار مدينة ڤارنا، وفي عَشِيّة نفس اليوم جاءهم خبر وصول جيش كبير للعثمانيين وتمركزهم عند سفح هضبة فرانغا، في موضع أفضل عسكرياً.[44]

نقض الصليبيين للمعاهدة سراًعدل

 
لوحة للملك الشاب ڤلاديسلاڤ الثالث ملك بولونيا والمجر، صعد إلى عرش المجر ونقض معاهدة السلام مع السلطان مراد الثاني بضغط من البابا فحنث باليمين وخان العهد، وكانت عاقبته أنه قُتل في "معركة ڤارنا" وعمره 20 عاماً نتيجه هجومه المتهور قليل الخبرة.

انتشر تصريح للملك ڤلاديسلاڤ الثالث عن "مفاوضات السلام" التي يُجريها مع العثمانيين، وتسبب ذلك في ممارسة ضغوطٍ إضافية عليه من مؤيدي فكرة الحملة الصليبية من أجل دفع الملك للتخلي عن تلك المعاهدة،[55] وفي نفس الأثناء، كانت هناك حرباً أهليةً في بولونيا، وطالب فصيل هناك بعودة الملك ڤلاديسلاڤ الثالث لإنهائها، كما أن الخسائر التي وقعت خلال فصل الشتاء الأسبق كانت كلها دلائل ضد استمرار الحرب.[55]

ولكن من الناحية الأخرى، آمن الكاردينال "يوليان سيزاريني" بقوة في الحملة الصليبية وضَغَطَ لإقناع الملك ڤلاديسلاڤ الثالث بها، حتى أُكره الملك وأُقنع بالخروج بحملة صليبية على الرغم من سريان معاهدة الصلح مع العثمانيين. فبعد مرور فترة وجيزة جداً من الوفاء بجميع المتطلبات "قصيرة الأجل" للمعاهدة، استأنف المجريون وحلفاؤهم الحملة الصليبية بعد نجاح الدبلوماسية البابوية التي مَثّلها المندوب البابوي الكاردينال "يوليان سيزاريني" في إقناع الملك ڤلاديسلاڤ الثالث ملك بولونيا والمجر بأن نقض العهد مع المسلمين لا يُعدّ حنثاً بالعهود.[56] وكان الملك متحرجاً من النكوث عن يمينه الذي أقسمه على الإنجيل.

وعلى الرغم من أن الملك ڤلاديسلاڤ الثالث كان قد أقسم على الإنجيل بأنه لن يخلّ بالمعاهدة، إلا أنه حصل على فتوى دينية من البابوية تتيح له الإخلال بالاتفاق وبحنث اليمين التي أدّاها للعثمانيين حتى ولو كان قد أقَسَم على الإنجيل، و جاء في تلك الفتوى: "لمَّا أنَّ الأتراك يُنكرون ألوهية عيسى فهم كُفار، ومع الكفار يجوز الإخلال بالاتفاق حتى ولو كان هناك قسم على الإنجيل".[57][58]

 
الرحَّالة الإيطالي المتخصص بالأثريات "تشيرياكو دي بيتسيكولي"(بالإيطالية: Ciriaco d'Ancona di Benozzo Gozzoli) (1391م-1453/55م) والذي يُعرَّف أحيانًا بأنه أبو "علم الآثار التقليدي" وله نشاط للنهضة الإنسانية. كتب إلى يوحنا هونياد رسالة توسل لتجاهل السلام مع العثمانيين، وذكر كاذباً أن العثمانيين مرعوبون و"أنهم يُعدّون جيشهم للانسحاب بدلاً من دخول المعركة".

لم يكن الملك ڤلاديسلاڤ الثالث هو الشخص الوحيد الذي أُكره على المضى في الحملة الصليبية على العثمانيين، ففي 24 يونيو 1444م قام الرحَّالة الإيطالي "تشيرياكو دي بيتسيكولي" (بالإيطالية: Ciriaco de' Pizzicolli) الذي عُرف بنشاطه للنهضة الإنسانية، بالكتابة إلى هونياد وأرسل له رسالة تَوَسُّل لتجاهل السلام، زاعماً فيها كذباً بأن الأتراك مرعوبون وأنهم "يُعِدّون جيشهم للانسحاب بدلاً من دخولهم المعركة"، وتابع قائلاً بأن المعاهدة ستسمح للسلطان مراد الثاني "بالانتقام من الهزيمة التي ألحقها به هونياد في الماضي القريب"، وأن المجر والدول المسيحية الأخرى يجب أن تغزو تراقيا بعد "إعلان حربٍ يستحق الدين المسيحي".[55]

ونتيجةً لكل ما سبق وبناءً على دعوة المندوب البابوي الكاردينال "يوليان سيزاريني"، طمأن الملك ڤلاديسلاڤ الثالث حلفائه في الثاني من يوليو عام 1444م بعزمه على قيادة الحملة الصليبية وأعلن أنه سيتوجه إلى مدينة "ڤاراد" (أوراديا حاليا) (بالمجرية: Várad) (بالتركية: Varat) في 15 يوليو 1444م لتكوين جيش صليبي، [52] وبناء على توصية الكاردينال، أعطى الملك ڤلاديسلاڤ الثالث تاج العرش البلغاري لهونياد. [51]

كانت حملة ڤارنا الصليبية تُسبغ الشرعية على مطالبة ڤلاديسلاڤ الثالث بعرش المجر، وأراد الفصيل الپولندي بشكل خاص تثبيت أحقية ڤلاديسلاڤ في حُكم المجر عن "لاديسلاس" البالغ من العمر ثلاث سنوات والذي هو في حقيقة الأمر الملك الشرعي للمجر ـ وليس ڤلاديسلاڤ الثالث ملك بولونيا.

اجتمعت كل الأسباب السابقة لدى الصليبيين لتبنِّي استراتيجية المواجهة والحرب على الدولة العثمانية رغم سريان المعاهدة. وعلى النقيض من ذلك، كانت الظروف مواتية في الدولة العثمانية لتبني استراتيجية السلام بعد تأمين الحدود وعقد معاهدات السلم.

فبعد توقيع المعاهدة، أخضع السلطان مراد الثاني إمارة قرمان بنهاية أغسطس 1444م،[53] وتوقّع أن تُعطي الشروط المواتية الممنوحة في كل من معاهدة سلام أدرنة-سكدين والتسوية مع الداماد "إبراهيم بك الثاني" حاكم إمارة قرمان سلامًا دائمًا للدولة العثمانية، وترك كل ذلك انطباعاً لدى السلطان مراد الثاني وقناعةً بأن حدوده آمنة، وكان السلطان قد بلغ الأربعين من عمره آنذاك وناله من الإجهاد ما ناله، فتنازل طواعية عن المُلك لابنه محمد الثاني (الفاتح) وانقطع لِلعبادة في مغنيسية بعيداً عن العاصمة ومشاغل السياسة والحرب مطمئناً على ولده محمد الثاني لأن بينه وبين أوروپا معاهدة لعشر سنوات يكون ولده قد كبر واشتد عوده أمامهم.[59]

استغل الصليبيون إتمام المعاهدة وسريانها، وتنازُل السلطان مراد الثاني عن الحُكم لإبنه السلطان الشاب محمد الثاني صغير السن قليل الخبرة بأمور الحُكم والحرب، وكذلك وجود الجيش العثماني بعيداً في الأناضول بعد معاركه مع إمارة "قره مان"، فتعاونت المجر مع البندقية والبابا يوجين الرابع لتنظيم جيش صليبي جديد بقيادة النبيل المجري يوحنا هونياد المُلقّب "بالفارس الأبيض"،[53] والملك ڤلاديسلاڤ الثالث، وكان هدفهم الرئيسي هو الدفاع عن المجر ضد العثمانيين، ثم مهاجمة أدرنة لاحقاً وهي عاصمة العثمانيين يومئذٍ.[60]

موقف يوحنا هونيادعدل

استعمل يوحنا هونياد الكثير من ممتلكاته وأمواله لتهيئة الجيوش في سبيل صد العثمانيين في البلقان، وجعلته انتصاراته السابقة يرتقي منصبا عاليا في المملكة المجرية، وتملَّك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والمدن والقلاع، وكان نفوذه الأكبر في بلاده بحيث أنه لم يضاهه أي نفوذ آخر، ومنحه البابا پيوس الثاني لاحقاً لقب "بطل المسيح". لم يكرِّس هونياد قوته في سبيل السيطرة على عرش المجر التي كان يمتد نفوذها إلى رومانيا المعاصرة وأجزاء من البلقان وغيرها.

وفقا لرسالة من "جُريج برانكوڤيتش" ديسپوت الصرب، أنفق يوحنا هونياد أكثر من 63,000 فلورين ذهب لتوظيف المرتزقة في النصف الأول من العام.[61]

موقف جُريج برانكوڤيتشعدل

رفض "جُريج برانكوڤيتش" أن ينضم للجيش الصليبي في المعركة بعد توقيعه المعاهدة التي استرد بها أملاكه سلمياً من العثمانيين، فقد كان يرغب في السلام أيضاً مثل السلطان، وكانت ابنته مارا برانكوڤيتش متزوجة من السلطان مراد الثاني أيضاً.[50][19][39][62]

مذابح الصليبيين في قرى المسلمينعدل

 
سلسلة جبال البلقان مُحددة باللون الأصفر على الخارطة. تمتد جبال البلقان من أواسط بلغاريا حتى شرقي صربيا، ومنها جبل أوليمبس الشهير في اليونان. في 22 سپتمبر 1444م، تحرك الصليبيون من المجر يُريدون التقدم باتجاه البحر الأسود عبر جبال البلقان للنزول سريعاً وغزو أدرنة عاصمة العثمانيين الواقعة في الروملي (أرض أوروپا).

في 22 سپتمبر تحرك الصليبيون من المجر،[51] يُريدون التقدم باتجاه البحر الأسود عبر جبال البلقان. [63][64]

كانت نقاط تجمع الجيش الصليبي هي قرية "ڤارادين" (بالإنجليزية: Varadin) (حالياً: مدينة أوراديا في رومانيا) و"طمشوار" (بالرومانية: Timișoara) في غرب رومانيا.[44]

لم تكن الدولة العثمانية قد علمت حتى ذلك الحين بنقض المندوب البابوي الكاردينال "يوليان سيزاريني" للمعاهدة وتسييرهم الجيش الصليبي من المجر.

عبر الصليبيون نهر الدانوب في الفترة من 18 إلى 22 سبتمبر 1444م، ثم دخلوا مدينة "نوڤي بازار" (واسمها بالتركية: "يني پازار") جنوب غرب صربيا في 24 أكتوبر وذبحوا المسلمين في المدينة. في 26 أكتوبر 1444م، نفذوا المذبحة نفسها في شومن (بلغاريا)، وتيرنوڤو (مقدونيا الشمالية)، وبريڤادي (بلغاريا)، وريتريك (Retric) وميهاليتش (بلغاريا)(بالإنجليزية: Mihalich).

في 9 نوفمبر 1444م، وصل الجيش الصليبي إلى ڤارنا واستولى على قرى "غلطة حصار" و"ماكروپوليس" و"كاڤارنا" و "كالي ياكرا" في جنوب المدينة وأنشأ معسكره في الجزء الشمالي من مدينة ڤارنا.[9][17]

استدعاء السلطان للعودة للحكمعدل

كان عمر السلطان محمد الفاتح آنذاك 14 عاماً فطمعت الدوائر الحاكمة في أوروپَّا في غزو الدولة العثمانية لمَّا سمعت بتوليه وصغر سنه، ففسخت الهدنة سراً مع الدولة العثمانية بعد أن مرَّ عليها خمسون يومًا،[65] وجهَّزوا جيوشا لمحاربة الدولة العثمانية وشكَّلوا جيشاً كبيراً من قوات عدة دول أوربية ليهاجم العثمانيين.

في 20 سپتمبر 1444م تحرك الجيش المجري جنوباً من مدينة سكدين، وعندما وصلت أخبار غدر المجر وعبورهم الحدود وإغارتهم على بلاد البلغار غير مراعين لشروط الهدنة إلى السلطان محمد الثاني بواسطة الصدر الأعظم خليل باشا الجندرلي، كان السلطان يعلم أنه صغير في السن وعديم الخبرة لمقاومة تحالف ضخم كهذا بنجاح، ولأنه كان ذكيًّا فقد جمع الديوان بسرعة، وإزاء هذه التطورات اجتمع مجلس شورى السلطنة العثمانية وقرروا استدعاء السلطان مراد الثاني إلى العرش مرة أخرى، فاستدعى السلطان محمد الثاني والده السلطان مراد الثاني إلى العرش لقيادة الجيش في المعركة، لكن السلطان مراد الثاني لم يقبل بالعودة إلى العرش ورفض قائلاً: "لقد كان هدفنا من مَنح السلطنة إلى ابننا مُحمَّد هو قضاء ما بقي من عمرنا في الطاعة والعبادة، وعليه أن يحافظ على الدِّين والدولة بموجب هذه السلطنة".[35][43][49][57][66]

غضب السلطان محمد الثاني على والده الذي تقاعد منذ فترة وانقطع في جنوب غرب الأناضول لرغبته بِالتفرُّغ لِلعبادة والطاعة لله بعمر 41 عاماً وكان تقيًّا مخلصاً في إسلامه عاش حياةً مستقيمة وجديَّة ونزيهة، فكتب إلى والده قائلاً: «إِن كُنتَ سُلطَانًا فَظَاهِر أَنَّ عَلَيكَ مُحَافَظَةُ البِلَادِ وَالعِبَادِ، وَإِن لَم تَكُن سُلطَانًا فَيَجِب عَلَيكَ طَاعَةُ السُّلطَانِ وَامتِثَالُ أَمرِه».[67] وبعد أن تلقي السلطان مراد الثاني هذه الرسالة وافق على العودة لقيادة الجيش العثماني مرة أخرى، فعاد وأعد جيشه للقاء تلك الحملة الصليبية والتقى بالصليبيين في مدينة ڤارنا على شاطئ البحر الأسود.[25]

تذكر بعض المصادر أن "جُريج برانكوڤيتش" ديسپوت الصرب كان قد أخبر السلطان بقدوم حملة يوحنا هونياد الصليبية.[68]

أحداث ما قبل المعركةعدل

 
رسم معاصر لأمير الأفلاق "ڤلاد الثاني دراكول" الذي كان قد استعاد عرش الأفلاق بمعاونة العثمانيين عام 1436م فلم يشارك في معركة ڤارنا ضدهم، بل حاول ثني ابنه ميرچه الثاني عن الالتحاق بجيش الصليبيين فلم يفلح. حَكَمَ الأفلاق مرتين: من 1436-1442م ثم من 1443-1447م، وقُتل بعمر 51-52 عاماً تقريباً. تدهورت العلاقة بين الأفلاق والمجر بعد معركة ڤارنا مباشرة، حتى اقتحم هونياد بشكل غير متوقع الأفلاق أواخر نوفمبر 1447م وهرب ڤلاد لكنه أُلقي القبض عليه وقُتل في المستنقعات في بلتيني (Bălteni) واسمها حالياً پيريش (Periș) برومانيا الحالية، ولا يُعرف مكان قبره.

كان غرض الحملة الصليبية هو مهاجمة وغزو أدرنة عاصمة الدولة العثمانية والواقعة في الروملي (أرض أوروپا) مستفيداً مما يلي:

  1. تحركت الجيوش الصليبية في الروملي أثناء عُزلة السلطان مراد الثاني بعيداً عنها في الأناضول (أرض آسيا الصغرى).
  2. تواجد السلطان اليافع محمد الثاني حاكماً رسمياً للعثمانيين، وعدم درايته وخبرته بقيادة الجيوش وأعمال التعبئة والحرب.
  3. تواجد الجيش العثماني بعيداً في الأناضول.
  4. استحالة نقل جيش الأناضول سريعاً إلى الروملي عبر الحاجز البحري لعدم وجود سفن بحرية عثمانية.
  5. وجود المانع المائي والمضائق البحرية وتواجد الأسطول الصليبي المشارك في الحملة ليمنع جيش العثمانيين من العبور والنزول إلى الروملي (أرض أوروپا).
 
لوحة من القرن 15 للمندوب البابوي الكاردينال "يوليان سيزاريني" (بالإيطالية: Giuliano Cesarini, seniore) الذي قُتل في "معركة ڤارنا" يوم 10 نوڤمبر 1444م. وُلد في روما عام 1398م، وكان أحد المخططين الرئيسيين لحملة ڤارنا الصليبية ضد العثمانيين، ورأي أن توقيع معاهدة السلام مع السلطان مراد الثاني لمدة 10 سنوات كان خطئأ، وأصر على أن يخرق الملك المجري ڤلاديسلاڤ الثالث تلك المعاهدة. فساروا جميعًا إلى البلقان في حملة جديدة أسفرت عن هزيمة كارثية للجيش البابوي في ڤارنا يوم 10 نوڤمبر 1444م، حيث انهزم التحالف الأوروپي وكانت خاتمة حملة ڤارنا الصليبية.

اعتمد الصليبيون على مساعدة الأسطول البحري المسيحي الذي كان يتكون أساسًا من السفن البابوية والبندقية، فكان من المفترض أن يمنع الأسطول الصليبي القوات الرئيسية للسلطان مراد الثاني الذين كانوا في آسيا الصغرى (الأناضول) من عبور مضيق الدردنيل أو مضيق البوسفور إلى الروملي (أوروپا)، مما يتيح فرصة تقدم الصليبيين في الروملي سريعاً.[17]

ولكن تبين أن هذا التصور صعب التنفيذ من الناحية الفنية لأن المدفعية العثمانية كانت تحرس ضفتي المضيق، ولذا أبحرت السفن البابوية والبندقية التي دخلت مضيق الدردنيل تحت قيادة "ألڤيس لوريدان"، إلى ڤارنا للالتقاء مع جيوش الصليبيين هناك ومن ثمّ نقلهم على طول الساحل إلى القسطنطينية، وذلك أسرع زمنياً من زحف الجيوش ودخولهم الأراضي العثمانية عن طريق البرّ.

في نفس الوقت تحرك الجيش الصليبي باتجاه مدينة ڤارنا، وعلى طول طريق تقدّم الجيش دعا الملك ڤلاديسلاڤ حاميات القلاع العثمانية التي صادفتهم إلى الاستسلام، ولكنهم دافعوا جيداً عن أنفسهم مما أدَّى إلى تأخير تقدم الجيش المجري. ونتيجة لذلك تمت مجاوزة الحصون العثمانية الصعبة أو الاستيلاء عليها إن استطاعوا.

وفي خلال المسير، انضم إلى الجيش الصليبي الكثير:

  • انضم السكان البلغار المحليين من مدن: فيدين وأورياهوڤو ونيقوپوليس.
  • وانضم للجيش أيضاً المتمرد البلغاري فروزين بحرسه الشخصي، وكان أبوه هو قيصر البُلغار السابق "يُوحنَّا شيشمان" الذي توفي منذ 49 عاماً (1395م).
  • وفي 10 أكتوبر 1444م، بالقرب من نيقوپوليس، التحق حوالي 7 آلاف من سلاح الفرسان تحت قيادة ميرچه الثاني الابن الأكبر "لڤلاد الثاني دراكول" الذي كان قد استعاد عرش الأفلاق بمعاونة العثمانيين عام 1436م، فلم يشارك ڤلاد الثاني في تلك المعركة بل إنه حاول ثني ابنه عن الالتحاق بجيش الصليبيين ولم يفلح.[19]

ذهب "ڤلاد الثاني دراكول" أمير الأفلاق مسرعاً لملاقاة ڤلاديسلاڤ الثالث ملك بولونيا والمجر وليحاول ثنيه عن مواصلة الحملة الصليبية على العثمانيين، فالتقاه بالقرب من نيقوپوليس. عن هذه الواقعة، يُخبر الكاتب والشاعر والمؤرخ الإيطالي الأصل "فيليپ بوناكورسي" (بالإيطالية: Filippo Buonaccorsi) (2 مايو 1437م - 1 نوڤمبر 1496م) الذي تكنّى "بكالّيماخوس" (بالإنجليزية: Callimachus) على اسم الشاعر اليوناني القديم كالّيماخوس (باليونانية: Καλλίμαχος)، وكان "فيليپ" على صلة وثيقة بالبلاط البولوني حتى أصبح مُعلماً ومُربياً لملك بولونيا يان الأول ألبرت في صباه ويٌعتبر مؤرخاً بولونياً،[69] أن قادة الحملة الصليبية لم يستمعوا "لڤلاد الثاني دراكول"، لذا عاد إلى الأفلاق بعد أن ترك ابنه ميرچه الثاني على قيادة وحدة مساعِدة مكونة من 4000 (وفي مصدر آخر: 7000) من سلاح الفرسان الأفلاقيين، شاركوا جميعهم لاحقاً في معركة ڤارنا، وبعد الهزيمة الثقيلة التي مُني بها الائتلاف الصليبي في ڤارنا، قاد ميرچه الثاني ما تبقى من وحدته والقوات المسيحية هارباً عبر نهر الدانوب.

رجع السلطان مراد الثاني مرة أخرى إلى قيادة جيش العثمانيين ونقل قواته بسرعة من آسيا الصغرى إلى الروملي عبر المضيق بفضل مساعدة أسطول جنوة نظير بعض المال، وبذلك أُغلقت طريق الصليبيين إلى الجنوب وأصبحت القوات الملكية الصليبية في وضع خطير مُهدَّدين بأن تتحرك القوات العثمانية وتذهب وراءهم لتقطع طريق عودتهم وتهاجمهم (باعتبار أن وجهتهم كانت غزو العاصمة أدرنة).

تحت هذه الظروف، كان تراجع الصليبيين من خلال الوادي الضيق لنهر "پروڤاديا" (بالإنجليزية: Provadia)(بالبلغارية: Провадия) بشمال شرق بلغاريا خطير جدا،[70] لذا قرر ڤلاديسلاڤ وهونياد الذهاب من الطريق الآمن الوحيد الموصل إلى مدينة ڤارنا، ومن هناك يمكن الانسحاب والتراجع نحو "دبروجة" (بالإنجليزية: Dobruja)(بالبلغارية: Добруджа) الواقعة نحو 50 كم شمال مدينة ڤارنا.

في 9 نوفمبر 1444م، اقترب الجيش الصليبي من ڤارنا وخيَّم بعساكره خارجها، وبعدها بقليل في نفس اليوم اقترب الجيش العثماني من ڤارنا وخيَّم أيضاً ولكن في اتجاه الغرب من المدينة. وبذلك انحصر الصليبيون بين البحر الأسود وبحيرة ڤارنا والمنحدرات الحرجة على الحافة الجنوبية لهضبة فرانغا وانعدم وجود طريق لهروب الصليبيين عن طريق البرّ، أما عن طريق البحر فإن الأسطول الصليبي لم يصل إلى ڤارنا فانعدم أيضاً وجود مهرب بحري للصليبيين، وحصرهم السلطان مراد الثاني.

عقد الصليبيون مجلساً عسكرياً فجر يوم 10 نوفمبر 1444م، واقترح فيه سيزاريني بناء "حصن العربات الحربية المتحركة"، وأن يُحاط المخيمَ بتلك العربات بحيث يمكن للجيش الصليبي أن يقبع فيه محتمياً ينتظر وصول الأسطول المسيحي للهرب من خلاله إن أراد من خلال البحر، ويكون الخيار للصليبيين إما الإبحار أو مهاجمة العثمانيين. قام كل من أسقف إيجر "سيمون روزغونيي"، و"بان" الكروات "فرانكو تالوتشي"، والعديد من الفرسان المجريين والبولونيين وحتى الملك نفسه، بدعم رأي سيزاريني في بداية الأمر، حتى أخذ الكلمة هونياد في وقت لاحق ورفض الهروب والدفاع، وأثبت فشل التكتيكات الدفاعية وأوضح أن الاختباء وراء العربات الحربية لم يكن ليستحق عناء تكوين هذا الجيش الذي كان يسعى بالأساس إلى تحقيق النصر على العثمانيين. وقال هونياد بأن "حصن العربات المتحركة" يمكن أن يكون فقط الغطاء الأخير لجيشٍ قد هُزم بالفعل. ولأجل موقفه الحازم هذا تضامن معه الملك، وكُلِّفت القوات المسيحية كلها بالحرب تحت قيادة هونياد فأصبح قائداً للجيوش الصليبية مجتمعة لهذه المعركة القادمة.[71][50]

الاستعدادات البحريةعدل

 
لوحة زيتية من القرن 15 للبابا إيجين الرابع (1383م/25 فبراير 1447م) بابا الكنيسة الكاثوليكية الذي بدأ حملة ڤارنا الصليبية رسميًا في الأول من يناير عام 1443م، بمرسوم بابوي صليبي نشره، ولكن لم يبدأ القتال كما خُطط له. كان من المفترض أن تهاجم الجيوش الصليبية المجرية وجيش إمارة قرمان متزامنين علي طرفي الدولة العثمانية في وقت واحد، ولكن في ربيع عام 1443م، هاجم "القرمانيون" العثمانيين قبل أن يكون المجريون مستعدون فدمرهم جيش السلطان مراد الثاني بالكامل، ثم تفرغ للإئتلاف الصليبي ولحقهم في ڤارنا.[43]

كان الغرض النهائي من الحملة الصليبية هو الهجوم على أدرنة، عاصمة الدولة العثمانية آنذاك، واعتمد الصليبيون على مساعدة الأسطول المسيحي الذي كان يتكون أساسًا من السفن البابوية والبندقية.

عندما وصل الأسطول الصليبي الذي كان يدعمه ثمانية سفن من الدولة البابوية، وخمسة من جمهورية البندقية، وأربعة من بورغندية، واثنان من جمهورية راغوزة، إلى شبه جزيرة كليبولي، أبحر ثمانية منهم أو أكثر إلى البحر الأسود، ووصلوا إلى مصب الدانوب ودخلوا منه إلى النهر للقاء الجيش المجري.[9]

ذهبت السفن البابوية والبندقية تحت قيادة "ألڤيس لوريدان"، بعدما دخلت الدردنيل، إلى مدينة ڤارنا لمقابلة الصليبيين هناك ونقلهم على طول الساحل إلى القسطنطينية.

أراد الصليبيون غلق المضايق لمنع العثمانيين من دخول أوروپا عن طريق البحر من الأناضول إلى البلقان، فأغلقت السفن البابوية والبندقية والجنوية مضيقا البوسفور والدردنيل تحت قيادة "ألڤيس لوريدان" (بالإنجليزية: Alvise Loredan) أحد نبلاء البندقية وكان قبطاناً وقائداً عسكرياً له تاريخ طويل من المعارك حيث دافع عن سالونيك ضد العثمانيين أثناء المعركة التي أفضت إلى فتح المدينة، وشارك لاحقاً (بعد معركة ڤارنا) في الحرب العثمانية البندقية.[72][73]

كان من المفترض أن يمنع الأسطول المسيحي القوات الرئيسية للسلطان مراد الثاني الموجودة في الأناضول (آسيا الصغرى) بعيداً عن العاصمة أدرنة، من عبور مضيق الدردنيل أو البوسفور. ومع ذلك، تبين أن هذا صعب التنفيذ من الناحية الفنية لأن المدفعية العثمانية كانت تحرس ضفتي المضيقين عند مضيق البوسفور تحديداً.

عبور جيش الأناضول إلى الرومليعدل

نظراً لتمكّن الأساطيل البابوية والبيزنطية في تلك الفترة من مضيق الدردنيل جنوب غرب بحر مرمرة فلم يكن في إمكان السلطان مراد الثاني نقل الجيش العثماني من الأناضول إلى الروملي عن طريق شبه جزيرة كليبولي فاضطر السلطان مراد الثاني إلى أن يجتاز مضيق البوسفور شمال شرق بحر مرمرة. كانت قلعة أناضولي حصار من أنسب المواقع لعبور مضيق البوسفور إلى الروملي؛ ولذلك نصب الصدر الأعظم خليل باشا الجندرلي المدافع على التلال الواقعة قرُب قلعة روملي حصار المعاصرة، لتوفير الحماية اللازمة لعبور القوات العثمانية، وبذلك تمكنت القوات من العبور.[74]

تذكر المصادر العثمانية أن السلطان مراد الثاني أرسل قوة صغيرة إلى جنق قلعة الواقعة في الجانب الأناضولي لمضيق الدردنيل،[75] لخداع الصليبيين وإيهامهم بالاستعداد لعبور جيش الأناضول من هذا المضيق، ثم نقل القوات سريعاً عبر مضيق البوسفور.[17] كان الصدر الأعظم خليل باشا الجندرلي والإنكشارية وجنود المدفعية ولابسي الدروع (بالتركية: cebeci) وجيش الروملي ينتظرون في إنجغيز (بالتركية: İnceğiz) بالروملي قرب القسطنطينية. عندما سمع خليل باشا الجندرلي أن السلطان قد وصل إلى مضيق البوسفور، جاء مسرعاً إلى المكان الذي تقع فيه اليوم قلعة روملي حصار ونصب المدافع التي أحضرها معه. وهكذا، ولأول مرة في التاريخ، تمت السيطرة على البوسفور بواسطة نيران المدفعية.[17]

ارتكب الجنويون المسيحيون خيانة للصليبيين بما فيه مصلحة لجنوة، فبدلاً من منع العثمانيين من دخول أوروپا أو إعاقتهم، قاموا بنقل كامل الجيش العثماني إلى القارة الأوروپية على متن سفنهم، من الأناضول إلى الروملي، مقابل مبلغ مالي قدره "دوقة" واحدة من عملة الذهب البندقي لكل جندي يُنقل، قبضه أحدهم.[64]

بعد نقل الجيش العثماني ونزوله الروملي (أوروپا)، أصبح مسار الحملة الصليبية باتجاه الجنوب مغلقاً وأصبحت قوات الصليبيين بموقفٍ خطرٍ إذ أن القوات العثمانية يمكنها أن تنقض عليهم من الخلف.

تقدمت جيوش العثمانيين حتى وصلت ڤارنا قادمين من غربها، وحصروا الصليبيين بين البحر الأسود وبحيرة ڤارنا لتقوم المعركة.

لم يستطع الأسطول الصليبي منع نقل الجيش العثماني من الأناضول إلى الروملي، وكان من المفترض أن يبحر أسطول البندقية شمالًا إلى مدينة ڤارنا لمقابلة جيش التحالف المسيحي الصليبي ونقله بحراً، ولكن البنادقة فشلوا في ذلك، ووقعت المعركة الحاسمة دون مشاركتهم،وتناقضت المصادر مع أسباب ذلك:

الاستعدادات البريةعدل

بالتزامن مع غلق الأسطول الصليبي لمضيق الدردنيل، كان الجيش المجري يتقدم من الغرب تجاه ڤارنا من جهة البرّ، كي يلتقي بالأسطول البابوي ويبحر على متنه في البحر الأسود بجوار الساحل جنوباً إلى القسطنطينية، لدفع العثمانيين خارج أوروپا (الروملي)، بينما أتى العثمانيون لاحقاً قادمين من الغرب أيضاً باتجاه ڤارنا ليحصروا الصليبيين كما تقدّم قبل وصول الأسطول الصليبي، ولتقوم المعركة.

دعا ملك المجر ڤلاديسلاڤ الثالث إلى استسلام الحاميات العسكرية العثمانية للقلاع التي كانت على مسار الجيش الصليبي، ولكنهم دافعوا عن أنفسهم مما أدى إلى تأخير تقدم الجيش المجري.

كان الجيش البابوي المختلط يتكون أساسًا من القوات المجرية والبولونية والبوهيمية وبلغ عدد تلك الجيوش مجتمعة 16,000، وقوات الأفلاق 7000،[77] مع فصائل أصغر من التشيك والفرسان البابويين والفرسان التيوتونيين والبُشناقيين والكروات والبلغار والليتوان والروثينيين (أجداد السلاڤ الشرقيون حالياً).[78]

كان الجيش المجري مسلح بشكل ضعيف وكان ضعيف التنظيم ولم يكن لديهم تقريباً جنود مشاة باستثناء 100 إلى 300 من الرماة المرتزقة التشيك، وتضمَّن الجيش أيضا حوالي 100 عربة مع طواقمها. كان مع الجيش 2000 عربة تحمل الذخيرة والمؤن والمهمات، وبعضها كان به الجنود حاملي البنادق.[9]

أما الجزء المتبقي فكان سلاح الفرسان الثقيل، وخاصة القوات الملكية والمرتزقة الأجانب، بالإضافة إلى عدد من ألوية النبلاء والأسقفيات، ولم يأت الدعم الذي وعدت به إمارات الأرناؤوط والقسطنطينية.[79]

أصبح التقدم المجري سريعاً عندما تجاوزوا فيه الحصون العثمانية، بينما قام البلغار المحليون من ڤيدين وأورياهوفو ونيقوپوليس بالإنضمام إلى الجيش. شارك "فروزين" ابن قيصر البلغار "يُوحنَّا شيشمان" في الحملة مع حرسه الخاص.

في 10 أكتوبر بالقرب من نيقوپوليس، انضم أيضًا نحو 7000[7] من سلاح الفرسان الأفلاقي بقيادة "ميرتشا الثاني"، أحد أبناء "ڤلاد دراكول".

شارك اللاجئون الأرمن الذين استقروا بمملكة المجر في حروب بلادهم الجديدة (المجر) ضد العثمانيين منذ معركة ڤارنا عام 1444م وما بعدها، حيث شوهد بعض الأرمن بين القوات المسيحية.[80]

بعدما نقل الجنويون الجيش العثماني إلى الروملي عبر الدردنيل (وهناك مصادر تذكر البوسفور) وأصبح مسار الحملة الصليبية باتجاه الجنوب مغلقاً، في ظل هذه الظروف ، كان التراجع على طول الوادي الضيق لنهر "پروڤاديسكي" (Provadijsky) خطيرًا، لذلك قرر ڤلاديسلاڤ وهونياد السير في الطريق الخالي الوحيد: وهو الطريق إلى مدينة ڤارنا، ومن هذه المدينة كان من الممكن التراجع نحو دبروجة.

 
الموقع التقريبي لساحة معركة ڤارنا، وتخطيط الجيوش قبل المعركة.
منشورات التاريخ العسكري المجري، سنة 1888م (المجلد 1، بودابست).
يُمكن ملاحظة القوس الكبير الذي شكَّلَه الصليبيون بين بحيرة ڤارنا وهضبة فرانغا يمين الرسم، بطول حوالي 3.5 كم.

انتقل الجيش المجري بقيادة الملك ڤلاديسلاڤ الثالث وهونياد جنوبًا، وكان يتألف بشكل أساسي من الجيوش المجرية والبولونية والبوهيمية (التي بلغ مجموع جيشها مجتمعة 15 ألف شخص في أقل التقديرات) والفرسان البابويين والفرسان التوتونيين والبُشناقيين والكروات والبلغاريين.[50][19]

وفي 9 نوفمبر 1444م اقترب الجيش الصليبي من مدينة ڤارنا وخيَّمَ هناك، وفي نفس اليوم بعد ذلك بقليل، اقترب الجيش العثماني في نهاية اليوم من مدينة ڤارنا قادمين من جهة الغرب.

ساحة المعركةعدل

تمكن السلطان مراد الثاني من الوصول إلى ڤارنا قبل وصول الأسطول الصليبي الذي كان قادماً ليلتقي جيش الصليبيين البرِّي، وحاصر بذلك الصليبيين بين جيشه من الغرب والبحر الأسود من الشرق، وبحيرة ڤارنا من الجنوب والتضاريس الوعرة إلى الشمال، وبذلك حُصر الصليبيين في المكان.[81]

كانت ساحة المعركة هي الساحل الشمالي لمستنقعات بحيرة ڤارنا التي تقع غرب مدينة ڤارنا، وهي منطقة جبلية تقع جنوب هضبة فرانغا التي يصل ارتفاعها 356 م، ومعظمها وديان ممتدة ومتناقصة بميل تدريجي من ناحية الشَمَال.[82]

كان موقع الصليبيين في الناحية الشرقية وكان ذلك الموقع ضعيفاً عسكرياً لأنه جعلهم محصورون بين البحر الأسود وبحيرة ڤارنا وهضبة فرانغا، أما العثمانيون فكانوا في الغرب في موقع أفضل عسكرياً. ونظرًا لأن العثمانيين أتوا برّاً من الغرب بعد نزول الصليبيين، أصبح الصليبيون محصورون بين البحر الأسود وبحيرة ڤارنا والمنحدرات الحرجة الشاهقة للحافة الجنوبية لهضبة فرانغا، وليس لديهم طريق للهرب.

نشر القوات الصليبيةعدل

في أواخر يوم 9 نوڤمبر، اقترب جيش عثماني كبير يضم حوالي 60,000 رجل من مدينة ڤارنا من جهة الغرب (تضاربت المصادر حول حقيقة تعداد الجيش العثماني في المعركة).

 
شعار النبيل المجري يوحنا هونياد المُلقّب "بالفارس الأبيض". منحه البابا بيوس الثاني لقب "بطل المسيح".

دعا يوحنا هونياد المجلس العسكري الأعلى خلال الليل للإنعقاد في فجر يوم 10 نوفمبر 1444م، وأصر فيه المندوب البابوي الكاردينال "يوليان سيزاريني" على الانسحاب السريع، إذ أن المسيحيون الصليبيون كانوا قد قد انحصروا بين البحر الأسود وبحيرة ڤارنا والمنحدرات الجرفية شديدة الانحدارفي هضبة فرانغا، وأعدائهم العثمانيين.

 
بحيرة ڤارنا بحيرة طولية تتفرع من البحر الأسود ويصبُّ فيها عدد من الأنهار.[83] ضفافها الجنوبية مرتفعة وشديدة الانحدار وبها غابات، أما الضفة الشمالية فمُنحدرة. يتصل بها من جهة الغرب بحيرة بيلوسلاڤ (Beloslav) التي يصب فيها نهر ديڤنيا (Devnya) وپروڤاديا (Provadiya). كانت المياه العذبة للبحيرة تصب في البحر الأسود عبر نهر ديڤنيا حتى القرن العشرين، ولكن بعد بناء "ميناء ڤارنا الشرقي" الحديث وتجفيف النهر وحفر قناة بين البحر الأسود وبحيرة ڤارنا (1906م - 1909م)، دخلت مياه البحر إلى داخل بحيرة ڤارنا وأصبحت مالحة.

اقترح "سيزاريني" أن يتخذ الصليبيون وضع الدفاع باستخدام تحصينات العربات الحربية المتحركة الهوسيَّة بحيث يمكن للجيش أن يقبع في الخفاء وينتظر وصول الأسطول المسيحي من البحر الأسود، وبعدها يكون الخيار للصليبيين إما أن يُبحروا بعيداً أو أن يهاجوا العثمانيين، ووافقه في هذا الرأي كل القادة المجريون والكروات والتشيك، حتى الملك الشاب نفسه ڤلاديسلاڤ الثالث وكان عمره 20 عامًا دعم في البداية رأي "سيزاريني"، ولكن يوحنا هونياد رفض التكتيكات الدفاعية وأعلن: "الهروب أمر مستحيل، والاستسلام أمر لا يمكن تصوره. دعونا نقاتل بشجاعة ونُجِلُّ أسلحتَنا". رضي ڤلاديسلاڤ الثالث عن هذا الموقف وأعطى هونياد القيادة وأوضح أن الاختباء الدفاعي وراء العربات لم يكن ليستحق عناء تجميع وتسيير هذا الجيش الذي يسعى لتحقيق النصر، وأن تلك العربات الدفاعية يُمكن أن تصلح فقط كملاذٍ أخيرٍ لجيشٍ قُد هُزم بالفعل.

قرر المجلس بكامله الدخول في المعركة والخروج إلى الميدان متأثرين بخطاب هونياد، وخاصة أن التقارير أفادت بأن الجيش العثماني قد بدأ بالفعل في نشر قواته وتجهيز الميدان.

تولّى هونياد توزيع وقيادة الجيوش الصليبية فوزعهم بالتفصيل الآتي ذِكرُه.

في وقت لاحق، اعترف هونياد في رسالته إلى البابا في 11 مايو 1445م بأنه كان مخطئًا عندما دافع في المجلس العسكري ذاك عن استحالة الانسحاب، وكتب: "إن درجة مُعينة من الشجاعة المتهورة قد استولت على قلوبنا".[84]

يَذكر الجندي المؤرخ الذي حضر المعركة "أندريس پالاتشيو" (بالألمانية: Andreas Pallatio) أن هونياد قاد "جيش الأفلاق"، مشيراً إلى وجود عناصر رومانية كثيرة في الجيش الشخصي ليوحنا هونياد.[85]

حصن العربات المتحركة الهوسيةعدل

العربة المُحصنة المتحركة للهوسيين، رسم من القرن الخامس عشر.
نسخة حديثة مُعاد تصنيعها من العربة المُحصنة المتحركة للهوسيين.
أمثلة على "حصن العربات المتحركة" (بالألمانية: Wagenburg).

حصن العربات الحربية المتحركة الهوسية (بالتشيكية: vozová hradba)(بالألمانية: Wagenburg) هو تحصين متحرك ابتدعه الهوسيون، مكوّن من عدّة عربات مرتبة على شكل "مستطيل" أو "دائرة" أو أي شكل آخر، وربما يتم ربط تلك العربات مع بعضها البعض فتكون بذلك معسكراً مُرْتَجَلاً للجيش أو حصن متحرك بحسب التكتيك العسكري المطلوب.

الهوسيون هم مسيحيون أتباع رجل الدين اللوثري التشيكي "يان هوس" (1369م-1415م) الذي حاول إصلاح الكنيسة الكاثوليكية فحورب. في القرن الخامس عشر وخلال حروب الهوسيين، قام الهوسيون بتطوير التكتيكات العسكرية باستخدام عربات محصنة تم استخدامها لأول مرة في معركة نكمير (بالمجرية: Nekmíř) سنة 1419م. عندما واجه جيش الهوسيون خصمًا متفوقًا عدديًا، شكلوا مربعًا من العربات المسلحة، وضَمُّوا تلك العربات إلى بعضها بسلاسل حديدية، ثم دافعوا عن التحصين الناتج ضد هجوم العدو. كان مثل هذا المعسكر من السهل تأسيسه وغير مُعرّض عملياً لهجوم فرسان العدو.

القوس العرضي
(بالإنجليزية: Crossbow)
رامي بندقية من القرن الخامس عشر
(بالإنجليزية: Handgunner)
جندي هوسي يحمل درعاً
(بالإنجليزية: shield carrier)
أمثلة على تسليح جنود "حصن العربات المتحركة".
حامل الحربة
(بالإنجليزية: polearm)
مثال على القتال بأسلحة التعليق
(بالإنجليزية: flail)
سلاح تعليق قصير
(بالإنجليزية: flail)
أمثلة على تسليح جنود "حصن العربات المتحركة".

يتألف طاقم كل عربة من 18 إلى 21 جنديًا موزعين على الأعمال القتالية التالية:

  1. من 4 إلى 8 رجال يرمون بالقوس العرضي (بالإنجليزية: Crossbow) (سلاح صغير يشبه القوس يستخدم في إِطلاق القذائف القصيرة).
  2. اثنان (2) من ضاربي البنادق (البدائية).
  3. من 6 إلى 8 جنود مجهزين بحراب أو أسلحة مُعلّقة.
  4. اثنان (2) من حاملي الدروع.
  5. سائقين اثنين (2).

تصطف العربات عادة لتُشكِّلَ مربعاً كبيراً، وعادة ما يكون الفرسان داخل هذا المربع أو الجيش بأكمله، فإذا اقترب العدو من العربة الحصن في أثناء المعركة، يأتي رجال القوس والبنادق من داخل العربات ويُحدثون المزيد من الإصابات في العدو من مسافة قريبة.

كما أنه توجد حجارة مُخزَّنة في حقيبة داخل العربات للرمي بها إذا نفذت الذخيرة. وبعد هذا الوابل الضخم من الرمي، يُحبط العدو من محاولة اختراق العربات.

هناك مرحلتين رئيسيتين للمعركة عند استخدام حصن العربة:

  1. المرحلة الهجومية والهجوم المضاد.
  2. أما الجزء الدفاعي فيكون بقصف العدو بالمدفعية.
 
مدفع للهوسيين من القرن الخامس عشر. كان الدفاع عن حصن العربات المتحركة يتم بقصف العدو بالمدفعية.

كانت مدفعية الهوسيين شكلًا بدائيًا من مدافع الهاوتزر الحديثة.

كانت الجيوش الصليبية المُحارِبة للهوسيين عادةً ما تكون من الفرسان ذوي التدريع الثقيل، وكانت تكتيكات الهوسيين ترمي إلى تعطيل الخيول المدرعة للفرسان حتى ينزل الفارس عن جواده وحينئذ يكون الفرسان الراجلون البطيئون أهدافًا أسهل للرماة. وعندما يرى القائدُ الظرفَ مناسباً، تبدأ المرحلة الثانية من المعركة فيخرج الرجال الذين يحملون السيف والأسلحة المُعلّقة التي تشبه مدراس القمح (بالإنجليزية: Flail) والحراب (بالإنجليزية: Polearm) ويهاجموا العدو المُنهَك. وقد يخرج سلاح الفرسان الهوسي من وسط العربات المحصنة إلى ساحة المعركة مع المشاة ويهاجم أيضاً، وعندها يتم القضاء على العدو أو ما يقرب من ذلك.

بعد انتهاء حروب الهوسيين، استعانت بهم القوى الأجنبية مثل المجريين والبولونيين الذين واجهوا في حروبهم السابقة العربات الحربية المحصنة المتحركة للهوسيين، ذلك السلاح القوى المدمر، واستعانوا بالآلاف من المرتزقة التشيك مثل الجيش الأسود في المجر للقتال معهم.

في معركة ڤارنا عام 1444م، ذُكر في المصادر إن 600 من رماة البنادق البوهيميين (التشيك) قد دافعوا عن العربات المحصنة.

توزيع قلب الجيوش الصليبيةعدل

 
راية الحملة الصليبية: "صليب القديس جرجس"، حملها النبيل المجري "أسطفان باثوري الثالث".
 
راية أسقف البُشناق "روفائيل هيرتسغ" (Rafael Herceg).

في صباح يوم 10 نوڤمبر 1444م، نشر هونياد القوات الصليبية كالآتي:

  1. نشر جيشًا من حوالي 20,000 إلى 30,000 جندي صليبي على شكل قوس كبير طوله حوالي 3.5 كم يمتد بين بحيرة ڤارنا وهضبة فرانغا.
  2. وضع في المركز لوائين (بالإنجليزية: Banderium) من سلاح الفرسان للكرّ والفرّ،[74] تضم ما مجموعه 4000 رجل من حاشية الملك والحرس الملكي الپولندي والمجري الخاصين بالملك، وكذلك مرتزقة المجر الملكيين، وسلاح فرسان النبلاء المجريين وعدة مئات من البولونيين:
    1. كان اللواء الأول بقيادة النبيل المجري "أسطفان باثوري الثالث" (بالمجرية: Báthory István)(بالإنجليزية: Stephen III Báthory)، وكان هذا اللواء هو حامل راية الحملة الصليبية: "صليب القديس جرجس - صليب أحمر على خلفية بيضاء".
    2. بجانبه كان هناك لواء ملكي آخر تحت قيادة "ڤلاديسلاڤ بانفي" (بالمجرية: Vladislav Bánffy) من "لوزون" (بالإنجليزية: Losone)، وكان يحمل الراية الملكية.
  3. وترك سلاح فرسان الأفلاق في تعبئة احتياطية خلف المركز.

توزيع ميمنة الصليبيينعدل

 
راية الجنود الكروات بقيادة "فرانكو تالوتشي".

كان معظم الجنود في هذا الجناح من الفرسان المدرعة الثقيلة.[86][87][86] اصطف الجناح الأيمن للجيوش الصليبية فوق التل باتجاه قرية "كامنار" (بالبلغارية: Каменар)(بالإنجليزية: Kamenar) من قُرى مدينة ڤارنا.

بلغ الجناح الأيمن للجيش الصليبي 6500 رجل موزعون في 5 ألوية من سلاح الفرسان يقودهم الأسقف "يان دومينيك" أسقف "ڤارادين (أوراديا)" (بالإنجليزية: Varadin):

اختلاف المصادر: في مصدرآخر، كان قادة الألوية موزعون كالتالي:

توزيع ميسرة الصليبيينعدل

 
قاد ميخائيل سزيلاغي شقيق "يوحنا هونياد" 5000 رجل من فرق سلاح الفرسان على ميسرة الجيش الصليبي.

يتكون هذا الجناح من وحدات الفرسان الأكثر خبرة وجَسارة، والعديد من وحدات الفرسان المتوسطة.

كان الجناح الأيسر للجيش الصليبي مؤلف من فرسان إمارة الأردل (ترانسيلڤانيا) والبلغار والمرتزقة الألمان وسلاح الفرسان المجري، ويتكون من 5000 رجل موزعون على 5 ألوية من سلاح الفرسان،[74] يقودهم شقيق "يوحنا هونياد" واسمه "ميخائيل سزيلاغي" (1400-1460م) (بالمجرية: horogszegi Szilágyi Mihály) ويُكتب اسمه في المصادر الرومانية: "ميهاي زيلاغيي" (بالرومانية: Mihai Szilágyi)، على الترتيب التالي:

  1. فرسان إمارة الأردل (ترانسيلڤانيا) التابعين لهونياد.
  2. "طوماس زيكيلي" (بالبولندية: Tomasz Szekeli).
  3. "يوحنا هونياد".
  4. "ميخائيل سزيلاغي".
  5. "جورج أوروش" (بالإنجليزية: George Orosh).

موقف الصليبيين العسكريعدل

كانت هناك ثقة تامة في الموقف العسكري للجناح الأيسر للجيش الصليبي لأنه كان على ميسرته ماء البحيرة فلا يمكن أن يلتف عليهم العثمانيون من خلال البحيرة ولذلك جعلوا فيه الميسرة الفرسان الأكثر خبرة، أما الجانب الأيمن للجيش الصليبي الواقع على أرض وعرة فكان يُمكن للعثمانيين أن يلتفوا ويُحيطوا به، وهو ما حدث عند بدء المعركة.

تمركز الحصن المتحركعدل

وُضعت عربات حصن الهوسيين المتحركة وراء المجريين وأقرب إلى البحر الأسود وبحيرة ڤارنا، وكان يدافع عنها 300 أو 600 من التشيك والروثينيين المرتزقة (أجداد السلاڤ الشرقيين الحاليين) (بالإنجليزية: Ruthenes) بقيادة "هيتمان تشايكا"، جنبا إلى جنب مع البولونيين والليتوانيين والأفلاقيين.

كان في كل عربة من 7 إلى 10 جنود وكانت عربات حصن الهوسيين المتحركة مُجهزة بِالمهاريس (قاذفات القنابل).

لم تُبنى عربات حصن الهوسيين المتحركة على شكل مربع مُغلق كالمعتاد، ولكن تم تشكيلها من خلال قوس طويل.

كتب "أندريس پالاتشيو" الجندي الذي شارك في المعركة وترك وصفًا لها، أن تشكيل عربات حصن الهوسيين المتحركة لم يكن تشكيلاً مغلقاً (على هيئة مربّع) وكان مفتوحاً من أجل تشجيع القوات على القتال، وليس للاختباء داخلها.[86]

نشر القوات العثمانيةعدل

وصل السلطان مراد الثاني بجيشه إلى ڤارنا بسرعة كبيرة لم يتوقعها الصليبيون،[17] واختار موضعاً شمال بحيرة ڤارنا على بُعد حوالي 4000 أو 5000 خطوة من جيش الصليبيين، في الجهة الغربية منهم.[71]

استخدم السلطان مراد الثاني استراتيجية المداهمة للاستفادة من أرض المعركة، فأخذ السلطان بعين الاعتبار مستنقعات بحيرة ڤارنا الموجودة في الجنوب، ولذلك وضع قوة من 15,000 من المحاربين الأشداء في الشمال ليقطع طريق الصليبيين إلى مدينة ڤارنا، وكان ذلك هو المنفذ الوحيد للصليبيين، وبذلك يقطع عليهم فرصة الالتفاف على الجيش العثماني، وفي نفس الوقت يكون قد اتخذ استراتيجية الدمار الكامل بإحاطة الصليبيين بدون منفذ لهم، وصدمت هذه الاستراتيجية الصليبيين نفسياً، ولكنه لم يستخدم تلك القوات لسد الطريق أثناء الصدام، بل استدعاهم للقتال في الوقت الصعب من المعركة.[54]

توزيع قلب الجيش العثمانيعدل

 
صورة مقر السلطان مراد الثاني في "معركة ڤارنا" منشورة في "تاريخ الحروب" (chronicle) للجندي والمؤرخ البولوني "مارسين بيلسكي" (1495م-1575م)، طبعة 1597م، صفحة 378.

تشكّل قلب الجيش العثماني من جنود الإنكشارية وجابيو الرسوم من الروملي، موزعون حول تَلَّين بهما مدافن قديمة للسكان المحليين التراقيين.

اتخذ السلطان مراد الثاني موقعه فوق أحد هذين التلّين ليُدير ويراقب سير المعركة، وبالقرب من خيمة السلطان غُرز رمح في الأرض مرفوع عليه معاهدة السلام التي انتهكها الصليبيون بشكل خطير وذلك على الرغم من اليمين التي أقسمها ملكهم على الإنجيل باحترام وتنفيذ المعاهدة مدة 10 سنوات،[90] وقبل غرز الرمح في الأرض، حُمل بين صفوف الجنود العثمانيين كدليل على خيانة الكفار، وعُلِّق نص معاهدة أدرنة-سكدين بحيث تكون مواجهة لجبهة الحرب.

أُنشئ مقر السلطان وفقًا للممارسة العثمانية المعتادة؛ فحفرت جنود الإنكشارية مجموعة من الخنادق الخلفية العميقة من جميع الجوانب، ثم إعادة استخدام تراب الأرض المحفورة لإنشاء حاجزين كالسدّ بالقرب من الخنادق، وعند الحافة وضعوا دعامات حديدية ووضعوا دروعًا، ليمكن إطلاق السهام منها.

لم يكن هناك سوى نقطتي دخول وخروج في المقر الرئيسي للسلطان، وكانت عليه حراسة مشددة.[86]

كان السلطان مراد الثاني في المقر الرئيسي مُحاطاً بجنود الإنكشارية، وكان على قيادة ميمنة الجيش بكلربك الأناضول، وعلى قيادة الميسرة بكلربك الروملي.[74]

نشر المعاهدة أمام الجيشعدل

وُضعت معاهدة سكدين، التي خرقها المسيحيون، على رُمح وحُمل خلال صفوف العثمانيين ليشاهده جميع الجنود العثمانيون قبل بدء المعركة كدليل الخيانة، ثم غُرز الرمح في الأرض بجانب خيمة السلطان بمواجهة الصليبيين.

توزيع ميمنة العثمانيينعدل

كان قائد الجناح الأيمن هو بكلربك الأناضول: الداماد "قراجة باشا ابن عبد الله باشا" (باللغة العثمانية: قره جه پاشا)(بالتركية: Karaca Paşa) وهو زوج أخت السلطان مراد الثاني،[74] وتألّف الجناح الأيمن من حوالي 20-22 ألف فارس.

لم يكن لفرسان الأناضول خبرة سابقة بقتال الجيوش الأوروپية، ولذلك التحق اثنان من بكوات الروملي بالميمنة وهما "سليمان بك" و"حسن فناري أوغلي"، ليصبحا تحت قيادة بكلربك الأناضول "قراجة باشا".

 
بيرق العثمانيين.

وُزِّعت قيادات ميمنة الجيش العثماني كالآتي:

  1. "سليمان بك" (من بكوات الروملي) قائداً على جيش العاصمة أدرنة، وتموضع في أقصي يسار ميمنة الجيش العثماني، وكان عن يمينه "قراجة باشا".
  2. ثم بعدهما "حسن فناري أوغلي" بكلربك "قره سي" (باللغة العثمانية: قره صى)(بالتركية: Karesi Beyliği).
  3. وعلى يمين ميمنة الجيش العثماني تموضع أوج باي "عيسى أفرنوس أوغلي" (بالتركية: Evrenosoğlu) وهو ابن أوج باي "غازي أفرنوس بك" (بالتركية: Gazi Evrenos Bey) أو "الحاج أفرنوس" (1288-1417م) (بالتركية: Hacı Evrenos) فاتح تراقيا ومقدونيا، الذي خدم تحت سليمان باشا بن أورخان، والسلطانين مراد الأول، وبايزيد الأول، والشاهزاده سليمان جلبي، والسلطان محمد الأول.[86][91][86]

تألفت ألوية الجناح الأيمن للجيش العثماني من القوات التالية:

  1. فرسان السپاهية من الروملي.
  2. وجنود النخبة من قوات القصر واسمهم "خادمي الباب العالي" (باللغة العثمانية: قپوقولى اوجاغی)(بالتركية: Kapıkulu Ocağı) الذين يتكونون من جنود مشاة وفرسان:
    1. جنود الإنكشارية، وهم الرَكِيزَة الأساسية للجيش العثماني (أُنشئ هذا الجيش عام 1326م).
    2. فرسان "الكتائب الست" (بالتركية: Altı Bölük Halkı) ويُسمون أيضاً "فرسان خدمة الباب العالي" (بالتركية: Kapıkulu Süvarileri)، وهم نخبة سلاح الفرسان العثماني الذي أُنشئ حديثاً في الجيش العثماني؛ ويتكونون من أربع فِرَق فرسان بالإضافة إلى وحدتي فرسان فرعيتين اسمهما: الغرباء، [92] وكان لكل فرقة من الكتائب الست "لفرسان خدمة الباب العالي" مهمة مختلفة:[93]
      1. فرسان السپاهية (بالتركية: Sipahiler).
      2. فرسان السلحدار (حاملي السلاح) (بالتركية: Silah-dārān).
      3. فرسان علوفجية اليمين (بالتركية: Sağ Ulufeciler).
      4. فرسان علوفجية اليسار (بالتركية: Sol Ulufeciler).
      5. الغرباء، فرسان الوحدة الفرعية للميمنة (بالتركية: Garibān).
      6. الغرباء، فرسان الوحدة الفرعية للميسرة (بالتركية: Garibān).

توزيع ميسرة العثمانيينعدل

 
مشهد من معركة ڤارنا 1444م، نُشر على "وقائع كل العالم" (بالبولندية: Kronika wszystkiego świata) عام 1564م، للجندي والمؤرخ البولوني "مارسين بيلسكي" (1495-1575م).

كان قائد الجناح الأيسر للجيش العثماني هو بكلربك الروملي "شهاب الدين شاهين باشا الخادم" (بالتركية: Hadım Şehabettin Paşa)، ونظَّم قوَّاته على شكل 7 صفوف.

كان العدد الإجمالي لقوات الجناح الأيسر تحت قيادة "شهاب الدين" حوالي 19,000 من سلاح الفرسان.[86][91][19]

تكون الجناح الأيسر من الآقنجية (سلاح الفرسان الخفيفة)،[94][95] وفرسان السپاهية (سلاح الفرسان الثقيلة المدرعة) من الأناضول، وقوات أخرى.

نُشِرَت رماة الإنكشارية وسلاح الفرسان الخفيفة "الآقنجية" على هضبة فرانغا (بالإنجليزية: Franga).

كان ترتيب مواضع الألوية بحسب قادتها على الترتيب التالي:

  1. قوات "شهاب الدين شاهين باشا الخادمبكلربك الروملي.
  2. على يساره: "محمد بك" ابن "فريد بك" (بالتركية: Ferizbeyoğluأمير سنجق نيقوپوليس.
  3. على يساره: "خضر بك"، قاضي مدينة "قارنوباط" (بالتركية: Karnobat) البلغارية.
  4. على يساره: "عيسى بك"، ابن "حسن بك" (بالتركية: Hasanbeyoğlu).
  5. على يساره: "مراد مالقوج أوغلي" (بالتركية: malkoçoğluأمير سنجق "پلوفديف" و"تشيرمن" (بالتركية: Çirmen Sancağı) (حالياً: أورمينيو في اليونان).
  6. على يساره: أمير سنجق پريشتينا "داود بك".[86][19][91]

كانت مهمة الأخير، "داود بك" أمير سنجق پريشتينا الموجود في أقصى يسار الجناح الأيسر للجيش العثماني، هو أن يتجاوز العدو من ميمنتهم ليلتف عليهم.

تقديرات أعداد الجيوشعدل

هناك اختلاف كبير جداً بين جميع المؤرخين سواء الغربيين أو العثمانيين حول تقدير أعداد الجيوش المشاركة في المعركة.

لم يشارك الصرب في هذه المعركة.

لا يوجد مصدر أو دليل مباشر على مشاركة البُشناقيين أو السلوڤاك في المعركة.[44]

تقديرات المؤرخين الغربيينعدل

تراوح عدد الصليبيين من 16 ألفًا إلى 24 ألفًا إلى 30 ألفاً، بحسب المؤرخين الغربيين.

أما بالنسبة لحجم الجيش العثماني، فهناك الكثير من الاختلافات في التقديرات الغربية، وأقربها 35,000 جندي:

  • كتب المؤرخ "إنغيل" (بالألمانية: D. Engel) أن جيش الأناضول تألف من حوالي 40 ألف شخص، ولكن بسبب الخوف عند الغربيين والشائعات الكاذبة بالغوا في العدد وأوصلوه إلى 100,000 شخص ليعطوا مبرراً لهزيمة الصليبيين النكراء.[96]
  • وهناك من قدّر الجيش العثماني 50 ألف محارب.[97]
  • وهناك من قدّر ما بين 60 ألفًا[98][99][100][101][102] إلى 125 ألف شخص.[103]
  • أشعار المُغنّي الألماني المتجول "ميكائيل بيهايم" (1416-1472م) (بالألمانية: Michael Beheim) بها الكثير من التفاصيل عن الحملة الصليبية ولكن تواريخ سيطرتهم على بعض الحصون العثمانية بالأراضي البلغارية كانت خاطئة.[44]
  • وصف الجندي المؤرخ الذي حضر المعركة "أندريس پالاتشيو" تلك الحملة العسكرية بوجه عام بدون ذكر بعض المعارك مع العثمانيين أثناء مسير جيش الصليبيين إلى ڤارنا، وكان وصفه لأحداث معركة ڤارنا ليس كاملاً لأن الكاتب كان في ميمنة الجيش الصليبي تحت إمرة الكاردينال "سيزاريني" ولم يستطع مراقبة تطورات الهجمات والهجمات المضادة بين الجيشين عبر ساحة المعركة.[44]
جدول يوضح التباين الشديد في تقديرات الغربيين لتعداد الجيش العثماني في معركة ڤارنا
تقييمات المؤرخين الغربيين لتعداد الجيش العثماني

في معركة ڤارنا

المُغنّي الألماني المتجول ميكائيل بيهايم (1416-1472م) من بادن-فورتمبيرغ

Michael Beheim

النهضوي والكاتب الإيطالي

فيليپ كاليماخوس (1437-1496م)

Filippo Buonaccorsi - Callimachus

الجندي المؤرخ الذي حضر المعركة

أندريس پالاتشيو

Andreas Pallatio

النهضوي والشاعر الإيطالي، ومؤرخ البلاط المجري الذي أسند إليه الملك متياس كورڤينوس (Matthias Corvinus) كتابة "تاريخ المجر"[104]

أنطونيو بونفيني (1434-1503م)

Antonio Bonfini

المؤرخ المجري

بانلاكو

تقديرات أخرى
إجمالي العدد

(المجموع)

120 ألف[87] 105 آلاف[71] من 60 ألف إلى 100 ألف[101]، 105 آلاف[87]، 125[103]
إنكشارية 12 ألف[87] 5 آلاف[87][71] 16 ألف[71]
سپاهية 3 آلاف[71]
عزب 5 آلاف[71]
آقنجية 16 ألف[87][71] 6 آلاف[71] 6 آلاف[71] 20-30 ألف[98]
فرسان الروملي 30 ألف[71] 7 آلاف[98]
فرسان الأناضول 40 ألف[71] 30-40 ألف[98]، 40 ألف[87][105]

تقديرات المؤرخين العثمانيينعدل

تقدير جيش الأناضول:

جاء السلطان مراد الثاني من اعتكافه واعتزاله إلى أدرنة عاصمة العثمانيين، واختار من الجيش أحسن 40,000 جندي وذهب إلى ڤارنا، دون أن يخلع ابنه السلطان محمد الثاني عن العرش.[9][17][24][29][53]

تقديرات الخسائر:

  • قُتل في المعركة 15,000 نفر من العثمانيين.[17]
  • قُتل في المعركة 150 شخصًا فقط،[24][29][53] لكن عدد الجرحى كان كبيراً.[81]

تقديرات القوات الصليبية:

  • كان أساقفة "إرلاو" و"ڤارادين" والنائب البابوي الكاردينال "سيزاريني" الذي تسبب في نقض العهد، من بين القتلى، وكانت خسارة العدو حوالي 65,000 قتيل.[17]
  • بلغ عدد أسرى العدو الصليبي ما بين 80-90 ألف جندي وأُبيد البقية.[24]

سير المعركةعدل

 
راية الكروات. بمجرد بدء المعركة، انحدر فرسان الآقنجية والعزب العثمانيون على ميمنة الصليبيين الذين يقودهم "بان" الكروات "فرانكو تالوتشي". ردّ الصليبيون بقَواذف القنابل والأسلحة النارية فأوقف العثمانيون الهجوم وتراجعوا، وكان سلاح فرسان السپاهية قد نصبوا للصليبيين كمينًا أجبرهم على الفرار واستطاع القليل منهم الإختباء خلف حصن عربات الهوسيين الحربية.

بعد أن اكتشف الجيش الصليبي عبور العثمانيين المضيق إلى البحر الأسود وانتقال الجيش العثماني إلى الروملي (أرض أوروپا) قادمين لملاقاتهم، وعندما علم الملك ڤلاديسلاڤ الثالث بذلك أراد أن يرجع بجيشه لأن أساس الحملة كان الغدر ومباغتة العثمانيين أثناء هدنة السِّلم، ولكن العثمانيين قطعوا عليه هذا التراجع إذ وصلوا في نفس اليوم بالقرب من ڤارنا قادمين من الغرب، وخيّموا أمام الصليبيين.

كان على أسطول البندقية الإبحار شمالًا إلى مدينة ڤارنا لمقابلة جيش التحالف المسيحي الصليبي ونقله بحراً، ولكن البنادقة فشلوا في ذلك، ووقعت المعركة الحاسمة دون مشاركتهم.

في 28 رجب 848هـ / 10 نوڤمبر 1444م التحم الجيشان في معركة ڤارنا بالقرب من البحر الأسود عند حصن ڤارنا، في بلغاريا.

صلاة السلطان قبل المعركةعدل

صلى السلطان مراد الثاني ركعتين في ميدان ڤارنا قبل بدء المعركة ضد جيش الصليبيين، ودعا فيهما الله قائلاً: "إلهي! لا تجعل عبادك المؤمنين في يد الكفار بسبب كثرة خطاياي. إلهي! احفظ أُمَّتك من أجل حُرمة حبيبك (المقصود الرسول محمد عليه الصلاة والسلام) يا منصور ويا غالب".[17]

بدء المعركةعدل

عندما تواجه الجيشان، سيطر كل منهما على الآخر لمدة ثلاث ساعات تقريبا بدون ظهور أحدهما على الآخر.[9]

جاءت الحركة الأولى من الجانب العثماني عندما بدء 6000 من فرسان سپاهية الأناضول بتعجيز ميمنة الصليبيين بإطلاق السهام.[9]

عندما نزل الفرسان العثمانيون في السهل، أمر "بان" (رئيس) الكروات "فرانكو تالوتشي" بالهجوم.[9]

هجوم ميسرة العثمانيين ومقتل الأساقفةعدل

انطلقت فرسان الجناح الأيسر للجيش العثماني ترتقي الهضبة الشمالية لساحة المعركة، ولم تنتبه ميمنة الصليبيين لذلك.

كتب "أندريس پالاتشيو" الذي كان جندياً حضر المعركة وترك شرحاً مكتوباً لها، ذكر في تلك الواقعة: "رغم أن الهواء كان شفافاً والبحر هادئ ولكن بدأت عاصفة واشتد الريح قادماً من جهة الغرب (حيث معسكر العثمانيين)، كَسَرَت ودَمَّرَت بيارقنا عدا بيرق القديس جرجس".[71][86][50]

 
لوحة "معركة ڤارنا" بريشة الرسام البولوني "ستانيسلو تشلبوڤسكي" (1835م - 1884م) الذي عُرف بتخصصه في اللوحات الإستشراقية.

ربما تسببت هذه الرياح القوية العنيفة القادمة من جهة العثمانيين في وجه الصليبيين بتشتيت انتباههم وشغلتهم بها مما سمح بنقل جزء من مفرزة الجناح الأيسر للجيش العثماني وأن يرتقي الهضبة الشمالية، هضبة فرينغا، بدون أن يلحظ الصليبيون تواجودهم قريبا منهم فوق الهضبة.

بمجرد بدء المعركة، انحدرت الفرسان الخفيفة العثمانية الآقنجية والعزب معاً في وقت واحدٍ من الوديان والتلال ومن بين الشجيرات بهجومٍ موحّدٍ كالسيل المنحدر على ميمنة جيش الصليبيين الذي يقوده "بان" الكروات "فرانكو تالوتشي"،[44] واندفع العثمانيون بقيادة جميع قادة الجناح الأيسر الأربعة الذين تقدموا في وقت واحد مع فرسانهم:

  1. شهاب الدين باشا.
  2. خضر بك.
  3. مالقوج أوغلي بك.
  4. داود بك.

ردّ الصليبيون من اليسار بقَواذف القنابل والأسلحة النارية فأوقف العثمانيون الهجوم وتراجعوا، وهنا وقع الجنودُ الصليبيون في خطأ استراتيجي بأن تعقبوا الفرسان الخفيفة السريعة الآقنجية وطاردوهم مُطَارَدَةً غير منظّمة، وكان سلاح الفرسان الثقيلة سپاهية الأناضول قد نصبوا للصليبيين كمينًا لهم من الجانب مما أجبر جنود الصليبيين على الفرار واستطاع القليل منهم الإختباء خلف عربات حصن الهوسيين.

 
قتال العربات المتحركة للهوسيين.

هاجم شهاب الدين باشا فرقتين ملكيتين صليبيتين، بينما كسر داود بك دفاعات ميمنة الصليبيين، فانجرفت تحت وقع الهجوم قوات الفِرق الأربع الصليبية التي تُشكِّل ميمنة الصليبيين بقيادة الأسقف "يان دومينيك"، والكاردينال "سيزاريني"، وأسقف "إيجر" و"فرانكو تالوتشي" وفرُّوا جميعاً جنوباً صوب بحيرة ڤارنا وخليج ڤارنا وحصن "غلطة" على الضفة الأخرى من الخليج،[86] وقُتل أغلبهم في المستنقعات المحيطة بالبحيرة، وربما قُتل "سيزاريني" هناك ولقي مصرعه.[71]

حاولت ميمنة الصليبيين النجاة بالفرار إلى قلعة "غلطة" (بالإنجليزية: Galata) الصغيرة الواقعة على الجانب الآخر من خليج ڤارنا جنوباً، ولكن قُتل معظمهم في المستنقعات المحيطة ببحيرة ڤارنا ونهر دڤنِيَا (بالإنجليزية: Devnya) الذي يَصُبُّ فيه،[106] وفي أثناء التراجع الفوضوي للجيش الصليبي لقى المندوب البابوي الصليبي الكاردينال "يوليان سيزاريني" حتفه، وكان يقود سلاح الفرسان البُشناقيين والمرتزقة الألمان، ويُحتمل أن يكون بعض الأساقفة الصليبيين قد لقوا مصرعهم هناك أيضاً مع القوات التابعة لهم.[107]

فقط تمكنت قوات "بان" الكروات "فرانكو تالوتشي" من الانسحاب وراء عربات حصن الهوسيين، بينما تمكن داود بك العثماني من اختراق سلسلة العربات.

شاهد هونياد الوضع البائس على الجهة اليمنى للصليبيين فقاد جزءًا من القوات الملكية كان واقفًا في الوسط كاحتياطي للمساعدة وقادهم إلى مساعدة الجهة اليمنى. لم يرغب هونياد في أخذ فرقتي الاحتياط كليهما كي لا يستنفذ الإحتياطي بأكمله لأن نتيجة الأعمال الحربية على الجهة اليسرى لم تكن واضحة بعد. لم توفر مساعدة هونياد سوى إغاثة مؤقتة للميمنة، لأنه أثناء اشتباكه مع قوات داود بك، تعرض هونياد لهجوم مضاد من قِبل يونس بك فرجع إلى موقعه في قلب الجيش بالقرب من الملك "ڤلاديسلاڤ الثالث".[86]

استطاع تدخّل هونياد بحنكته القيادية أن يقلل من حجم الكارثة علي ميمنة الجيش الصليبي وأن يجعل الأمور تحت السيطرة بعد هلاك الكثير من الصليبيين.

كتب "ر. جينكينز" (R. Jenkins) كاتب السيرة الذاتية للكاردينال المقتول "يوليان سيزاريني"، يقول عنه:

«بين ساعة تراجعه من ساحة المعركة وبين اللحظة التي وُجد فيها وهو ملقىً عارياً ومجروحًا في تلك الليلة المشؤومة، هناك فراغ لا يمكن ملؤه إلا بتكهنات معاصريه.[108] غرق الأسقف دومينيك في مستنقع بينما كان يفرّ، إذ سقط في مستنقع البحيرة على أمل الوصول إلى المرتفعات الجنوبية. أما كيفية موت الأسقف روسوني فغير معروفة. في البداية هرب إلى مدينة ڤارنا، ولكن عندما اكتشف أن البوابة كانت مغلقة، يبدو أنه عاد إلى ميدان المعركة وفُقدت آثاره، ولعله مات أيضًا في المستنقعات.[87]»

هجوم ميمنة العثمانيينعدل

 
لوحة "يوحنا هونياد" في "معركة ڤارنا" بريشة "جوزيف ماراستوني" (1834م-1895م)، من مقتنيات "المتحف الوطني المجري".

وقع هجوم جيش الأناضول من الجهة العثمانية اليمنى في ظروف أكثر صعوبة، من خلال سهل مفتوح لا توجد فيه ملاجئ، ولم يكن لفرسان الأناضول في الميمنة سابق خبرة بقتال الجيوش الأوروپية.

هجم الجناحُ الأيمنُ العثماني على ميسرة الصليبيين وفيها فرسان المجر والبلغار بقيادة ميخائيل سزيلاغي شقيق "يوحنا هونياد"، ثم توقف اندفاع العثمانيين ورجعوا، ثم عاد فرسان السپاهية وهاجموا مرة أخرى.

رمي الصليبيون العثمانيين بالنبال، ثم سار مشاة ميسرة الصليبيين وميمنة العثمانيين للقاء بعضهم البعض.

واجهت قوات "فناري أوغلي" قوات "طوماس زيكيلي"، وواجهت قوات قائد ميمنة العثمانيين بكلربك الأناضول الداماد "قراجة باشا" قوات "ميخائيل سزيلاغي"، وكانت مفرزة "سليمان بك" تقف على يسار الداماد "قراجة باشا". هاجم ميرچه الثاني مفرزة "سليمان بك" مباشرة، متجاوزًا "ميخائيل سزيلاغي"، كي يمنع "سليمان بك" من تطويق ميخائيل المذكور، من الخلف.[86]

أُحبط الهجوم العثماني وكانت التفوق على هذا الجانب للصليبيين في تلك المعركة، وبدأت وحدات الأناضول في التراجع إلى التلال.[86]

رفض "قراجة باشا" التراجع وهاجم بدلا من ذلك "طوماس زيكيلي"، ولكن هذا لم يحقق له النصر أو لوحدته؛ واستشهد الداماد "قراجة باشا" نفسه في المعركة، وتراجع جيش الأناضول.

قرر هونياد تقديم المساعدة لأخيه مخائيل سزيلاغي ونصح الملك ڤلاديسلاڤ الثالث أن يتريث في مكانه وينتظره حتى يعود كي يهاجما معاً قلب الجيش العثماني؛ ثم تقدم بصحبة مجموعتين من الفرسان.

نتيجة لتراجع ميمنة العثمانيين، نقل هونياد فرقة من ميسرة الصليبيين إلى ميمنتهم التي اجتاحها العثمانيون في بادئ المعركة، وهناك بدأ شهاب الدين باشا وجيشه في التغلب على هجمة قوات هونياد القادمين من ميسرة الصليبيين مع من تبقى من قوات ميمنة الصليبيين، ولكن في نهاية المطاف تم دفع العثمانيين إلى المنحدر بقيادة هونياد. ورغم ذلك، لاحظ الجندي المؤرخ "أندريس پالاتشيو" أنه يبدو كما لو أن خسائر العثمانيين كانت بالكاد منعدمة.

في هذا الوقت من المعركة، كانت المشاة الخاصة بالسلطان مراد الثاني، وهم الإنكشارية ووحدات قوات القصر، لم تدخل بعد الميدان منذ بداية المعركة.

بعد انسحاب جيش الداماد "قراجة باشا" ومع بداية تراجع جيش شهاب الدين باشا ومطاردة هونياد للجنود العثمانيين المتراجعين، أرسل السلطان مراد الثاني رجاله إلى المعركة. لمّا انتبه هونياد لذلك ترك تعقب جنود العثمانيين المنسحبين وعاد إلى الملك ڤلاديسلاڤ الثالث وعربات حصن الهوسيين المتحركة.

 
لوحة: "الملك ڤلاديسلاڤ في المعركة الأخيرةمعركة ڤارنا. "ڤلاديسلاڤ الثالث" ملك بولونيا والمجر يقود هجوم الفرسان، لوحة تخيلية عام 1879م بريشة الرسام البولوني "يان ماتيكو" (24 يونيو 1838 - 1 نوڤمبر 1893) الذي عُرف بلوحاته الپولندية التاريخية السياسية والعسكرية.

هنا انضم الكثير من جنود ميسرة الصليبيين إلى بقية الجيش، إلا فقط جنود الأفلاق الذين هزموا مفرزة "الأرناؤوطيين" العثمانيين بقيادة "أفرنوس أوغلي"، فانشغلوا بالنهب وجمع الغنائم وتركوا المعركة.

لاحظ الجندي المؤرخ "أندريس پالاتشيو" بخصوص هذه المرحلة من المعركة وذكر في كتاباته أن "الجنود في الجيش الصليبي قد قاتلوا طوال اليوم واستُنفذوا، كما أن العديد منهم، مثل هونياد نفسه، قد أصيبوا في المعارك، أما وقد نزلت قوات السلطان مراد الثاني ضدهم في تلك اللحظة وجائهم الأكثر خبرة والأكثر تجهيزا بقوات جديدة وكاملة من الجيش العثماني، فقد ازداد موقف الصليبيين تأزماً".[86]

نزل حوالي 6 أو 8 آلاف من الجنود الإنكشارية على المنحدر، ثم بدأوا يحتمون خلف الأحراش وهم يمطرون الصليبيين بالسهام، ثم اشتبكوا مرة أخرى ولكن لم تظهر الغَلَبة لأي من الفريقين.

كتب الجندي المؤرخ "أندريس پالاتشيو" أن عدد الصليبيين انخفض، فهم قد فقدوا أربعة فرق تمامًا على الجهة اليمنى، دون حساب الخسائر بين القوات الأخرى، وفي هذه المرحلة من المعركة، تراوح حجم الجيش الصليبي بين ستة إلى سبعة آلاف شخص.

دمر العثمانيون تماماً الجناح الأيمن للصليبيين أثناء التراجع، كما انسحب معظم الجنود الصليبيين من الجناح الأيسر للجيش، وعاد بعض العثمانيين مثل داود بك وشهاب الدين باشا إلى مقر السلطان مع بطانتهم الشخصية.[86]

وعلى الرغم من التعب والهزيمة والقتلى، تمكَّن الصليبيون في ميمنتهم من دفع الإنكشارية وقوات العزب إلى التلال.

تضارب المصادر الغربية: تذكر إحدى النسخ أن معظم الجنود العثمانيين قد فرَّوا أو قُتلوا، ولجأ السلطان مراد الثاني نفسه إلى مقر السلطنة فوق التل،[71] أما المؤرخ المجري المتأخر "توماس پالوشفالڤي" (بالمجرية: Tamás Pálosfalvi) من "معهد التاريخ" فرع "أكاديمية العلوم المجرية" بمدينة بست، بودابست المجر،[109][110] فهو مقتنع بالرأي بأن القوات العثمانية قد دُمرت تقريبًا في نفس وقت مقتل ڤلاديسلاڤ الثالث (الذي سيأتي ذكره لاحقاً).[82]

أما المصادر العثمانية: فتذكر "موسوعة الإسلام التركية" التابعة "لوقف الديانة التركي[111] أنه بعد أن بدأت قوات الروملي بالتفكك، حشد السلطان مراد الثاني قواته الخاصة ولكنهم لم يكونوا فاعلين وكانوا متفككين للغاية ولم يكن هناك سوى عدد قليل جدًا من رجال الإنكشارية والعزب بالقرب من السلطان. وفي مواجهة هذا الوضع، بدا وكأن السلطان مراد الثاني قد يقبل عرض الانسحاب إلا أنه ظل في ساحة المعركة وخاصةً بتشجيع الداماد "قراجة باشا"، فغيّرت هذه الخطوة مسار التصادمات. وبينما ظل السلطان تحت الحماية وسط رجال الإنكشارية؛ هاجمهم في هذه اللحظة ملك المجر ڤلاديسلاڤ الثالث مع 500 فرسانه ولكنه لم يستطع التغلب على المعسكر العثماني الخاضع لحراسة جيدة، ولأنه لم يستطع رؤية الخندق هناك، سقط حصانه، وأدى هذا إلى حالة من الذعر العام في الجيش المجري.[9]


ذبح الملك ڤلاديسلاڤ الثالثعدل

 
مُنمنمة عُثمانيَّة تُصوِّرُ جُثَّة ملك بولونيا والمجر الشاب "ڤلاديسلاڤ الثالث" مقطوعة الرأس، مُلقاة أمام السُلطان مُراد الثاني بعد أن ذبحه الجندي الإنكشاري العثماني "قراجة خِضر" في "معركة ڤارنا". وُصفت الجُثَّة الظاهرة في الرسم - خطئاً - بأنها جثة القائد العسكري يُوحنَّا هونياد الذي نجح في الفرار من معركة ڤارنا وقُتل بعدها بفارق 12 عاماً أثناء حملة عسكرية ضد القوات العثمانية في 11 أغسطس 1456م.
 
لوحة للمؤرخ "لاونيكوس خاقوقوندِلس". وفقًا "لميلر" (Miller)، كان لاونيكوس بلا شك "شاهدًا" على معركة ڤارنا، على الرغم من أن المؤرخ "ثيودور سباندونيس" (Theodore Spandounes) يدعي أن لاونيكوس كان وزيراً للسلطان مراد الثاني وحضر معركة ڤارنا عام 1444. [112]

في أثناء وقوع تلك الأحداث، تجاهل الملك صغير السنّ ڤلاديسلاڤ نصيحة هونياد وظنَّ أن اللحظة الحاسمة قد حانت بعدما رأي تهاوي جناحي الجيش الأيمن والأيسر، فهرع في 500 من فرسان حرسه الشخصي البولونيين بهجومٍ متهورٍ يبغون اقتحام قلب الجيش العثماني يريدون السلطان.[113]

وفقا للمؤرخ شاهد عيان المعركة "لاونيكوس خاقوقوندِلس" (حوالي 1423م - حوالي 1470م) (بالإنجليزية: Laonikos Chalkokondyles)(بالتركية: Laonikos Halkokondilis[112] فإن المحاطين بالملك الذين كانوا يحسدون هونياد على مجده ويُريدون الحدّ من نفوذه، أرادوا إقناع الملك بأن نصيحة هونياد للملك بانتظار عودته كي يهاجما معاً السلطان كانت نصيحة سيئة، واستفزوا الملك ڤلاديسلاڤ الثالث وزيَّنوا له مهاجمة السلطان مراد الثاني بمفرده قبل عودة هونياد (حتى يفوز بالمجد وحده)،[71][86] فتهور الملك الشاب ذو العشرين عاماً وقرر تجاهل نصيحة هونياد واتباع نصيحة النبلاء، وحفز حصانه ثم تلاه حوالي 500 من فرسانه متجهين صوب مقر السلطان مراد الثاني وبه أكثر العثمانيين بأساً وخبرة بالحروب.[86]

حاول الملك ڤلاديسلاڤ الثالث اجتياح مشاة الإنكشارية بهجومٍ محفوفٍ بالمخاطر وسوء التقدير لأَسْر السلطان مراد الثاني، وعندما اقترب افسح له الجنود العثمانيون كي يدخل في وسطهم مندفعاً بسهولة، وكاد أن يصل إلى خيمة السلطان مراد الثاني بل وصل إلى منطقة البيارق وبها راية السلطان مراد الثاني،[114] ثم قاومت الإنكشارية هجوم سلاح الفرسان المجري ودافعوا بقوة وأجبروا المهاجمين على التجمع في المركز فانكسر هجوم ڤلاديسلاڤ الثالث وسط جنود الإنكشارية الذين سرعان ما أحاطوا به، ثم سقط جواد الملك ڤلاديسلاڤ الثالث مقتولاً أمام الخيمة.

تذكر المصادر الغربية أنه إما أن الملك وقع في فخ منصوب أو أنه طُعن.

أما المصادر العثمانية وهي الأصح في هذا الموضع لأن تلك الأحداث تمت داخل معسكر المسلمين،[115] فتَذكُر أن الجندي "تيمورطاش" (بالتركية: Timurtaş) ضرب الجواد ببلطة (فأس) فطرح الجواد والملك أرضاً.[116]

 
لوحة تخيلية عام 1888م، تمثِّل مقتل الملك ڤلاديسلاڤ الثالث بيد حرس السلطان الخاص.

وأمام حرسه الشخصي المكون من 500 رجل، اقترب منه بسرعة الإنكشاري المُخضرم "خوجة قراجة خِضر آغا" (بالتركية: Koca Hızır[29][117] وبضربة واحدة من سيفه قطع رأس الملك فذبحه ورفع رأسه على سن رُمح، وفي وقت لاحق قدم الرأس كهدية شخصية وفعل ولاء للسلطان مراد الثاني.[113][118]

بعد قتل الملك المجري ڤلاديسلاڤ الثالث، نُصب رأسه على رُمح وضُرب طبل البِشارة ورُفعت راية الغَلَبَة والظَّفَر،[114][119] فأُصيب الصليبيُّون بِالهلع والفزع لمَّا شاهدوا رأس الملك مرفوعًا على رمح،[120] وهرب القائد العام المجرى يوحنا هونياد من المعركة.

في المصادر العثمانية، ووفقا لوصف المؤرخ العثماني "محمد نشري"، فإن الملك ڤلاديسلاڤ الثالث صاح في العثمانيين قائلاً: "أريد التحدث مع السلطان مراد، مرتجفاً من الخوف، وهرع في اتجاه الإنكشارية الذين انشقوا على الجهتين ليدعوا له مجالاً للدخول بينهم، ثم ذبحوا جواده من الخلف وأوقعوه أرضاً، وانحنى "قراجة خِضر" ليقتله فصاح الملك: "سلطان مرادّ! سلطان مراد!" فتجاهله "قراجة خِضر" وقام على الفور بِحَزِّ رأسه وربطه على سن رُمح".[91][37][50][121][86]

انهارت معنويات الفرسان المتبقين في الائتلاف الصليبي لما رأوا رأس ملكهم مقطوعاً ومرفوعاً على الرمح فبدأ الصليبيون في الهرب وهزمهم العثمانيين،[107][120] وأدى الذعر الناتج بين الصليبيين إلى فرارهم بلا رئيس، وقُتل نصف الجيش البولوني المجري.[122]

لجأ بعض الجنود المجريين الهاربين إلى "حاجز العربات الحربية المتحركة" ليحتموا وراءها، وواجهوا الهجوم العثماني بالمدافع وطلقات البنادق لكن ذلك لم يُغنِ عنهم شيئًا سوى إنقاذ بعض القوات المجرية باعطائها وقت كافٍ للتراجع. وفي وقت لاحق انسحبت أيضا تلك الفلول من "حاجز العربات الحربية المتحركة".[9]

بعد عودة هونياد، حاول بشكل محموم إنقاذ جثة الملك، ولكن إزاء الهلع والذعر الذي أصاب الصليبيين،[123] كل ما استطاع أن ينجزه هو تنظيم فرار جيشه وتراجعه، وقام بتشجيعه على "القتال من أجل ديننا، وليس من أجل الملك" ولكنه لم يقدر على استعادة قوة الجيش؛ وعانى الآلاف من الإصابات في تلك الفوضى، وتم القضاء على ذلك الجيش تقريبًا.[123]

وبالكاد استطاع يوحنا هونياد أن يفرّ من ساحة المعركة ببعض الصعوبة وأن ينجو من الوقوع في الأسر.

في الْيوم التَّالي هاجم العثمانيون معسكر المجر واستولوا عليه.[25]

نهاية المعركةعدل

 
شعار ملك بولونيا والمجر "ڤلاديسلاڤ الثالث": العُقاب البولونية، وشرائط المجر والقديس جرجس، وفي وسطهم الصليب.

كلّف الهجوم اليائس للملك في نهاية المطاف ليس فقط حياته، بل أيضا هزيمة الجيش الصليبي، وكَتَبَ مؤلف قصة قصيرة يونانية عن هذا الفعل الطائش: "إن قَتل الملك في ڤارنا كان نتيجة غباءه."[37][124][124]

يبدو أن مقتل ڤلاديسلاڤ الثالث كانت له عواقب قليلة في بداية الأمر لأن من حضر مقتله كانوا قلة من الناس، ولأنه لم يعد أي شخص تقريباً من الصليبيين من هذا الهجوم للإبلاغ عما حدث، فاعتقد الكثير من الصليبيين أن الملك كان مايزال على قيد الحياة وأنه سيعود إلى المخيم في وقت لاحق فواصل المتحاربون من الطرفين قتال بعضهم البعض عبر الجبهة رغم مقتل ملك الصليبيين.

 
نسخة أخرى من شعار ملك بوبونيا والمجر "ڤلاديسلاڤ الثالث"، بحسب النسخة الأصلية من أرشيف ولاية ڤيينا: * أعلى اليمين: العقاب البولونية * أعلى اليسار: شرائط المجر * أسفل اليمين: الصليب المزدوج * أسفل اليسار: القديس جرجس

عندما عاد جنود هونياد الذين فروا جنوبًا إلى بحيرة ڤارنا في بداية المرحلة الأولى من المعركة ورأوا من مات منهم في مستنقعات البحيرة، رجعوا محاولين الهرب هذه المرة عبر الجبال شمالي أرض المعركة، وعندما مرّ أولئك الهاربين عبر المعسكر الصليبي دَعَوا جنود المعسكر الآخرين للهرب معهم. سمع الصليبيون الذين كانوا بالمعسكر أصوات الجنود الشاردين المارين هرباً بمعسكرهم تناديهم بالهرب معهم، ولكن كل من مروا عليهم قرروا أن هذا كان فخاً من العثمانيين، واستمر الهاربون في طريقهم إلى الشمال.

ومرّت الليلة في المعسكر الصليبي بهدوء، حيث اعتقد الجميع أن الملك الصليبي قد انتصر.[86]

كان باستطاعة العثمانيين سماع نشاط في معسكر الصليبيين فأرسلوا من يراقب الصليبيين خوفًا من عودة الجنود الهاربين إلى عربات حصن الهوسيين أو إلى المعسكر الملكي.

وفي المخيم الصليبي كان الناس ما يزالون ينتظرون عودة ملكهم، وأصبح من الواضح بشكل متزايد أنه من غير المُجدي الانتظار.

أظهر العثمانيون لجيش الصليبيين رأس الملك مرفوعاً على رمح لتبديد الشكوك،[86] وحاول الصليبيون بقيادة هونياد حتى المساء استخلاص جثة الملك واستعادتها، أما الجنود الصليبيون الفارِّين من ساحة المعركة فقد سقطوا في الوادي الذي "كان شديد الانحدار إلى درجة أن أي حصان أراد أن يمر به، انزلق وسقط على المجموعة".[125] وانطلقت الفرسان العثمانية فيهم أسراً وتقتيلاً وكان هناك الكثير من القتلى خلال رحلة هروب الصليبيين لدرجة أن "الوادي كان ممتلئًا بالجثث حتى أن الخيول صارت تدهسها".[86]

استطاع عدد قليل من الصليبيين، من بينهم هونياد، الفرار من أرض المعركة أحياء.[29]

عندما أدرك هونياد أنه قد خسر المعركة، انسحب مع قواته دون إبلاغ جيش الصليبيين ونجح في الهروب عبر الجزء الشمالي عند البحر الأسود. تعقبت القوات العثمانية بقيادة داود باشا قوات هونياد وطاردتهم لمدة يومين ولكنهم لم يستطيعوا اعتقاله.[17] وانتهت المعركة نهاية كارثية على مجموع الجيوش الصليبية، وتشتت جمعهم بين قتيل وأسير وناج بنفسه.

نتائج المعركةعدل

حطّم العثمانيون كلِّيَّةً حملة ڤارنا الصليبية والجيوش الصليبية المشاركة فيها،[126] وانتصر الجيش العثماني المُسلم انتصارًا ساحقًا في هذه المعركة على القوات الصليبية.

أزال العثمانيون معارضة كبيرة لتوسعهم في وسط وشرق أوروپا؛ وجعلت المعارك اللاحقة عددًا كبيرًا من الأوروپيين أن يصبحوا رعايا للدولة العثمانية.

ذُبح ملك بولونيا والمجر الشاب "ڤلاديسلاڤ الثالث" (بالبولندية: Władysław III Warneńczyk).

قُتل المندوب البابوي الكاردينال "يوليان سيزاريني" (بالإيطالية: Giuliano Cesarini, seniore) الذي كان أول من أثر على معاهدة سلام إدرنة-سكدين 1444م.

اختفى الأسقف "سيمون روزغونيي" قائد لواء بالجناح الأيمن دون أن يترك أثرا؛ ويُفترض أن العثمانيين قد ألقوا القبض عليه في المعركة. [127]

قُتل الداماد "قراجة باشا" بكلربك الأناضول خلال الحرب، وكان أيضاً زوجاً لأخت السلطان مراد الثاني،[29] كما قُتل "حسن فناري أوغلي" بكلربك "قره سي".[9]

قُتل في المعركة حوالي 15 ألف مقاتل من قوات الجيوش الأوروپية.

وأما في المصادر العثمانية، فقد غنم العثمانيون 250 عربة مملوءة بالنفائس الخاصة بالملك المقتول "ڤلاديسلاڤ الثالث".[17] ولم يُعثر أبداً على رأس أو جثة الملك "ڤلاديسلاڤ الثالث".

ما بعد انتصار العثمانيينعدل

 
العُثمانيُّون يتفقُّدون القتلى في ساحة المعركة، ويقتادون الأسرى، والملك "ڤلاديسلاڤ الثالث" مقتول وحصانه على الأرض، والسلطان مراد الثاني فوق حصانه مع حاشيته أعلى الهضبة يُصدر الأوامر.

في صباح اليوم التالي بعد الصلاة، ذهب السلطان مراد الثاني إلى ساحة المعركة ليتفقدها ورأى أن الأرض كانت مغطاة بجثث مشوهة لأشخاص وخيول.[86] كان برفقته "عزب بك" فقال له السلطان: "أليس من المُستغرب أن تكون الجثث هنا لشباب فقط وأنه من بين وجوه كثيرة لا توجد فيهم لحية شيباء واحدة؟" فأجابه عزب بك: "إذا كان بينهم رجل كبير واحد على الأقل، فما كانوا ليشاركوا في هذا المشروع المجنون".[90]

ثم ذهب السلطان مراد الثاني "إلى معسكر الكفار، ودخل خيمة الملك وغرز سيفه في عرش الملك ثم جلس، وقدم الثناء والشكر لرحمة الله وهدايته".[128][86]

وُضع رأسا الملك الخائن "ڤلاديسلاڤ الثالث" الذي حنث بالقسم وخان العهد، والمندوب البابوي الكاردينال "يوليان سيزاريني" على "مزراقين" (رُّمْحين قصيرين)، ومعاهدة سكدين على مزراق ثالث، وأُشهرت على كتائب العثمانيين المظفّرة.[29]

امتد الاحتفال إلى العالم الإسلامي، ففي الجمعة الأولى من وصول الخبر إلى القاهرة يوم 1 أبريل 1445م، أمر السلطان المملوكي سيف الدين جقمق بتلاوة اسم السلطان مراد الثاني، مُجاملةً له، بعد اسم الخليفة العباسي، وبرفع الدعاء لأرواح الشهداء العثمانيين في الأقطار المملوكية، وأُقيمت احتفالات النصر في مصر.[29]

بعد نصرهم الساحق، قوي موقف العثمانيين في شبه جزيرة البلقان نتيجة للمعركة،[12] وفي السنوات التالية طوَّرَ السلطان مراد الثاني نجاحه في البلقان، وقهر ديسپوتية المورة أيضاً.

بعد وفاة "جُريج برانكوڤيتش" ديسپوت الصرب عام 1456م، استعاد العثمانيون بسط سيطرتهم على كامل الأراضي الصربية عام 1459م بقيادة السلطان محمد الفاتح ابن مراد الثاني، بالإضافة إلى البوسنة والأرناؤوط، أي كامل "غرب البلقان"، مُتِمَّاً بذلك قروناً من الفتوحات العثمانية لجميع الأراضي البيزنطية.[129]

في عام 1448م عانى الصليبيون المُتَضَعْضِعون من هزيمة وحشية أخرى في معركة قوصوه (كوسوڤو) الثانية، وبعدها لم يعودوا يبذلون محاولات جادة لاستعادة شبه جزيرة البلقان من الدولة العثمانية.

كان مصير القسطنطينية محددًا مسبقًا ولم يكن سوى مسألة وقت،[12] فلم تعد هناك تهديدات للعثمانيين من جهة الغرب، وتقدم العثمانيون لفتح القسطنطينية واكتمل الفتح عام 1453م بعد معركة ڤارنا بتسع سنوات.[129] ظلت الدولة العثمانية آمنة لعدة قرون بعد معركة ڤارنا من أية محاولات صليبية جادة أخرى لطردها من أوروپا، إذ كانت تلك المعركة آخر محاولة في القرون الوُسطى لدفع العثمانيين خارج جنوب شرق أوروپا.[27]

ما بعد كارثة الصليبيينعدل

كان الجندي المؤرخ "أندريس پالاتشيو" من بين الصليبيين الهاربين الذين نجوا بحياتهم من معركة ڤارنا، وكتب عن هذا الهروب أن هونياد تمكن من الوصول إلى المجر خلال يومين لأنه كان لديه من يدله على الطريق، وفي المصادر العثمانية أنه انسحب إلى الأفلاق.[9] أما أولئك الصليبيين الذين فرُّوا بشكل عشوائي فقد وصلوا بعد حوالي 10 أيام لبلادهم. أثناء هرب الجنود الصليبيين أُصيب العديد منهم بالشلل أو التجمّد بسبب قضمة الصقيع في شهر نوڤمبر أو بسبب الموت جوعًا،[86] كما مات منهم الكثير في معارك "مُتابَعة" صغيرة، وأُسر العديد من الأوروپيين، وخسر الصليبيون أكثر من 4 آلاف قتيل أثناء هروبهم بخلاف من قُتل أو مات في ڤارنا.

وفقا للمؤرخ المجري "پال إنجل" (1938م-2001م) (بالمجرية: Pál Engel) فإن "مع وفاة الملك، سقطت البلاد في حالة من الفوضى": في المجر، جاءت الفوضى بعد وفاة الملك سيغيسموند عام 1437م ثم توقفت المحاكم عن العمل منذ عام 1439م، وظلت فقط أقوى القوانين سارية المفعول. ولكن بعد الهزيمة في ڤارنا، أصبح الوضع "أكثر كارثية، إلى أقصى حد ممكن"،[18] إذ سقطت المجر مرة أخرى في أتون الحرب الأهلية حتى انتُخب يوحنا هونياد في يونيو 1446م وصياً للعرش خلفاً "للاديسلاس اليتيم":[18]

 
النصب التذكاري لمعركة ڤارنا، مَبنيٌّ على هضبة مقبرة قديمة للتراقيين، ويحمل اسم الملك البولوني المقتول في المعركة أعلى البناء (اضغط الصورة للتكبير).

انتُخب هونياد حاكماً على المجر ووصيّ على الملك الطفل "لاديسلاس" عام 1446م وحتى توفي هونياد أثناء حملة عسكرية ضد القوات العثمانية في 11 أغسطس 1456م.[131]

خطط هونياد لتنظيم حملة صليبية جديدة ضد الدولة العثمانية، ولهذا الغرض أمطر البابا وغيره من الملوك الغربيين برسائل عام 1445م. اعترف هونياد في رسالته إلى البابا في 11 مايو 1445م بأنه كان مخطئًا عندما دافع في المجلس العسكري ذاك عن استحالة الانسحاب، وكتب: "إن درجة مُعينة من الشجاعة المتهورة قد استولت على قلوبنا".[84]

وفي سپتمبر التقى هونياد في نيقوپوليس مع "واليرون دي واڤرين" (بالفرنسية: Waléran de Wavrin)(ابن شقيق المؤرخ يوحنا دي واڤرين)، قبطان ثماني سفن حربية بورغندية، و"ڤلاد دراكول" حاكم الأفلاق الذي استولى على قلاع صغيرة على طول نهر الدانوب السفلي من العثمانيين. ومع ذلك لم يخاطر بالاشتباك مع الحاميات العسكرية العثمانية المتمركزة على الضفة الجنوبية للنهر، بل عاد إلى المجر قبل فصل الشتاء وسرعان ما أبرم "ڤلاد دراكول" معاهدة سلام أخرى مع العثمانيين.

كانت معركة ڤارنا رادعاً ثقيلاً للدول الصليبية امتد أثره لعقود. تدّعي بعض المصادر الغربية أن خسائر السلطان مراد الثاني في معركة ڤارنا كانت ثقيلة للغاية، ولم يدرك أنه انتصر إلا بعد ثلاثة أيام، ولا يوجد مصدر لهذا الادعاء وخاصة أن الصليبيون فروا من ساحة المعركة بنهاية يوم المعركة ولم يبق لهم شهود عيان.[132] ومع ذلك، فإن الانتصار العثماني في معركة ڤارنا ثم تأكيد النصر العثماني الساحق مرة ثانية في معركة قوصوه (كوسوڤو) الثانية بعدها بأربع سنوات عام 1448م قد رَدَعَ الدول الأوروپية عن إرسال أي مساعدة عسكرية كبيرة إلى البيزنطيين خلال الحصار العثماني للقسطنطينية وفتحها عام 1453م، بعد 9 سنوات من معركة ڤارنا.[43][47][48]

بعد فتح القسطنطينية، وعلى الرغم من إعلان بابا الكنيسة الكاثوليكية "پيوس الثاني" رسميًا عن حملة صليبية دامت ثلاث سنوات في "مجلس مانتوا" لاستعادة القسطنطينية من العثمانيين، إلا أن القادة الذين وعدوا بـ 80,000 جندي تخلوا عن الوفاء بالتزامهم.[133]

قام المغني الألماني الجوّال المعاصر للمعركة: "ميكائيل بيهايم" (بالألمانية: Michael Beheim) (1416م-حوالي 1472م) بكتابة أغنية تدور حول قصة جندي صليبي اسمه "هانس ميرجست" أمضى 16 عاماً في الأسر العثماني بعد معركة ڤارنا.[107][134] وهي أغنية شهيرة ولا يوجد مرجع صحيح يؤيد صحة هذه القصة إلا كونها من قصص الحكواتية.

التكتيكات الحربية في المعركةعدل

اشتملت معركة ڤارنا على بعض التكتيكات الحربية الجديدة المختلفة.

أدت تلك المعركة إلى تعلم العثمانيين الكامل لأساليب الحرب المجرية الجديدة وخاصة تكتيك التحصّن استخدام "حصن العربات الحربية المتحرك"، إذ كان العثمانيون حريصين جدًا على تجربتهم العسكرية في مناطق الصراع البعيدة. ليس هناك ما يشير إلى أن المجريين قد استخدموا العربات بشكل فعَّال في هذه المعركة، إذ أن أولئك الصليبيين الذين تراجعوا في وجه الهجوم العثماني ودخلوا خلف العربات هم فقط الذين قاموا باستخدام المدافع الصغيرة والبنادق،[9] ولكن لم تُستخدم العربات في سحق هجوم مكثف للعثمانيين على سبيل المثال.

من المثير للجدل إدّعاء بعض المصادر الغربية بأن تكتيكات الجيش العثماني كانت هراءً، ولا تذكر تلك المصادر أمر هجوم أو استدعاء خداعي جماعي أوعامٍ للقوات العثمانية، ولكن بما أن يوحنا هونياد قد خَبرَ تكتيكات العثمانيين جيدًا وانتصر عليهم في عدة معارك سابقة، فلا بد أنه قد وضع جيشه بطريقة تمنع تنفيذ تلك التكتيكات. فإن أُخذ بعين الاعتبار أن الهجمات الأولية التي قام بها فرسان السپاهية تُعدُّ دليلاً على تكتيك معروف، فإنها في الحقيقة تشير إلى أن شهود العيان المواجهين في الحرب قد رأوها، وفي هذه الحالة يكون من الصعب تطبيق هذا التكتيك القديم علنا، مما يؤكد استخدام العثمانيون لتكتيكات خداعية ناجحة لم تذكرها المصادر العثمانية ولكن اكتفي بسرد ظاهرها شهود العيان من الصليبيين.[9]

طبّق العثمانيون عدة تكتيكات، وبخاصة أثناء هجوم الملك ڤلاديسلاڤ الثالث على مركز السلطان الذي تحميه قوات الإنكشارية بشكل أساسي، فقد تنحي رجال المشاة جانباً حتى يجلبوا فرسان الصليبيين المهاجمين أمام الخنادق، ثم تجمَّع حولهم الجنود العثمانيون وهاجموهم من الجانبين، ومن المحتمل أن يكون هذا الهجوم الجانبي هو الذي جعل إصابات سهام الإنكشارية أكثر فعالية.[9] من المهم أيضًا ملاحظة أن وحدات سلاح الفرسان العثمانية المُتَقَهْقِرة قد بدأت في تشكيل صفوف خلف مركز قيادة السلطان مراد الثاني وليس أمامه أو بداخل المركز، مما يمكن اعتباره تكتيكًا عثمانيًا قائمًا على جنود المشاة الإنكشارية، ويختلف قليلاً عن "إستدعاء الجنود" الخداعي.[9]

من التكتيكات الخداعية المذكورة في المصادر العثمانية أن السلطان مراد الثاني أرسل قوة صغيرة إلى جنق قلعة الواقعة في الجانب الأناضولي لمضيق الدردنيل لخداع الصليبيين وإيهامهم بالاستعداد لعبور جيش الأناضول من هذا المضيق، ثم نقل القوات سريعاً عبرمضيق البوسفور.[17]

خلال تلك المعركة وما تبعها من المعارك في البلقان، حصل العثمانيون بشكل غير متوقع على أفضل سلاح لدى أعدائهم: المدفع والبندقية، وتعلموا أسلوب وتكتيك حصار معسكرات العدو من الجهات الأربع بواسطة العربات التي تجرها الخيول، وتكتيك المناورة الذي كان يطبقه هونياد بنجاح، وقد استخدم العثمانيون البنادق لأول مرة في معركة ڤارنا وهو ما ساعد على تحديث الجيش العثماني.[73]

اتخذت قوات التحالف الصليبي شكل قوس لتطويق القوات العثمانية، ولكن من دهاء القوات العثمانية أن طوقت التحالف بالمثل بل اتخذت شكل مربع لإتمام هزيمة التحالف الذي لم يجد مفر من القوات العثمانية.[74]

وضع السلطان مراد الثاني المعاهدة التي نقضها أعداؤه على رأس رمح ليشهدهم ويشهد السماء على غدر العدو، وفي الوقت نفسه يزيد من حماس جنده،[74] أما وضع رأس الملك المذبوح على رأس رمح وتشهيره بين العساكر فقد أدى إلى سريان الفتور بين جنود المجر، كما أدى إلى تشتت صفوفهم، وتمت هزيمتهم أشد هزيمة، وهرب من بقى من عساكر العدو إلى المعسكر، وقام القائد هونياد بجمع قواته والهروب إلى المجر، وتم الاستيلاء على معسكر العدو في اليوم التالي على الرغم من محاولة بعض القادة الاستماتة في الدفاع عنه إلا أنه سقط.[74]

تسببت قوة النيران المجرية في أضرار جسيمة لسلاح الفرسان العثماني، وكاد الصليبيون أن ينتصروا في هذه اليوم تقريبا لولا تلاحق الأحداث، ومنها ظهرت أهمية المدفعية والبنادق في المعركة.[81]

مكاتبات ما بعد المعركةعدل

رسائل السلطان مراد الثانيعدل

كتب السلطان مراد الثاني في رسائل الفتح:

"ولهذا فقد جعل الله تعالى دولتنا ثابتة بعنايته الربانية وحمايته السبحانية، وجعل سلطنتنا مُحكمة ثابتة، ونظام دولتنا متناغًما. وقد أراد منَّا أن نكون أصحاب رحمة بقدر ما نحن أصحاب قوة، وأظهر لنا تجليات نُصرته في كل وقت وحين، وجعلنا أرباب علم وعرفان وأصحاب بصيرة ورحمة وجود، وثبَّت في قلوبنا الأمر الإلهي الموجود في الآية الكريمة رقم 69 في سورة العنكبوت".

  وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ    
—"العثمانيون رجالهم العظام ومؤسساتهم الشامخة" عثمان نوري طوباش

بعد النصر، كتب السلطان مراد الثاني عدة رسائل بالفتح وأرسلها إلى كل الأطراف، وقد شعر كل المسلمين بالفرح في كافة بلدان الإسلام من هذا الانتصار.[58]

كانت رسالة الفتح التي أرسلها بخصوص فتح "َوارنه" (ڤارنا) تنص على مايلي:[58]

"لقد منَّ الله تعالى الذي أحاط كل المخلوقات برحمته وإحسانه عليَّ بإدارة المسلمين وحل مشكلاتهم، ودفعها، وتنفيذ أوامره، والعمل على طمأنينة وراحة المسلمين. ولهذا فقد جعل الله تعالى دولتنا ثابتة بعنايته الربانية وحمايته السبحانية، وجعل سلطنتنا مُحكمة ثابتة، ونظام دولتنا متناغًما. وقد أراد منَّا أن نكون أصحاب رحمة بقدر ما نحن أصحاب قوة، وأظهر لنا تجليات نُصرته في كل وقت وحين، وجعلنا أرباب علم وعرفان وأصحاب بصيرة ورحمة وَجُود، وثبَّت في قلوبنا الأمر الإلهي الموجود في الآية الكريمة رقم 69 في سورة العنكبوت،[135] كما أنه جعلنا مظهرا للبشارة الواردة في سورة آل عمران في الآية رقم 169   وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ   فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ    .

ولكي نستطيع أن نؤدي شكر الله تعالى على إحسانه ونعمه التي لا تحصى، فإننا نسعى جاهدين في كل وقت وحين لخدمة الدين الإسلامي، وسلامة وسعادة كل البشر من ناحية الروح والفكر والبدن والمال، وهم الذين استودعهم الله أمانة لنا. ولأن السعادة الدنيوية والأخروية للبشر لن تتحقق إلا باتباع الدين الإسلامي، فإننا قد حصرنا كل عمرنا وكل ما نملك من أجل إعلاء دين الحبيب المصطفى ورفع رايته، وإيصال هذا الدين إلى كل البشر، وسعينا إلى نشر وإحياء سنته السَّنِيَّة إلى كل البشر.

إن هذه هي غايتنا وهدفنا البحت في هذه الدنيا، فتحنا البلدان بهذه النية الخالصة، وسعينا لأن نكون دواء لآلام المتألمين من عباد الله، ولم نتأخر دقيقة واحدة في تأمين كل شيء يلزمنا من أجل الجهاد في سبيل الله والحرب ضد من يفسدون في الأرض، أو ينشرون الفتن. وأعددنا لذلك أفضل الأسلحة والمهمات، لم نضع الوقت هباء، ولم نعامل كل الأهالي الموجودين تحت إدارتنا بالظلم أو الجور بل عاملناهم بالعدل والإنصاف، ودائًما ما كنا نتصرف بمشاعر الرحمة والإنصاف.

وقد كان هذا حالنا منذ تأسيس تلك الدولة وحتى الآن، فقد عاش ملايين الناس الذين تحت إدارتنا في سعادة ورفاهية وعدل، وحملنا سيوفنا المباركة وأسلحتنا المختلفة إلى كل مُعاند خائن سفيه من أعداء الدين وإلى كفار مقهورين، أسأل الله تعالى أن لا يوفقهم وأن يجعلهم مغلوبين مُدَمَّرين حتى لا يبقى على الأرض من الملاعنة أحد ويهلكوا هم وآثارهم. والحاصل؛ يجب على كل مسلم إعلام وإبلاغ رسالة الفتح هذه من على المنابر، وليعُوا تماماً النعمة العظيمة لله تعالى عليهم، ويشكروه ما استطاعوا، وليقوموا بعمل الخيرات وتقديم الصدقات ليزداد عون الله ونُصرته لهذا الدين، وليُقِّوي دينَنَا ودولتنا ويَرفَعَ من شأننا، ولا يحرمنا من هذه السعادة.

وليُنبأ هذا الفتح ويُنشر على كافة المسلمين، وليدعوا لدولتنا بالسعادة والبقاء، ولا ينقطعوا عن الدعاء، والسلام ".[58]

رسالة هونياد إلى الباباعدل

في المجلس العسكري الذي انعقد فجر يوم المعركة 10 نوفمبر 1444م، رفض يوحنا هونياد التكتيكات الدفاعية وأعلن: "الهروب أمر مستحيل، والاستسلام أمر لا يمكن تصوره. دعونا نقاتل بشجاعة ونُجِلُّ أسلحتَنا".

في وقت لاحق، اعترف هونياد في رسالته إلى البابا في 11 مايو 1445م بأنه كان مخطئًا عندما دافع في المجلس العسكري ذاك عن استحالة الانسحاب، وكتب: "إن درجة معينة من الشجاعة المتهورة قد استولت على قلوبنا."
—جوزيف بانلاكي (Bánlaky József) - التاريخ العسكري للأمة المجرية"

كتب هونياد رسالة إلى البابا بعد هزيمة ڤارنا الماحقة وصف بها المعركة وأدان عدم تقديم حلفاء المجر المساعدة لها.

هذا الوصف المختصر لمعركة ڤارنا هو جزء من الرسالة المكتوبة إلى البابا:

"الأب الأقدس.

على الرغم من أنني لم تُتح لي الفرصة لتقديم تقرير شخصي لك إلى قداستك، إلا أنني أؤدي ذلك إليك بكل ثقة في تلك الرسالة. وأُرسل لك أخبارًا عن الصراع الأخير، الذي لم يكن فيه قوتنا هي السبب، ولكن خيبة أملنا هي التي تعرضت للخيانة. بعد أن اكتسبتُ خبرة واسعة في الحرب منذ سنواتي الأولى، أعترف بسهولة بأن عجلة الحظ العسكري هي، وفقًا لأدنى رغبة للمراقب الأعلى (المقصود هو: الربّ)، تتحول إلى نهايات إِيجَابِيّة أو كارثية. لعل الله يحكم على أولئك الذين كانوا سبباً في هذا الضيق للشعب المسيحي. وَعَدَ العديدُ من الأمراء المجاورين لنا من "والاشيا" (الأفلاق) ومن بلغاريا وألبانيا وكذلك القسطنطينية، بمساعدات عسكرية كبيرة، وطلبوا منا أن نسافر لمساعدتهم بأقدام سريعة لأن كل شيء وُفِّر لنا. لقد استجبنا لدعوتهم بعد هذا التشجيع الكبير وسرنا بجيشنا، وعبرنا إلى أراضي الأتراك (العثمانيين). وبما أن كل ما نحتاج إليه هو المساعدة الموعودة، فقد اخترقنا بثقة كل يوم أكثر بُعداً في أرض العدو. استسلمت بعض الوحدات المعادية دون مقاومة، وبعضها هزمناهُم. ولكن بعد وقت كان من الواضح أننا لا نستطيع الاعتماد على الوعود السابقة بالمساعدة. كان علينا أن نواجه وضعا لم نكن نتوقعه لأن صداقة الأمراء المذكورين أعلاه في أفضل حالاتها كانت أسوأ من عدم كفايتها، ولأن التحالف الموعود قد تحول في الواقع إلى خداع خبيث. وهكذا، إذا تجاهلنا الدفاع عن أرضنا، وجدنا أنفسنا غير مسلحين في بلد العدو. ومع ذلك، قبل أن يصبح وضعنا المحفوف بالمخاطر واضحًا، حصلنا على العديد من الغنائم وذبحنا العديد من الأتراك (العثمانيين)، وألحقنا أضرارًا كبيرة. كنا قادرين على تجنب المعركة المفتوحة، لكننا شعرنا بالخجل من التخلي عن الحملة التي بدأناها من أجل المسيح، لذلك، تغلبت علينا جرأة متدينة وعزمنا على اتخاذ مسار المغامرة. وقعت معركة غير متكافئة تم خوضها بعُنف، وتوقفت المذبحة فقط بغروب الشمس. لكن المعركة أصبحت معركة خاسرة بسبب الموجات المتواصلة لأكثرية هجومية لا نهاية لها، والذي انسحبنا عنها ولم ننهزم كثيرًا، بدلاً من اكتساحنا والانفصال عن بعضنا البعض.

ومع ذلك، فقد رأيناها بأعيننا ونعرفها من العديد من الوثائق، بأننا لم نُلحِق جروحًا بالعدو أقل مما تلقينا. تركناهم مع ما تبقى من انتصار دموي. علاوة على ذلك، يجدر بنا أن نتحسر بتنهدات كبيرة على الخسائر المؤسفة التي عانينا منها. لأنه هناك مات في ڤارنا الملك، أميرنا وزعيمنا اللامع، والأب الموقر المندوب البابوي "يوليان"، الذي كانت شخصيته حكيمة وقوية ولم تكن هزيمتنا ناجمة عن ضعفنا، أو شجاعة الأتراك (العثمانيين) المتفوقة، لكن العدالة الإلهية هي التي قادت الهزيمة لنا لأننا كنا غير مُجهَّزِين وغير مُسلحين تقريبا؛ وفاز البرابرة اليوم بسبب خطايانا. لذلك، إدراكًا لثقل ذنبنا بدلاً من ثقل جروحنا، لدينا أمل قوي في أن الشخص الذي أدار الهزيمة كانتقام لخطايانا (المقصود: الربّ) سيعطي علاجًا لمن عندهم أمل وسيحرك عقلك قداستك لتقوية الشعب المسيحي المعوجَّة وليست المُنكسرة."[136]

آراء المؤرخين الغربيين في أسباب الهزيمةعدل

الكاردينال "يوليان سيزاريني" الذي كان تحت قيادة "ڤلاديسلاڤ" أبلغ البابا على الفور بهذه الأمور ولكنه باسم البابا سمح للملك بأن يحنث في اليمين لكن الله لم يغفر لأحدٍ أن يحنث في يمينه.
"ڤلاديسلاڤ" كرجل شاب ترك نفسه ليقتنع وبدأ على الفور في بناء حرب على الأتراك العثمانيين.

—المؤرخ والروائي البولوني والليتواني "مايسي ستايسكوڤسكي" (Maciej Stryjkowski) (حوالي 1547م - 1593م)
 
أعرب الكاردينال البولوني "أوليسنيتسكي" أن الحملة فشلت ولم تتمكن من تحقيق الهدف بسبب الكراهية والحسد الكبيرين من المجريين تجاه الپولنديين، وبسببها غادر العديد من البولونيين وتركوا الجيش وعادوا إلى وطنهم.
 
كتب المؤرخ النمساوي جوزيف هامر عن الكاردينال "سيزاريني" واصفاً إيَّاه بأنه: "مُحَرِّضٌ على كسر السلام، مُؤلف هذه الكارثة العظيمة".

بُذلت المحاولات في الغرب منذ القرن الخامس عشر الميلادي لتفسير كارثة معركة ڤارنا والعثور على المسؤولين عن الهزيمة، واستمرت هذه المناقشة حتى نهاية القرن العشرين.

الحنث باليمينعدل

أرْجَع العديد من المؤرخين ومُدوِّني التاريخ بدءًا من المعاصرين للمعركة أو من الذين شهدوها، إلى أن "انتهاك اليمين والحنث بالقَسَم" كان هو سبب هزيمة الصليبيين.

  • ألقى "قسطنطين الأوستروڤيتساوي" (بالإنجليزية: Konstantin Mikhailovich from Ostrovitsa) في "مذكرات الإنكشارية" باللائمة على الهزيمة الفادحة للبابا إيجين الرابع والكردينال سيزاريني، اللذان أقنعا الملك ڤلاديسلاڤ بالحنث باليمين الذي أقسمه على الإنجيل.
  • الكاتب النهضوي الإيطالي "فيليپ كاليماخوس" (1437م-1496م) (بالإيطالية: Filippo Buonaccorsi أو Callimachus) المتصل بالبلاط البولوني، أعرب عن وجهة نظر مماثلة في سيرته الذاتية للملك ڤلاديسلاڤ: "تاريخ الملك ڤلاديسلاڤ، أو كارثة ڤارنا" (باللاتينية: Historia de rege Vladislao، seu clade Varnensi).
  • كاتب التأريخ البولوني "يان دلوجوش" (1415م-1480م) (بالألمانية: Jan Dlugosch[137][138] اتَّهم الكاردينال "سيزاريني" بالاهتمام الذاتي والأنانية، ووصف موته بأنه "كان الذهب المنهوب".[139]
  • اعتمد "ماتاي ستريكوڤسكي" (بالبولندية: Matei Stryikovsky)، الذي كتب لاحقًا، على تقرير "يان دلوجوش"، ورأى أيضًا أن سبب الهزيمة هو "انتهاك اليمين والحنث بالقَسَم"، كما اتهم سيزاريني بالجشع.
  • وتلوم مذكرات "سوخاشيف" (1424-1462) (بالإنجليزية: Sokhachev's notes) أيضاً الملك ڤلاديسلاڤ بأن انتهاكه لِقََسَمِ اليمين هو سبب هزيمته.
  • بعد قرنين من الزمان، أرسل "الهِتمان" (الحاكم) الأوكراني"بوهدان خمل نيتس كيي" رسالة إلى خان القرم "محمد الرابع كراي" (1610م-1674م) (بالتركية: IV. Mehmet Giray)، يحثه فيها على عدم انتهاك السلام مع جيش "زاپوريزيا" القوزاقي (بالإنجليزية: Zaporozhian Cossacks)، وذَكّره بعقوبة الملك ڤلاديسلاڤ، الذي حلّ عليه لانتهاكه القسَم.
  • كتب المؤرخ النمساوي المهتم بالدراسات الشرقية جوزيف هامر (1774م-1856م) (بالألمانية: Joseph von Hammer-Purgstall)، مُتَّبِعاً "ستيفان كاتونا" (بالألمانية: Stefan Catona)، عن الكاردينال "سيزاريني" واصفاً إيَّاه بأنه: "مُحَرِّضٌ على كسر السلام، مُؤلف هذه الكارثة العظيمة".[90]
  • تشمل قائمة مرتكبي هذه الكارثة أيضًا: البابا وجميع الدول الأوروبية في ذلك الوقت: إنجلترا وفرنسا والبندقية وجنوة وأراغون وبورغوندية وميلانو وفلورنسة، الذين ساندوا الكاردينال "سيزاريني" في إثارة الصراع وتبرير الحنث باليمين للملك ڤلاديسلاڤ، ثم لم يُساعدوا (في المعركة).[87]
  • فيما يلي مقتطفات من سجلات الرسالة الشهيرة المكتوبة إلى البابا في وصفٍ موجزٍ لمعركة ڤارنا عام 1444م مُرسلة من هونياد: "لأنه مات هناك الملك في ڤارنا أميرنا وزعيمنا اللامع، والأب الموقر المفوض الرسولي "يوليان" الذي كانت شخصيته حكيمة وقوية؛ لم تكن هزيمتنا ناجمة عن ضعفنا أو شجاعة الأتراك المتفوقة، لكن العدالة الإلهية هي التي قادت الهزيمة إلينا لأننا كنا غير مهيئين وغير مسلحين تقريباً؛ فاز البرابرة اليوم بسبب خطايانا. لذلك، إدراكًا لثقل ذنبنا بدلاً من ثقل جراحنا، لدينا أمل قوي في أن الذي أدار الهزيمة (المقصود هو: الربّ) كانتقام لخطايانا سيصُلح الذين لديهم الأمل، وسيوجِّه عقل قداستك لدعم قدرة الشعب المسيحي المعوجَّة وليست المُنكسرة".[140]

إنكار الحنث باليمينعدل

 
أنكر "ألكسندر بروكنر" (1856-1939) المُتَبَحّر في تاريخ الأدب البولوني عام 1901م حقيقة أن ڤلاديسلاڤ أقسم اليمين وانتهكها.

وبناءً على حقيقة أنه لم يتم الحفاظ على نسخة من "عقد الهدنة" نفسه، فقد بُذلت محاولات لإسقاط تهمة "الحنث باليمين" عن الملك ڤلاديسلاڤ:

  • المؤرخ البولوني "أنطون پروشاسكا" (بالبولندية: Anton Prochaska) في أطروحته عام 1900م حول معركة ڤارنا، قام بتبييض ذِكرى الملك ڤلاديسلاڤ.[96]
  • أنكر "ألكسندر بروكنر" (بالألمانية: Aleksander Brückner) (1856-1939) المُتَبَحّر في تاريخ الأدب البولوني عام 1901م حقيقة أن ڤلاديسلاڤ أقسم اليمين وانتهكها وكتب: "لفترة طويلة كان معظم المؤرخين، حتى المؤرخين المشهورين منهم، يؤمنون بحكاية اخترعها "يان دلوجوش" وكرَّروها بعد ذلك، بأن الملك البطل (ڤلاديسلاڤ) قد أقسم يميناً زوراً قبل معركة ڤارنا وانتهك يمينه المُغلَّظة. ولكن حتى الأتراك لا يعرفون ذلك".[96]
  • ادَّعى المؤرخ البولوني "أوسكار غاليكي" (بالبولندية: Oscar Galecki) في عام 1938م بأن الملك ڤلاديسلاڤ لم يوقع أبدًا معاهدة سلام، وأنه تم تحقيق سلام خاص بين السلطان مراد الثاني و"جُريج برانكوڤيتش"، في حين قاوم ڤلاديسلاڤ الثالث الانضمام إليه.[105]

أسباب أخرى موضوعية متنوعةعدل

  • المؤرخ الراهب البيزنطي "زوتيك پاراسپونديل" (بالبولندية: Zotyk Paraspondyl) عاش في القرن الخامس عشر ووصف معركة ڤارنا عام 1444م من خلال ديوان شعر من 465 بيتاً كتبه كشاهد عيان للمعركة من خلال مخبئه في الغابة، سعى إلى إظهار أن أسباب هزيمة المسيحيين كانت خلافات في معسكر الحلفاء،[87] وألقى باللوم على البولونيين.
  • أعرب الكاردينال البولوني "أوليسنيتسكي" (بالبولندية: Zbigniew Oleśnicki) في مراسلته مع الكاردينال "بيكولوميني" (الذي أصبح لاحقاً: البابا پيوس الثاني من 19 أغسطس 1458م حتى وفاته عام 1464م) عن رأي مفاده أن الحملة فشلت ولم تتمكن من تحقيق الهدف بسبب الكراهية والحسد الكبيرين من المجريين تجاه البولونيين، وبسببها غادر العديد من البولونيين وتركوا الجيش وعادوا إلى وطنهم.[87]
  • وكان سبب فشل الجيش هو أيضًا خيانة الجنويين، الذين نقلوا بأسطولهم جيش الأناضول العثماني إلى أوروپا بسرعة غيرت مسار خطة الحملة الصليبية التى كانت متجهة إلى عاصمة العثمانيين أدرنة، فلحقهم العثمانيون وكان التلاقي في ڤارنا.[12]
  • اتَّهم "قسطنطين الأوستروڤيتساوي" يوحنا هونياد بالتسبب بالهزيمة، مُعتقدًا أنه كان طَموحًا ومُتغطرسًا جدًا وقدَّم نصيحة سيئة للملك.[139]
  • سبب آخر كان شخصية الملك: شخصيته الضعيفة وتَغَيُّره في المَوَاقِفِ أو المِزاج، وتهوره بالهجوم على مقر السلطان،[12] وإحجام ڤلاديسلاڤ الشاب عن الاهتمام بنصيحة قائد حكيم.[87]
  • كتب كارل ماركس في "مذكرات زمنية" (بالإنجليزية: Chronological Notes): "بالنسبة لپولندا والإمبراطورية اليونانية (بيزنطة)، كانت معركة ڤارنا نتيجة المؤامرات البندقية والبابوية: قاتلة".[141]  
 
قبر الجندي المجهول في وارسو عاصمة پولندا، وفيه نقش يخلِّد ذكرى معركة ڤارنا المحفورة في الوعي الغربي.

مثول المعركة في الوعي الغربيعدل

  • في عام 1994م، عُقدت ثلاثة مؤتمرات مخصصة لأحداث 1444م: مؤتمر في بلغاريا واثنان في بولونيا. ووفقًا لما قاله "د. كولودزييتشوك" (بالروسية: Д.Колодзийчука) المتخصص أكاديمياً في دراسات القرون الوسطى، قال إنه من الصعب العثور على موضوع آخر في تأريخ العصور الوسطى يُثير اهتمامًا مثل مناقشة "معاهدة سكدين"، وانتهاك الملك ڤلاديسلاڤ لها، وحملة ڤارنا عام 1444م.[142]
  • في عام 1935م بُني ضريح في نفس موقع معركة ڤارنا، ثم حُوِّل إلى متحف عام 1964م بمناسبة مرور 520 عاماً على المعركة، وأعادوا تسميته باسم "حديقة متحف ڤلاديسلاڤ ڤارنا" (بالإنجليزية: Vladislav Varnenchik Museum Park).[97]
  • ذكرى معركة ڤارنا منقوشة على قبر الجندي المجهول في وارسو عاصمة پولندا، بالنقش: "WARNA 10 XI 1444" ومعناه: "ڤارنا (يوم:)10 (شهر:)11 (أي: نوڤمبر) 1444(م)".
  • أطلق البلغاريون لقب "Warneńczyk" على الملك "ڤلاديسلاڤ الثالث" ينسبونه إلى معركته التي خاضها في ڤارنا، ويُعتبر بطلاً قومياً لديهم.

مشاهد توضيحية للمعركةعدل

شاهد معركة ڤارناعدل

خرائط تطورات سير المعركةعدل

انظر أيضاًعدل

مصادرعدل

  • قالب:مرجع كتاب/نواة
  • قالب:مرجع كتاب/نواة
  • قالب:مرجع كتاب/نواة
  • قالب:مرجع كتاب/نواة
  • Стрыйковский Матей. "Хроника польская, литовская, жмудская и всей Руси". www.vostlit.info. اطلع عليه بتاريخ 18 أبريل 2019. 
  • قالب:مرجع كتاب/نواة
  • Димитров Г. (1908). "Сражението при Варна въ 1444г." (الطبعة ИВАД). Варна: Зора. Варненско археологическо дружество: 7—47. 
  • Митев Невян (2012). "Съдбата на Владислав III Ягело след битката при Варна?" (3—4) (الطبعة Исторически преглед, 2012, № 3–4): 27—32. 
  • قالب:مرجع كتاب/نواة
  • قالب:مرجع كتاب/نواة
  • قالب:مرجع كتاب/نواة

مراجععدل

  1. ^ Ervin Liptai, Magyarország hadtörténete التاريخ العسكري للمجر , ISBN 963-326-337-9
  2. ^ (^ Pears, Sir Edwin (1903). "تدمير الإمبراطورية اليونانية وقصة استيلاء الأتراك على القسطنطينية The destruction of the Greek empire and the story of the capture of Constantinople by the Turks".)
  3. ^ Riley-Smith، Jonathan (2005-07-30). "20,000+men+advanced+through+bulgaria"&redir_esc=y&hl=en "The Crusades: A History". ISBN 9780826472700. مؤرشف من الأصل في 2 يناير 2020. 
  4. أ ب Pears، Sir Edwin (1903). "Among+its+twenty-four+thousand+men+were+two+thousand+German+arquebusers+and+eight+thousand+Wallachians"&redir_esc=y&hl=en "The destruction of the Greek empire and the story of the capture of Constantinople by the Turks". مؤرشف من الأصل في 2 يناير 2020. 
  5. ^ Martorell، Joanot؛ Galba، Martí Joan de (1996-07-23). "long+campaign"+of+1443-44&redir_esc=y&hl=en "Tirant Lo Blanc". ISBN 9780801854217. مؤرشف من الأصل في 2 يناير 2020. 
  6. ^ Martorell، Joanot؛ Galba، Martí Joan de (1996-07-23). "He+became+governor+of+the+kingdom+of+Hungary+and+led+an+army+of+thirty+thousand+men"&redir_esc=y&hl=en "Tirant Lo Blanc". ISBN 9780801854217. مؤرشف من الأصل في 2 يناير 2020. 
  7. أ ب Imber، Colin (2006). "says+seven+thousand+men""&redir_esc=y&hl=en "The Crusade of Varna, 1443–45". ISBN 9780754601449. مؤرشف من الأصل في 2 يناير 2020. 
  8. ^ "Maç yapan çocuklara maymunlar saldırdı |Video". Ahaber (باللغة التركية). مؤرشف من الأصل في 15 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 21 نوفمبر 2019. 
  9. أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط ظ ع غ ف ق "VARNA MUHAREBESİ - TDV İslâm Ansiklopedisi". islamansiklopedisi.org.tr (باللغة الإنجليزية). مؤرشف من الأصل في 15 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 22 نوفمبر 2019. 
  10. أ ب ت ث ج "تاريخ الدولة العلية العثمانية". www.goodreads.com. اطلع عليه بتاريخ 29 أكتوبر 2019. 
  11. أ ب ت ث "معركة ڤارنا - تاريخ أبيض Varna Savaşı - Beyaz Tarih". www.beyaztarih.com (باللغة التركية). مؤرشف من الأصل في 15 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 22 نوفمبر 2019. 
  12. أ ب ت ث ج Magyar katolikus lexikon.
  13. أ ب "الحملة الصليبية على فارنا (وارنه) (1443-1444م)". www.alwelaie.com. مؤرشف من الأصل في 15 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 23 أكتوبر 2019. 
  14. ^ "Türkçe Bilgi: Varna Savaşı". Türkçe Bilgi (باللغة التركية). مؤرشف من الأصل في 30 ديسمبر 2016. اطلع عليه بتاريخ 24 ديسمبر 2019. 
  15. ^ Bodnar, Edward W. Ciriaco d'Ancona e la crociata di Varna, nuove prospettive سيرياكو دي أنكونا وحملة ڤارنا الصليبية، وجهات نظر جديدة. Il Veltro 27, nos. 1–2 (1983): 235–51
  16. ^ Halecki, Oscar, The Crusade of Varna. New York, 1943
  17. أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض "Türkçe Bilgi: Varna Savaşı". Türkçe Bilgi (باللغة التركية). مؤرشف من الأصل في 30 ديسمبر 2016. اطلع عليه بتاريخ 21 نوفمبر 2019. 
  18. أ ب ت Engel.
  19. أ ب ت ث ج ح خ Emecen 2012.
  20. ^ Engel 1994.
  21. ^ GERMĐYANOĞULLARI MUHĐTĐNDE: AHĐLER VE ZAVĐYELERĐ. Cevdet YAKUPOĞLU. (بالتركية) نسخة محفوظة 04 مارس 2016 على موقع واي باك مشين.
  22. ^ حليم بك، إبراهيم (1323هـ - 1905م). كتاب التُحفة الحليميَّة في تاريخ الدولة العليَّة (الطبعة الأولى). القاهرة - الخديويَّة المصريَّة - الدولة العُثمانيَّة: مطبعة ديوان عُمُوم الأوقاف. صفحة 57. مؤرشف من الأصل في 15 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 26 أيَّار (مايو) 2019م. 
  23. ^ سعد الدين أفندي، خواجه مُحمَّد (1862 - 1863). تاج التواريخ (باللغة التُركيَّة العُثمانيَّة). الجُزء الأوَّل. إستانبول - دولت عليَّة عثمانيه: طبعخانۀ عامره. صفحة 341. 
  24. أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر أوزتونا، يلماز؛ ترجمة: عدنان محمود سلمان (1431هـ - 2010م). موسوعة تاريخ الإمبراطوريَّة العُثمانيَّة السياسي والعسكري والحضاري (PDF). المُجلَّد الأوَّل (الطبعة الأولى). بيروت - لُبنان: الدار العربيَّة للموسوعات. صفحة 122. مؤرشف من الأصل (PDF) في 1 مايو 2019. اطلع عليه بتاريخ 1 أيَّار (مايو) 2019م. 
  25. أ ب ت ث "ص157 - كتاب تاريخ الدولة العلية العثمانية - تنازل السلطان عن الملك وعودته اليه - المكتبة الشاملة الحديثة". al-maktaba.org. مؤرشف من الأصل في 23 أكتوبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 23 أكتوبر 2019. 
  26. ^ Sugar، Peter (1977). "Chapter 1: The Early History and the Establishment of the Ottomans in Europe". Southeastern Europe Under Ottoman Rule, 1354–1804 (Reprint). University of Washington Press. مؤرشف من الأصل في 09 مايو 2008. 
  27. أ ب ت ث ج ح خ د Imber، Colin (July 2006). "Introduction". The Crusade of Varna, 1443-45 (نسق المستندات المنقولة). Ashgate Publishing. صفحات 9–31. ISBN 0-7546-0144-7. 
  28. ^ "تاريخ الدولة العثمانية منذ نشأتها حتى نهايتها | اخبار تركيا - موقع ادويت". تاريخ الدولة العثمانية منذ نشأتها حتى نهايتها | اخبار تركيا - موقع ادويت. 2015-11-19. مؤرشف من الأصل في 15 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 23 أكتوبر 2019. 
  29. أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر "تاريخ الدولة العثمانية - يلماز أوزتونا - يلماز أوزتونا - مكتبتنا". www.maktbtna2211.com. مؤرشف من الأصل في 19 مارس 2019. اطلع عليه بتاريخ 04 نوفمبر 2019. 
  30. أ ب ت "تاريخ العثمانيين من قيام الدولة إلى الانقلاب على الخلافة". www.goodreads.com. اطلع عليه بتاريخ 04 نوفمبر 2019. 
  31. ^ "تاريخ الدولة العثمانية". www.goodreads.com. اطلع عليه بتاريخ 04 نوفمبر 2019. 
  32. أ ب عليّ، عبدُ الله نبيل (2018). الدولة العُثمانيَّة: الدُستور، الإستخلاف والتمكين، سلاطين الدولة العُثمانيَّة، عهد الفوضى. الجُزء الأوَّل (الطبعة الأولى). الإسكندريَّة - مصر: مُؤسسة شباب الجامعة. صفحة 284 - 286. ISBN 9789772123315. 
  33. ^ برجاوي، سعيد أحمد (1993). الإمبراطوريَّة العُثمانيَّة: تاريخها السياسي والعسكري (الطبعة الأولى). بيروت - لُبنان: الأهليَّة لِلنشر والتوزيع. صفحة 66. مؤرشف من الأصل في 15 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 2 حُزيران (يونيو) 2019م. 
  34. ^ مُنجِّم باشي، أحمد بن لُطف الله السلانيكي الرُّومي المولوي الصدِّيقي؛ دراسة وتحقيق: د. غسَّان بن عليّ الرمَّال (1430هـ - 2009م). كتاب جامع الدُول: قسم سلاطين آل عُثمان إلى سنة 1083هـ. بيروت - لُبنان: دار الشفق لِلطباعة والنشر. صفحة 428 - 429. 
  35. أ ب ت فريد بك، مُحمَّد؛ تحقيق: الدُكتور إحسان حقّي (1427هـ - 2006م). تاريخ الدولة العليَّة العُثمانيَّة (الطبعة العاشرة). بيروت - لُبنان: دار النفائس. صفحة 154. مؤرشف من الأصل (pdf) في 9 مايو 2019. اطلع عليه بتاريخ 28 نيسان (أبريل) 2019م. 
  36. ^ "Battle of Varna". www.historycentral.com. مؤرشف من الأصل في 23 أكتوبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 24 نوفمبر 2019. 
  37. أ ب ت ث ج Imber 2006.
  38. ^ Setton, Hazard & Zacour 1990, p. 293.
  39. أ ب Florescu، Radu R.؛ Raymond McNally (1989). Dracula, Prince of Many Faces: His Life and His Times. Boston: Little, Brown & Co. 
  40. ^ Imber، Colin (July 2006). "Introduction" (PDF). The Crusade of Varna, 1443–45. Ashgate Publishing. صفحات 9–31. ISBN 0-7546-0144-7. اطلع عليه بتاريخ 19 أبريل 2007. 
  41. ^ Teke 1980, p. 129.
  42. ^ ڤاتان، نيقولا؛ تعريب بشير السباعي (1993). صعود العثمانيين، فصل في كتاب تاريخ الدولة العُثمانيَّة. الجزء الأوَّل (الطبعة الأولى). القاهرة-مصر: دار الفكر للدراسات. صفحة 103 - 104. 
  43. أ ب ت ث ج ح Imber، Colin (July 2006). "Introduction" (PDF). The Crusade of Varna, 1443–45 (PDF). Aldershot, England; Burlington, VT: Ashgate Publishing. صفحات 9–31. ISBN 978-0-7546-0144-9. مؤرشف من الأصل (PDF) في June 28, 2007. اطلع عليه بتاريخ 19 أبريل 2007. 
  44. أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض "PARK-MUSEUM OF THE COMBAT FRIENDSHIP 1444 "WLADISLAW WARNENCHIK"". www.varnenchikmuseum.com. مؤرشف من الأصل في 19 ديسمبر 2014. اطلع عليه بتاريخ 26 أكتوبر 2019. 
  45. ^ عليّ، عبدُ الله نبيل (2018). الدولة العُثمانيَّة: الدُستور، الإستخلاف والتمكين، سلاطين الدولة العُثمانيَّة، عهد الفوضى. الجُزء الأوَّل (الطبعة الأولى). الإسكندريَّة - مصر: مُؤسسة شباب الجامعة. صفحة 287 - 293. ISBN 9789772123315. 
  46. ^ أوزتونا، يلماز؛ ترجمة: عدنان محمود سلمان (1431هـ - 2010م). موسوعة تاريخ الإمبراطوريَّة العُثمانيَّة السياسي والعسكري والحضاري (PDF). المُجلَّد الأوَّل (الطبعة الأولى). بيروت - لُبنان: الدار العربيَّة للموسوعات. صفحة 124. مؤرشف من الأصل (PDF) في 1 مايو 2019. اطلع عليه بتاريخ 1 أيَّار (مايو) 2019م. 
  47. أ ب Perjes، Geza (1999) [1989]. "Chapter I: Methodology". In Bela Kiraly؛ Peter Pastor. The Fall of The Medieval Kingdom of Hungary: Mohacs 1526 - Buda 1541. تُرجم بواسطة Maria D. Fenyo. New York: دار نشر جامعة كولومبيا / Corvinus Library - Hungarian History. ISBN 978-0-88033-152-4. LCCN 88062290. مؤرشف من الأصل في 21 أبريل 2007. اطلع عليه بتاريخ 23 مارس 2007. 
  48. أ ب   Bain، Robert Nisbet (1911). "Wladislaus § Wladislaus III". In هيو تشيشولم. موسوعة بريتانيكا. 28 (الطبعة الحادية عشر). مطبعة جامعة كامبريدج. صفحة 766. 
  49. أ ب Sugar، Peter (1977). "Chapter 1: The Early History and the Establishment of the Ottomans in Europe". Southeastern Europe Under Ottoman Rule, 1354-1804 (Reprint). Seattle ; London: University of Washington Press. ISBN 9780295954431. مؤرشف من الأصل في 15 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 19 مايو 2007. 
  50. أ ب ت ث ج ح Цветкова 1979.
  51. أ ب ت ث Engel 2001, p. 287.
  52. أ ب Cartledge 2011, p. 56.
  53. أ ب ت ث ج ح "الدولة العثمانية المجهولة". www.goodreads.com. اطلع عليه بتاريخ 23 نوفمبر 2019. 
  54. أ ب "Türkçe Bilgi: Varna Muharebesi". Türkçe Bilgi (باللغة التركية). مؤرشف من الأصل في 15 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 21 نوفمبر 2019. 
  55. أ ب ت Imber، Colin (July 2006). "Introduction" (PDF). The Crusade of Varna, 1443–45 (PDF). Aldershot, England; Burlington, VT: Ashgate Publishing. صفحات 9–31. ISBN 978-0-7546-0144-9. مؤرشف من الأصل (PDF) في June 28, 2007. اطلع عليه بتاريخ 19 أبريل 2007. 
  56. ^ "ص157 - كتاب تاريخ الدولة العلية العثمانية - تنازل السلطان عن الملك وعودته اليه - المكتبة الشاملة الحديثة". al-maktaba.org. مؤرشف من الأصل في 23 أكتوبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 23 أكتوبر 2019. 
  57. أ ب "العثمانيون – عثمان نوري طوبّاش" (باللغة التركية). مؤرشف من الأصل في 24 أبريل 2019. اطلع عليه بتاريخ 30 أكتوبر 2019. 
  58. أ ب ت ث "العثمانيون رجالهم العظام ومؤسساتهم الشامخة". www.goodreads.com. اطلع عليه بتاريخ 30 أكتوبر 2019. 
  59. ^ "قصة الإسلام | معركة فارنا .. عندما سحق مراد الثاني التحالف الأوربي". lite.islamstory.com. مؤرشف من الأصل في 17 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 17 ديسمبر 2019. 
  60. ^ Mureşanu 2001, p. 96.
  61. ^ Teke 1980, p. 130.
  62. ^ "VARNA MUHAREBESÝ" (PDF). مؤرشف من الأصل (PDF) في 28 مارس 2019. 
  63. ^ Cartledge 2011, pp. 56-57.
  64. أ ب Stavrianos 2000, p. 53.
  65. ^ عليّ، عبدُ الله نبيل (2018). الدولة العُثمانيَّة: الدُستور، الإستخلاف والتمكين، سلاطين الدولة العُثمانيَّة، عهد الفوضى. الجُزء الأوَّل (الطبعة الأولى). الإسكندريَّة - مصر: مُؤسسة شباب الجامعة. صفحة 296 - 302. ISBN 9789772123315. 
  66. ^ "VARNA MEYDAN SAVAŞI - kainatingunesi.com". kainatingunesi.com. مؤرشف من الأصل في 28 أكتوبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 28 أكتوبر 2019. 
  67. ^ مُنجِّم باشي، أحمد بن لُطف الله السلانيكي الرُّومي المولوي الصدِّيقي؛ دراسة وتحقيق: د. غسَّان بن عليّ الرمَّال (1430هـ - 2009م). كتاب جامع الدُول: قسم سلاطين آل عُثمان إلى سنة 1083هـ. بيروت - لُبنان: دار الشفق لِلطباعة والنشر. صفحة 437 - 444. 
  68. ^ Branimir Anzulovic. Heavenly Serbia: From Myth to Genocide. صفحة 41. مؤرشف من الأصل في 16 ديسمبر 2019. 
  69. ^ John (2012-08-17). The Holy Wars of King Wladislas and Sultan Murad: The Ottoman-Christian Conflict from 1438-1444 (باللغة الإنجليزية). BRILL. ISBN 978-90-04-22925-9. مؤرشف من الأصل في 18 ديسمبر 2019. 
  70. ^ LLC، Revolvy. ""Provadiya (river)" on Revolvy.com". www.revolvy.com (باللغة الإنجليزية). مؤرشف من الأصل في 18 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 18 ديسمبر 2019. 
  71. أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط Bánlaky 1929.
  72. ^ "تحميل كتاب تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الإنحدار pdf مجانًا تأليف خليل اينالجيك - مقهى الكتب". www.kutubpdfbook.com. مؤرشف من الأصل في 15 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 23 نوفمبر 2019. 
  73. أ ب تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الإنحدار لـ خليل إينالجك. ISBN 978-9959-29-088-5. مؤرشف من الأصل في 23 نوفمبر 2019. 
  74. أ ب ت ث ج ح خ د "معركة "فارنا" والتمهيد لفتح "القسطنطينية". www.electronydesign.com. مؤرشف من الأصل في 18 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 18 ديسمبر 2019. 
  75. ^ "Google Maps". Google Maps. مؤرشف من الأصل في 2 يناير 2020. اطلع عليه بتاريخ 24 ديسمبر 2019. 
  76. ^ Vgl. dazu: Klaus-Peter Matschke: Das Kreuz und der Halbmond. Die Geschichte der Türkenkriege. Artemis & Winkler, Düsseldorf-Zürich 2004, ISBN 3-538-07178-0, S. 143–149 und Franz Babinger: Mehmed der Eroberer. Weltenstürmer einer Zeitenwende. محمد الفاتح. زعيم العالم في نقطة تحول. Piper, München 1987, ISBN 3-492-10621-8, S. 37 f.
  77. ^ Imber، Colin (2006). "The Crusade of Varna, 1443–45". ISBN 9780754601449. مؤرشف من الأصل في 9 أكتوبر 2013. 
  78. ^ التاريخ العسكري للمجر Magyarország hadtörténete (1984), 102.-103. pg.
  79. ^ "The Battle of Varna || Imam Reza (A.S.) Network". www.imamreza.net. مؤرشف من الأصل في 15 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 04 نوفمبر 2019. 
  80. ^ Basmadjian (1922). "Histoire moderne des Armeniens" (باللغة الفرنسية). Paris: 45  .
  81. أ ب ت ث Exchanges، Foreign. "Today in European history: the Battle of Varna (1444)". fx.substack.com. مؤرشف من الأصل في 27 نوفمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 24 نوفمبر 2019. 
  82. أ ب Pálosfalvi 2018.
  83. ^ stsft. "بحيرة فارنا - طبيعة - GoodPlaces". بحيرة فارنا - طبيعة - GoodPlaces. مؤرشف من الأصل في 6 نوفمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 06 نوفمبر 2019. 
  84. أ ب "جوزيف بانلاكي - التاريخ العسكري للأمة المجرية Bánlaky József - A magyar nemzet hadtörténelme". mek.oszk.hu. مؤرشف من الأصل في 19 أبريل 2019. اطلع عليه بتاريخ 13 نوفمبر 2019. 
  85. ^ Istoria Romaniei تاريخ رومانيا, Vol II, p. 440, 1960
  86. أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط ظ ع غ ف ق ك ل م Jefferson 2012.
  87. أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س Димитров 1908.
  88. ^ Tamás (2018-09-17). From Nicopolis to Mohács: A History of Ottoman-Hungarian Warfare, 1389-1526 (باللغة الإنجليزية). BRILL. ISBN 978-90-04-37565-9. مؤرشف من الأصل في 15 يناير 2020. 
  89. ^ Ferencz (1805). Magyar Ország Polgári históriájára való Lexicon, a'XVI. század végéig, készitette ... Budai F. ... Kiadta Budai É (باللغة الإنجليزية). مؤرشف من الأصل في 16 يناير 2020. 
  90. أ ب ت Hammer-Purgstall 1840.
  91. أ ب ت ث Uzunçarşılı 1988.
  92. ^ "ALTI BÖLÜK - TDV İslâm Ansiklopedisi". islamansiklopedisi.org.tr (باللغة الإنجليزية). مؤرشف من الأصل في 31 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 31 ديسمبر 2019. 
  93. ^ "Osmanlı Araştırmaları - Ansiklopedi". www.os-ar.com. مؤرشف من الأصل في 4 ديسمبر 2002. اطلع عليه بتاريخ 01 يناير 2020. 
  94. ^ "Türk Akıncıları Hakkında İlginç Bilgiler - معلومات مثيرة للاهتمام حول "الآقنجي" الأتراك". Dec 22, 2015. مؤرشف من الأصل في 31 أغسطس 2019. 
  95. ^ "AVRUPANIN KORKULU RÜYASI - AKINCILAR - الآقنجيلار، كابوس أوروپا". مؤرشف من الأصل في 15 ديسمبر 2019. 
  96. أ ب ت Angyal 1911.
  97. أ ب "Battle of Varna – 1444 – Varna, Bulgaria". Archaeology in Bulgaria (باللغة الإنجليزية). مؤرشف من الأصل في 16 يوليو 2019. اطلع عليه بتاريخ 21 نوفمبر 2019. 
  98. أ ب ت ث Tallett,Trim 2010.
  99. ^ Setton 1976.
  100. ^ Cambridge Medieval History 1923.
  101. أ ب Sedlar 2013.
  102. ^ Turnbull 2003.
  103. أ ب Марков 1887.
  104. ^ Encyclopædia Britannica article on Antonio Bonfini نسخة محفوظة 26 أبريل 2015 على موقع واي باك مشين.
  105. أ ب Babinger 1950.
  106. ^ "River Devnya wetlands". wikimapia.org (باللغة الإنجليزية). مؤرشف من الأصل في 25 أغسطس 2016. اطلع عليه بتاريخ 26 أكتوبر 2019. 
  107. أ ب ت Mitev، Nevyan؛ Boldea، Ligia. "NOTES ON THE CAMPAIGN OF VLADISLAV VARNENCHIK IN NORTHEASTERN BULGARIA IN THE AUTUMN OF 1444" (باللغة الإنجليزية). مؤرشف من الأصل في 26 أكتوبر 2019. 
  108. ^ Jenkins 1861.
  109. ^ "Tamás Pálosfalvi - Academia.edu". independent.academia.edu. مؤرشف من الأصل في 15 يناير 2020. اطلع عليه بتاريخ 15 يناير 2020. 
  110. ^ Tamás (2018). From Nicopolis to Mohács: A History of Ottoman-Hungarian Warfare, 1389-1526 (باللغة الإنجليزية). Brill. ISBN 978-90-04-36584-1. مؤرشف من الأصل في 15 يناير 2020. 
  111. ^ "TDV İslâm Ansiklopedisi". islamansiklopedisi.org.tr (باللغة الإنجليزية). مؤرشف من الأصل في 6 نوفمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 23 نوفمبر 2019. 
  112. أ ب Miller, "The Last Athenian Historian: Laonikos Chalkokondyles", Journal of Hellenic Studies, 42 (1922), p. 37 نسخة محفوظة 21 أغسطس 2016 على موقع واي باك مشين.
  113. أ ب "7 Bravest Warriors of the Ancient World - Page 6 of 7". Ancient Facts (باللغة الإنجليزية). 2015-12-16. مؤرشف من الأصل في 19 أبريل 2019. اطلع عليه بتاريخ 26 أكتوبر 2019. 
  114. أ ب مُنجِّم باشي، أحمد بن لُطف الله السلانيكي الرُّومي المولوي الصدِّيقي؛ دراسة وتحقيق: د. غسَّان بن عليّ الرمَّال (1430هـ - 2009م). كتاب جامع الدُول: قسم سلاطين آل عُثمان إلى سنة 1083هـ. بيروت - لُبنان: دار الشفق لِلطباعة والنشر. صفحة 437 - 444. 
  115. ^ "1001 Osmanlı hikâyesi / Varna’da iki kahraman Timurtaş ve Koca Hızır". turkiyegazetesi.com.tr (باللغة التركية). مؤرشف من الأصل في 28 أكتوبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 28 أكتوبر 2019. 
  116. ^ "Hakikat". www.hakikat.com. مؤرشف من الأصل في 20 ديسمبر 2014. اطلع عليه بتاريخ 28 أكتوبر 2019. 
  117. ^ "VARNA SAVAŞI VE KOCA HIZIR - Osmanlı Hikayeleri - ehlisunnetbuyukleri.com | İslam Alimleri | Evliya Hayatları". ehlisunnetbuyukleri.com (باللغة التركية). مؤرشف من الأصل في 15 أبريل 2019. اطلع عليه بتاريخ 28 أكتوبر 2019. 
  118. ^ Jaczynowski، Lech (January 2017). Supposed Gravesites of Władysław III of Varna (PDF). صفحة 193. ISBN 9788374555265. مؤرشف من الأصل (PDF) في 22 ديسمبر 2017. اطلع عليه بتاريخ 21 ديسمبر 2017. 
  119. ^ أوزتونا، يلماز؛ ترجمة: عدنان محمود سلمان (1431هـ - 2010م). موسوعة تاريخ الإمبراطوريَّة العُثمانيَّة السياسي والعسكري والحضاري (PDF). المُجلَّد الأوَّل (الطبعة الأولى). بيروت - لُبنان: الدار العربيَّة للموسوعات. صفحة 125 - 127. مؤرشف من الأصل (PDF) في 1 مايو 2019. اطلع عليه بتاريخ 1 أيَّار (مايو) 2019م. 
  120. أ ب فهمي، عبدُ السلام عبد العزيز (1413هـ - 1993م). السُلطان مُحمَّد الفاتح: فاتح القُسطنطينيَّة وقاهر الرُّوم (PDF) (الطبعة الخامسة). دمشق - سوريا: دار القلم. صفحة 22. مؤرشف من الأصل (PDF) في 7 يونيو 2019. اطلع عليه بتاريخ 7 حُزيران (يونيو) 2019م. 
  121. ^ Нешри 1984.
  122. ^ Jaczynowski، Lech (Ocak 2017). Supposed Gravesites of Władysław III of Varna (PDF). ISBN 9788374555265. مؤرشف من الأصل (PDF) في 22 ديسمبر 2017. اطلع عليه بتاريخ 21 Aralık 2017. 
  123. أ ب Osmanlı Tarihi, I. Cilt, 10. baskı, sf: 433,434,435,436,437,438,439 Türk Tarih Kurumu Yayınları-2011, Ord. Prof. İsmail Hakkı Uzunçarşılı
  124. أ ب Kleinchroniken 1975.
  125. ^ John (2012-08-17). The Holy Wars of King Wladislas and Sultan Murad: The Ottoman-Christian Conflict from 1438-1444 (باللغة الإنجليزية). BRILL. ISBN 9789004219045. مؤرشف من الأصل في 16 ديسمبر 2019. 
  126. ^ "A Dream Come True: A History of the Sons of Osman". Paradox Interactive Forums (باللغة الإنجليزية). مؤرشف من الأصل في 13 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 26 أكتوبر 2019. 
  127. ^ Diós István, dr.: Magyar katolikus lexikon. 11. köt., Szent István Kiadó, Budapest, 2006. 728. p.
  128. ^ Joseph Freiherr von (1840). Histoire de L'Empire Ottoman (باللغة الفرنسية). Parent-Desbarres. مؤرشف من الأصل في 27 مارس 2019. 
  129. أ ب "Battle of Varna | Summary". Encyclopedia Britannica (باللغة الإنجليزية). مؤرشف من الأصل في 19 أكتوبر 2018. اطلع عليه بتاريخ 23 أكتوبر 2019. 
  130. ^ "Battle of Varna | Summary". Encyclopedia Britannica (باللغة الإنجليزية). مؤرشف من الأصل في 23 أكتوبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 24 نوفمبر 2019. 
  131. ^ "End of Europe's Middle Ages - Janos Hunyadi". www.faculty.umb.edu. مؤرشف من الأصل في 15 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 21 نوفمبر 2019. 
  132. ^ Kenneth Meyer Setton, The Papacy and the Levant, 1204-1571: The Fifteenth Century, Vol. II, (American Philosophical Society, 1978), 90.
  133. ^ Madden، Thomas F. (2006). "9". The New Concise History of the Crusades. Rowman & Littlefield. صفحة 202. ISBN 978-0-7425-3823-8. 
  134. ^ "Question #16, ANSWER: Battle of Varna" (PDF). مؤرشف من الأصل (PDF) في 20 أغسطس 2018. 
  135. ^ "تفسير الآية 69 من سورة العنكبوت". القرآن الكريم. مؤرشف من الأصل في 15 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 23 نوفمبر 2019. 
  136. ^ "End of Europe's Middle Ages - Battle of Varna, 1444". www.faculty.umb.edu. مؤرشف من الأصل في 15 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 21 نوفمبر 2019. 
  137. ^ Christoph. Homo narrans (باللغة الألمانية). Waxmann Verlag. ISBN 978-3-8309-5767-6. مؤرشف من الأصل في 16 يناير 2020. 
  138. ^ "تعريف: Jan Dlugosch". http://www.worldcat.org/. مؤرشف من الأصل في 16 سبتمبر 2016.  روابط خارجية في |website= (مساعدة)
  139. أ ب Жигалова 2014.
  140. ^ "The Battle of Varna || Imam Reza (A.S.) Network". www.imamreza.net. مؤرشف من الأصل في 15 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 21 نوفمبر 2019. 
  141. ^ Маркс 1939.
  142. ^ Kołodziejczyk 1998.

روابط خارجيةعدل