اتفاقية مكة أو معاهدة الانضمام الخاصة بالإمارة الإدريسية هي اتفاقية وُقعت بين الملك عبد العزيز ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها، وبين الإمام الحسن بن علي الإدريسي إمام إمارة الأدارسة. دخل إقليم عسير بعد الاتفاقية لسلطة مملكة الحجاز وسلطنة نجد وملحقاتها وبقيت الإدارة المحلية بيد الأدارسة، كما أن المعاهدة أشبه بمعاهدة دفاع مشترك بالمفهوم الحديث. وقعت الاتفاقية في 24 ربيع الآخرة 1345 هـ الموافق 21 أكتوبر 1926.[1]

اتفاقية مكة 1926
معاهدة الانضمام الخاصة بالإمارة الإدريسية
المكان مكة

خلفية تاريخيةعدل

 
حدود إمارة آل عائض موضحة بالخط الأحمر.

كان إقليم عسير يخضع للعديد من الصراعات إبان الحرب العالمية الأولى، فهناك مطالبة يمنية بعودة الإقليم إلى الأراضي اليمينية، ومن جانب آخر هناك دعوة من قبل الأدارسة بالإبقاء عليه ضمن حدود الإمارة الإدريسية التي نشأت في تهامة، وزاد الأمر سوءً دعم القوى المحلية والدولية لأحد الطرفين في مواجهة الآخر، متمثلًا في المملكة الحجازية الهاشمية وسلطنة نجد بالإضافة إلى بريطانيا وإيطاليا، فظهر حلفين رئيسيين هما: الحلف الأول (إيطاليا - المملكة الحجازية الهاشمية - اليمن)، الحلف الثاني (بريطانيا - نجد - الأدارسة - عسير)، وتحولت منطقة الجنوب الغربي لشبه الجزيرة العربية إلى ساحة مواجهات بين الحلفين.[2]

في خضم الصراع اليمني الإدريسي طرأت عدة عوامل جعلت الأدارسة يتبنون خط المحالفة السياسية مع آل سعود حكام نجد، كان الخلاف والتباين المذهبي بين الأدارسة واليمنيين بالإضافة لضعف القوى العسكرية اليمنية بنظر الأدارسة إذا ما قورنت بالسعوديين والهاشميين والدعم البريطاني المتزايد للأدارسة مكافئة لهم على موقفهم الإيجابي في الحرب العالمية الأولى، حيث أن الحكومة البريطانية لم تستحسن موقف اليمن الحيادي في الحرب.

بدأت العلاقة الجيدة والحميمية تمتد بين آل سعود والأدارسة حينما أُرسل في عام 1919 رسالة تأييد من قبل الزعيم الإدريسي إلى عبد العزيز بن عبد الرحمن في انتصاره في معركة تربة ضد الهاشميين، وفي عام 1920 بعثت قبائل عسير بشكاوي إلى ابن سعود من جور آل عائض، وعليه توسط ابن سعود بينهما، إلا أن آل عائض رفضوا الوساطة وعدوها تدخلًا في شؤون إقليم عسير، فأمر ابن سعود بإرسال جيش تحت امرة محمد بن عبد الرحمن بن جلوي، وجرت معركة جحلا بين الطرفين وانتصر فيها ابن سعود ودخل ابن جلوي قائد جيشه عسير، وأناب عنه وكيله ثم عاد إلى نجد، فخرج آل عائض على وكيله وجهز ابن سعود ابنه فيصل بن عبد العزيز بجيش استطاع السيطرة به على أبها، وهرب آل عائض إلى الحجاز واحتموا بالشريف حسين الذي امدهم بالأسلحة والأموال للعودة إلى عسير مرةً أخرى، ثم التجأ آل عائض في نهاية المطاف إلى الرياض تحت حماية آل سعود. دخل الأدارسة إقليم عسير في 30 أغسطس 1920 تم فيها تقسيم الأشراف على قبائل عسير لضمان استقرار الإمارة تحت حكم الأدارسة بموافقة واشراف سلطة نجد.

توفي في عام 1913 الزعيم الإدريسي محمد علي وخلفه من بعده ابنه السيد علي الذي امتاز بضعف شخصيته، وعدم قدرته على حكم إمارة الأدارسة، فانتهز الإمام يحيى الفرصة لا سيما مع تصاعد المشكلات الداخلية في عسير ضد الأدارسة وانشغال ابن سعود في حربه مع الشريف حسين بن علي في الحجاز، فاستولى الإمام يحيى على ميناء الحديدة ثم صبيا وجيزان وباجل واللحية وميدي، وتحول القتال إلى تهامة، مع استعدادات مكثفة لمواجهة حاسمة شمال إقليم جازان، ورفض الإمام يحيى وساطة نصت على الإبقاء على إمارة ادارية كقوة محلية ضعيفة بدلًا من القضاء عليها. تدخلت بريطانيا وإيطاليا في الأزمة لمصالحهما الاستراتيجية في المنطقة، حيث شعرت الحكومة البريطانية من الخشية من انتصار اليمنيين على الأدارسة ودخولها منافسة المصالح البريطانية في جازان ومحمية عدن، والدعم الإيطالي الكبير لليمن متمثلًا في الأموال الطائلة التي دفعت للإمام يحيى الذي ثبت المصالح الايطالية في منطقة اليمن.

بعث الإدريسي وفدًا في شهر فبراير عام 1926 إلى مكة برئاسة محمد هادي النعمي، قدم فيها الولاء والطاعة لآل سعود، وطلب منهم المساندة ضد الإمام يحيى ونجدت امارة الأدارسة، فاعتذر ابن سعود بحجة عدم رغبته في التورط في نزاع عسكري مع الامام يحيى واليمن، وانشغاله بترتيب الأوضاع المحلية في الحجاز بالرغم من توقيع معاهدة تسليم جدة في عام 1925، ثم أرسل الإدريسي وفدًا ثانيًا على ابن سعود في شهر أيار 1926 برئاسة محمد هادي النعمي، لطلب المساعدة ضد اليمن، ولكنه كرر ذات الموقف السابق وامتنع عن تقديم العون للأدارسة، ورغبته في الإبقاء على صداقة الإمام يحيى، وتجنب الدخول في مواجهه معه، وفي شهر تشرين الأول عام 1926 وصل إلى جازان السيد أحمد الشريف السنوسي قادمًا من المغرب لزيارة المنطقة، فاقترح على الإدريسي التحالف مع ابن سعود لمواجهة الإمام يحيى، وابدى رغبته في الوساطة بهذا الشأن، وذهب إلى الحجاز فقابل عبد العزيز بن عبد الرحمن، وعرض عليه طلب الإدريسي في رغبته في التحالف حيث وافق ابن سعود في اطار صيغة معاهدة مكة التي وقعت بين الطرفين في 21 تشرين الأول 1926.[3]

بنود الاتفاقيةعدل

جاء في نص الاتفاقية: رغبة في توحيد الكلمة وحفظًا لكيان البلاد العربية وتقوية الروابط بين أمراء الجزيرة العربية، فقد اتفق صاحب الجلالة ملك الحجاز وسطان نجد وملحقاتها عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، وصاحب السيادة إمام عسير السيد الحسن بن علي الإدريسي على عقد الاتفاقية التالية:

  • يعترف سيادة الإمام الحسن بن علي الإدريسي بأن الحدود القديمة الموضحة في اتفاقية 10 صفر 1330 للهجرة المنعقدة بين سلطان نجد وبين الإمام محمد بن علي الإدريسي والتي كانت خاضعة لذلك التاريخ، وهي تحت سيادة جلالة ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها بموجب هذه المعاهدة.
  • لا يجوز لامام عسير أن يدخل في مفاوضات مع أي حكومة وكذا، ولا يجوز أن يمنح أي امتياز اقتصادي إلا بعد الموافقة على ذلك من صاحب الجلالة ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها.
  • لا يجوز لامام عسير إشهار الحرب وإبرام الصلح إلا بموافقة صاحب الجلالة ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها.
  • لا يجوز لإمام عسير التنازل عن جزء من أراضي عسير المبينة في المادة الأولى.
  • يعترف ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها بأن إدارة بلاد عسير الداخلية والنظر في شؤون عشائرها من نصب وعزل ذلك من الشؤون الداخلية فهي حق من حقوق إمام عسير على أن تكون الأحكام وفق الشرع والعدل كما هي عليه في الحكومتين.
  • يتعهد ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها بدفع كل تعدي خارجي أو داخلي يقع على أراضي عسير المبينة في المادة الأولى، وذلك بالاتفاق بين الطرفين حسب مقتضيات الأحوال ودواعي المصلحة.
  • يتعهد الطرفان بالمحافظة على هذه المعاهدة والقيام بواجبها.
  • تكون هذه المعاهدة معمولًا بها بعد التصديق عليها من الطرفيين.
  • وقعت هذه المعاهدة وكتبت باللغة العربية بصورتين تحفظ كل صورة لدى فريق من الحكومتين المتعاقدتين.
  • وقعت هذه المعاهدة بتاريخ 24 ربيع الآخرة 1345 هـ الموافق 21 أكتوبر 1926، وتعرف هذه المعاهدة بمعاهدة مكة المكرمة.

وقع اتفاقية مكة المكرمة من قبل ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، وإمام عسير الإمام الحسن بن علي الإدريسي، تم الاتفاق بحضور راقم الأحرف خادم الإسلام أحمد الشريف السنوسي.[4]

بعد الاتفاقيةعدل

ظلت عسير عقدة العلاقة بين اليمنيين وآل سعود، فبعد أن استولى ابن سعود على الحجاز، كان الإمام يحيي يسعى إلى ضم بلاد عسير وجازان وطرد الأدارسة الذين نصبوا أنفسهم حكاما عليها، على اعتبار أنها جزء لا يتجزأ من اليمن، فقد نظر إليها الملك عبد العزيز على اعتبار أنها امتداد طبيعي للحجاز بعد أن استولى عليها، ساعده علي ذلك استنجاد الأدارسة به وعقدهم معه معاهدة مكة المكرمة 1926، وفي وقت حرج للغاية بالنسبة لحكومة صنعاء برئاسة الإمام يحيى.

يقول الدكتور السيد سالم أن قوات الإمام كانت تزحف في ذلك الوقت في عسير، وكانت تحاصر مدينتي صبيا وجيزان أهم مركزين للأدارسة، وكانت مفاجأة عنيفة فوجئ بها الإمام بعد علمه بالاتفاقية، فلم يكن أمامه إلا أحد أمرين: إما أن يقر بالمعاهدة ويعترف بها وبذلك تفلت الإمارة من يده، وإما أن يأمر قائد جنده في تهامة عسير عبد الله بن الوزير بمواصلة الزحف، فيصطدم بابن سعود ويدور القتال بينهما، وقد رأى أن يقر بالأمر الواقع، وطلب من قائده إيقاف الحرب، ثم لبى دعوة الملك عبد العزيز للمؤتمر الإسلامي الذي عقد في مكة المكرمة.

وظلت مساعي الجانبين لتجاوز مشكلة عسير قائمة، وقد ازدادت درجة حميميتها خلال عام 1933، حيث جرت مفاوضات لإقامة حلف دفاعي بين البلدين مدته عشرون عاما،, ثم مفاوضات جرت في أبها بعد ذلك، انتهت إلى الفشل. أصل الخلاف كان حول عسير ونجران، حيث تنقسم الأولى إلى منطقتي عسير السراة وعسير تهامة، وقد سيطر على عسير السراة من قبل قوات ابن سعود بقيادة الأمير فيصل بن عبد العزيز في سنة 1922، فتمكنت حينئذ من تدويخ قبائل بني شهر وفتح حرملة حصن الأمير ابن عائض وتشتيت قواته والاستيلاء على بلاده حتى حدود اليمن من الجنوب وحدود الأدارسة من الغرب والقنفدة من الشمال، وأما عسير تهامة وهي المعروفة بالمقاطعة الإدريسية فقد وضعت تحت حماية الملك عبد العزيز ثم ضمت بعد ذلك إلي المملكة العربية السعودية نهائيًا في سنة 1930.[5]

المراجععدل

  1. ^ عبدالله بن أحمد بن محمد بن محمد بن محسن بن الهادي بن صلاح موسوعة الأعلام اطلع عليه في 28 أغسطس 2015[وصلة مكسورة] نسخة محفوظة 3 مارس 2020 على موقع واي باك مشين.
  2. ^ معاهدة مكة عام 1926 وأثرها في السياسة الخارجية السعودية تجاه عسير، محمد هاشم خويطر العدد السادس والستون صفحة 447
  3. ^ معاهدة مكة عام 1926 وأثرها في السياسة الخارجية السعودية تجاه عسير، محمد هاشم خويطر العدد السادس والستون صفحة 450
  4. ^ اتفاقية مكة المكرمة بين جلالة الملك والإدريسي مقاتل من الصحراء اطلع عليه في 28 أغسطس 2015 نسخة محفوظة 04 مارس 2016 على موقع واي باك مشين.
  5. ^ ملفات الأهرام الحرب بين عاهلي الجزيرة المعاهدة الإيطالية اليمنية 1926 أول معاهدة بين دولة أوربية والمملكة المتوكلية جريدة الأهرام بقلم يونان لبيب رزق نشر في 18 مارس 2004 نسخة محفوظة 03 فبراير 2006 على موقع واي باك مشين.