افتح القائمة الرئيسية

علم الفلك البابلي

لوح بابلي يسجل مرور مذنب هالي، 164 ق.م.

علم الفلك البابلي (بالإنجليزية: Baylonian Astronomy)، هو دراسة وتسجيل الأجرام الفلكية خلال العصور المبكرة لبلاد الرافدين. تظهر هذه السجلات منقوشةً بالكتابة المسمارية بألواح الطين السومرية، لتاريخ يرجع إلى الفترة بين 3500 إلى 3200 عام قبل الميلاد.[1] طور السومريون نوعًا من علم الفلك/التنجيم الخاص بهم متأثرين بأساطيرهم الدينية، ما ترك بصمةً على ثقافتهم البابلية، ويتضمن ذلك الآلهة الكوكبية التي لعبت دورًا مهمًا.

يهتم علم الفلك البابلي بالتركيز على مجموعة من النجوم والكوكبات النجمية التي تُعرف باسم «نجوم زيقبو».[2] جُمّعت هذه الكوكبات من مصادر مختلفة مبكرة. يذكر أقدم فهارس النجوم المُسمى بـ«ثلاثة نجوم لكل منها» نجومًا في الإمبراطورية الأكدية، ومملكة أمورو، وحضارة عيلام وغيرها.[3]

استُخدم نظام عد خاص قائم على الرقم 60، والمعروف بنظام العد الستيني. بسط هذا النظام طرق حساب وتسجيل الأرقام الكبيرة والصغيرة. ويمكن أن نعتبر السومريين أول من بدأوا الأنظمة الستينية المستخدمة حتى عصرنا هذا مثل تقسيم الدائرة إلى 360 درجة، وكل درجة تُقسم إلى 60 دقيقة. [4]

طور السومريون نهجًا تجريبيًا لعلم الفلك، في الفترة بين القرن الثامن إلى القرن السابع قبل الميلاد. وبدأوا بدراسة وتسجيل فلسفاتهم واعتقاداتهم الخاصة بطبيعة الكون المجردة واستحدثوا منطقًا داخليًا خاصًا بهم من خلال الأنظمة الكوكبية التي كانوا يتنبؤون بها. اعتُبر هذا إسهامًا مهمًا في علم الفلك وفلسفة العلوم، ووصف بعض العلماء المعاصرين هذا النهج الجديد بأنه أول ثورة علمية.[5] طُور هذا النهج واُعتمد بواسطة الإغريق وعلم التنجيم الهلنستي. استخدمت المصادر الإغريقية واللاتينية مصطلح الـ«الكلديون» بشكل متكرر لعلماء الفلك ببلاد الرافدين، والذين كانوا من الكهنة الكتاب المتخصصين في علم التنجيم والأنواع الأخرى من الكهانة.

بقيت قطع صغيرة من آثار علم الفلك البابلي حتى عصرنا هذا، وهي عبارة عن بعض الألواح الطينية الحديثة الكبيرة التي تحتوي على المفكرات الفلكية البابلية، والتقويم الفلكي، والنصوص الإجرائية، ولهذا معرفتنا بنظرية الكواكب البابلية محدودة للغاية.[6] ومع ذلك، تُظهر هذه القطع الأثرية الصغيرة الباقية أن علم الفلك البابلي كان أول محاولة ناجحة لوضع وصف رياضي دقيق للظواهر الفلكية. وكل العلوم المشتقة من علم الفلك في العصر الهلنستي، والهند، والعصر الإسلامي، والغرب كانت معتمدةً على علم الفلك البابلي بشكل أساسي.[7]

ترجع أصول علم الفلك الغربي إلى بلاد الرافدين، وتعتبر كل الجهود الغربية في العلوم الدقيقة وليدةً لجهود علماء الفلك البابليين.[8] وصلتنا المعلومات التي نعرفها عن علم الفلك السومري بشكل غير مباشر، من خلال فهارس النجوم البابلية القديمة التي يعود تاريخها إلى 1200 عام قبل الميلاد. ويشير ظهور أسامي النجوم باللغة السومرية لاستمرار هذا العلم حتى بدايات العصر البرونزي.

علم الفلك البابلي القديمعدل

استمرت ممارسة علم الفلك البابلي خلال فترة السلالة البابلية الأولى (1830 عام قبل الميلاد) وبعدها إلى ما قبل الإمبراطورية البابلية الحديثة (626 عام قبل الميلاد). كان البابليون أول من أدركوا حقيقة حدوث الظواهر الفلكية بشكل دوري، وطبقوا الرياضيات على تنبؤاتهم بهذه الظواهر. توثق الألواح التي تعود إلى الفترة البابلية القديمة حقيقة تطبيق الرياضيات على اختلاف طول النهار خلال السنة الشمسية. دُوِّنت ملاحظات البابليين للظواهر الفلكية عبر قرون في مجموعة من الألواح بالكتابة المسمارية، وتعرف هذه الألواح باسم «إنوما أنو إنليل»، وأقدم نص فلكي نملكه الآن مُدون على اللوح رقم 63 من ألواح «إنوما أنو إنليل»، ولوح «فينوس لأمي صادوقا»، والذي يسرد أول ظهور وآخر ظهور أثناء رصد كوكب الزهرة على مدار 21 عامًا.[9]

عُثر على أثر سُمي بالمنشور العاجي وسط الآثار الموجودة بـ«نينوى». ظُن في البداية أنه يشرح قواعد لعبة ما، ولكن بعد فك شفرة رموزه، اتضح أنه كان يضم نظام تحويل للوحدات المستخدمة في حسابات حركة الأجرام الفلكية والكوكبات.[10]

طور علماء الفلك البابليون نظام أبراج فلكية. وُضعت هذه الأبراج عن طريق تقسيم السماء إلى ثلاث مجموعات مكونة من ثلاثين درجة بالإضافة إلى الكوكبات الموجودة بكل مجموعة.[11][12]

نظرية الكواكب البابليةعدل

كانت الحضارة البابلية أول حضارة معروفة لها نظرية وظيفية خاصة بالكواكب.[13] يعتبر لوح «فينوس لأمي صادوقا» البابلي أقدم نص فلكي كوكبي باقٍ حتى عصرنا هذا، وهو عبارة عن نسخة يرجع تاريخها للقرن السابع قبل الميلاد من قائمة ملاحظات حركة كوكب الزهرة التي يرجع تاريخها للألفية الثانية قبل الميلاد. أرسى علماء التنجيم البابليون أسس وقواعد علم التنجيم الغربي.[14] تضم ألواح «إنوما أنو إنليل» المُدونة خلال الإمبراطورية الآشورية الحديثة في القرن السابع قبل الميلاد، قائمة من الطوالع وعلاقتها بالعديد من الظواهر الفلكية بما يتضمن حركة الكواكب.[15]

علم الفلك البابلي الحديثعدل

هوعلم فلك طوره علماء الفلك الكلدانيون خلال فترات من تاريخ بلاد الرافدين تشمل: الإمبراطورية البابلية الحديثة، وآشور الأخمينية، والدولة السلوقية (السلوقيين)، ومملكة فارثيا. ازدادت معدلات وكفاءة الرصد الفلكي بشكل ملحوظ خلال فترة حكم «نبوناصر» التي استمرت بين عام 747 قبل الميلاد إلى عام 734 قبل الميلاد.[16] اكتشف البابليون «دورة ساروس» لخسوف القمر التي تتكرر كل 18 عامًا عن طريق تسجيل الظواهر المشؤؤمة وفقًا لثقافاتهم في المفكرات الفلكية البابلية التي بدأت في هذا الوقت. حدد عالم الفلك المصري الإغريقي «بطليموس» فترة حكم «نبوناصر» باعتبارها بدايةً لعصر فريد، إذ شعر أن أقدم الملاحظات الفلكية المهمة بدأت خلال هذه الحقبة.

حدثت المراحل الأخيرة من تطوير علم الفلك البابلي خلال فترة الإمبراطورية السلوقية التي استمرت بين عام 323 قبل الميلاد إلى عام 60 قبل الميلاد. بدأ علماء الفلك في القرن الثالث قبل الميلاد في استخدام ما يُعرف بـ«نصوص أهداف السنة» للتنبؤ بحركات الكواكب. جَمّعت هذه النصوص سجلات الملاحظات السابقة لإيجاد أي تكرار في حدوث الظاهر المشؤومة الخاصة بكل كوكب. وتمكن علماء الفلك في الوقت نفسه، أو فيما بعده بفترة وجيزة من إنشاء نماذج رياضية للتنبؤ بحدوث هذه الظواهر بشكل مباشر دون الحاجة للرجوع للسجلات السابقة.

المراجععدل

  1. ^ "The World's Oldest Writing". Archaeology. مؤرشف من الأصل في 5 سبتمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 11 سبتمبر 2018. 
  2. ^ Hunger، Herman (1999). "Ziqpu Star Texts". Astral Sciences in Mesopotamia. Brill. صفحات 84–90. ISBN 9789004101272. 
  3. ^ History of the Constellations and Star Names — D.4: Sumerian constellations and star names? نسخة محفوظة 2015-09-07 على موقع واي باك مشين., by Gary D. Thompson
  4. ^ "Time Division". Scientific American. مؤرشف من الأصل في 3 يوليو 2019. اطلع عليه بتاريخ 11 سبتمبر 2018. 
  5. ^ D. Brown (2000), Mesopotamian Planetary Astronomy-Astrology, Styx Publications, (ردمك 90-5693-036-2).
  6. ^ Asger Aaboe (1958). "On Babylonian Planetary Theories". Centaurus. 5 (3–4): 209–277. doi:10.1111/j.1600-0498.1958.tb00499.x. 
  7. ^ A. Aaboe (May 2, 1974). "Scientific Astronomy in Antiquity". المعاملات الفلسفية للجمعية الملكية. 276 (1257): 21–42. Bibcode:1974RSPTA.276...21A. JSTOR 74272. doi:10.1098/rsta.1974.0007. 
  8. ^ آسغر آبو, Asger. "The culture of Babylonia: Babylonian mathematics, astrology, and astronomy." The Assyrian and Babylonian Empires and other States of the Near East, from the Eighth to the Sixth Centuries B.C. Eds. John Boardman, I. E. S. Edwards, N. G. L. Hammond, E. Sollberger and C. B. F. Walker. Cambridge University Press, (1991)
  9. ^ Rochberg-Halton، F. (1983). "Stellar Distances in Early Babylonian Astronomy: A New Perspective on the Hilprecht Text (HS 229)". Journal of Near Eastern Studies. 42 (3): 209–217. JSTOR 545074. doi:10.1086/373020. 
  10. ^ van der Waerden، B. L. (1951). "Babylonian Astronomy. III. The Earliest Astronomical Computations". Journal of Near Eastern Studies. 10 (1): 20–34. JSTOR 542419. doi:10.1086/371009. 
  11. ^ Pingree، David (1998)، "Legacies in Astronomy and Celestial Omens"، in Dalley، Stephanie، The Legacy of Mesopotamia، Oxford University Press، صفحات 125–137، ISBN 978-0-19-814946-0 
  12. ^ Rochberg، Francesca (2004)، The Heavenly Writing: Divination, Horoscopy, and Astronomy in Mesopotamian Culture، Cambridge University Press 
  13. ^ Evans، James (1998). The History and Practice of Ancient Astronomy. Oxford University Press. صفحات 296–7. ISBN 978-0-19-509539-5. اطلع عليه بتاريخ 04 فبراير 2008. 
  14. ^ Holden، James Herschel (1996). A History of Horoscopic Astrology. AFA. صفحة 1. ISBN 978-0-86690-463-6. 
  15. ^ Lambert، W. G.؛ Reiner، Erica (1987). "Babylonian Planetary Omens. Part One. Enuma Anu Enlil, Tablet 63: The Venus Tablet of Ammisaduqa". Journal of the American Oriental Society. 107 (1): 93. JSTOR 602955. doi:10.2307/602955. 
  16. ^ A. Aaboe؛ J. P. Britton؛ J. A. Henderson؛ Otto Neugebauer؛ A. J. Sachs (1991). "Saros Cycle Dates and Related Babylonian Astronomical Texts". Transactions of the American Philosophical Society. 81 (6): 1–75. JSTOR 1006543. doi:10.2307/1006543. One comprises what we have called "Saros Cycle Texts," which give the months of eclipse possibilities arranged in consistent cycles of 223 months (or 18 years).