ظلامية (مفهوم)

ممارسة

يصف مصطلح الظلامية ممارسة تقديم المعلومات عمدًا بطريقة غير دقيقة ومبهمة، ومصممة للحد من أي استفسارات أو فهم إضافيين.[1] يوجد نوعان من الدلالات التاريخية والفكرية للظلامية: (1) تقييد المعرفة المتعمد-معارضة نشر المعرفة؛ و(2) الغموض المتعمد -أسلوب أدبي أو فني متجدد يتميز بالضبابية المتعمدة.[2][3][4]

الباحث الإنساني يوهانس روشلين (1455-1522) الذي عارض الظلامية الدينية.

يُشتق مصطلح الظلامية من عنوان رسائل هجائية تعود إلى القرن السادس عشر وتحمل عنوان Epistolæ Obscurorum Virorum (رسائل رجال ظلاميين، 1515–19)، واستندت إلى الخلاف الفكري بين الألماني يوهان ريوكلين والراهب يوهانس بفيفركورن من النظام الدومينيكي، حول ضرورة حرق جميع الكتب اليهودية كونها بدعة غير مسيحية.[بحاجة لمصدر] في وقت سابق، وتحديدًا في عام 1509، حصل الراهب بفيفيركورن على إذن ماكسيميليان الأول، الإمبراطور الروماني المقدس (1486-1519)، لحرق جميع نسخ التلمود (يحتوي على الشريعة اليهودية والأخلاق اليهودية) المعروف أنه كان في الإمبراطورية الرومانية المقدسة (926-1806 م)؛ هجت «رسائل رجال ظلاميين» الحجج الدومينيكية لحرق الأعمال «غير المسيحية».

استخدم فلاسفة عصر التنوير في القرن الثامن عشر مصطلح الظلامي لوصف أي عدو للتنوير الفكري والانتشار الليبرالي للمعرفة. في القرن التاسع عشر، وبغرض التمييز بين أنواع الظلامية الموجودة في الميتافيزيقيا واللاهوت النابع من الظلامية «الأكثر دقة» للفلسفة النقدية الخاصة بإيمانويل كانت، والشكوك الفلسفية الحديثة، قال فريدريك نيتشه: «لا يتمحور فن الظلامية الأسود حول تعتيم الفهم الفردي، لكنها تريد تشويه صورتنا عن العالم، وتعتيم فكرتنا عن الوجود».[5]

تقييد المعرفةعدل

تُعد الظلامية في جوهرها مناهضة للديمقراطية، لأنها تحتكر المعرفة للطبقة الحاكمة النخبوية من «القلة القليلة»، ولأن مكونها مناهض للفكر وداعم للنخبوية، فهي تستبعد الأفراد الذين تعدهم غير جديرين فكريًا بمعرفة الحقائق حول حكومة المدينة-الدولة.

عمد العالم السياسي الماركيز دي كوندورسيه في القرن الثامن عشر إلى توثيق ظلامية الطبقة الأرستقراطية في فرنسا الملكية فيما يتعلق بالمشكلات الاجتماعية التي أدت إلى الثورة الفرنسية (1789-1799) التي أطاحت بهذه الطبقة وملكها لويس السادس عشر.[6][7]

كرس عالم الرياضيات ويليام كينغدون كليفورد، وهو من أوائل المؤيدين للداروينية، بعض مؤلفاته في القرن التاسع عشر لاجتثاث الظلامية من إنجلترا، بعد سماع رجال الدين –الذين أيدوا أفكاره حول التطور بالسر- ينددون علنًا بالتطور لأنه غير مسيحي. علاوةً على ذلك، تُعد الظلامية في عالم الدين المنظم سلالةً مميزة من الفكر ومستقلةً عن الولاء اللاهوتي. يكمن الفرق في أن الأصولية تفترض مسبقًا إيمانًا دينيًا صادقًا، في حين أن الظلامية تقوم على تلاعب الأقلية بالإيمان الشعبي باعتباره ممارسة سياسية؛ راجع الرقابة.[8]

ليو شتراوسعدل

الفلسفة السياسيةعدل

في القرن العشرين، تبنى الفيلسوف السياسي الأمريكي المحافظ ليو شتراوس، الذي امتزجت الفلسفة بالسياسة في أعماله، وأتباعه من المحافظين الجدد فكرة تشكيل الحكومة على يد القلة المستنيرة بمثابة استراتيجية سياسية. أشار إلى أن المثقفين في زمن أفلاطون، واجهوا معضلة الاختيار بين «تدخل» الجماهير الواعية والمطلعة في الحكومة، أو السياسيين الجيدين الذين قد يكونوا صادقين وما يزالون يحكمون للحفاظ على مجتمع مستقر -ومن هنا انبثقت الكذبة النبيلة الضرورية في تأمين الإذعان العام. يناقش شتراوس في كتاب المدينة والإنسان (1964) الأساطير في حوار الجمهورية التي يقترحها أفلاطون للحكم الفعال، والتي تضمنت الاعتقاد أن البلاد (الأرض) التي تحكمها الدولة تنتمي إليها (بصرف النظر عن غزو بعضها بعضًا)، وأن الجنسية لا تقتصر على الولادة في المدينة-الدولة. وهكذا، لاحظ سيمور هيرش في مقال الذكاء الانتقائي بمجلة نيويوركر، أن شتراوس أيد مفهوم «الكذبة النبيلة»: الأساطير التي يستخدمها السياسيون للحفاظ على مجتمع متماسك.[7]

انتقدت شادية دروري قبول شتراوس لرياء وخداع الجماهير على أنه «عدالة خاصة للحكماء»، بينما اقترح أفلاطون أن الكذبة النبيلة تستند إلى الخير الأخلاقي، وقالت في نقدها لكتاب الحق الطبيعي والتاريخ (1953): «يعتقد شتراوس أن تفوق الفلاسفة الحاكمين يمثل تفوقًا فكريًا لا أخلاقيًا ... [هو] المترجم الوحيد الذي يضفي طابعًا خبيثًا لمؤلفات أفلاطون عند قراءته لها، ثم يحتفل به».[9]

نصوص باطنيةعدل

انتُقد ليو شتراوس لاقتراحه مفهوم المعاني «الباطنية» للنصوص القديمة، وإخفاء المعرفة التي يتعذر على العقل «العادي» الوصول إليها. في كتابه «الاضطهاد وفن الكتابة» (1952)، اقترح أن يكتب بعض الفلاسفة باطنيًا لتفادي اضطهاد السلطات السياسية أو الدينية، واقترح استنادًا إلى معرفته بموسى بن ميمون والفارابي وأفلاطون، أن أسلوب الكتابة الباطني مناسب للنص الفلسفي. بدلاً من تقديم أفكاره بشكل صريح، تجبر كتابة الفيلسوف الباطنية القارئ على التفكير بطريقة مستقلة عن النص، ومن ثم تحثه على التعلم. يلاحظ سقراط في فيدروس أن الكتابة لا تجيب عن الأسئلة، لكنها تدعو إلى الحوار مع القارئ، ومن ثم الحد من مشكلات استيعاب الكلمة المكتوبة. أشار شتراوس إلى أن أحد المخاطر السياسية للكتابة هو قبول الطلاب للأفكار الخطرة بسهولة شديدة -كما في محاكمة سقراط، إذ استُخدمت العلاقة مع ألكيبيادس لمقاضاته.

بالنسبة إلى ليو شتراوس، قدمت نصوص الفلاسفة للقارئ تعاليم «ظاهرية» (مفيدة) وغامضة «مقتصرة على فئة معينة» (حقيقية)، مخفية عن القارئ ذي الفكر العادي؛ التأكيد على أن الكُتاب غالبًا ما يتركون التناقضات والأخطاء الأخرى لتشجيع القارئ على (إعادة) قراءة النص قراءةً أكثر دقة. نتيجة اتباعه الانقسام «الظاهري الباطني» والحفاظ عليه، اتُهم شتراوس بالظلامية والكتابة باطنيًا.

بيل جويعدل

في مقال نُشر بمجلة ويرد بعنوان «لماذا لا يحتاج المستقبل إلينا» (أبريل 2000)، طرح عالم الكمبيوتر وكبير علماء شركة صن مايكروسيستمز، بيل جوي، العنوان الفرعي التالي: «أقوى تقنيات القرن الحادي والعشرين لدينا -الروبوتات، والهندسة الوراثية، والتكنولوجيا النانوية- تهدد بجعل البشر من الأنواع المهددة بالانقراض»؛ ويفترض في متن المقال ما يلي:

«تُظهر تجارب علماء الذرة بوضوح الحاجة إلى تحمل المسؤولية الشخصية، أمر يظهر أيضًا في الخطر الكامن في إمكانية تحرك الأشياء بسرعة كبيرة، والطريقة التي قد تكتسب عبرها هكذا العملية حياةً خاصةً بها. يمكننا، كما فعلوا، خلق مشكلات لا يمكن التغلب عليه في غضون وقت قصير. يجب أن نفكر بطريقة مكثفة واستباقية إذا أردنا ألا نتفاجأ مثلهم وننصدم بعواقب اختراعاتنا».[10]

سُرعان ما قُرن اقتراح جوي للحد من نشر معرفة «معينة»، بهدف الحفاظ على المجتمع، بالظلامية. بعد ذلك بعام، نشرت الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم، في الكتاب السنوي لسياسة العلوم والتكنولوجيا لعام 2001، مقالاً بعنوان «رد على بيل جوي وأنصار المستقبلية التقنية المشؤومين والكئيبين»، حيث عارض عالما الكمبيوتر جون سيلي براون وبول دوغويد اقتراحه باعتباره رؤية تكنولوجية ضيقة الأفق، ووصفا المشكلات التي توقعها ذات الأصل التكنولوجي بأنها غير قابلة للتطبيق، وذلك بسبب تجاهله تأثير الأفراد من غير العلماء على مثل هذه المشكلات المجتمعية.[11]

انظر أيضًاعدل

مراجععدل

  1. ^ Oxford English Dictionary، OED Online (ط. 3rd)، Oxford University Press، 2004، مؤرشف من الأصل في 6 أكتوبر 2017، Opposition to inquiry, enlightenment, or reform ...
  2. ^ Webster's Third New International Dictionary, Unabridged، Merriam-Webster, Inc.، 2018، مؤرشف من الأصل في 05 فبراير 2021.
  3. ^ Webster's New Universal Unabridged Dictionary (1996) p. 1,337
  4. ^ Buekens, Filip؛ Boudry, Maarten (2014)، "The Dark Side of the Loon. Explaining the Temptations of Obscurantism"، Theoria، 81 (2): 126–143، doi:10.1111/theo.12047، hdl:1854/LU-4374622، مؤرشف من الأصل في 3 نوفمبر 2020، The charge of obscurantism suggests a deliberate move on behalf of the speaker, who is accused of setting up a game of verbal smoke and mirrors to suggest depth and insight where none exists. The suspicion is, furthermore, that the obscurantist does not have anything meaningful to say and does not grasp the real intricacies of his subject matter, but nevertheless wants to keep up appearances, hoping that his reader will mistake it for profundity.(p. 126)
  5. ^ Nietzsche, F. (1878) Human, All Too Human Vol. II, Part 1, 27. Cambridge University Press; 2 edition (kNovember 13, 1996). (ردمك 978-0-521-56704-6)
  6. ^ Seymour M. Hersh, "Selective Intelligence", The New Yorker, 12 May 2003, accessed April 29, 2016. نسخة محفوظة 2021-01-26 على موقع واي باك مشين.
  7. أ ب Brian Doherty, "Origin of the Specious: Why Do Neoconservatives Doubt Darwin?" نسخة محفوظة 2008-07-25 على موقع واي باك مشين. , Reason Online July 1997, accessed 16 February 2007.
  8. ^ Syed, I. (2002) "Obscurantism". From: Intellectual Achievements of Muslims. New Delhi: Star Publications. Excerpt available online. Retrieved on: 4 August 2007. نسخة محفوظة 2020-11-12 على موقع واي باك مشين.
  9. ^ "Noble lies and perpetual war: Leo Strauss, the neocons, and Iraq"، مؤرشف من الأصل في 04 يوليو 2018، اطلع عليه بتاريخ 11 فبراير 2017.
  10. ^ Khushf, George (2004). "The Ethics of Nanotechnology: Vision and Values for a New Generation of Science and Engineering", Emerging Technologies and Ethical Issues in Engineering, National Academy of Engineering, pp. 31–32. Washington, DC: The National Academies Press. (ردمك 0-309-09271-X).
  11. ^ "A Response to Bill Joy and the Doom-and- Gloom Technofuturists" (PDF)، مؤرشف من الأصل (PDF) في 31 ديسمبر 2003.