دخول العثمانيين الحرب العالمية الأولى

بدأ دخول الإمبراطورية العثمانية إلى الحرب العالمية الأولى عندما قامت سفينتان اشترتا مؤخراً تابعة لبحريته، لا تزال تدار من قبل أطقمهما الألمانية ويقودها أدميرالهما الألماني، بتنفيذ غارة البحر الأسود، وهو هجوم مفاجئ ضد الموانئ الروسية، في 29 أكتوبر 1914. أجابت روسيا بإعلان الحرب في 1 نوفمبر 1914، ثم أعلن حلفاء روسيا، بريطانيا وفرنسا، الحرب على الإمبراطورية العثمانية في 5 نوفمبر 1914. ولم تكن أسباب العمل العثماني واضحة على الفور، بما أن الإمبراطورية لم تكن متحالفة رسميا مع أي من القوى العظمى.[1][2]

وفي النهاية أدى هذا القرار إلى وفاة مئات الآلاف من العثمانيين، والإبادة الجماعية الأرمينية وسقوط السلطنة وإلغاء الخلافة العثمانية.[3][4][5]

الخلفيةعدل

أسباب تخلف الدولة العثمانيةعدل

كان القرن التاسع عشر هو فترة انهيار الدولة العثمانية، فأطلق عليها لقب «رجل أوروبا المريض»،حيث ازداد خضوع السلطنة اجتماعيًا واقتصاديًا وعسكريًا للقوى الأوروبية العظمى في ذلك العصر. وكانت أراضيها المترامية الأطراف شديدة التفكك والانقسام في جميع النواحي. وأن أكثر المناطق تطوراً موجود في محيط اسطنبول وأراضيها الأوروبية المسماة روملي، لكن تطورها لايشبه التطور الأوروبي. وسادت ظروف إنتاج العصور الوسطى في الأجزاء النائية من السلطنة، مثل شبه الجزيرة العربية والعراق وجبال آسيا الصغرى. وفي عصر يقظة القومية كان من الضروري أن تختلط العديد من الأديان والأعراق في العالم العثماني. حيث كان الأتراك أقلية عرقية في كل مكان تقريبًا في السلطنة: ففي أراضي البلقان المتقلصة، وفي آسيا الصغرى حيث الأكراد والأرمن، وفي الأجزاء النائية من السلطنة حيث العرب يشكلون الأغلبية. وكان المجتمع منقسمًا دينياً أيضًا. فالدين الإسلامي هو السائد، لكن كانت الطوائف الدينية المختلفة معادية لبعضها البعض. وكان الوضع معقدًا بسبب أقلية مسيحية كبيرة في أجزاء كثيرة من الإمبراطورية (لبنان وسواحل الأناضول وأرمينيا ومصر وأغلبية السكان في البلقان)، حيث احتضنت أفكار العالم الغربي والأفكار القومية المتعاطفة مع الدول الأوروبية.

الغالبية العظمى من السكان كانوا أميين. ومتوسط العمر المتوقع عند الولادة أقل بكثير من متوسط العمر المتوقع عند الأوروبيين. والبنية التحتية للمواصلات متخلفة، وبناء السكك الحديدية كان صعبًا. بالإضافة إلى عدم التزام الجيش بمعايير العصر، فأسلحته كانت قديمة، ولم يبدأ بإنتاج المعدات القتالية الحديثة، لم يبدأ حتى بتشغيل المحركات، وكان الأسطول يتألف من عدد قليل من السفن القديمة والصغيرة. وفي بداية القرن العشرين، بعد قرن من التقهقر النسبي البطيء، ازداد ضعف السلطنة بسبب عدم الاستقرار السياسي والهزيمة العسكرية والصراع المدني وانتفاضات الأقليات القومية.[6]

التدهور الإقليمي وحكومة الاتحاد والترقيعدل

طمعت أوروبا التي لها مستعمرات حول العالم في الدولة العثمانية بعد تدهور أوضاعها. فأبرمت بريطانيا وفرنسا سنة 1878 معاهدة سرية لتقسيم أراضي السلطنة في إفريقيا. فقامت فرنسا في 1881 بعد حملة قصيرة بانتزاع تونس من الدولة العثمانية. وبعدها بعام غزت بريطانيا مصر. وقد مهدت الإصلاحات العسكرية العثمانية التي لا تعد ولا تحصى الطريق لتحويل الجيش الكلاسيكي العثماني إلى جيش حديث الذي شهد الحرب العالمية الأولى. ولكنه خلال تلك الفترة واجه العديد من التحديات، مثل استقلال الجبل الأسود سنة 1860، الذي أضحى إمارة ذا درجة عالية من الحكم الذاتي، ثم استقلت صربيا وبلغاريا في 1878. وفي نفس العام نزلت القوات الإنجليزية في قبرص. وفي سنة 1908 أعلنت إمبراطورية النمسا-المجر أن البوسنة والهرسك ملك لها. وكذلك الاضطرابات داخل الدولة (مثل التمرد في ولاية اليمن وتمرد دروز حوران)، والاضطرابات السياسية المستمرة في السلطنة: مثل استيلاء الأتراك الشباب على السلطة في الأستانة في سنة 1908، وقاموا بتنصيب السلطان محمد الخامس كواجهة في 1909.[7][8] ونفذ الحكم الجديد برنامجا للإصلاح لتحديث النظام السياسي والاقتصادي للسلطنة وإعادة تحديد طابعها العرقي. وأعاد الأتراك الشباب الدستور العثماني لسنة 1876 وعاود عقد المجلس العمومي العثماني، وبدأ بالفعل العهد الدستوري الثاني. وقد أنشأوا في الخفاء أحزابهم.[9] ومن أهم تلك الأحزاب جمعية الاتحاد والترقي وحزب الحرية والائتلاف المعروف أيضا بالاتحاد الليبرالي أو الوفاق الوطني. وأجريت انتخابات عامة في أكتوبر ونوفمبر 1908، وأصبحت جمعية الاتحاد والترقي حزب الأغلبية. ثم أعقبه انقلاب آخر في 1912، ثم تلاه غارة على الباب العالي في 1913.

وهكذا فقد تضررت الدولة العثمانية من الثورات المطالبة بالاستقلال والحركات القومية، وتعثرت الجيوش التركية في جميع أنحاء البلقان. فأبرمت إيطاليا صفقة سرية مع القوى العظمى لمصادرة أجزاء من تركيا. فشنت حرباً في 1911 بذريعة ملفقة هي أن الحاكم التركي في طرابلس عامل رجال الأعمال الإيطاليين بوقاحة، فاستولت على ليبيا من الأتراك. وفي ذروة الهجوم الإيطالي شن اليونانيون والصرب والبلغار هجومًا منسقًا على معظم أراضي تركيا الأوروبية، وقسموها فيما بينهم. وإن تمكن العثمانيون من استعادة أجزاء بسيطة منها سنة 1912. فقد شارك الجيش العثماني في القتال الفعلي المستمر خلال السنوات الثلاث الماضية.

التأثير البريطانيعدل

كانت العلاقات الدولية في بداية القرن العشرين متعدد الأقطاب، فلم تبرز فيه دولة واحدة أو دولتين. منحت تعدد القطبية العثمانيون تقليديًا القدرة على مواجهة قوة واحدة ضد الأخرى، وهو ما فعلوه أحيانًا بمهارة بارعة.[10] في البداية تحولت الاتحاد والترقي والاتحاد الليبرالي إلى بريطانيا. وقد دعمت ألمانيا نظام عبد الحميد الثاني واكتسبت موطئ قدم قوي. من خلال تشجيع بريطانيا على التنافس ضد ألمانيا وفرنسا، كانت السلطنة تأمل في كسر سيطرة فرنسا وألمانيا والحصول على قدر أكبر من الحكم الذاتي للباب العالي. ازداد العداء ضد ألمانيا عندما ضمت حليفتها النمسا-المجر البوسنة والهرسك. وذهبت صحيفة طنين [الإنجليزية] الموالية للاتحاديين إلى حد الإشارة إلى أن دافع فيينا في القيام بهذا العمل كان توجيه ضربة للنظام الدستوري وإثارة ردة فعل شعبية لإسقاطه.[11] ذهب إلى لندن اثنان من الاتحاديين البارزين، أحمد رضا باشا والدكتور ناظم باشا ، إلى لندن لمناقشة خيارات التعاون مع السير إدوارد غراي والسير تشارلز هاردينج.

«من عادتنا أن نكون أحرارًا في حركتنا، ومع ذلك فقد صنعنا صداقات وتفاهمات. وبالحقيقة لدينا تحالف مع اليابان، لكنه اقتصر على بعض القضايا البعيدة في الشرق الأقصى.[a]

هؤلاء [المندوب العثماني] أجابوا بأن لدينا اتفاقية قبرص التي كانت لا تزال سارية.

قلت إن تعاطفنا كان كاملاً في عملهم الجيد الذي يقومون به في السلطنة. نتمنى لهم التوفيق، وكنا نساعدهم في شؤونهم الداخلية من خلال إقراضهم رجالًا لتنظيم الجمارك والشرطة وما إلى ذلك، إذا رغبوا في ذلك. [11]- إدوارد غراي، فيكونت جراي الأول من فالودون»

وفي بداية 1914 وفي أعقاب حروب البلقان (1912–1913)، أصبحت جمعية الاتحاد والترقي على اقتناع بأن التحالف مع بريطانيا والوفاق هو وحده الكفيل بضمان بقاء ما تبقى من الإمبراطورية. وجاء رد بريطانيا السير لويس ماليه الذي أصبح سفيرا لبريطانيا لدى الباب العالي سنة 1914 حيث أشار إلى أن:

تتمثل الطريقة التي تتبعها تركيا في ضمان استقلالها في إقامة تحالف معنا أو التعهد بالاتفاق الثلاثي. وهناك أسلوب أقل خطورة [يعتقد] أنه سيكون بموجب معاهدة أو إعلان ملزم لجميع القوى باحترام استقلال ونزاهة هذه الملكية التركية الحالية، التي قد تذهب إلى حد الحيدة، ومشاركة جميع الدول العظمى في المراقبة المالية وتطبيق الإصلاح[12]|السير لويس دو بان ماليه.

لم يكن بإمكان جمعية الاتحاد والترقي أن تقبل تلك المقترحات. وأعرب أعضاؤها عن شعورهم بالخيانة بسبب ما نظروا فيه من تحيز السلطات الأوروبية ضد العثمانيين أثناء حروب البلقان، وبالتالي فإنهم لا يثقون في إعلانات القوى العظمى بشأن استقلال السلطنة ونزاهتها بشكل مجرد؛ وكان إنهاء المراقبة المالية الأوروبية والإشراف الإداري أحد الأهداف الرئيسية لجمعية الاتحاد والترقي. ويبدو أن السير لويس مالوت السفير قد غفل تماما عن ذلك.

التأثير الألماني المتزايدعدل

استنزفت حروب البلقان في 1912 و1913 الموارد الاقتصادية للدولة العثمانية. فقدم الفرنسيون والبريطانيون والألمان مساعدات مالية، ولكن عارض فصيل مؤيد لألمانيا قاده أنور باشا الملحق العسكري العثماني السابق في برلين الأغلبية الموالية لبريطانيا في الحكومة العثمانية وحاول تأمين علاقات أوثق مع ألمانيا.[7][13][14] فلم يكن أمام تركيا أي فرصة لمواجهة القوى الغربية أو تطلعات استقلال دول البلقان. ولمنع أي خسارة أخرى أو عزلة دبلوماسية سعت حكومة اسطنبول إلى حلفاء بين القوى الإمبريالية في ذلك العصر. فتوجهت نحو ألمانيا، حيث استغلت حكومة برلين إمكاناتها في تركيا. فتدهور العثمانيين لعب دورًا رئيسيًا في الاستراتيجية الألمانية «Drang nach Osten» (التوجه نحو الشرق). فلم تطالب بتنازلات من العثمانيين، ولم تستقطع مناطق لنفسها، لكن وجودها كان في النقاط الاستراتيجية والمهمة في البلاد، مما أكسب الدبلوماسيون الألمان هيمنة داخل الدولة. كما أن الضباط الألمان ساعدوا في تدريب الجيش وإعادة تجهيزه، فأرسلوا في ديسمبر 1913 الجنرال أوتو ليمان فون ساندرز في بعثة عسكرية إلى الأستانة. وحين اندلعت الحرب أوكلت إليه قيادة دفاعات جاليبولي، فألحق الهزيمة بالحلفاء.[15] مما زاد من نفوذهم داخل الجيش التركي. وبدأت الشركات الألمانية تستثمر في الأراضي التركية، وأكبرها كان بناء خط سكة حديد اسطنبول - بغداد عبر الدولة العثمانية. ولكن كان هناك نزاع قائم منذ زمن طويل بشأن تلك السكة بين بريطانيا وألمانيا، وكانت تلك كفيلة بمنح ألمانيا قوة تجاه دائرة نفوذ بريطانيا (الهند وجنوب فارس). وقد حُلت القضية في يونيو 1914، إذ وافقت برلين على عدم تشييد الخط جنوب بغداد، وعلى الاعتراف بالمصلحة البريطانية الراجحة في المنطقة، وبذلك انتهت القضية إلى حل يرضي الطرفين فلم يكن ذلك من أسباب اندلاع الحرب.[16] تم تعزيز التحالف الألماني التركي من خلال المعاهدات السرية والقروض الضخمة، وإن ظلت بريطانيا هي القوة المهيمنة في المنطقة.[17] كان موقع الدولة العثمانية الجغرافي يعني أن روسيا وفرنسا وبريطانيا لديها مصلحة في حياد الأتراك، إذا ماجرت هناك حرب في أوروبا.[7]

الموقف الروسيعدل

كان اقتصاد روسيا المتوسع يتحول بسرعة وبشكل مقلق إلى الاعتماد على المضائق البحرية العثمانية في الصادرات، بحيث أن ربع المنتجات الروسية تمر فعليًا عبر المضائق،[18] وبذلك شكلت السيطرة على المضائق وعلى إسطنبول أولوية مهمة للمخططات الدبلوماسية والعسكرية الروسية.[19] وخلال الاضطرابات العامة المترافقة مع ثورة تركيا الفتاة والانقلاب العثماني المعاكس 1909، فكرت روسيا في إنزال فرق عسكرية في العاصمة العثمانية.[20] في مايو 1913 أولت البعثةُ العسكرية الألمانية إلى أوتو ليمان فون ساندرز مسؤولية تدريب الجيش العثماني وإعادة تنظيم صفوفه. لم يكن ذلك مقبولًا لدى سانت بطرسبرغ، فنظمت روسيا مخططًا لاجتياح واحتلال ميناء طرابزون على البحر الأسود أو بلدة بايزيد في شرق الأناضول بهدف الثأر،[21] ولم يكن بمقدور الروس آنذاك إيجاد حل عسكري من أجل تنفيذ اجتياح كامل يحتمَل أن يتأتى عن هذا الاحتلال صغير النطاق.[22]

وإذ لم يتوفر الحل عن طريق احتلال بحري للقسطنطينية، فقد تمثل الخيار التالي في تعزيز الجيش الروسي القوقازي.[22] وفي سياق دعم جيشها أسست روسيا صلات محلية مع جماعات إقليمية ضمن الدولة العثمانية. واعتزم الروس أن يجري العمل بالتنسيق بين الجيش والبحرية ووزارات المالية والتجارة والصناعة من أجل حل مشكلة النقل وتحقيق التفوق البحري وزيادة عدد الرجال والعتاد المدفعي المخصص للعمليات البرمائية، الأمر الذي يحتاج هذا الجيش تحقيقه خلال التعبئة. وقرر الروس أيضًا توسيع شبكة الخطوط الحديدية القوقازية التابعة لروسيا باتجاه الدولة العثمانية.[22] دقت طبول الحرب الروسية في 1913، وكانت روسيا آنذاك تطالب بتنفيذ حزمة إصلاحات أرمنية.

التحالفاتعدل

 
أنور بيك لاحقا أنور باشا، وزير الحربية العثماني

خلال أزمة يوليو بعد اغتيال الأرشيدوق فرديناند سنة 1914، عرض الدبلوماسيون الألمان على تركيا تحالفًا مناهضًا لروسيا ومكاسب إقليمية في القوقاز وشمال غرب إيران ومنطقة بحر قزوين [الإنجليزية]. تم عزل الفصيل الموالي لبريطانيا في مجلس الوزراء بعد أن أخذ السفير البريطاني إجازة حتى 18 أغسطس. مع تعمق الأزمة في أوروبا، كانت السياسة العثمانية هي الحصول على ضمان لوحدة الأراضي والمزايا المحتملة غير مدركين أن البريطانيين قد يدخلون في الحرب الأوروبية.[23] وفي 22 يوليو اقترح وزير الحربية العثماني أنور باشا تحالفًا عثمانيًا ألمانيًا على السفير الألماني في الأستانة البارون هانز فون وانغنهايم. ولكن ألمانيا رفضت الاقتراح، معتبرة أن تركيا ليس لديها شيء ذا قيمة تقدمه. فقد كان أنور ملحقًا عسكريًا في برلين من 1909 إلى 1911، إلا أن علاقاته مع البعثة العسكرية الألمانية (وبالذات علاقته الشخصية بأوتو ليمان فون ساندرز) لم تكن جيدة؛ فقد وضع ثقته في جنوده وجيشه، واستاء بشدة من التدخل العسكري الألماني.[24] وكذلك قدم الصدر سعيد حليم باشا اقتراحات مماثلة للسفير النمساوي المجري.[24] ولكن لم يوافق أي من الدبلوماسيين على المقترحات.[24] فسافر جمال باشا إلى باريس في يوليو 1914 لهذا الغرض. إلا أنه عاد إلى اسطنبول بزخرفة عسكرية فرنسية لكن بدون تحالف.[25] في البداية دعت الحكومة العثمانية، وخاصة وزير الدولة طلعت باشا إلى الانحياز إلى البريطانيين. لكن بريطانيا رفضت.[24]

استيلاء بريطانيا على السفن العثمانيةعدل

وجزء من برنامج تحديث الأسطول التابع للحكومة العثمانية طلبت للبحرية العثمانية بناء بوارج في أحواض بناء السفن البريطانية سنة 1911 و 1913. وهما السلطان عثمان الأول [الإنجليزية] وسفينة رشادية [الإنجليزية]، كما تم إصدار أمر ثالث، لكن الميزانية لم تستطع تحمل عبء برنامج كامل الأسطول، لذلك تم إلغاؤها. وفي سنة 1914 تم تقديم طلب رابع، وكان سيطلق عليه الفاتح، لكنه ألغي بسبب اندلاع الحرب. وفي 28 يوليو 1914 طلب ونستون تشرشل الاستيلاء على تلك السفن الحربية، وكانت بارجة السلطان عثمان الأول قد اكتملت واستعدت للإبحار. على الرغم من التساؤلات حول شرعية مثل هذا الاستيلاء، إلا أنه تم قبول الطلب في اجتماع لمجلس الوزراء في 31 يوليو. وفي 2 أغسطس استولى عليها البريطانيون، مع أن الحكومة العثمانية قد دفعت في 3 أغسطس الدفعة الأخيرة من رشادية وسلطان عثمان الأول، لكن تمت مصادرتهم دون تعويض من قبل ونستون تشرشل آمر البحرية البريطانية، وتم تجنيدهما في البحرية الملكية البريطانية في اليوم التالي باسم HMS Agincourt و HMS Erin. وقد أثار هذا الإجراء غضب الرأي العام التركي، فتغلبت الحكومة على صعوبات التمويل من خلال جمع التبرعات العامة لبناء السفن الحربية ومنح التكريم البحري للمساهمين، مما جعل الأهالي قريبين جدًا من القضية وجعل السفن ملكًا لهم. احتجت الحكومة التركية على الإجراء الإنجليزي لكن دون جدوى. وبسبب ذلك تم عزل العناصر الموالية لبريطانيا في اسطنبول.[26] وقد عرض أنور باشا الذي كان يعلم أن تركيا على وشك خسارتهما بيع السفن إلى ألمانيا في محاولة ثانية للحصول على معاهدة تحالف.[27] بعد رفض تقرب أنور في 22 يوليو لألمانيا أمر القيصر فيلهلم الثاني بإعادة النظر فيها. بدأت المفاوضات مجددا في 28 يوليو بمشاركة أنور وطلعت وسعيد حليم باشا. في المعاهدة الدفاعية السرية الناتجة، التي وقعت في 1 أغسطس، حيث تعهدت ألمانيا بالدفاع عن الأراضي العثمانية إذا تعرضت للتهديد، مقابل انضمام تركيا إلى ألمانيا إذا أجبرتها التزامات المعاهدة الألمانية مع النمسا على الدخول في حرب، لكنها لن تقاتل إلى جانب ألمانيا إلا إذا التزمت بلغاريا معها.[28] وفي 30 يوليو 1914 أي بعد يومين من اندلاع الحرب في أوروبا وافق القادة العثمانيون على تشكيل تحالف سري مع الألمان ضد روسيا، على الرغم من أنه لم يُطلب منهم القيام بعمل عسكري.[29][30][7]

لجوء الطرادين جوبان وبريسلاو إلى إسطنبولعدل

ردود الفعلعدل

كان من شأن معركة أوديسا أن حرضت تشكل بيئة مأزومة ضمن صفوف القيادة العثمانية، إذ أبدى كل من سعيد حليم باشا ومحمد جافيد بك احتجاجًا شديدًا على أنور باشا. كان الهجوم ضعيفًا وجاء على شكل غارات بحرية متفرقة، كي لا يزيد عن كونه استفزازًا سياسيًا أكثر مما هو عملية بحرية جادة. أعلم طلعت باشا فانغنهايم أن كامل أعضاء مجلس الوزراء -باستثناء أنور باشا- معترضون على الحراك البحري.[31]

خلال اليومين التاليين، غرق كل شيء في فوضى عارمة. قدم سعيد حليم باشا استقالته للسلطان، وقدم آخرون كثر استقالاتهم لسعيد حليم باشا. وكان محمد جافيد بك، وزير المالية، واحدًا من أربعة وزراء استقالوا، إذ أعلن:

«سيكون في ذلك دمار بلادنا، حتى إن انتصرنا.» – جافيد باشا

أكدت الخسائر في جاليبولي صحة كلامه. فعلى الرغم من اعتبار الاشتباك «انتصارًا» للعثمانيين، قُيض لهم أن يتكبدوا خسارة فادحة بلغت ربع مليون جندي من جيش قوامه 315,500 جندي في الأساس.[32]

أظهرت الفوضى بشائر حل في نهاية المطاف حين شرح أنور باشا لطلعت باشا الأسباب التي دعته إلى اتخاذ موقف مناصر لسياسة التدخل، غير أن أكبر دواعي التهدئة بدر عن روسيا، التي أعلنت الحرب في 1 نوفمبر، بسابق إنذار يومين من 29 أكتوبر. ووجد سعيد حليم باشا نفسه في هذه الحالة يتحدث إلى روسيا وبريطانيا وفرنسا.

الجاهزية العسكريةعدل

كان قد أعِد قانون تجنيد إلزامي جديد بعد ثورة تركيا الفتاة من قبل وزير الحربية في أكتوبر 1908 (انظر التجنيد في الدولة العثمانية). ووفقًا لمسودة القانون، إذ كان على جميع الرعايا الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و45 سنة أن يؤدوا الخدمة العسكرية الإلزامية.

في 13 نوفمبر 1914 خلال مراسم جرت بحضور السلطان محمد الخامس ومع اقتباسات من الأحاديث النبوية، أعلِن الجهاد («الحرب المقدسة»). شرّعت خمسة آراء شرعية هذا الطلب، إذ دُعي جميع المسلمين –لا سيما سكان المناطق الخاضعة لحكم قوى الاستعمار البريطانية والفرنسية والروسية- للمرة الأولى إلى الانتفاض في وجه الكفار. وأبدى المجتمع الإسلامي عمومًا شيئًا من الحماسة تجاه هذه الاستغاثة في صفوف رجال الدين العرب، غير أن دعم شريف مكة كان أمرًا حاسمًا، ورفض الشريف حسين أن يربط نفسه من خلال تصريحه بأن الأمر قد يحرض حصارًا، وربما قصفًا، لموانئ الحجاز من قبل البريطانيين (الذين كانوا يفرضون سيطرتهم على البحر الأحمر ومصر). وأخمِدت ردة فعل العالم الإسلامي الأكبر. ففي مصر والهند، على سبيل المثال، أكدت الآراء الشرعية على أنه من الإلزامي إطاعة البريطانيين.[33]

وقع العبء الرئيسي في توفير القوة البشرية المقاتلة على كاهل فلاحي الأناضول الأتراك، الذين كانوا يشكلون نحو 40 بالمئة من كامل السكان العثمانيين في مستهل الحرب.[34]

التحليلعدل

كان ثمة عدد من العوامل التي تواطأت للتأثير على الحكومة العثمانية، وشجعتها على دخول الحرب. وتمثلت هذه العوامل في: التهديد الروسي، والوضع المالي، وحتمية الحرب، والمخاطرة بكل شيء، والمناورات الألمانية.

التهديد الروسيعدل

كانت روسيا تشكل العامل المحوري من الناحية السياسية. حين جُرت بريطانيا إلى الوفاق الثلاثي وبدأت بتوطيد العلاقات مع روسيا، نال الارتياب من مقر الباب العالي. كان الباب العالي قد انساق تدريجيًا –مع معارضة من البرلمان- إلى علاقة سياسية وثيقة مع ألمانيا، وكان من شأن العلاقة القائمة بين المملكة المتحدة وفرنسا أن شجعت إيطاليا على الاستيلاء على طرابلس الغرب، إضافة إلى أن مخططات روسيا بشأن المضائق البحرية (بهدف الحصول على وصول مفتوح إلى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي من موانئ البحر الأسود) كانت معروفة تمامًا. تضافرت هذه الظروف كي تتسبب في اصطفاف المملكة المتحدة وفرنسا وروسيا ضد ألمانيا. وحتى جمال باشا المناصر للوفاق لاحظ أنه لا خيار أمام الدولة العثمانية سوى أن تبرم اتفاقية مع ألمانيا بهدف تجنب العزلة في حال مرورها بأزمة أخرى.

كانت سياسة الباب العالي تميل بطبيعة الحال إلى الاعتماد على برلين، ووعد التحالفُ العثماني الألماني بعزل روسيا. في مقابل المال والسيطرة المستقبلية على أراضٍ تركية، تخلت الحكومة العثمانية عن موقفها الحيادي وانحازت إلى صف ألمانيا.

الوضع الماليعدل

بلغ دين الدولة العثمانية الإجمالي قبل الحرب 716 مليون دولار أمريكي، وكان لفرنسا 60 بالمئة من هذا المبلغ، ولألمانيا 20 بالمئة، وللمملكة المتحدة 15 بالمئة. كان من شأن الانحياز إلى صف ألمانيا، صاحبة الحصة المتدنية من الدين (20 بالمئة بالمقارنة مع 75 بالمئة)، أن وضع الدولة العثمانية في موضع يخولها إلى تسوية ديونها أو حتى تلقي عفو حربي. وبالفعل، في يوم توقيع معاهدة التحالف مع ألمانيا، أعلنت الحكومة عن نهاية دفعات سداد الدين الأجنبي. اقترح السفير الألماني تنظيم احتجاج مشترك مع بقية الدول الدائنة للعثمانيين، على أساس أنه من غير الممكن إلغاء القوانين التنظيمية الدولية من طرف واحد، غير أنه لم يُستطَع التوصل إلى اتفاق على نص العريضة الاحتجاجية.[35]

حتمية الحربعدل

تمثلت النقطة المسلّم بها ضمن كل هذه الجدالات في أن مجموعة صغيرة من السياسيين كانت تربط الدولة بقوى المركز، وكان السؤال الأكثر أهمية هو ما إن كانوا يملكون خيارات، وقد حاولت الدولة العثمانية أن تسلك درب الحياد قدر ما تسنى لها ذلك.[36]

المخاطرة بكل شيءعدل

صُورت الدولة العثمانية على أنها تخاطر بكل شيء في سبيل حل القضايا الإقليمية. في تلك المرحلة الزمنية، بناءً على السجلات، لم تكن الدولة العثمانية قد صاغت أهداف الحرب بشكل دقيق. ولم تخسر ألمانيا شيئًا، بل شكّلت مشكلة استراتيجية بالنسبة إلى الوفاق، وكانت ألمانيا على العموم هي الرابح الأكبر من دخول الدولة العثمانية في الحرب.

من غير الصحيح القول إن الدولة العثمانية خاطرت بكل شيء، فقد ذهبت إلى الحرب غير طائعة. تعين استبعاد أنور باشا من منصبه، إذ كان احتفاؤه بمعركة أوديسا (1914) قد عزله عن بقية أعضاء مجلس الوزراء. من المحتمل أن أنور باشا كان يعرف عواقب أوديسا مسبقًا، وأظهره دفاعه بمظهر المتواطئ.[31]

المناورات الألمانيةعدل

في غضون ثلاثة أشهر، تحولت الدولة العثمانية من الموقف الحيادي إلى الانغماس المزهو في الحرب.

عُزي الفضل في تغيير موقف الدولة العثمانية إلى السفير فانغنهايم ونائب الأميرال (الفريق البحري) زوخون. كان السفير فانغنهايم مكلفًا في الدولة العثمانية، أما حضور فيلهلم زوخون فقد جاء وليد المصادفة. وقد قُلد فيلهلم زوخون وسام الاستحقاق، أعلى الرتب العسكرية لدى ألمانيا، في 29 أكتوبر 1916.[37]

كانت البحرية العثمانية تعدم القوة الثقيلة، وترسخت البعثة البحرية البريطانية بوصفها فرعًا مساعدًا. وصل الأميرال آرثر ليمبوس في أبريل 1912. وقُيض للبعثة البحرية البريطانية أن تتحول إلى بعثة تامة الأركان بوصول سفينتين حربيتين إلى الأحواض البريطانية كما تقضي الخطة. أنهى البريطانيون الفائدة التي شكّلها الأميرال آرثر ليمبوس للدولة العثمانية بعد السيطرة على سفينتي السلطان عثمان الأول والرشادية في 2 أغسطس 1914. ومع الارتياب من شرعية مصادرة البريطانيين للسفينتين الحربيتين الحديثتين وما أعقب ذلك من غضب عام، أدى هذا التصرف إلى فتح المنصب أمام الأميرال زوخون، فناورت ألمانيا وملأت الفراغ. وأعلن ونستون تشرشل، اللورد الأعلى للأميرالية، أن لعنة لا رادّ لها ستحل على الدولة العثمانية والمشرق.

انظر أيضاًعدل

ملاحظاتعدل

  1. ^ فيما يتعلق بأحكام التحالف للدفاع المشترك، فقد كان هدف اليابان هو دخول الحرب العالمية الأولى مع الجانب البريطاني.

مراجععدل

  1. ^ Nicolle 2008، صفحات 167
  2. ^ Balci, Ali, et al. "War Decision and Neoclassical Realism: The Entry of the Ottoman Empire into the First World War." War in History (2018), doi:10.1177/0968344518789707
  3. ^ Ordered to Die: A History of the Ottoman Army in the First World War, by Huseyin (FRW) Kivrikoglu, Edward J. Erickson Page 211.
  4. ^ "Military Casualties-World War-Estimated", Statistics Branch, GS, War Department, 25 February 1924; cited in World War I: People, Politics, and Power, published by Britannica Educational Publishing (2010) Page 219
  5. ^ Totten, Samuel, Paul Robert Bartrop, Steven L. Jacobs (eds.) Dictionary of Genocide. Greenwood Publishing Group, 2008, p. 19. (ردمك 978-0-313-34642-2).
  6. ^ Fewster, Basarin & Basarin 2003، صفحة 36.
  7. أ ب ت ث Haythornthwaite 2004، صفحة 6.
  8. ^ Howard 2002، صفحة 51.
  9. ^ Erickson 2013، صفحة 32.
  10. ^ Reynolds 2011، صفحة 26.
  11. أ ب Kent 1996، صفحة 12.
  12. ^ Kent 1996، صفحات 19
  13. ^ Aspinall-Oglander 1929، صفحات 1–11.
  14. ^ Fewster, Basarin & Basarin 2003، صفحات 37–41.
  15. ^ Ulrich Trumpener, "Liman von Sanders and the German-Ottoman alliance." Journal of Contemporary History 1.4 (1966): 179-192.
  16. ^ Mustafa Aksakal (2008). The Ottoman Road to War in 1914: The Ottoman Empire and the First World War. صفحات 111–13. مؤرشف من الأصل في 02 مارس 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  17. ^ Howard 2002، صفحات 51–52.
  18. ^ Reynolds 2011، صفحة 29.
  19. ^ Ronald Bobroff, Roads to Glory: late imperial Russia and the Turkish straits (IB Tauris, 2006).
  20. ^ Reynolds 2011، صفحة 31.
  21. ^ Reynolds 2011، صفحة 40.
  22. أ ب ت Reynolds 2011، صفحة 41.
  23. ^ Aspinall-Oglander 1929، صفحات 6–7.
  24. أ ب ت ث Finkel 2007، صفحة 527.
  25. ^ Kent 1996، صفحات 14.
  26. ^ Howard 2002، صفحة 52.
  27. ^ Carver, Field Marshal Lord (2009), The Turkish Front, صفحة 5 الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة); الوسيط |separator= تم تجاهله (مساعدة)CS1 maint: ref=harv (link).
  28. ^ Carver 2009، صفحة 6.
  29. ^ Fewster, Basarin & Basarin 2003، صفحة 41.
  30. ^ Broadbent 2005، صفحات 17–18.
  31. أ ب Erickson 2001، صفحات 36
  32. ^ Erickson, Edward J. (2007). Gooch, John and Reid, Brian Holden, ed. Ottoman Army Effectiveness in World War I: A Comparative Study. Military History and Policy, No. 26. Milton Park, Abingdon, Oxon: Routledge. (ردمك 978-0-203-96456-9).
  33. ^ Finkel 2007، صفحات 529
  34. ^ Finkel 2007، صفحات 530
  35. ^ Finkel 2007، صفحات 528
  36. ^ Nicolle 2008، صفحات 168
  37. ^ Erickson 2001، صفحات 30