أحمد عبد الرحيم مصطفى: الفرق بين النسختين

تم إزالة 50٬606 بايت ، ‏ قبل 8 سنوات
لا يوجد ملخص تحرير
ط (تدقيق إملائي وتنسيق)
 
شارك إلى جانب التدريس في تأسيس وإرساء دعائم "سمنار" حلقة بحث التاريخ الحديث والمعاصر لطلاب الدراسات العليا مع أستاذه أ.د. أحمد عزت عبد الكريم فوضع له تقاليد وخطة عمل ساهمت في إبراز هذا السمنار الأول من نوعه في الدراسات الإنسانية في حينه واسمه وسمعته التي لازمته طوال فترة زهاء نصف القرن وخلال تدريسه ألهب صاحبنا بفكره وسلوكه ومنهجه حماس جيل كامل من شباب الدارسين والباحثين وكون لنفسه مدرسة فكرية كانت تؤمن إيمانا راسخا بالعلم ومنجزاته والفكر العلمى ومنهجه ونفى الخرافة والميتافيزيقا والأساطير والأفكار المرسلة كما تؤمن بالتخصص والتخصص الدقيق كما تؤكد على حق الفرد في حرية الفكر، فقد كان صاحبنا ليبراليا راديكاليا أقرب إلى اليسار الذي يؤمن بالإنسان والقيم الإنسانية، كما يؤمن بحق الفرد في العمل والمشاركة، وعندما تصاعدت في المجتمع صيحة الاشتراكية كان يرى أنها أصبحت لغة العصر فانخرط في العلمين العلمى والعملى والسياسى معا وانضم إلى تنظيم الشباب الاشتراكى ثم أصبح رائداً وأمينا للمكتب التنفيذى بكلية الآداب جامعة عين شمس حتى هزيمة مؤامرة يونيه عام 1967.
 
أصدر خلال هذه الفترة العديد من أهم اعماله العلمية حيث تميزت بالتوهج العلمى والنشاط السياسى فقد شارك بدور ملموس صديقه ورفيقه أ.د. [[محمد أحمد أنيس]] الدعوة والعمل على إعادة كتابة التاريخ المصري بروح علمية نقدية وهى الدعوة التي أسفرت عن الاهتمام بالوثائق ومؤسساتها والتي انتهت فيما بعد إلى مراكز تاريخ مصر سواء في وزارة الثقافة أو مؤسسة الأهرام أو غيرها. وعلى الرغم من اسهامه العلمى الواسع فقد شغل نفسه بتأليف بعض كتب التاريخ المدرسية لوزارة التربية والتعليم إلى حد أن ذلك شكل له مشكلة، لم يكن له دخل فيها حيث فاز مؤلفه على مؤلفات أستاذ كانت تربطه به أوثق علاقة، الأمر الذي أوقعه في مشكلة فرضت نفسها عليه عانى منها الشئ اكثير وكادت تعصف بمستقبله وحياته، ونظراً لما كان يتحلى به من خلق رفيع فإنه لم يبح بذلك السر الدفين إلا لبعض مريديه وخلصائه كما انه ساهم طيلة حياته بنشر العديد من المقالات في الصحف المصرية والعربية [[الهلال|كالهلال]] و[[روز اليوسف]] و[[المصور]] وغيرها، إلا انها وكانت مقالات تؤثر في قارئه أو سامعه لجرأته في قول ما كان يؤمن به ويعتقده وخلال فترة ليست بالقليلة من حياته العلمية كما أشرف على عدد من طلاب الدراسات العليا بجامعة عين شمس فتتابع بعد ذلك جيل بعد جيل من الدارسين اعدوا رسائلهم معه وتحت اشرافه وقد تميز الكثير من طلابه برؤية علمية نقدية واستقلالية في الفكر والتفكير.
 
فوق ما علمه لطلابه ومريديه من حرية البحث العلمى وأدب الحوار سواء في قاعات الدرس أو حلقات البحث فقد تميز بشخصية كارزمية جاذبة شديدة التأثير على من يلوذ بها، انعكست على علاقاته الاجتماعية بكونها ذات دائرة واسعة بحكم ما كان يتمتع به صاحبها من صفات قيادية أو أخلاق دمثة، وروح شعبية أصيلة وقد أطلق مريدوه وخاصته على أول سيارة نجح في اقتنائها بعد إعارة له إلى العراق "سيارة الشعب" حيث كان يضعنا داخلها إلى حيث تقودنا هذه السيارة الشعبية "نصر 128" إلى أبرز مقاهى ميدان العتبة وأقدمها وريثة مقهى متاتيا أو المنيل أو روكسى أو غيرها لنعقد جلستنا الخاصة أسبوعيا جلسة ما بعد سمنار الكلية الاسبوعى يوم الخميس حيث شكل دائرة ضيقة من أخلص تلاميذه ومريديه ارتبطت بمنهجه وأسلوبه وكانت تناقش خلالها أعقد القضايا العلمية والسياسية وغيرها، صهرت الجميع في بوتقة واحدة كانت أشبه بخلية سرية نمت معها طموحات الرواد العلمية وأجيالا منهم كانت في مجموعها تعبر عن طموحات الوطن.
 
لقد ساهم في تقديم العديد من طلابه وأعمالهم العلمية عند نشرها فعكست هذه المقدمات فكره ومنهجه ومعتقداته وساهمت هي الأخرى مع غيرها في إرساء دعائم المنهج العلمى النقدى والبعد عن الفكر الغيبى والأسطورى، كما ساهمت في التصدى لظاهرة عبادة الفرد وتأليهه كما كان شائعاً في الكتابات العربية التاريخية التقليدية بإضفاء صفات البطولة على أعمال الشخصيات التاريخية باعتبارها شخصيات مقدسة لا تخطئ. فساهم مع طلابه في النظر إليها باعتبارها شخصيات بشرية تصيب وتخطئ ويكتنف بعض أعمالها القصور والخطأ شأن كل عمل واجتهاد إنساني. لم يكن ليعقد مؤتمر علمى تاريخي في مصر أو في الوطن العربى وخارجه دون أن يشارك فيه مشاركة فعالة تأليفاً وحواراً ومناقشة فجاءت الكثير من أعماله البحثيه حصيلة هذه المشاركات سواء باللغة العربية أو بغيرها سواء بالانجليزية أو الفرنسية اللتين كانا يجيدهما إجادة تامة.
 
فوق ذلك فقد عاش حياته عزوفا عن الوظائف بعيداً عمن يتقلدها إلا بالقدر الذي تفرضه طبيعة العمل وذلك لشدة احترامه لذاته في تواضع وأدب جم، ومن هنا ظل بعيداً عن دائرة الضوء، وصخب الاعلام الذي طالما كان يضيق به وبأساليبه ومثاليه خاصة في عالمنا العربى لما تتميز به من نفاق ومداهنة. من قبيل التسجيل التاريخي فقد شغل رئاسة مجلس قسم التاريخ ووكالة كلية الآداب جامعة عين شمس بين عامى 71-1973 وبعد هزيمة 1967 أعير للعمل بالعراق في [[جامعة الموصل]] بين عامى 68-1971، ومرة أخرى للكويت للعمل بجامعتها بين عامى 73-1989 التي كانت أشبه بالهجرة لصدمته بالهزيمة ولعدم قدرته على احتمال ما جرى لوطنه الذي عمل من أجله وأعطى وأجزل العطاء وسعى إلى تطويره وتغييره وكرس فكره وجهده، لهذا بدأ يجرى نوعا من المراجعة لبعض معتقداته مما خفف عليه فكرة الرحيل للعمل "مغتربا" بالوطن العربى قضى فيها فترة بلغت زهاء العشرين عاماً من أخصب سنسن عمره. ولا يعلم أحد مبلغ ما كان يمكن ان تضيفه خلالها لوطنه "الصغير" مصر وما كان سيخلفه على أجيال متتابعة من الباحثين والطلاب.
 
عندما قدر للطير المهاجر أن يعود إلى عشه عام 1989 كانت قد جرت في النهر مياه كثيرة وتغيرت أمور عدة سواء على الصعيد المهنى بالجامعة أو على صعيد الوطن أو العالم العربي أو حتى على الساحة الدولية الأمر الذي انعكس على ظروفه الصحية التي ألقت بظلالها على فكره وأعماله ومواقفه فلمس بذلك بعضا ممن تتلمذوا على يديه في أخرىات حياته. في أواخر الستينات وبدايات السبعينات كان قد درس موضوع العلاقات الدولية والشرق الأوسط وبعض القضايا السياسية والإستراتيجية بمعهد المخابرات والدراسات الأمنية فساهم في تعميق رؤية العاملين في هذا الحقل آنذاك بالقضايا المعاصرة. انتدب للتدريس ب[[الجامعة الأمريكية بالقاهرة]] لتاريخ مصر والشرق الأوسط والتاريخ الأوربى المعاصر خلال الفترة بين عامى 90- 1993.
 
فيما يتعلق باستكمال جوانب حياته الاجتماعية فقد تزوج عقب عودته من بعثته لانجلترا بإسبانيا كان قد تعرف عليها خلال سنين بعثته هي اليس سايزلوبيز أنجب منها ثلاث إناث هن ياسمين وسوسن وداليا، ولم يعقب ذكورا. وقد سكن معظم وقته في حى شبرا بالقاهرة عند عودته من بعثته عام 1955، ذلك الحى الذي كان يجبه حبا كبيرا إلى أن انتقل منه إلى مصر الجديدة عام 1979 (حوالى ربع قرن من عمره) وانتقل من هذا البيت إلى بيته الأخير الذي رحل فيه عن دنيانا ظهر الاثنين [[25 مارس]] [[2002]]م بميدان تريومف وتم مواراة جثمانه الثرى بمسقط رأسه بسوهاج فجر اليوم التالى.
انضم الفقيد إلى العديد من الجمعيات والهيئات والمؤسسات العلمية المحلية والعربية والدولية. الجمعية المصرية للدراسات التاريخية – اتحاد المؤرخين العرب- اللجنة الدائمة للترقيات للأساتذة والأساتذة المساعدين- لجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة وغيرها. وحصل على وسام المؤرخين العرب، كما حصل على الجائزة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 1998م. وهكذا فقد ملأ د. احمد ساحة العمل العلمى زهاء نصف القرن. وخلف تراثاً يزداد بريقه كلما تقادم به العهد تأليفاً وبحثاً وترجمة، وفوق ذلك أجيالا من المريدين المتنسكين في محراب علمه. وفيما يتعلق بإنتاجه العلمي سوف نعرض له طبقاً لترتيبه الزمنى في كتب وبحوث ومقالات ومترجمات:
 
== مؤلفاته ==
==أولاً: الكتب المؤلفة علمياً ==
* علاقات مصر بتركيا في عهد الخديوى إسماعيل، 63-1879، نشر عام 1967.
* [[توفيق الحكيم]].. أفكاره وآثاره، 1952.
* مصر و[[المسألة المصرية]] 1876- 1882، نشر عام 1966.
* الثورة العرابية، المكتبة الثقافية، (30)، عام 1961.
* مشكلة [[قناة السويس]]، 1966.
* تاريخ مصر السياسى من الاحتلال إلى المعاهدة 1967.
* العلاقات المصرية البريطانية 1936-1956، نشر عام 1968.
* موسوعة الهلال الاشتراكية (بعض مواردها) 1970.
* حركة التجديد الإسلامي في العالم العربى، 1971.
* تطور الفكر السياسى في مصر الحديثة، 1973.
* الولايات المتحدة والمشرق العربى عالم المعرفة (4)، 1978.
* في أصول التاريخ العثماني، دار الشروق، 1980.
* بريطانيا وفلسطسن 45-1949 دراسة وثائقية، 1986.
* عصر حكيكياتن، مصر النهضة 1990.
* خرافة الحقوق التاريخية للعراق في دولة الكويت (بالاشتراك) 1990.
* ألمانيا الهتلرية والعالم العربي
* المجتمع الإسلامي والغرب
* بريطانيا والدول العربية (1920- 1948).
* الولايات المتحدة والمشرق العربي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 4
 
==ثانياً: البحوث والمقالات العربية (أ)==
* الكون والتاريخ، حولية آداب عين شمس، 1962.
* [[شفيق غربال]] مؤرخا، المجلة التاريخية المصرية، 1963.
* أفكار [[جمال الدين الأفغاني]] السياسية، المجلة التاريخية المصرية 1964.
* ندوة إعادة كتابة التاريخ، المجلة التاريخية المصرية 1967.
* عجائب الآثار في التراجم والأخبار للجبرتى، تراث الإنسانية، 1969.
* تاريخ أفريقيا الحديث، فصل في كتاب اليونسكو عن أفريقيا السوداء 1973.
* [[الجبرتي]] مؤرخاً، ندوة الجبرتى، هيئة الكتاب، 1976.
* فصل عن حضارة الإسلام واسهامها الإنسانى، تحرير جرونبارم، 1975.
* أوراق حكيكيان، حولية كلية الآداب، جامعة عين شمس، 1962.
* مشروع سوريا الكبرى وعلاقته بضم الضفة الغربية، حولية آداب الكويت 1984.
* مشروع حلف شرق البحر المتوسط، حولية آداب الكويت 1984.
* مشروع اتفاقية الدفاع المشترك عام 1948، حولية آداب الكويت 1984.
* حفاظ العثمانيين على التراث العثماني، 1988.
 
==الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى وتأسيس المعرفة العلمية للتاريخ، د. أحمد زكريا الشلق، أستاذ بكلية الآداب – جامعة عين شمس ==
في الخامس والعشرين من مارس 2002م رحل في صمت عن عالمنا مؤرخ كبير، وعالم من علماء التاريخ المفكرين البارزين، هو الأستاذ الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى، أستاذ تاريخ مصر والعالم العربي الحديث والمعاصر، وبفقده، فقدت مصر واحدا من أعلام المؤرخين الذين أرسوا أسس وتقاليد المدرسة العلمية الحديثة في كتابة التاريخ، وأرسوا تقاليد البحث العلمي الموضوعي بكتاباتهم وندواتهم وتلاميذهم.
 
ولد الأستاذ الجليل في إحدى قرى سوهاج بصعيد مصر في نوفمبر عام 1925، وحصل على درجة الليسانس الممتاز في الآداب من جامعة القاهرة عام 1946، وأعقبه بدبلوم معهد التربية العالي عام 1948 ليشتغل فترة قصيرة بالتعليم الثانوي، يعين بعدها معيدا بجامعة عين شمس (إبراهيم باشا آنذاك) حيث حصل على درجة الماجستير عام 1951 بدراسته عن "علاقى مصر بتركيات في عهد الخديوى إسماعيل 1863 – 1879" تحت إشراف الأستاذ محمد فؤاد شكرى ثم الأستاذ الدكتور أحمد عزت عبد الكريم، الذي درس معه لدرجة الدكتوراه في البداية، ثم أوفد في بعثه دراسية إلى جامعة لندن، ليحصل على دكتوراه الفلسفة في التاريخ عام 1955 في موضوع من أهم موضوعات تاريخ مصر الحديث يتناول "شئون مصر الداخلية والخارجية 1876 – 1882" تحت إشراف الأستاذين هارولد بوون ومدلكوت، ليقدم لنا دراسة وثائقية لهذه الفترة الحرجة من تاريخ الوطن، وهى فترة تزايد التدخل الأجنبي ونمو الحركة الوطنية المصرية، التي أفضت إلى قيام الثورة الوطنية المعروفة بالعرابية، وتعد أكمل وأهم دراسة صدرت عن هذا الموضوع وقد عربها بعد ذلك ونشرتها دار المعارف عام 1965 تحت عنوان "مصر والمسألة المصرية 1876 – 1882" ونفدت في حينها ولم تطبع منذ ذلك التاريخ رغم أهميتها الشديدة.
 
وقد شغل الأستاذ المؤرخ بعد ذلك وظائف التدريس في كلية الآداب بجامعة عين شمس منذ عام 1956 مدرسا، فأستاذا مساعدا، فأستاذا لكرسي التاريخ الحديث منذ عام 1968 فرئيسا للقسم (1970)، فوكيلا للكلية لعام 1972 – 1973. وقد شاءت ظروفه أن يعار للعمل أستاذاً بجامعة الكويت، التي استقطبت في حينه أعلاما من الأساتذة المصريين منهم الأساتذة المصريين منهم الأساتذة الدكاترة محمد عواد حسين وأحمد أبو زيد وعبد الرحمن بدوى وفؤاد زكريا وحسين مؤنس وغيرهم. وقد استمر الدكتور أحمد عبد الرحيم يعمل فترة طويلة في جامعة الكويت (1973 – 1987) قام خلالها بنشاط علمي جم وبجهد تأسيسي كبير، من خلال إشرافه العلمي وجهود في التأليف والترجمة مدفوعاً بإيمانه بأن له رسالة يؤديها في أى مكان من وطنه العربي، وقد عاد الأستاذ إلى بيته الأول في كلية الآداب بجامعة عين شمس عام 1987 ليستأنف نشاطه العلمي بين تلاميذه، وقد صاروا كبار يشار إليهم بالبنان، وقد كرمته الدولة بمنحه جائزتها التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 1998، وربما كان لغيابه عن مصر فترة طويلة نسبياً أثر في تأخر هذا التكريم، الذي كان جديرا باستحقاقه له قبل ذلك بسنوات طويلة.
 
لقد كان الأستاذ المؤرخ لا يعرف من ملذات الدنيا غير القراءة والكتابة وجلسات النقاش العلمي، وأظن أن هذا كان أفضل ما يحب فعله ويستمتع به، فلم يتوان عن المشاركة ببحوثه ومداخلاته في المؤتمرات العليمة والندوات التاريخية، خاصة ذات الطابع العلمي الأكاديمي، سواء في مصر أو في بقية العواصم العربية والأوربية، حيث كان فارساً، يقول دائما الجديد، ويفجر القضايا، ويتمتع بمقدرة هائلة على جذب انتباه الحضور وإفادتهم، وربما كان أبرز المؤتمرات التي شارك فيها بأبحاثه، المؤتمر الذي انعقد في جامعة لندن (1964 – 1965) والذي كان يتناول "التغيرات الاجتماعية والاقتصادية في مصر الحديثة"، والذي أشرف عليه الأستاذ هولت، وقد ألقى فيه الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفي بحثين بالإنجليزية أحداهما عن انهيار نظام الاحتكار في مصر بعد عام 1841، والآخر عن أوراق حككيان الذي كان مهندسا كبيرا في عهد محمد على وترك أوراقا تكشف عن جوانب هامة من تاريخ مصر خلال الفترة (1840 – 1863).
 
وقد نشر بحثا الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى ضمن الكتاب الذي ضم أبحاث المؤتمر وصدر بالإنجليزية عام 1968 عن جامعة لندن تحت عنوان : "Social and Political Change in Modern Egypt"، والذي لم يقدر له أن يترجم إلى اللغة العربية حتى الآن رغم أهميته الكبيرة، وإن كان استاذنا قد ترجم بحثيه ونشرهما ضمن كتاب أصدرته هيئة الكتاب تحت عنوان "عصر حككيان" عام 1990 حيث ضم فيه مجموعة من أبحاثه المترجمة التي تغطي موضوعات مهمة من تاريخ مصر خلال الفترة التي أعقبت معاهدة لندن عام 1840 وحتى أواخر القرن التاسع عشر.
 
لقد كان الأستاذ المؤرخ من عُمد سمنار التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب جامعة عين شمس، وقد تولى الإشراف عليه فترة من الزمن، ساهم فيها بجهوده في إرساء تقاليد الندوات العلمية المنتظمة، وقد تعددت المجالات التي درس فيها، فإلى جانب جامعته الأم، ألفى دروسه في جامعة الموصل وجامعة الكويت، وفى معهد البحوث والدراسات العربية، والجامعة الأمريكية بالقاهرة، كما أشرف على الكثير من رسائل الماجستير والدكتوراه في كل هذه المعاهد العلمية وغيرها، وكان له في كل منها تلاميذ ومريدون، لا يسع المقام هنا لذكرهم.
 
ولم يكن الأستاذ المؤرخ منغلقاً على كتبه وذاته، يعيش في برج أكاديمي عاجى، وإنما كان منخرطا في الحياة الثقافية العامة، قارئا ومستمعاً ومشاركا بقدر معين، من خلال الإذاعة المسموعة والمرئية في كل من القاهرة والكويت، والإذاعة البريطانية، فضلا عن مشاركته بالكتابة في الصحف والمجلات من حين لآخر، وعندما يطلب منه ذلك، وفى مجال تخصصه واهتماماته، فقد كان عزوفاً عن الأضواء والشهرة، وحسبه عندما يكتب أن يكون الموضوع ملحا عليه وله فيه رأى أو رؤية، وكان سلوكه مطابقا لما يؤمن به، وما يعلمنا إياه، من أن المؤرخ الحقيقى لا ينبغي له أن ينجذب وراء الأضواء، أو يسعى لذوى السلطان، ليستطيع أن يحافظ على استقلاليته وحيدته، وأن يمتلك زمام قلمه الذي انتدبه لمهمة مقدسة.
 
وقد لا يعرف الكثيرون أن الأستاذ المؤرخ انجذب في بداية حياته إلى الأدب، الذي كان عاشقاً وقارئا نهما له، وكان أول كتاب وضعه تحت عنوان "توفيق الحكيم، أفكاره وآثاره" الذي نشره عام 1952، ورغم اهتمامه بالتأريخ لأفكار توفيق الحكيم من خلال مؤلفاته وآثاره، بكم تكوينه كمؤرخ، إلا أن رؤيته النقدية المبكرة للموضوع، وضعته في تماس مع نقاد الأدب آنئذ، وربما لو لم يجذبه التاريخ ويستغرقه بشكل تام بعد ذلك لثني كتابه عن الحكيم بجزء آخر عن آثاره بعد عام 1952، ولكسب الأدب ناقدا جديدا آنئذ. وعموما لم يتخل الأستاذ عن متابعته لقراءة الأدب، وهو ما كان يبدو واضحا من مناقشاته وتعليقاته، كما أن له مقالات معروفه عن الأستاذ العقاد والدكتور هيكل والأستاذ إحسان عبد القدوس وغيرهم، وإن كان تركيزه على الجانب التاريخي في كتاباتهم وأعمالهم واضحا، تاركا الجوانب الأخرى لنقاد الأدب والمشتغلين به.
 
أما عن مؤلفات الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، فقد كتب، إلى جانب رسالتيه للماجستير والدكتوراه، وكتاب "عصر حككيان" الذي تناول دراسة مصر منذ أواسط القرن التاسع عشر، كتابا صغيرا في مبناه كبيرا في معناه عن "الثورة العرابية" نشر عام 1961 في سلسلة المكتبة الثقافية، ثم وضع كتابا هاما عن "تاريخ مصر السياسي من الاحتلال إلى المعاهدة 1882 – 1936 "ضمنه آراءه وتحليلاته النافذة، والمعروف أنه نشره في أعقاب هزيمة يونيو 1967 في فترة كنا فيها نحتاج إلى مراجعة النفس والعودة إلى الجذور التاريخية، بوعي ومنطق جديدين، وقد أكمل هذا الكتاب بكتاب آخر، وإن اختص بدراسة القضية الوطنية، قضية الجلاء البريطاني عن مصر، دون بقية القضايا التى عالجها في كتابه ذاك، وقد نشر الكتاب الجديد عام 1968 تحت عنوان "العلاقة المصرية – البريطانية من 1936 – 1956". وإلى جانب ما سبق ألف كتابا عن "مشكلة قناة السويس" عرض فيه تطورها التاريخي من 1854 – 1956 في عرض علمى مركز، رصد الخطوط العامة دون إغراق في التفاصيل. وعلى نفس الأهمية يأتي كتابه عن "تطور الفكر السياسي في مصر الحديثة" الذي صدر عام 1973 حيث رصد فيه معالم التطور وأهم الاتجاهات وإسهاما المفكرين والمثقفين. وقد جمعت له دار الهلال مجموعة من مقالاته التي تناولت عدد من الشخصيات السياسية التي لعبت أدوارا مهمة في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، بدءا بالشيخ [[محمد عبده]] وانتهاء بالدكتور [[محمد صلاح الدين]]، ونشر هذا الكتاب تحت عنوان "شخصيات مصرية" في سلسلة كتاب الهلال، عدد ديسمبر 1993.
 
وفى تاريخ العالم العربي الحديث والمعاصر وتاريخ الدولة العثمانية له العديد من المؤلفات أبرزها كتابه "الولايات المتحدة والمشرق العربي" (1978) وفى "في أصول التاريخ العثماني" (1982) و"بريطانيا وفلسطين 1945 – 1949" (1986)، و"حركة التجديد الإسلامي في العالم العربي الحديث" (1971)، كما نشر مقالتين هما "جمال الدين الأفغاني وأفكاره السياسية" و"نظرة جديدة إلى [[جمال الدين الأفغاني]]" بمجلة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية (1962، 1976)، كذلك قدم دراسة وثائقية عن "مشروع سوريا الكبرى "أصدرتها حوليات جامعة الكويت (1984)، كما نشر دراسة عن "أزمة 1958 والتدخل الأمريكي في لبنان" نشرت بكتاب الأزمة اللبنانية، الصادر عن معهد البحوث والدراسات العربية (1978)، وقد أفرد بحثا آخر عن "مضايق تيران ومشكلة الشرق الأوسط" نشر ضمن كتاب البحر الأحمر في التاريخ والسياسة الدولية، الذي أصدره سمنار التاريخ الحديث بآداب عين شمس (1979). وقد أصدر كذلك دراستين إحداهما عن "مشروع حلف شرقي البحر المتوسط عام 1948 "بالمجلة العربية للعلوم الإنسانية بالكويت (1987) والأخرى عن "مشروع اتفاقية الدفاع المشترك عام 1948" بمجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية بالكويت (1994).
 
وكان للدكتور أحمد عبد الرحيم اهتمام خاص بالمؤرخين ومناهجهم، كما اهتم بمن كتب في التاريخ من المفكرين والأدباء أيضا، وقد شارك في الإعداد لندوة أقامتها الجمعية المصرية للدراسات التاريخية عام 1967 عن "إعادة كتابة التاريخ القوم" حيث نوقشت فيها هذه القضية من جانب لفيف من رجال الفكر والمؤرخين. كذلك نشر دراستين عن المؤرخ الكبير [[عبد الرحمن الجبرتي]]، أولاهما عن كتابة "عجائب الآثار.." نشرت بمجلة تراث الإنسانية (1966) وثانيتهما عن الجبرتي مؤرخاً" نشرت ضمن كتاب "عبد الرحمن الجبرتي، دراسات وبحوث" نشرته هيئة الكتاب (1976)، كما كتب دراسة هامة عن "[[محمد شفيق غربال]] مؤرخا" نشرتها مجلة الجمعية التاريخية (1963) أظهرت قيمة وأهمية هذا المؤرخ الكبير ومكانته في كتابه تاريخ مصر الحديث والمعاصر. أما الأستاذ [[عبد الرحمن الرافعي]]، مؤرخ الحركة القومية، فقد حظي بدراسة كشفت عن أهمية كتابته ومدى قيمتها العلمية، وقد نشرت بمجلة المجلة عام 1962.
وكان الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى مترجما من طراز فريد، قدم نماذج مثالية للكاتب المؤرخ تبدو ترجمته كما لو كانت مؤلفه، في دقتها وروحها، بفضل تمكنه من اللغات وقدرته على التعبير بلغة سلسلة مشرقة، وبمقدرة عالية على فهم المصطلحات والألفاظ وتعريبها. وكان أول نشاط له في مجا الترجمة عندما ترجم كتاب [[سيتون وليمز]] "بريطانيا والدول العربية 1920 – 1948" الذي نشره عام [[1952]] بعد أضاف إليه هوامش وتعليقات وتذييلا مكملا له. كذلك شارك في ترجمة كتاب [[نورمان ماكنزي]] "موجز تاريخ الاشتراكية" (1960) وكتاب [[هيلين ريفلين]] عن سياسة [[محمد علي باشا]] الزراعية والذي نشره تحت عنوان "الاقتصاد والإدارة في مصر في مستهل القرن التاسع عشر "عام 1967 بعد أن رأى العنوان الجديد أكثر دقة ودلالة على موضوع الكتاب.
 
من أهم ما ترجمه الأستاذ المؤرخ كذلك كتاب خطير من أهم الكتب التي تناولت علاقة الغرب بالمجتمع الإسلامي، تأليف جب وبوون، وقد نشر ترجمة مجلده الأول في جزئين نشرتهما دار المعارف (1970) والمجلد الثاني نشره في جزئين أيضا نشرتهما هيئة الكتاب (1989 – 1990) والكتاب بجزئيه حصيلة دراسات طويلة ومتأنية قام بها المؤلفان لتتبع المؤثرات الغربية في القسم العربي من الإمبراطورية العثمانية، وإن كما نتمنى أن يعاد طبع هذه الأجزاء المترجمة في مجلدين، حسب الطبعة الإنجليزية، وفى طبعة جديدة جيدة تليق بهذا العمل العلمي الرصين، تأليفا وترجمة.
وفى مجال ترجمة الكتب المتخصصة المهمة أيضا قدم ترجمة دقيقة وأمينة لكتاب فريد في موضوعه وهو كتاب لوكاز هيرزوير :ألمانيا الهتلرية والشرق العربي" الذي كان قد ترجم من البولندية إلى الإنجليزية، التي نقل عنها أحمد عبد الرحيم مصطفى النص العربي الذي نشرته دار المعارف (1968)، ولعل آخر عمل ترجمه كان كتاب أندرو هس عن "الحدود المنسية The Forgotten Frontiers" والذي نشر ترجمته بالكويت تحت عنوان "افتراق العالمين الإسلامي والمسيحى في المغرب والأندلس".
 
ينبغي ملاحظة نوعية الكتب العلمية المتخصصة في مجال علمه واهتماماته، والتي ضرب بها أمثلة لكيف تكون الترجمة، ولماذا يكون المترجم متخصصاً فيما يترجم، كما نلاحظ أن معظم الكتب التي ترجمها كانت منشورة حديثا حين ترجمها، مما يعني متابعته الدائبة لما يؤلف، ويدل على مدى حرصه على إفادة مواطنيه بأحدث ما ينشر في الخارج. كما نلاحظ أيضا أهمية أنه ترجم بنفسه مؤلفاته وأبحاثه التي وضعها بالإنجليزية، ليؤكد فكرة أن صاحب العمل هو الأقدر على تقديم أفكاره وآرائه، وليفيد بها أكبر عدد من قراء العربية، وياليت كل الذين كتبوا أبحاثهم بلغات أجنبية أن يفعلوا ذلك.
 
==قراءة جديدة في أصول التاريخ العثمانى==
ما فتئ المؤرخون يرددون عبارة "ان التاريخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد" وهم على حق، طالما كان من حق المؤرخ تفسير الأحداث والظواهر التاريخية من خلال رؤيته الخاصة، وفى ضوء معطيات عصره، ومن ثم تعددت التفاسير والتواريخ والحدث واحد.
 
ولا يملك المرء إلا أن يتذكر هذه الحقائق، إذ يطالع كتاب (في أصول التاريخ العثماني) للدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى، فهو كتاب يمثل القليل النادر الذي حظى به تاريخ الدولة العثمانية في المكتبة العربية. فالحقيقة أن ما كتبه المؤرخون العرب عن الدولة العثمانية قليل بالقياس إلى ما كتب عن تاريخ الدول الأوروبية مثلا، وإذا ما شرعنا نفتش فيما كتب عن تاريخ الدولة العثمانية –منذ أوائل القرن العشرين وحتى نهايته- نجدها تنقسم إلى ثلاث مجموعات:
 
الأولى: كتب صدرت في العقود الأولى من القرن ونظرا لأنها كتبت في ظل الحكم الملكى ولم تكن الدولة العثمانية قد غابت عن الوجود بعد، فقد جاءت بمثابة قصائد مديح في آل عثمان، كما جاءت في شكل تراجم أحوال للسلاطين في ترتيبهم الزمنى.
 
الثانية: كتب عبارة عن أبحاث جريئة منها ما هو أكاديمى ومنها ما هو غير أكاديمى ورغم أهمية هذه المؤلفات، فهى لا تعطى الصورة الكلية لتاريخ الدولة العثمانية ولا تضعها في السياق التاريخي أو الحضارى العام.
 
الثالثة: كتب صدرت في العقود الأخيرة من القرن العشرين، وهى مؤلفات تؤرخ للدولة من نشأتها إلى سقوطها ويمكن تقسيمها طبقاً لأهداف مؤلفيها إلى المجموعات التالية:
* كتب دراسية للطلاب في الجامعات العربية، ونظرا لهذا الغرض الدراسى، ينحصر توزيعها داخل الجامعات أى أنها محدودة الفائدة، كما أناه تتميز في الغالب بالاختصار والخلو من التوثيق.
* كتب صدرت أولاً بالتركية ثم ترجمت إلى العربية، منها ما هو غير أكاديمى ويخلو من التوثيق، وآخر أكاديمى موثق والنوع الأخير يعد موسوعة شاملة يؤرخ للدولة العثمانية ومؤسساتها الحضارية.
* هناك نوع من المؤلفات حدد لها مؤلفوها هدفا منذ البداية وهو الدفاع عن الدولة العثمانية حيث يبدو هذا الهدف واضحا جليا من عنوان الكتاب الذي يصفها بانها (دولة مفترى عليها) ورغم الطابع الأكاديمى لهذا الكتاب فإن النبرة الحماسية في الدفاع واللغة الخطابية أضعفت فيه هذا الطابع.
وهنا نتساءل أين موقع كتاب (في أصول التاريخ العثمانى) للدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى بين هذه المؤلفات؟ وما هو الجديد الذي أتى به؟ أى ما الذي دفعه إلى إعادة النظر في تفسير التاريخ العثمانى؟ فإذا كان هدفه الدفاع عن الدولة العثمانية فما هي وسيلته في الدفاع؟ وما هي الأسانيد التي اعتمدا عليها؟ هذا ما سنحاول الاجابة عليه من خلال استقراء سطور وما بين سطور هذا الكتاب.
لابد للمؤرخ من هدف واضح يضعه نصب عينيه حال شروعه في تناول الظواهر أو الحوادث التاريخية، فما الذي حدا بالمؤرخ الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى أن يعود للتاريخ العثمانى بعد عشرات السنين. ويبدو هذا الهدف واضحاً جليا منذ الوهلة الأولى. فهو محاولة لعرض التاريخ العثمانى في إطاره الصحيح وهنا نتساءل ألم يكن التاريخ العثمانى (في إطاره الصحيح)؟ فيجيب المؤلف موضحاً واقع التاريخ العثمانى قائلاً:
 
"تعرض التاريخ العثمانى للإهمال بوجه عام حتى النصف الول من القرن العشرين ولم يقف الأمر عند حد الاهمال بل تعداه إلى ان جرى تفسير التاريخ العثمانى من وجهة النظر القومية لهذه الدول (ويعني بها الدول الأوربية) وهى بوجه عام تفسيرات متحيزة ومنقوصه" ولم يترك المؤلف حكمه على الظاهرة دون تفسير، فلماذا هي متحيزه ومنقوصة؟ وهنا يعدد الأسباب التي جعلتاه كذلك فيما يلي:
 
"لأن الدولة العثمانية كانت تمثل رد الفعل الاسلامى تجاه الخطر الصليبى، ولأنها كانت تعارض المشروعات الاستعمارية الأوربية" فضلاً عن ذلك "فقد اعتبر الأوربيون الدولة العثمانية العدو الأكبر للمسيحية ووصمة سوداء تلطخ قيم الحضارة الغربية وكابوسا يخيم على التطور التاريخى للبشرية" ولم يكن ذلك هو موقف المؤرخين الأوربيين وحدهم بل والعرب أيضاً إذ اعتبروا ظهور الأتراك نهاية لازدهار الحضارة العربية الإسلامية وعقبة في سبيل اقتباس درجات التطور التي أصابتها الحضارة الغربية.
ولكن التاريخ العثمانى ليس هو الهدف المقصود في حد ذاته فللمؤلف هدف قومى أيضا ذلك لأن: "هذه الفترة جزء لا يتجزأ من التاريخ العربى العام وبدونها لا يمكن تفسير كثير من الأوضاع والنظم العربية المعاصرة". فإذا اعتبرنا أن الظاهرة هي (الحكام الناقصة والمغلوطة) في تفسير التاريخ العثمانى والهدف هو (وضع التاريخ العثمانى في إطاره الصحيح) فما هي الوسائل التي توسل بها المؤلف لكى يصل إلى ما كان يرمى اليه؟ في البداية يقرر المؤلف عدة مبادئ عامة لتحقيق هذا الهدف منها:
 
"الدراسة الجادة الشاملة مع الملاحظة المتأنية لما خلفه العثمانيون في بلادنا من آثار مادية سياسية وسلوكيه تنفى ما يقال عنهم انهم "كانوا مجرد محاربين مجردين من أى قيم حضارية" ولا شك أن ذلك يقتضى عدم الاعتداد بالمراجع الأوروبية بل يجب الرجوع إلى المصادر الأساسية للتاريخ العثمانى وهذا يستلزم معرفة اللغة التركية وتوجيه طلابها على دراسة الوثائق العثمانية واستفاء الأحكام التاريخية منها.
فإذا ما انتقلنا إلى موضوعات الكتاب الفيناه يبدأ بداية تقليدية فيرجع بالدولة العثمانية إلى نشأتها الأولى ثم يتتبع مسيرتها في الانتقال من إمارة إلى دولة توسعت تحت لواء الإسلام ووصلت إلى أقصى اتساع لها في القرن التاسع عشر الميلادى، واستقرت لها أنظمتها مما جعل المؤلف يفرد فصلا خاصا عن (نظام الحكم العثمانى)، ومصداقا للمثل القائل "ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع" تبدأ مرحلة الضعف والانهيار فيما أطلق عليه المؤلف "مرحلة الانتقال " تنتقل الدولة بعد ذلك إلى مرحلة محاولات الإصلاح.
 
الخصائص المميزه لهذا الكتاب:
1- تناول المؤلف نشأة الدولة العثمانية من خلال نظرته الكلية إلى التاريخ باعتباره عملية تاريخية متكاملة تمر بها المجتمعات البشرية في إطار حضارى متكامل، فإذا اعتبرنا الحضارة الإسلامية وحدة حضارية واحدة فإن العهد العثمانى ما هو إلا مرحلة من مراحل تاريخ الدول الإسلامية المتعاقبة في المنطقة التي نعرفها الآن باسم (الشرق الأوسط) ولذلك كان لابد من البحث عن الأساس الدينى الذي قامت عليه الدولة العثمانية. ومن ثم حين راح المؤلف يعدد عوامل قيام هذه الدولة أبدى اهتماما خاصا بدور نظرية الجهاد الدينى الذي تبناها العثمانيون كما أبرز دور الطرق الصوفية "التى لعبت دوراً رائداً خلال نشأة الدولة العثمانية في استقرار الأتراك على الأراضى التى تم الاستيلاء عليها".
 
ولما كان الأوربيون قد اعتمدوا على الأساطير والروايات الشعبية بحيث "لم تكن لمعلوماتهم أى قيمة إلا من حيث اعتبارها انعكاسا لفكرة أوروبا عن العثمانيين" لجأ المؤلف إلى المؤرخين التراك أنفسهم مثل محمد فؤاد كوبريلى أو خليل اينالجيك، وكمال كاربات ولا شك أن ذلك يعكس اهتمام المؤلف بالنظر إلى التاريخ العثمانى من زاوية جديدة.
 
2- ولا شك أن الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى، وهو من أعمدة المدرسة الحديثة في كتابة التاريخ، يؤمن ايمانا قاطعا بان التاريخ ليس مجرد أحداث أو تراجم أحوال لسير الحكام والقادة، بل هو رصد للحركة الاجتماعية بكل مناهجها، ولذلك جاء تفسيره لضعف الدولة العثمانية وتدهور الحوال بها أبان القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تفسيرا اقتصاديا أكثر منه سياسيا فيقول معللا فشل جهود الإصلاح في عهد التنظيمات.
 
3- تبدو الروح النقدية لدى المؤلف واضحة في مناقشته لآراء غيره من المؤرخين إذ يقول: "وقد أعلن بعض المؤرخين أن الهدف من التنظيمات هو حرمان الدول الأوربية من ذرائع فرض حمايتها على المسيحيين" إلا أن وجهة نظرهم هذه لا تمثل إلا جانبا من الحقيقة.
 
4- وفى إطار الهدف الذي وضعه المؤلف نصب عينيه منذ البداية ألا وهو تصحيح ما لحق بالتاريخ العثمانى من مغالطات في الكتب العربية فقد تعرض لعدة قضايا كانت محور اهتمام المؤرخين الأوروبيين، وهى في نفس الوقت تمثل أهم مواضع الاتهام للتاريخ العثمانى أيضا ولعل أهم هذه القضايا :
 
• قضية التسامح الدينى:
تبنى المستشرقون ومن حذا حذوهم سواء من المؤرخين الأوربيين أو العرب فكرة أن الإسلام إنما انتشر بحد السيف، وان الحاكم العثمانيين مارسوا كل ألوان القهر ليجبروا رعايا الدولة على اعتناق الإسلام، ولم يدخر هؤلاء جهداً في كيل الاتهامات لسلاطين آل عثمان بانهم قوم متعصبون تعصبا أعمى، وان الإسلام ما كان لينتشر في شرقى أوروبا بدون سياسة الاكراه التي اتبعها هؤلاء السلاطين ولا سيما بتطبيقهم نظام الجزية الذي كان يدفع بالذميين إلى الإسلام هروبا منها.
 
وقد سادت هذه الآراء في المؤلفات الأوروبية حتى باتت من الأدبيات الغربية، وأصبحت صفة الإسلام لصيقة بالعنف والقهر والبربرية على الرغم مما يعرفونه من أن الاكراه في الدين مبدأ مرفوض في الإسلام وان الكتاب والسنة يدعوان دائما إلى المعاملة الحسنة لأهل الذمة فلهم دينهم وهم أحرار فيما يتعتنقون. ومن الطبيعى ألا يدع الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى مثل هذه الاتهامات لتمر دون الرد عليها فقد تناولها بنظرة موضوعية، حيث تفحص الدول المعاصرة للدولة العثمانية ولجأ إلى منهج المقارنة بقوله: "مما لا يمكن إنكاره أنهم كانوا أول امة في التاريخ الحديث تأخذ بمبدأ الحرية الدينية باعتباره الدعامة الأساسية لقيام الدولة مما جعل المسلم والمسيحى يعيشان معا في وئام".
 
وقد أثبتت الوثائق العثمانية صحة هذا الرأى وكان لابد من ربط الأسباب بالنتائج فلم ينس المؤلف في هذا الصدد أن يبحث في أسباب انتشار الإسلام دون لجوء الدولة إلى العنف فيقول في ذلك: "ولا يمكننا قبول الراى الخاص بان الجزية وحدها كانت مسئولة عن اعتناق بعض مسيحى الدولة للاسلام بل إن ذلك مرجعه ما تميزت به الإدارة العثمانية من كفاءة وإفساحها الفرص أمام الرعايا أيا كان أصلهم". وفى هذا السياق عرج المؤلف على نظام (الدوشيرمه) وهو من الأنظمة التي اعتبرها المستشرقون من البقع لاسوداء التي كانت تلطخ التاريخ العثمانى ولكن بنظرة متانية ومقارنة بالنظم المماثلة التي كانت سائدة في الدول المعاصرة للعثمانيين أكد المؤلف على أنه كان أخف وطأة من غيره بل كان يمنح اطفال النصارى ميزة على غيرهم: "لأن الأطفال الدوشيرمه كانوا يكبرون يشكلون قمة جهاز الحكم ويسيطرون على الأتراك ذاتهم"
 
• نظم الحكم العثمانى
وصف المؤرخون الأوربيون نظام الحكم العثمانى بالجمود والتخلف وحذا المؤرخون العرب حذوهم حتى لا يكاد يخلو كتاب في التاريخ العربى الحديث من إلصاق هذه الصفات بالعهد العثمانى فضلا عن الاستبداد ولأهمية نظم الحكم في التأريخ للدول أولى الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى اهتماما كبيرا بنظم الحكم المركزية لدى الدولة العثمانية وأفرد لها فصلا خاصا في كتابه موضوع الحديث ودفع عنها هذه الاتهامات في معرض حديثه عدد مزايا هذه النظم وتركز حديثه في النقاط التالية:
 
أ- أن الحكم العثمانى كان بيروقراطياً ومن ثم تبوأ آل عثمان وضعاً وظيفيا في إطار الجهاز البيروقراطى وكان اهتمامهم بالكفاءة باعتبارها المعيار الوحيد للرتبة والوضع الاجتماعى.
 
ب- قامت لادولة العثمانية باعتبارها دولة إسلامية ومن ثم كان ولاء السلاطين للإسلام أولا، ثم الدولة بعد ذلك، ولم يكن حكم السلطان العثمانى حكما مطلقا بل كان مقيدا بالقرآن والسنة، فلم يكن باستطاعته تجاهل حدود الشريعة الإسلامية بصورة علنية حقيقة أنه كان يتمتع بالسلطتين (التشريعية والتنفيذية) إلا أن (خطوطه الشريفة) كانت تأتى في المرتبة الرابعة بعد المصادر الأساسية للقانون الإسلامي.
 
ج- مارست الدولة العثمانية البيروقراطية بان أدخلت في تنظيمها مؤسسات اجتماعية وجماعات انبثقت بشكل طبيعى أو عفوى، مما أدى إلى اتضاح الارتباط بين المجموعات المنظمة والأسرة الحاكمة.
د- يعد نظام الاقطاع الحربى من النظم التي ورثتها الدولة العثمانية عن غيرها من الدول الإسلامية وقد حرصت الدولة على تطبيقه منذ قيامها، وكان موضع انتقاد المؤرخين المحدثين ولا سيما من تأثر منهم بالنظم الاقتصادية الحديثة واعتبروه صنوا للاقطاع الأوروبى القديم، ولكنه يختلف عن نظام الاقطاع الأوربى جملة وتفصيلا، واهم ما يميزه أنه لم يكن وراثياً كما انه كان ضروريا في ذلك الوقت "لأنه ساعد على التوسع في زراعة مساحات شاسعة من الأراضى، كما وفر للدولة في أوقات الحرب قوات من الفرسان كانت تبلغ أحيانا 200.000 فارس دون أن تتحمل الدولة أية نفقات.
 
• شخصية السلطان عبد الحميد
لا شك أن شخصية السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909) قد تضاربت حولها الأقوال والآراء لدرجة جعلتها من القضايا الخلافية في التاريخ العثمانى، وقد كان الأتراك أنفسهم يطلقون على عهده عهد الاستبداد ولذلك كان من الطبيعى أن يتوقف عندها الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى فيستهل حديثه مقررا أن الرأى قد استقر على انصاف العهد الحميدى.
"إذ انتهى منذ زمن طويل اعتبار عصر السلطان عبد الحميد مجرد فترة يغلب عليها الطابع الرجعى، فقد اوضح بعض الكتاب المتخصصين في التاريخ العثمانى ان معظم التغيرات التي بدأت منذ أوائل القرن التاسع عشر واستمرت حتى تولى عبد الحميد ولم تتوقف حتى نهاية حكمه. بعد هذا الاستهلال الذي يوحى بان المؤلف سيقف مدافعا عن الإصلاحات التي تمت في عهد السلطان عبد الحميد الثاني ناقش المؤلف موقف السلطان في ظل الظروف والملابسات الدولية وعدد الخطوات الإصلاحية في مجال السياسة والاقتصاد والتعليم والعمران مققر ان السلطان عبد الحميد لم يكن معاديا لأى إصلاح ما دام لا يهدد سلطاته، فقد كان يرى أن انقاذ الامبراطورية وتحسين أحوالها يقتضى إمساكه بتقاليد السلطة ثم يختتم المؤلف حديثه عن الإصلاحات بعبارة لا تخلو من الحكمة بقوله: "هكذا كان عبد الحميد مصلحا على طريقته الخاصة أى عن طريقه هو وحده واسكات الناقدين"
 
وهكذا تناول الدكتور أحمد عبد الرحيم التاريخ العثمانى مؤكدا على حق المؤرخ في إعادة كتابة التاريخ وتفسيره طبقاً لمقتضيات عصره الذي يحدد أهدافه من التأريخ، مادام لديه من الحقائق والوثائق ما يستند اليه، وهو بذلك يثبت ان التاريخ حوار بين الماضى والحاضر والمستقبل، وقد تميز هذا التناول بموضوعية الباحث وحكمة الموضوع.
 
== مصادر ==