قالب:بذرة مسيحية: الفرق بين النسختين

أُزيل 125٬745 بايت ، ‏ قبل 15 سنة
استرجاع
لا ملخص تعديل
(استرجاع)
[[تصنيف:مسيحية]]
</noinclude>
الديانة المسيحية
"إن يتبعون إلا الظن وما تهوي الأنفس"(23) من سورة النجم
أولا :الطوائف المسيحية
عند فتح المسلمون لبلاد الإمبراطورية الرومانية وإمبراطورية فارس كانت تنتشر الوثنية والديانة
المسيحية (1) المنقسمة إلى طوائف اشهرها في الشرق ثلاثة إضافة للآريوسية
اليعاقبة: وكانت منشرة في مصر والنوبة والحبشة ومنهم القبط الأرثوذكس الآن .
النسطورية: أو النساطرة وكانت منشرة في الموصل والعراق وفارس .
الملكانية: وكانت منشرة في بلاد المغرب وصقلية والأندلس والشام ولكل طائفة وجهة نظر ورأي تعتقده :-
فاليعاقبة: الأرثوذكس الآن يرون أن المسيح هو الله وان الله والمسيح اتحدوا في طبيعة واحدة هي المسيح وقد انقسمت الى ملكانيه اي تابعين للملك الروماني والى اقباط .
والملكانية وهي الكاثوليكيه والنساطرة :قالوا أن للمسيح طبيعتين متميزتين الطبيعة الألوهية (أي الإلهيه) والطبيعة الناسوتية (أي البشرية) وقد اختلف الطائفتان أيضا فيما عدا ذلك من التفاصيل وهم الروم والارثوذكس.
والديانة النصرانية متمثلة في الآريوسية: التي تنسب لآريوس وهم الموحدين الذين يعتقدون بنبوة عيسى وانه مخلوق وانه ليس بإله ولا ابن اله ويعتبروا امتداد للنصرانية التي كان عليها الحواريون .
وهناك الان البروتستنت والانجيليين والادفنسنت والسريان والارمن ......
وهناك خلافات بين هذه الطوائف المسيحية المؤلهة للمسيح من حيث :-
هل اللاهوتية وما للناسوتيه من إرادة وفعل متحدتان في المسيح ؟ أو مختلفتان ؟
فقالت اليعاقبة بالأول وقالت النساطرة إن للمسيح ناسوتية لها إرادة ولها فعل تختلف كل الاختلاف عن العنصر اللاهوتي واختلفوا في تصوير اتحاد اللاهوت بالناسوت .
فقالت اليعاقبة كاتحاد الماء يلقى فيه الخمر فيصيران شيئا وأحدا
وقالت النسطورية كاتحاد الماء يلقى في الزيت فكل وأحد منهما باق لا يندمج .
وقالت المسلكانية كاتحاد النار في الصفيحة الممحاة .
إضافي إلى وجود الآريوسيين الذي يفسر سرعة انتشار الإسلام(2) بالإقناع والآريوسيين موحدين ويعتقدون أن المسيح نبي ورسول ومخلوق وإضافة إلى وجود طوائف أخرى وثنية غير مسيحية .
واختلفت طوائف المسيحيين في مسائل كثيرة مثل :- هل ينزل المسيح قبل يوم القيامة أو لا ينزل ؟
وقد كان بولس في بداية تأسيسه للديانة المسيحية ينادي بقرب نزوله – الملكوت – ولما يئس نادى بأنه لن ينزل إلا بعد سنوات كثيرة ….. واختلفوا في أن الحشر يكون للأرواح والأبدان أو الأرواح فقط ؟
وهل صفات الله زائدة عن ذات الله ؟ أو هي هي ؟
وفي عصر النهضة بأوروبا اعمل المثقفون والعلماء عقولهم وتوصلوا إلى أن الكتاب المقدس لديهم ليس من عند الله وانه يحتوي على أساطير منافية للعقل.
واستنتج ذلك جان مسلييه (1678 – 1733 م) الذي كان راعي أبرشيه أتربيني في شمبانيا بفرنسا ويضيف أن أي رجل عاقل لا يمكن أن يصدق أن الله لكي يسترضي البشر ويستميلهم … يمكن أن يضحي بابنه البريء الذي لم يرتكب إثما ….
ويقول مسلييه أيضا أن القساوسه والمشرعين بابتداع الأديان واختلاق الأسرار.. قد ارضوا أذواق الجهال وان الدين لو كان واضحا لكان اقل جاذبية وفتنه لدى الجهال .. فالجهال في حاجه إلى الغموض والأسرار والخرافات والمعجزات التي لا يمكن تصديقها …. والتي تتضمنها الديانة المسيحية .
لذا عندما درس الفلاسفة والعلماء في أوروبا في القرن الثامن عشر الكتاب المقدس والإنجيل .. أعلنوا شعارهم من الإنجيل ..إلى العقل .
في عام 1767 م اخرج دي هولباخ (3) ألماني ولد عام 1733 م ونشأ كاثوليكيا – كتاب سماه (اللاهوت سهل الحمل theologie portative ) سخر فيه سخريه بالغة من المبادئ السخيفة التي تتضمنها الديانة المسيحية واجمل كل اللاهوت المسيحي في رغبة الكنيسة في التسلط والسيطرة واصدر دي هولباخ العديد من الكتب يناهض بها المبادئ التي قامت عليها المسيحية فنشر عام 1768 م كتاب ( العدوى المقدسة أو التاريخ الطبيعي للخرافة ) ويقصد بالخرافة الدين المسيحي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)احمد أمين فجر الإسلام صفحة 196 وما بعدها مكتبة الأسرة عام 1996 م– القاهرة .
(2)حسين كفافي المسيحية والإسلام في مصر مكتبة الأسرة عام 1998 م – القاهرة .
(3) ول ديورانت قصة الحضارة (38) صفحة 138.
 
لقد أدت الخرافات والأساطير مثل أسطورة الغداء بيسوع وصلبه وتحويل الخبز والخمر إلى جسد يسوع ودمه
والاعتراف والقداس الإلهي …. وتحريفات العهد القديم ….وادعاءات بولس في العهد الجديد إلى هروب الغالبية من المثقفين والعلماء والفلاسفة من المسيحية وانتقادها لدرجة مناداة فولتير بالقضاء عليها ( اقضوا على الرجس ) …. لقد تحول كثير منهم إلى الاتحاد …ومنهم من تحول إلى الفطرة والإيمان بالتوحيد وان يسوع مخلوق ونبي ….مثل فولتير .
ونستعرض في الأوراق التالية ما قاله ابن كمونه اليهودي عن مبادئ الديانة المسيحية كما وضحها بولس وتعديلات المجالس والمؤتمرات المسكوتيه وانتقاده لها عام 1280 م قبل المزيد من الانقسامات في الكنيسة وظهور طوائف جديدة من بروتستنتية وإنجيليه ….
ثانيا : أساسيات الديانة المسيحية
وجدت من الأفضل عرض أساسيات الديانة المسيحية كما لخصها(1) سعد بن منصور بن كمونه اليهودي وراجعها معه مسعود ( بن ارجوك ) الماردي المسيحي وأبو الحسن ابن إبراهيم ابن المحرومة الماردي اليهودي , وقرأه إبراهيم القرا اليهودي حيث ذكر أن المسيحيون يعتقدون :-
1- في أن الله هو الأب وهو الابن وهو الروح القدس .
2- أن اللاهوتية تجسمت وصارت جنينا في بطن عذراء من اشرف نساء بني إسرائيل من نسل داود أولدته ناسوتي الظاهر لاهوتي الباطن نبيا مرسلا في ظاهره وإلها مرسلا في باطنه فهو إنسان تام واله تام .
3- مؤمنون بالعهد القديم ( ولا يطبقون الشريعة التي تضمنها وكان يسير عليها المسيح ).
4- انهم موحدون بالحقيقة وإن ظهر على ألسنتهم التثليث ( كيف يتأتى التوحيد والتثليث ) .
5- انهم مكلفون بتعظيم المسيح , وتعظيم صليبه , وتتبع أحكامه ووصايا الحواريون أصحابه .
ويذكر ابن كمونه ما اتفق المسيحيين على تسميته بالأمانة بعد اجتماع ثلاثمائة وثمانين عشر نفرا(2) عليها في زمن قسطنطين الملك ( يشير ابن كمونه إلى مجمع نيقيه عام 325 م ) ومعناها هو ( وهو من تأليف الشماس اثنا سيوس الذي حضر المجمع عام 325 م ماعدا الالكسندر بابا الإسكندرية ) .
( نؤمن بالإله الواحد الأب ماسك الكل صانع السماوات والأرض وكل ما يرى وما لا يرى , وبالواحد الرب ايشوع المسيح ابن الله الوحيد . بكر جميع الخلائق الذي ولد من أبيه قبل كل العوالم وليس بمصنوع . نور من نور . الاه حقيقي من الاه حقيقي , من جوهر أبيه الذي به أتقنت العوالم وخلق كل شيء . الذي لأجلنا معشر البشريين , ولأجل نجاتنا هبط من السماء وتجسم من روح القدس وصار إنسانا وحمل به وولد من مريم البتول وتألم وصلب في أيام فنطيوس فيلا طوس ودفن وانبعث في لثلاثة أيام . كما كتب . وصعد إلى السماء وجلس على يمين أبيه وهو مذمع لان يأتي ليدين الأموات والأحياء وبالواحد روح القدس روح الحق المنبثق من الأب . الروح المحيي وبيعه واحدة مقدسة سليمية جاثليقيه (3) ونؤمن بمعمودية واحدة لغفران الخطايا وبانبعاث أجسادنا وبالحياة الأبدية )
وفي الحقيقة تلخص تلك الأمانة !!! أو النشيد أساسيات الدين المسيحي ….
ويقول ابن كمونه انه لم يجد بين اليعقوبية(4) منهم والنسطوريه(5) فيها خلافا في المعنى إلا انه لم يجد في النسخة التي أخذها من اليعقوبيه ( الذي به أتقنت العوالم وخلف كل شيء ) ووجد عوض ( كما كتب )
( كما أراد ) وفيها زيادات لا تنافي هذه العقيدة وانهم اتفقوا على أن اقنوم الأب هو الذات وان اقنوم الابن هو الكلمة وهو العلم وأنها لم تزل متولدة من الأب لا على سبيل التناسل بل كتولد ضياء الشمس من الشمس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سعد بن منصور بن كمونه تنقيح الأبحاث للملل الثلاثة الناشر دار الأنصار القاهرة عام 1967 م .
صفحات 51 – 62 واصل الكتاب مكتوب عام 1280 م 679 هـ ( وأعيد كتابته مرات ) .
(2) مجمع نيقية كان فيه اختلافات كبيرة وكان هناك خلاف أساسي بين آريوس المصري ورأيه أن المسيح
نبي مخلوق وليس باله وبابا الإسكندرية الذي يقول انه ابن اله …. وانضم قسطنطين إلى بابا الإسكندرية
وفرقته ….( القصة كاملة واردة في الكتاب )
(3) مكتوب هكذا ولا اعلم معناها ( الكاتب ) مثل باقي الطلاسم السابق ذكرها .
(4) اليعقوبية : وهم اتباع يعقوب البرادعي ويقولون بان المسيح ذو طبيعة واحدة قد امتزج فيه عنصر الإله
بعنصر الإنسان وتكون
(5) النسطوريه : من الاتحاد طبيعة واحدة جامعه بين اللاهوت والناسوت .
واقنوم روح القدس هو الحياة وأنها لم تزل فائضة من الأب )
واتفقوا أيضا على اتحاد الكلمة بالمسيح واختلفوا في الاتحاد .
فاليعقوبية : تقول أن الاتحاد بمعنى الممازجة والمخالطة حتى صار منها شيء ثالث , كما تمتزج النار بالفحمة فيصير منها جمرة والجمرة ليست نارا خالصة ولا فحمة خالصة .
وجعلوا ذلك بمعنى التركيب الإرتباطي , وان كان من جسماني وروحاني كمال النفس المجردة والبدن , فان أحدهما ارتبط بالآخر حتى صار شخصا وأحدا . فقالوا إن المسيح جوهر من جوهرين واقنوم من اقنومين .
والنسطورية : تقول إن الاتحاد هو على معنى أن الكلمة جعلته هيكلا ومحلا وادرعته ادراعا وكذلك قالوا إن المسيح جوهران اقنومان وقال بعضهم أن الاتحاد وقع به كما اتحد نقش الفص بالشمع . وصورة الوجه بالمرآة من غير أن يكون قد انتقل النقش من الفص إلى الشمع أو الوجه إلى المرآة .
وبعضهم يقول – اتحاد الكلمة به هو أن ظهرت ودبرت على يديه .
والملكانيه: (1) قالت أن المسيح جوهران واقنوم وأحد لأن الاتحاد وقع بالإنسان الكلي لا الجزئي والمراد بالاقنوم هو الشخص .
وكل المسيحيين(2) يؤمنون ببعث الأجساد وبالثواب في الجنة ويعبرون عنها بالفردوس وبالعقاب في جهنم إلا انهم لا يقولون إلا بالثواب والعقاب الروحانيين دون الجسمانيين وقالوا أن الصالحين يصيرون في ملكوت السماء كالملائكة أو في ملكوت الله . ويعتقدون بقاء الأنفس الإنسانية بعد حزاب الأجساد بالموت .
واجمعوا على آخرهم أن شريعتهم التي شرع بها السيد المسيح وأصحابه لا تنسخ إلا يوم القيامة وقالوا ذلك انه نقلا عن الحواريين ( والذي شرع في الواقع هو بولس كما سنرى وليس المسيح ) ونقلوا عن المسيح في الأناجيل الأربعة ( يوحنا ومتى ولوقا ومرقس )
معجزات كثيرة : تتضمن انه احيي ثلاثة موتى : وأحدا قبل أن يجعل في التابوت وآخر وهو في التابوت قبل أن يدفن وآخر بعد أن دفن بأربعة أيام ويوحنا هو الذي ذكر في إنجيله إحياء الثالث وفي بعض الأناجيل ذكر وأحد منهم فقط وفي بعضها اثنان ولم يذكروا فيما عدا إنجيل يوحنا إحياء المدفون منهم واتفقوا فيما عداه على إحياء الذي لم يجعل في التابوت وإبراء الأبرص وحول الماء خمرا واشبع خمسة آلاف رجل عدا النسوان والأطفال من سمكتين وخمسة أرغفة واخرج الشياطين من الناس وكشف أسقاما كثيرة ومشى على الماء وغير ذلك من معجزاته .
ثم يضيف أبن كمونه قائلا :-
وفي الأناجيل الأربعة اختلاف كثير قد تعسف علماؤهم التوفيق بينهم وفيها أمثال كثيرة ومواعظ وفيها الأمر بمكارم الأخلاق مثل قوله(إن انتم كافيتم السيئات بالسيئات فلا اجر لكم عند أبيكم الذي في السماء ولا حسنه )
ومثل(إن غفرتم لبني البشر سيئاتهم فان أباكم الذي في السماء يغفر لكم سيئاتكم وان لم تغفروا فلا يغفر لكم)
ويقول ابن كمونه أيضا :-
انه يوجد بين المسيحيين اختلافا كبيرا في العقيدة , كما أن منهم من اثبت للابن كونا زمانيا وقال أن الله أحدث الابن وفوض إليه خلق العالم والباقون قالوا انه ولد من أبيه قبل كل العوالم وليس بمصنوع , كما هو في الأمانة السابق ذكرها .
وقد كان لهم اجتماعات كثيرة لإزالة الخلاف بينهم فأحرم (تم تكفيره) فيها بعض المخالفين وأدت إلى سفك دماء كثيرة منهم يعرف ذلك من تاريخهم .
وان المسيح كان مستمسكا بأحكام التوراة إلى أن تم القبض عليه من قبل اليهود وكان يأمر بها وقال ما جئت لأنقضها وحيث أنكروا (اليهود) عليه ما توهموه تفريطا في بعض أحكامهم بين لهم المسيح انه ليس بتفريط وأوضح لهم ذلك مما يقتضيه فقههم وشرعهم كما هو مذكور في الإنجيل ويقي أصحابه على التمسك بها (التوراة) مدة طويلة إلى أن اظهروا المخالفة(3) لها والإعلان بنسخها ونقضها وأنها كان يلزم العمل بها إلى حين ظهور المسيح لا غير ولا اكثر ذلك عن رأي فولوس (بولس)
( أي أن وقف العمل بالشريعة يعود إلى رأي بولس )
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الملكانيه:
(2) اخطأ ابن كمونه في ذلك لأنه يوجد خلاف بينهم على ذلك كما بينا .
(3) أي حرفوا ما كان يدين به المسيح …. مثل وقف العمل بالشريعة التي كان يدين بها المسيح ….
 
 
 
 
 
 
ثانيا ابن كمونه ومناقشة أساسيات الديانة المسيحية
بعد أن ذكر ابن كمونه أساسيات الدين المسيحي اخذ في تفنيدها ونقض صحتها .
يفند ابن كمونه الديانة المسيحية بعد دراسته لأساسياتها السابق ذكرها قائلا:-
عن الاقانيم
إن هذه الاقانيم التي يذكرها المسيحيون إن كان مرادهم بها ذوات ثلاثة قائمة بأنفسها , فبرهان الوحدانية يبطله . وهو أيضا على خلاف معتقدهم في التوحيد .
وان كان مقصدهم أنها صفات أو أحدها ذات والباقيتان صفتان فهلا جعلتم صفة القدرة اقنوما رابعا ؟ وكذلك سائر ما يوصف به الله تعالى اقانيم ؟ فان قالوا – قدرته هي علمه – قلنا – وحياته أيضا هي علمه فلم أفردتموها اقنوما ؟
أما الاتحاد
فهو غير معقول لان الشيئين إذا اتحدوا فإما أن يكونوا موجودين أو معدومين أو أحدهما موجودا والآخر معدوما فان كانا موجودين فلم يتحدوا لأنهما اثنين لا وأحد وان كانا معدومين فلا يصيران وأحدا بل عدما وحدث ثالث , وان عدم أحدهما وبقى الآخر فظاهر أن ذلك ليس باتحاد .
فان فسر الاتحاد بمعنى الممازجة والمخالطة والتركيب فان كان الأب والابن غيرين بحيث يتحد الابن وحده بالمسيح دون الأب بالمعنى المذكور , فهو يخالف اعتقاد التوحيد .
وان كان الابن صفة فلا يعقل في الذات العالمة أن يصير كونها عالمة ممازجة لجسم من الأجسام دون الذات . كما لا يعقل أن يكون زيد ببغداد وكونه عالما بخرا سان ثم علم كل شيء هو قائم فيه فيلزم أن يكون علم الله تعالى مجودا فيه وفي المسيح دفعه واحدة فللصفة الواحدة في الحالة الواحدة موصوفان وهو محال فان لم يكن تعالى عالما حال الاتحاد كان كونه عالما حكما جائزا فيفتقر إلى مخصص يخصصه وذلك يخرجه عن الالاهيه .
والقول بالامتزاج باطل
لأنه لا يعقل إلا في الأجسام والكلمة عندهم ليست بجسم فان قالوا الممازجة بالتركيب الإرتباطي كالإنسان الواحد من نفس وبدن فارتباط أحد الشيئين بالآخر لا يعقل إلا باحتياج أحدهما لصاحبه أما مع العكس كاحتياج النفس إلى البدن باعتبار واحتياج البدن إليها باعتبار آخر وإما من غير عكس كاحتياج صورة السرير الخشب وعدم احتياج الخشب إليها لكن فيما نحن فيع يمتنع احتياج الجزء اللاهوت إلى غيره بوجه من الوجوه ولو كان الاتحاد لاحتياج الجزء الناسوتي إلى اللاهوتي من غير انعكاس لكان مثل هذا الاتجاه حاصلا مع كل المخلوقات لان كلها محتاجة في وجودها وسائر كمالاتها إلى الله تعالى .
وكون الاتحاد كاتحاد نقش الفص بالشمع
إن عني به أن ذات المسيح صارت مثلا للبارئ فهو محال لاستحالة أن يصير الجسم المحدث منزها قديما وان عني به انه حصلت له خاصية لأجلها قدر على ما لم يقدر عليه غيره فليس يقتضي ذلك كونه إلها وإلا لكان كل من ظهر على يده معجزات من الأنبياء إلها لا سيما مثل معجزات موسى فأنها اعظم بكثير مما يحكى عن معجزات المسيح وأبعد عن وقوع الحيلة فيها واكثر رواه من رواتها فان رواة تلك هي الملل الثلاث ورواه هذه بعضهم .
وأيضا فلا يقال في شيء انه من جوهر غيره وإلا وقد اشتركا في أمر جوهري وعمهما عموم طبيعية لا عموم نسبة فان لم ينفصل أحدهما عن الآخر بفصل , لم يكن كون الأب مولدا للابن أولى من العكس ثم هلا ولد الابن ابنا آخر والآخر آخر هكذا إلى غير النهاية وان انفصل عنه بفصل جوهري لزم تركيب البارئ من الجنس والفصل , أو كانت ذات الابن هي مثل ذات الأب وزيادة وكل ذلك محال .
ولو كان المراد بقولهم أن البارئ سبحانه جوهر وأحد ثلاثة اقانيم
انه ذات عالمه حيه أو ذات عاقلة لنفسها وذاتها معقولة لها . كما يحكى عن يحي بن عدوي انه فسر الأب والابن وروح القدس بأنه كونه عقلا مجردا هو الأب وكونه عاقلا لذاته هو الابن وكون ذاته معقولة له فهو روح القدس فما قلتموه في أمانتكم التي اتفقتم عليها ينافي ذلك تحقيقا أن الابن ذات غير ذات الأب أو ذات الابن هي التي نزلت وصعدت دون الأب .
ويقال لليعقوبية :
في قولهم أن المسيح جوهر من جوهرين واقنوم من اقنومين جوهر لاهوتي وجوهر ناسوتي –انه إن كان كل وأحد من اللاهوتي والناسوتي على حاله لم ينفصل عما كان عليه فهو قول النسطورية وان كان كل وأحد منهما قد أبطل الآخر فقد اقروا ببطلان الإله ولزمهم أن يكون المسيح لا قديما ولا محدثا ولا اله ولا غير اله , إذ قد خرج كل منهما عما كان عليه . أيضا فان العيان يشهد بان ناسوت المسيح مثل غيره فلا يكون اللاهوت قد أبطله , وتمسكه لا يجوز إذ الجزء اللاهوتي هو الذي يؤثر في غيره , وغيره ممتنع أن يؤثر فيه .
ويقال للنسطورية
القائلين بجوهرين واقنومين انهما إن كانا قديمين فقد أثبتم قديما رابعا هو ناسوت المسيح . وان كان محدثين, كنتم قد قلتم بحدوث الابن الذي تزعمون انه أزلي , وعبدتم ما ليس باله , لأنكم تعبدون المسيح وهو على هذا القول جوهران محدثان وان كان أحدهما قديما والآخر محدثا , كنتم قد عبدتم القديم والمحدث
وإذ المسيح الذي تعبدونه مجموعهما ومجموع القديم والمحدث , من حيث هو هذا المجموع فهو محدث فيكون قد عبدتم المحدث من حيث هو محدث لا يستحق العبادة فيجب أن تتمحض العبادة للقديم ولا يبقى للمحدث ذلك مدخل . فلا يكون قد عبدتم المجموع لو أخرجتم المحدث على أن يكون له مدخل في العبادة وحينئذ يثبت أن المسيح الذي هو عبارة عن مجموع الأمرين غير مستحق للعبادة وهو خلاف معتقدكم.
ويقال للملكانيه
على قولهم أن المسيح جوهران اقنوم وأحد – وان الاتحاد وقع بالإنسان الكلي لا بالجزئي – أن الإنسان الكلي مشترك بين جميع الناس فلو اتحدت الكلمة به لزم أن لا يختص بهذا الاتحاد بعض الناس دون البعض وانه باطل . وعلى هذا فكما لم يكن اقنومين فكذلك لا يكون جوهرين .
فجميع مذاهبكم إذن باطلة
- فيخلص ابن كمونه من هذه الدراسة على أن جميع مذاهب الديانة المسيحية في عبادة المسيح باطلة قائلا
(فجميع مذاهبكم إذن باطلة)
ثم يضيق ابن كمونه وهو محق كل الحق :-
إن الله اكرم من أن يقال انه سكن الرحم في دنس الحيضه وضيق البطن والظلمة , أو نظرت إليه العيون الجسمانية أو أصابه سنه أو نوم أو أحدث في ثيابه وبال في فراشه أو بكى أو ضحك أو أخذه على ما لم يرد عجزا أو سهى أو لحقه خوف أو فزع أو رغب إلى ما في أيدي الناس أو سجن أو هرب أو تعالى انه أكل أو شرب أو تشبه بأهل الأرض أو انه لم يستطع أن يقضى أمره وهو في ملكه حتى نزل على الأرض ليهديهم وينجيهم من الشيطان وانه جاء ليهدي الناس من الضلالة ويطهرهم من الخطايا ؟؟ ثم أي خطيئة كانت قبل المسيح أو بعده اعظم من الخطيئة التي كانت في زمانه عندكم .
ونجد الشيطان لم يزل منذ جاء المسيح كما قد كان قبل مجيئه في الأذى والضلال فانه فرق دينكم على مذاهب شتى . فشهد بعضكم على بعض بالضلالة . وقد قتل الحواريون في عدة بلاد أهانوهم وعذبوهم ولم يزل الظلم والعدوان والقتل والكفر ساريا في المسيحيين وغيرهم من الأمم إلى هذه الغاية .
أبطال ألوهية المسيح عيسى بن مريم :
ويقال لهم أن اتخذ المسيح إلها :-
لكونه على رأيكم من غير والد فآدم وحواء اعجب منه في ذلك , وكذا اصل كل دابة خلقها الله تعالى .
وان اتخذ إلها من اجل رفعه إلى السماء فقد رفعه قبله ايليا النبي بعد ما ظهرت على يده المعجزات الكثيرة ولم يصبه في بشريته سوء فلو جازت عبادة البشر لكان أحق بذلك من الذي حبس واهين وعذب وصلب .
والملائكة أيضا مازالوا مرفوعين إلى أن يؤمروا بالنزول .
وان كان ذلك لأنه سمي في الإنجيل ابن الله فانتم تقولون أن إسرائيل سماه الله ابني بكري وقد سمى المسيح الحواريين اخوته .
وفى الإنجيل أيضا – حبوا من احبكم – إلى قوله تكونوا مثل أبى وأبيكم الذي في السماء – وفيه – إن انتم كافيتم السيئات بالسيئات فلا اجر لكم عند أبيكم وفيه – إن انتم غفرتم لبني البشر سيئاتهم فان أباكم الذي في السماء يغفر لكم – وان دعيت ألوهيته من اجل معجزاته فغيره من الأنبياء قد فعل ذلك
ويقال لهم أيضا كيف تقولون انه تدنس بالخطيئة حتى طهره (قام بتعميده) يحي بن زكريا ولا يمكنكم أن تقولوا انه لم يتدنس بخطيئته وإلا لكان التطهير بالماء عبثا .
(وهم يقولون انه إنسان كامل وكيف؟ ولم يتزوج ؟ ولا أن هناك من يقول انه تزوج مريم المجدلية وانجب منها) * وكيف يشرب الإله الخمر أو أكل السمك والصيد أو تعب حتى كان عرقه يسيل على وجهه من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• الكاتب
الضعف, أو انه اختطفه الشيطان فذهب به حيث لا يجب وكيف ذكر في الإنجيل أني ما جئت لانقض التوراة لكن جئت لأتممها وقد قمتم بنقضها في كثيرا منها (بل تم نقضها كلها)
وفي إنجيل متى أن جبرائيل جاء إلى مريم فبشرها بولد ولم يقل لها ابشري انك سوف تلدين إلها .
وكان يوسف زوج مريم كما في متى انه جاء الملك أي جبرائيل وقال ليوسف اذهب خذ امرأتك ولا تخف وفي غير مكان من الإنجيل أن يشوع (يسوع أو المسيح) هو ابن يوسف وأقرت مريم أن ايشوع ابن يوسف(1) فان في يوم فقدانها له في بيت المقدس قالت –(أين كنت هوذا أنا وأبوك في هم شديد من أجلك )- وطبعا يقول ابن كمونه هذا الكلام لأنه يهودي ممن قالوا على مريم بهتانا عظيما – وأهل الناصرة قالوا –( أليس هذا ابن النجار واخوته(2) يعقوب ويهوذا ويس واخوته مزوجات عندنا) قد برأ الله سبحانه وتعالى السيدة مريم في القرآن الكريم .
وكيف يجوز أن يكون إلها تاما ؟
وهو لا يعلم إلا بعض الأشياء !! لا كلها .
لا سيما وقد قلتم أن اقنوم الابن هو الكلمة وهي العلم ودليل عدم علمه ببعض الأمور الدال على ذلك على عدم الاتحاد الذي تدعونه ما جاء في إنجيل مرقس انه لما اخبر بشيء من أهوال الساعة وأشرطها , قال إن ذلك اليوم وتلك الساعة لا يعلمها إنسان ولا ملائكة السماء ولا الابن إلا الأب وحده .
وفي الإنجيل انه قد رقد في السفينة ولم يعلم حتى أيقظه بعضهم !! وداود النبي يقول – هو ذا لا ينام ولا يرقد حافظ إسرائيل ويقول يا رب من يشبهك لا تنم يا عال .
وفي الإنجيل من كان في قلبه خردلة إيمان يقول للجبال اتبعيني فتتبعه ونج المؤمنين بالمسيح لا يقدر أحدهم على تسيير حجر لطيف ولا شيء غيره .
وفيما معناه – العصفور وجد وقرا ليسكنه ووجد الثعلب جحرا ليسكنه وابن البشر لم يجد مكانا يسكنه مع أن اشعياء النبي يقول أن المسيح يجلس على منبر داود فيقضي بين الناس بعدل وحق (ويقول ديورانت عن سفراء أشقياء انه موضوع من المسيحيين لإثبات ألوهية المسيح).
وقام ايشوع(يسوع أو المسيح) فغسل أرجل الحواريين بالماء وقال لِمَ لم يجيء ابن البشر ليخُدم ولكن جاء ليخدم – ولم يدع نفسه إلها تاما قط .
وأما الصليب فأظهرته هيلاني وقسطنطين بعد ايشوع (يسوع المسيح) بحدود ثلاثمائة سنه وليس هو في الإنجيل ولا في شيء من الكتب .
وقال له رجل طهرني فأجابه أنا حريص أن أطهرك اذهب إلى الكاهن فأره نفسك وقرب قربانا كما قال الله لموسى في التوراة فكيف يتخذ من ليس له سنه بل يحيل على سنة غيره إلها ؟ هذا مع انهم يدعون انه قال من نظر إلى نظر إلى فقد نظر إلى أبى وأنا وأبي سواء .
وقال لتلاميذه – (اجلسوا هنا حتى اصلي) . (وقال بلغت نفسي الموت انتظروا هنا واستقروا قليلا حتى اصلي) .
وقال في صلواته (يا أبي نجني إن أمكن وتجوز عني هذه الساعة) وقال لشمون (ألا تقدر تسهر على ساعة واحدة ؟ قم نذهب فأنها قد بلغت الساعة) .
وكان قد قال قبل ذلك (وهذا ابن البشر يسلم في يدي الخاطئين ويستهزئون به ويبصقون في وجهه) . ومن قبل صام أربعين يوما في الجبل ليمتحن من الشيطان يصوم ويصلي ويرغب إلى الله عز وجل ثم أصابه الجوع الشديد كما قال في الإنجيل ( فلم يزل الشيطان في طلب ايشوع ( يسوع أو المسيح ) فوجده في الجبل وقد تلف جوعا وعطشا فقال له الشيطان إن كنت ابن الله كما تقول فقل لهذا الحجر حتى يكون خبزا تأكله فقال يسوع للشيطان مكتوب في التوراة ليس على الخبز وحده يحيا ابن البشر لكن بكلام الله يحيا ابن البشر فاخذ الشيطان ايشوع حتى ادخله بيت المقدس واصعده راس الهيكل وقال له – إن كنت ابن الله كما تقول فارم نفسك إلى اسفل ولا يصيبك سوء فقال يسوع للشيطان مكتوب في التوراة ألا تجربوا الله إلهكم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هو ابن مجازي فقد ولد من غير أب معجزة إلاهيه مثل خلق آدم وحواء وقد أوردت قول ابن كمونه لأنه
يوضح الرأي اليهودي والحجج اليهودية وهم قوم بهت كما قال عنهم الصحابي عبد الله بن سلام حينما
اسلم وقد كان يهوديا منهم واعلم بصفاتهم .
(2) زواج السيدة مريم بعد ميلاد يسوع من غير أب وإنجابها أبناء من يوسف النجار هو أمر لا يتعارض مع
سنة الله في خلقه .
وقال الشيطان ليسوع الدنيا وملكها وكل خير فيها فهو لي أعطه لك اسجد لي وخر لي على وجهك فقال يسوع للشيطان اذهب يا شيطان مكتوب في التوراة ( الله ربك خف وإياه اعبد وبه استعين وباسمه احلف )
فترى لمن كان يصلي ويصوم إذا كان إلها ؟ وكيف يدعي الالوهيه من يتلاعب به الشيطان ؟ وهكذا يتساءل ابن كمون ثم يتحدث عن :-
اختلاف الأناجيل في نسبه
نسبه لوقا إلى آدم ونسبه متي أيضا بنسب مختلف لذلك في بعض الأباء وقال في أول النسب أن ايشوع
( يسوع ) ابن داود بن إبراهيم وقال في آخره أن ماثان أولد يعقوب ويعقوب أولد يوسف زوج مريم التي ولد منها ايشوع المدعو بالمسيح واخبر متي أن يوسف لم يعرف مريم إلى أن ولدت ابنها البكر .
ويهوذا أحد أصحابه وخواصه الإثنى عشر هو الذي دل اليهود عليه وسلمه إليهم حتى صلبوه واخذ أجرته على ذلك منهم ثلاثين درهم من الورق ( أو الفضة )ولو ثبت عنده انه نبي فضلا انه اله لما استجاز أن يفعل ذلك لأجل أخذه هذا القدر النزر ( وهو نبي رغما عن انف يهوذا أو ابن كمونه ) وكان في جملة تعذيبهم ليسوع وشهرته لما أرادوا صلبه أن غطوا رأسه ووجهه وجعلوا يضربون رأسه بالقصب ويقولن تنبأ لنا أيها المسيح , من ضربك , وبعض عظيم الكهنة لطم وجهه وتفلوا فيه . والله تعالى يقول لموسى عليه السلام لا يراني أحد فيعيش وقال بنو إسرائيل كلمنا أنت نسمع ونطيع ولا يكلمنا الرب فنموت . فكيف يكون والحالة هذه من يُلطم وجهه إلها ؟
وطاف اليهود(1) بايشوع ( المسيح ) يوم الجمعة إلى نصف النهار , وعلى عنقه خشبته التي صلب عليها . وجاء شمعون القريني . فخملا عنه , بزعم المسيحيين ثم ذهبوا به فصلبوه عليها وسقوه الخل وطعنوه بالحربة بعد موته فقال ايشوع وهو عليها – الاهي .. الاهي لما تركتني ولم يزل مصلوبا حتى سال فيه يوسف الذي من أمه يهوذ فوهب له جسده فدفنه ميتا وهذا كله ينطق به الإنجيل .
ويزعم المسيحيين أن جميع نفوس البشر منذ خلق الله آدم كانت مسجونة حتى خلق الله ايشوع
( المسيح ) فأطلقت . وتدخل في ذلك انفس جميع الأنبياء والصالحين وليس في الإنجيل ما يدل على أن ايشوع ( المسيح ) خاطبه الله إلا مده واحدة كما جاء في يوحنا انه قال ( المسيح يا أيها الأب مجد اسمك فجاءه صوت من السماء يقول مجدت وأيضا امجد ) . فكيف كلم عبده موسى مرارا لا تحصى ولم يكلم ولده وحبيبه إلا هذه المرة . ( وديورانت يقول عن إنجيل يوحنا انه من وضع تلميذ فلسفة في الاسكندريه ) .
وستر وجهه موسى رسوله فلم يستطع أحد أن ينظر إليه من النور وفعل مع ولده ما ينافي ذلك وتركه للهوان بين أعدائه ؟
ويضيف ابن كمونه اليهودي انه قد جاء في كتب الأنبياء(2) ( وهي كتب موضوعه كما ذكر المؤرخ ديورانت ) من علامات المسيح وما يكون في زمانه ما لم يظهر في ايشوع ولا في زمانه مثل ما جاء في كلام بعضهم ما معناه – انه يضرب الأرض بسوط فيه وبريح شفتيه يميت الخاطئ وانه يجلس على منبر داود فيقضي بين الناس بعدل وحق وان الحروب ترتفع ولا يرف أحد على أحد سيفا وان الذئب والكبش يربضان معا ويرعيان جميعا وان الأسد يأكل التبن كالبقر وهذا إن كان على ظاهره فلم يجر ولم يقع في أيام ايشوع ولا بعده وان كان مثلا وهو الأظهر فهو مثل لارتفاع الشرور في العالم وزوال العدوان من بين الخلق . ولم يجر في زمانه إلا خلاف ذلك من زيادة العداوة بين الناس بسبب ظهوره وارتكابهم الذنوب العظيمة فيه وفي أصحابه .
وجاء أيضا انه في ذلك الوقت يتنبأ البنون والبنات من بني إسرائيل وانه يبعث آليا النبي فيرد قلوب الأباء على البنين وقلوب البنين على الأباء . وأمثال هذه الأشياء من علامات ظهوره في كلام الأنبياء كثيرة وكله لم يظهر منه شيء إلى الآن . والقدر الذي أوردته منه إنما أوردته ( بقصد ابن كمونه نفسه ) لا بألفاظه ولكن بمعناه ولا على ترتيبها في كتب النبوات(3)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكاتب كمسلم يؤمن بما جاء في القرآن من أن المسيح عليه السلام لم يقتل ولم يصلب ولم يقبض عليه
ولكن شبه لهم ولكن ما يتم إيراده هو قول ابن كمونه اليهودي ومراجعه مسعود ابن ارجوك المسيحي .
(2) ينكر اليهود أن المسيح عليه السلام هو عيسى ابن مريم ويدعون انه لم يأت بعد لاعتقادهم انه سيأتي
ليقيم ملكهم والمسلمون يعتقدون انه هو عيسى ابن مريم عليه السلام تصديقا لم جاء في القرآن الكريم
(3) ما أورده ابن كمونه عن كتابه اليهود لعلامات المسيح يشبه ما كتبه المسيحيون عن الكلمة المجسده
كلها كتابات من عندهم ما انزل الله بها من سلطان , وينسبونها تارة إلى الأنبياء وتارة يقولون من عند
الله وهي من عند أنفسهم .
 
 
ويشكك ابن كمونه اليهودي في معجزات المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام وتشكيك بغير حق لان معجزات عيسى عليه السلام مذكورة في القرآن الكريم .
ويقول ابن كمونه اليهودي أن جميع ما ينقلونه ادعاءاً عن السيد المسيح فهو عن الأفراد الذين هم أصحابه
فلا يكون متواتراً ولا موثوقاً إليه وبتقدير صحة النقل فهو غير بعيد في العقل أن يكون .
يسوع المسيح لم يبشر بأي خصيصه واحدة من خصائص المسيحية( الحالية ) ]فولتير[
أوردت ما قاله ابن كمونه اليهودي في تفنيد الاقانيم وغيرها التي وضعها . وحينما حكم فلاسفة أوروبا عقولهم في القرن الثامن عشر في عصر التنوير والنهضة وجدوا أنفسهم أمام عدم معقولية المعتقدات والطقوس المسيحية في التثليث وعبادة المسيح والقربان …. لدرجة أن ( فولتير ) أطلق شعار ( اقضوا على الرجز أو الرجس ) وكان يقصد بمطالبته ونداءه القضاء على الدين المسيحي وعبادته للمسيح وطقوسه الغير معقولة في رأيه ورأي فلاسفة رواد التنوير في أوروبا .
ولأهمية ما توصل إليه رواد عصر التنوير في أوروبا سيتم تناوله بالتفصيل في صفحات لاحقة .
فإذا كان ابن كمونه اليهودي متحيزا لديانته المحرفة وغير معترف ببعثة المسيح عيسى ابن مريم وانه لم يبعث بعد ليقيم ملك بني إسرائيل كما يدعي أسلافه الذين لم يعترفوا بنبوته فإننا نجد أن اخطر واهم الاعتراضات وأكثرها منطقية تأتى من داخل معتنقي الديانة المسيحية ذاتها بعد أن يدرسوا اللاهوت المسيحي والطقوس والعهد القديم والجديد للديانة …
ولذلك نجد عدد كبير من القسس والعلماء قد تحولوا إلى رواد للتنوير في أوروبا وينضموا إلى حملة ( القضاء على الرجس أو الرجز ) التي نادى بها ( فولتير ) .
لقد كان لدى فولتير مائتي مجلد في اللاهوت المسيحي قرأها واستنتج فيها ( أنى قرأتها وكأني أقوم بجولة في مستشفى للأمراض العقلية ) ولنقرا مع فولتير قول سانت أوغسطين ( أن المذهب الكاثوليكي يعلمنا أن كل الناس يولدون مذنبين إلى حد أن الأطفال أنفسهم ملعونون بالتأكيد إذا ماتوا دون أن ينفخ المسيح فيهم روحا جديدة افضل ) ( ويقال أن مثل هؤلاء الأطفال يذهبون إلى مكان جميل بجوار الجحيم اسمه الأعراف ) ويستنكر بذلك هذه الأساطير .
أما بالنسبة للتثليث(1) فقد سخر فولتير من التثليث في كتابه ( الملحد والحكيم )
ويسال فولتير على لسان الملحد ( هل تؤمن بان للمسيح طبيعة واحدة وشخصا وأحدا وإرادة واحدة أو أن له طبيعتين وشخصيتين وإرادتين أم أن له إراده واحدة وطبيعة واحدة وشخصيتين أو إرادتين وشخصيتين وطبيعة واحدة ؟ ) ولكن الحكيم يأمره أن ينسى هذه الألغاز ويكون مسيحيا طيبا .
ويذكر فولتير إلى أن المسيح بخلاف القديس بولس والمسيحيين اللاحقين ظل مخلصا لليهودية على الرغم من نقده للفريسين ( أن هذا الإله الخالد بعد أن جعل نفسه يهوديا يتمسك بالديانة اليهودية طيلة حياته ويؤدي شعائرها ويتردد على المعبد اليهودي ولا ينطق بشيء يخالف الشريعة اليهودية وكل التلاميذ يهود وهم يؤدون الشعائر اليهودية .
يقينا ليس هو الذي أسس الديانة المسيحية … أن يسوع المسيح لم يبشر بأية خصيصة واحدة من خصائص المسيحية )
وهكذا استنتج فولتير أن مسيحية المسيح عيسى ( يسوع ) ابن مريم ليست هي مسيحية بولس … وان المسيح لم يأت بأي خصيصة من خصائص المسيحية … وهو ما توصل إليه روجيه جارودي في العصر الحاضر …. وول ديورانت أيضا … وكان من درس وحكم عقله من الفلاسفة والمثقفون ممن سيأتي الحديث عنهم من رواد التنوير .
ولاحظ تهكم فولتير بقوله ( هذا الإله الخالد ) فالذي ألهه هو بولس ولم يكن ليسوع أية علاقة بالديانة التي أبتدعها بولس .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قصة الحضارة وول ديورانت (38) صفحة 205 و 206 ترجمة محمد أبو درة ومراجعة على
ادهم عام 1983 م
 
 
النصارى ؟ في العقيدة الإسلامية
النصارى:
يذكر معجم ألفاظ القرآن الكريم ورود كلمة النصارى في :-
سورة البقرة :- آيات 62 , 111 , 113 ( مكرر ) , 120 , 135 , 140
وسورة المائدة :- آيات 14 , 18 , 51 , 69 , 82
وسورة التوبة :- آية 30
وسورة الحج :- آية 17
ويعرف المعجم النصارى بأنهم : اتباع المسيح عليه السلام ويرى بعض اللغويين أن واحدة نصران ونصرانه كندامي في جميع ندمان وندمان ويرى بعضهم أن واحدة نصرى ونصريه كمهارى لضرب من الإبل ينسب إلى مهره قبيلة عربية واحدة مهرى ومهريه وهذا اللفظ أيضا مأخوذ من ناصره كما سلف في النصرانية .
ويورد المعجم أيضا شرحا لكلمة النصراني
النصراني :
التابع لدين المسيح عليه السلام وهو منسوب إلى النصران بمعناه للمبالغة وتأكيد المعنى , كما قالوا : احمري في احمر ويرى بعض اللغويين أن النصران ومؤنثة النصرانه لم يرد في كلام العرب وإنما هذا تقدير , ويرى بعضهما ورودهما في الكلام .
والنصراني والنصران مأخوذان من ناصره بلد في الشام ينسب إليها المسيح عليه السلام .
ويذكر المعجم ورود كلمة نَصْرانِياً في سورة آل عمران :-
" ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما " (67)
وفي مختار الصحاح(2)
نصران :
بوزن نجران قرية بالشام ينسب إليها ( النصارى ) ويقال اسمها ( ناصره ) و ( النصارى ) جمع ( نصران ) و ( نصرانه ) كالندامي جمع ندمان وندمانه ولم يستعمل نصران إلا بياء النسبة و ( نصره تنصيرا ) جعله
( نصرانيا ) وفي الحديث " فأبواه يهودانه أو ينصرانه "
فلم ترد كلمة مسيحي أو مسيحيون أو مسيحية … ومشتقاتها في القرآن الكريم ذلك أنها في ذاتها تدل على الكفر المطلق الصريح … عبادة المسيح أو إشراكه في الألوهية .
أما كلمة النصارى فقد وردت في القرآن الكريم وهو أقسام :-
1- الموحدون وحدانية مطلقة وهم على دين المسيح … المؤمنون .
2- نسوا حظا …. الفاسقون . ومنهم المشركون والكافرون وهم عبدة المسيح أي المسيحيون .
3- المجادلون مع اليهود والمختلفين معهم وضرورة اتباعهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
والمسيحيون هم الكافرون وهم على أقسام حيث انهم يعبدون المسيح :-
1- الذين يقولون أن الله هو المسيح ابن مريم .
2- الذين يقولون أن الله ثالث ثلاثة .
3- الذين يقولون أن المسيح ابن الله .
النصارى
أولا : القسم الأول من النصارى …. المؤمنين.
وهم الذين وصفهم الله سبحانه وتعالى في الآية ( 62 ) من سورة البقرة :-
" إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون "
وفي الآية (69 ) من سورة المائدة قال تعالى :-
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم ألفاظ القرآن الكريم إعداد مجمع اللغة العربية بالقاهرة صفحات ( 532 ) العدد ( 17 ) الجزء
الثاني – الناشر الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة
(2) مختار الصحاح للإمام محمد الرازي , صفحة ( 662 ) ترتيب السيد محمد فاطر – الناشر دار نهضة
مصر القاهرة .
 
" إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون "
وفي الآيات ( 82 ) إلى (86 ) من سورة المائدة قال تعالى :-
" لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا أنا نصارى ذلك بان منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون ( 82 ) وإذا سمعوا ما انزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ( 83 ) وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ( 84 ) فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين ( 85 ) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ( 86 ) " صدق الله العظيم .
هذا القسم من النصارى …. المؤمنون …. ولهم احسن الجزاء …. جزاء المحسنين والمؤمنين , وعدهم الله سبحانه وتعالى بجزاء المؤمنين بشروطه :-
1- الإيمان بالله الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وان عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله وبشر ممن خلق الله .
2- الإيمان باليوم الآخر
3- العمل الصالح
ولنرى معا شرح وتفسير هذه الآيات المذكورة آنفا من سورة البقرة والمائدة كما أوردها السيد محمد رشيد رضا – أثابه الله – في تفسير المنار:-
( إن الذين آمنوا ) مراد به المسلمون الذين اتبعوا محمد صلى الله عليه وسلم والذين سيتبعونه إلى يوم القيامة , وكانوا يسمون المؤمنون والذين آمنوا .
وقوله ( والذين هادوا والنصارى والصابئين ) يراد به هذه الفرق من الناس التي عرفت بهذه الأسماء أو الألقاب من الذين اتبعوا الأنبياء السابقين , وأطلق على بعضهم لفظ يهود والذين هادوا , وعلى بعضهم لفظ النصارى , وعلى بعضهم لفظ الصابئين .
( ومن آمن بالله واليوم الآخر وعما صالحاً) هذا بدل مما قبله , أي من آمن منهم بالله إيمانا صحيحا وآمن باليوم الآخر كذلك وعمل عملا صالحا تصلح به نفسه وشئونه مع من يعيش معه , وما العمل الصالح بمجهول في عرف هؤلاء الأقوام , وقد بينتهم كتبهم أتم بيان .
( فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) أي أن حكم الله العادل سواء , وهو يعاملهم بسنة واحدة لا يجابي فيها فريقا ويظلم فريقا . وحكم هذه السنة أن لهم أجرهم المعلوم بوعد الله لهم على لسان رسوله , ولا خوف عليهم من عذاب الله يوم يخاف الكفار والفجار مما يستقبلهم , ولا هم يحزنون على شيء فاتهم .
فالآية بيان لسنة الله تعالى في معاملة الأمم تقدمت أو تأخرت , فهو على حد قوله تعالى في سورة النساء :-
" ليس بأمانيكم ولا بأماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به ولا يجدون من دون الله وليا ولا نصيرا
( 123 ) ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا
( 124 ) " صدق الله العظيم .
فظهر بذلك انه لا أشكال في جهل من آمن بالله واليوم الآخر … الخ على قوله ( إن الذين آمنوا ) … الخ ولا أشكال في عدم اشتراط الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم لأن الكلام في معاملة الله تعالى لكل الفرق أو الأمم المؤمنة بنبي ووحي بخصوصها , الظانة أن فوزها في الآخرة كائن لا محالة , لأنها مسلمة أو يهودية أو نصرانية أو صابئة مثلا , فالله يقول ما معناه أن الفوز لا يكون بالجنسيات الدينية وإنما يكون بإيمان صحيح له سلطان على النفس , وعمل يصلح به حال الناس .
ولذلك نفى كون الأمر عند الله بحسب أماني المسلمين أو أماني أهل الكتاب . واثبت كونه بالعمل الصالح مع الإيمان الصحيح .
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى . فقال اليهود للمسلمين : نحن خير منكم ديننا قبل دينكم وكتابنا قبل كتابكم , ونبينا قبل نبيكم ونحن على دين إبراهيم ولن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السيد محمد رشيد رضا تفسير المنار الجزء الأول العدد ( 4 ) صفحة ( 278 ) سلسلة التراث
للجميع - الناشر الهيئة المصرية للكتاب - القاهرة
يدخل الجنة إلا من كان على ديننا , فانزل الله تعالى ( ليس بأمانيكم ) وروي نحوه عن مسروق وفتاده
واخرج البخاري في التاريخ من حديث انس مرفوعا ] ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل . إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنه لهم , وقالوا : نحن نحسن الظن بالله تعالى وكذبوا , ولو احسنوا الظن لأحسنوا العمل [
نأتي الآن إلى تفسير الآيات من ] 82 – 86 [ من سورة المائدة :
وعنها يقول الشيخ محمد رشيد رضا(1) : ختم الله هذا السياق في محاجه أهل الكتاب وبيان شأنهم بهذه الآيات التي بين فيها حالتهم النفسية في عداوة المؤمنين ومودتهم ودرجة قربهم منهم وبعدهم عنهم , وكذلك حالة المشركين حيث قال تعالى :- " لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا أنا نصارى "
العداوة بفضاء يظهر أثرها في القول والعمل والمودة محبه تظهر أثرها في القول والعمل , خلافا للجمهور الذين فسروها بالمحبة المطلقة .
وفي كلمة ( لتجدن ) تأكيدان : لام القسم في أول الكلمة , ونون التوكيد في آخرها وفي الخطاب بها وجهان أحدهما : انه للنبي صلى الله عليه وسلم وثانيهما : انه لكل من يوجه إليه الكلام .
وفي ( الناس ) الذين نزل فيهم هذا التفصيل قولان أحدهم : انهم يهود الحجاز ومشركو العرب ونصارى الحبشة في عصر التنزيل . والثاني : انه عام لكل شعب وجيل , ولكن يرد على عموم الأزمنة ما سيأتي .
ثم يفيض الشيخ محمد رشيد رضا بالشرح عن دعوة النصارى المجاورين للحجاز للدخول في الإسلام حتى يستنتج منها أن النصارى الذين كانوا مجاورين للحجاز كانوا في زمن البعثة اقرب مودة للمؤمنين واقرب قبولا للإسلام وان من توقف من ملوكهم عن الإسلام فما كان توقفه إلا ضنا بملكه وان النجاشي ( أصحمه ) قد أسلمت معه بطانته من رجال الدنيا والدين .
وفي تفسير النسفي (2)أن وصف اليهود بشدة الشكيمة والنصارى بلين العريكة وجعل اليهود قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين . ونبه على تقدم قدمهم فيها بتقديمهم على المشركين ( ذلك بان منهم قسيسين ورهبانا ) أي علماء وعبادا ( وانهم لا يستكبرون ) علل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين بأن منهم قسيسين ورهبانا وان فيهم تواضعا واستكانة واليهود على اختلاف ذلك وفيه دليل على أن العلم انفع شيء وأهداه إلى الخير وان كان علم القسيسين وكذا علم الآخرة وان كان في راهب والبراءة من الكبر وان كانت في نصراني ( وإذا سمعوا ما انزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق )
وصفهم برقة القلوب وانهم يبكون عند استماع القرآن كما روي عن النجاشي انه قال لجعفر بن أبي طالب حين اجتمع في مجلسه المهاجرين إلى الحبشة والمشركون وهم يقرؤونه عليهم هل في كتابكم ذكر مريم قال جعفر فيه سورة تنسب إلى مريم فقرأها إلى قوله تعالى ذلك عيسى ابن مريم وقرأ سورة ( طه ) إلى قوله هل أتاك حديث موسى فبكى النجاشي وكذلك فعل قومه الذين وفدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم سبعون رجلا حين قرأ عليهم سورة ( يس ) …… وعرفوا بعض الحق فمن للتبعيض فكيف إذا عرفوا كله وقرءوا القرآن وأحاطوا بالسنة .
( يولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ) أي أن هؤلاء النصارى …. آمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام ودعوا ربهم أن يكتبهم مع أمة محمد صلى الله عليه والسلام الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة
( وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ) قيل لما رجعوا إلى قومهم لاموهم فأجابوهم بذلك ( فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين ).
وفيه دليل على أن الإقرار داخل في الإيمان , فقد قالوا آمنا ووقر في قلوبهم بفيضان دموعهم إقرارا بالإيمان وقد كانوا من المحسنين , فليس الإيمان مجرد القول وقد قال الله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين. ونفى الإيمان عنهم مع قولهم آمنا بالله لعدم التصديق بالقلب .
فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل – كما قاله عليه الصلاة والسلام – وقال أهل المعرفة الموجود منهم ثلاثة أشياء البكاء على الجفاء , والدعاء على العطاء , والرضا بالقضاء فمن ادعى المعرفة ولم يكن فيه هذه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السيد محمد رشيد رضا تفسير المنار الجزء السابع العدد ( 30 ) صفحات2 - 5 الناشر الهيئة المصرية
العامة للكتاب - القاهرة
(2) النسفي تفسير النسفي المجلد الأول صفحات 230 - 231 الناشر طبعة
الثلاثة فليس بصادق في دعواه ( انتهى تفسير الشيخ محمد رضا )
وخلاصة ذلك أن النصارى الذين تنطبق عليهم الشروط التالية هم من يثيبهم الله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها:-
1- الإيمان بالله بغير شريك وحدانية مطلقة بغير تجسيد ولا تثليث ولا تأنس ولا نبوة …
2- الإيمان باليوم الآخر .
3- العمل الصالح .
وذلك كما سبق الذكر وأن النصارى الأقرب مودة للمسلمين هم من تنطبق عليهم الشروط الثلاثة السابقة وضمنا أن المسيح عيسى ابن مريم أو يسوع هو نبي مخلوق من غير أب أرسله الله لبني إسرائيل
ثانيا النصارى الذين نسوا حظا مما ذكروا به الفاسقون والكافرون قال تعالى :-
" ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما يصنعون " (14) من سورة المائدة .
يقول الشيخ عبد المحسن شطى وزملائه(1) في تفسير هذه الآية :-
( ومن الذين قالوا أنا نصارى أخذنا ميثاقهم ) أي أخذنا عهدا على الذين سموا أنفسهم نصارى على طاعتي وأداء فريضتي واتباع رسلي والتصديق بهم وبما جاءوا به .
( فنسوا حظا مما ذكروا به )
أي فنسوا نصيبا وافرا مما ذكروا به وسلكوا في عهدي الذي أخذته عليهم منهاج الأمة الضالة من اليهود فبدلوا كذلك دينهم ونقضوا عهدهم وتركوا الوفاء بعهدي وخالفوا أمري .
( فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة )
أي فألصقنا بينهم العداوة والبغضاء بالخصومات بينهم والجدل في الدين لأنهم تركوا كتاب الله وعصوا رسله وضيعوا فرائضه . وعطلوا حدوده وعملوا السوء فحبطت أعمالهم وكانوا من الخاسرين .
( وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون )
أي وسوف يخبرهم الله يوم القيامة بما كانوا يعملون فيجازيهم عليه وفي تفسير النسفي(2)
( ومن الذين قالوا أنا نصارى أخذنا ميثاقهم )
وهو الإيمان بالله والرسل وأفعال الخير يتعلق بأخذنا أي وأخذنا من الذين قالوا أنا نصارى ميثاقهم فقدم على الفعل الجار والمجرور وإنما لم يقل من النصارى لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصر الله وهم الذين قالوا ليس نحن أنصار الله ثم اختلفوا بعد نسطورية ويعقوبية ومسلكانية أنصار للشيطان .
( فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة )
فألصقنا والزمنا من غري بالشيء إذا لزمه ولصق به ومنه الغراء الذي يلصق به , بين فرق النصارى المختلفين بالأهواء المختلفة .
وما يؤخذ من هذه الآية :-
1- إن نقض العهد يسبب غضب الله تعالى وانتقامه .
2- إن التفرق في الدين تبعا للأهواء وشهوات النفس من غير دليل يكون سببا في إحباط الأعمال وإبطالها فيخلد صاحبها في النار يوم القيامة .
- ويستطيع المرء أن يستخلص :
أن هناك من النصارى …. بعض من يدعوا انتسابهم للنصرانية وهم بعيدين عن حقيقتها وهؤلاء نسوا نصيبا وافرا مما ذكروا به أي مما أتاهم من هداية ورشاد إلى الصراط المستقيم .
( مما ذكروا به ) نسوا حظا من الإنجيل … الإنجيل الذي انزل على عيسى عليه السلام الذي يذكره القرآن الكريم بأن فيه هدى ونور وليس قصة مولده وحياته.
- والأناجيل الموجودة حاليا الفتها الأسماء الموجودة عليها أو منسوب لتأليفهم لوقا ومتي ومرقس ويوحنا وليست هي الإنجيل الذي يشير إليه القرآن الكريم , فلقد قامت المجامع الكنسية بعد اكثر من ثلاثة قرون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأساتذة : عبد المحسن سليمان شطى , محمد سالم محيسن , محمد الصادق قمحاوي
مذكرة في تفسير سورة المائدة صفحة (41) مكتبة الكليات الأزهرية - الصنادقية بالأزهر القاهرة
(2) النسفي تفسير النسفي صفحة (214) الجزء الأول
باختيار هذه المؤلفات الأربعة من جملة حوالي 70 إنجيلا أو اكثر كانت موجودة منها عشرون مؤلفا غير متكرر وتلك مؤلفات عن قصة حياة سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام وبها الشك وعدم قتله يقينا وليست الإنجيل الذي انزل عليه .
يقول الله سبحانه وتعالى :-
" وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين (46) وليحكم أهل الإنجيل بما انزل الله فيه ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون (47) " من سورة المائدة
فالنصارى الذين لا يحكمون بما انزل الله في الإنجيل – الإنجيل الذي انزل على عيسى عليه السلام وهو مفقود حاليا هم الفاسقون – الكافرون – فالنصارى الذين نسوا حظا مما ذكروا به هم الفاسقون – أي مما جاء في الإنجيل المنزل على عيسى
ولقد نادى ويكلف ( 1320 – 1384 ميلادية ) واتباعه بشعار من البابا إلى الإنجيل وتبعه مارتن لوثر وكالفن أي العودة إلى الإنجيل بعيدا عن تشريعا الباباوات . وليتهم توصلوا إلى إنجيل برنابا فهو إنجيل توحيد وينبذ التثليث وينادي بان عيسى عليه السلام نبي ورسول ومخلوق ولم يذهبوا إلى التوحيد حيث لم يجدوا إنجيل سيدنا عيسى ابن مريم فارتموا في أحضان بولس مما أدى إلى الدعوة التالية من الإنجيل إلى العقل ومن ثم إلى اللادينية وقد يقول قائل إذا كان الإنجيل الذي انزل على عيسى ابن مريم عليه السلام مفقود وهو الإنجيل الذي انزل عليه وليس في متناول أحد الآن لأن مؤلهي عيسى قد احرقوه فهو بلا شك كان إنجيل توحيد وما به يدل على أن سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام مخلوق ونبي ورسول فماذا يعملون ؟
عليهم بالقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لأن الله هو الذي تعهد بحفظه " أنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون "صدق الله العظيم .
فعليه بالذكر الذي حفظه ويحفظه الله القادر , عليهم الإيمان بالله بوجدانية مطلقة والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر ( والذكر هو القرآن الكريم أما باقي الكتب السماوية فلم يتعهدها الله بالحفظ )
قال تعالى :-
" والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3) "سورة العصر .
قال تعالى :-
" وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون " (48) من سورة المائدة .
مما تقدم نستطيع أن نقول أن الفئة الثانية من النصارى هم الفاسقون وهم الكافرون الذي نسوا حظا مما ذكروا به مثلهم مثل الشيطان الذي فسق(2) عن أمر ربه أن خرج عن طاعته ( مجمع اللغة العربية – المعجم الوجيز صفحة 471) وذلك كما في قوله تعالى " فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه "
الكافرون ( المشركون ) وهم المسيحيون عبدة المسيح
1- الكافرون الذين يقولون لن المسيح ابن الله أو اتخذ الله ولدا
قال سبحانه وتعالى :-
" وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها وأحدا لا اله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا إن يتم نوره ولو كره الكافرون (32)" من سورة التوبة.
يقول النسفي(1) في تفسيره للآيات :-
( وقالت اليهود ) كلهم أو بعضهم ( عزيز ابن الله ) ( وقالت النصارى المسيح ابن الله ) ( ذلك قولهم بأفواههم ) أي قول لا يعضده برهان ول يستند إلى بيان فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ عن معنى تحته كالألفاظ المهملة ( يضاهئون قول الذين كفروا من قبل ) يعني الذين كانوا في عهد الرسول عليه الصلاة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النسفي تفسير النسفي صفحة (94) الجزء الثاني
(2) مجمع اللغة العربية – المعجم الوجيز صفحة (471) طبعة وزارة التربية والتعليم عام 1994 م
والسلام من اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم يعني انه كفر قديم فيهم غير مستحدث أو الضمير للنصارى أي يضاهي قول المسيح ابن الله قول اليهود عزيز ابن الله لأنهم اقدم منهم يضاهئون عاصم واصل المضاهاة المشابهة(1)
( قاتلهم الله ) أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا ( أنى يؤفكون ) كيف يصرفون عن الحق بعد قيام البرهان .
( اتخذوا ) أي أهل الكتاب ( أحبارهم ) علماءهم ( ورهبانهم ) نساكهم ( أربابا ) ألهه ( من دون الله ) حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما احل الله كما يطاع الأرباب في أوامرهم ونواهيهم ( والمسيح ابن مريم ) عطف على أربابهم أي اتخذوه ربا حيث جعلوه ابن الله ( وما أمروا إلا ليعبدوا إلها وأحدا ) يجوز الوقف عليه لان ما بعده يصلح ابتداء ويصلح وصفا لواحدا ( لا اله إلا هو سبحانه عما يشركون ) تنزيه له عن الإشراك ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ) .
وفي تفسير الجلالين(2)
( وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ) عيسى ( ابن الله ذلك قولهم بأفواههم ) لا مستند لهم عليه به ( يضاهئون ) يشابهون به ( قول الذين كفروا من قبل ) من آبائهم تقليداً لهم ( قاتلهم الله أنى يؤفكون ) لعنهم الله كيف يصرفون عن الحق مع قيام الدليل .
( واتخذوا أحبارهم ) علماء اليهود ( ورهبانهم ) عباد النصارى ( أربابا من دون الله ) حيث اتبعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما احل الله ( والمسيح ابن مريم ) ( وما أمروا ) في التوراة والإنجيل ( إلا ليعبدوا) أي أن يعبدوا ( إلها وأحدا لا اله إلا هو سبحانه ) تنزيها له ( عما يشركون )
( يريدون أن يطفئوا نور الله ) شرعه وبرهانيه ( بأفواههم ) بأقوالهم فيه ( ويأبى الله إلا أن يتم ) يظهر
( نوره ولو كره الكافرون ) ذلك.
وفي تفسير المنار(3)
( وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ) وجملة القول أن اليهود كانوا ومازالوا يقدسون عزيز هذا حتى أن بعضهم أطلق عليه لقب ابن الله ولا ندري أكان إطلاقه عليه بمعنى التكريم الذي أطلق على إسرائيل وداود وغيرهما أم بالمعنى الذي سيأتي قريبا عن فيلسوفهم ( فيلو ) قريب من فلسفة وثني الهند التي هي اصل عقيدة المسيحيين(4) . وقد اتفق المفسرون على أن إسناد هذا القول إليهم يراد به بعضهم لا كلهم . ومن المعلوم أن بعض النصارى الذين قالوا أن المسيح ابن الله كانوا من اليهود وبولس أو شارل هو أول من قالها كما ذكره عن نفسه في رسائله .
وقد كان ( فيلو ) الفيلسوف اليهودي الإسكندري المعاصر للمسيح يقول أن لله ابنا هو كلمته التي خلق بها الأشياء فعلى هذا لا يبعد أن يكون بعض المتقدمين على عصر البعثة المحمدية قد قالوا أن عزيز ابن الله بهذا المعنى .
( وقالت النصارى المسيح ابن الله ) هذا القول كان يقوله القدماء منهم ويقصدون به معنى مجازيا كالمحبوب والمكرم , ثم سرت إليهم فلسفة الهنود في كرشنا وغيرهم من قدماء الوثنيين , ثم اتفقت عليه فرقهم المعروفة في هذه الأزمنة وعلى انه حقيقة لا مجاز وعلى أن ( ابن الله ) بمعنى ( الله ) وبمعنى ( روح القدس ) لان هؤلاء الثلاثة عندهم وأحدا لا مجازا , هذا تعليم الكنائس الذي قررته المجامع الرسمية بتأثير الفلسفة الرومية ولكن بعد المسيح وتلاميذه بثلاثة قرون ويخالفه خلق كثير منهم أعظمهم شأنا الموحدون والعقليون والكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتينية لا تعتد بنصرانيتهم ولا بدينهم .
( يضاهئون قول الذين كفروا من قبل )
أي يشابهون ويحاكون فيه قول الذين كفروا من قبلهم ويقلدونهم فيما عبدوه من عبادات وثنية كانت منتشرة.
وقد علمنا من تاريخ قدماء الوثنيين في الشرق والغرب أن عقيدة الابن الله , والحلول , والتثليث كانت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرحنا المضاهاة للذين كفروا من قبل في موضع لآخر طبقا لما توصل إليه وول ديورانت وغيره من
المؤرخين.
(2) جلال الدين السيوطي وجلال الدين تفسير الجلالين صفحة 244 الناشر – وهو ما أشار إليه السيد
محمد رشيد رضا .
(3) الشيخ محمد رشيد رضا تفسير المنار الهيئة المصرية العامة للكتاب .
(4) أوردنا في صفحات أخرى بالكتاب تأصيل لمصدر عقيدة المسيحيين التي أسسها بولس واستمدها ومن
تبعوه في التأسيس من وثنيات الهند وقدماء المصريين والفرس …
معروفة عند البراهمة في الهند والبوذيين فيها وفي الصين واليابان وقدماء الفرس والمصريين واليونان والرمان – وهو ما فصلناه في بأب لاحق عن التثليث وعبادة المسيح وهذه المضاهاة والتقليد توصل إليها علماء من المسيحيين أنفسهم مثل ديورانت متفقين في ذلك مع الشيخ محمد رشيد رضا
( قاتلهم الله أنى يؤفكون ) كيف ينصرفون عن حقيقة التوحيد والتنزيه للخالق عز وجل فأين عزيز والمسيح من رب العالمين ؟
إنما خلق مما خلق الله سبحانه وتعالى وعبدين من عباده الصالحين , فبغير اتفاق أو سابق معرفة بين السيد محمد رشيد رضا والعالم الكاثوليكي الأمريكي المؤرخ وول ديورانت يتفقا في الاستنتاج والاستقصاء التاريخي للأصول الوثنية للطقوس والعبادة للمسيح أو التثليث وهو ما فصلناه في باب لاحق كما نوهنا من قبل وقد اعتمدنا فيه على دراسات وول ديورانت المسيحي الكاثوليكي وقد ذكرت اكثر من تفسير هنا
( للمضاهاة ) – النسفي والجلالين والسيد محمد رشيد رضا – حتى نتبين حقيقة المضاهاة للذين كفروا من قبل وفي سورة البقرة يقول الله تعالى :-
" وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون " (116) أي تنزيها له عن اتخاذ الولد .
2- الكافرون الذين يقولون أن الله هو المسيح عيسى ابن مريم :
3- قال تعالى في سورة المائدة الآية (17) " لقد كفر الذين قالوا أن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير " صدق الله العظيم .
وأيضا قال تعالى : " لقد كفر الذين قالوا أن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار " (72) من سورة المائدة . والآيات واضحة لا تحتاج إلى تفسير والأرثوذكس يقولون بألوهية المسيح ابن مريم حيث يقولون أن الله تأنس في صورة المسيح ابن مريم وهؤلاء قوم كافرون بنص الآيات فالمسيح عبد الله ورسوله ومن خلق الله أمر بني إسرائيل أن يعبدوا الله وحده لا شريك له وسوف يتبرأ من الذين عبدوه يوم القيامة وهم يقولون أن الله تجلى على يسوع فتجسد فيه واصبح في هيئته أي تأنس وان الثالوث هو الأب والابن والروح القدس اله وأحد ونظرية الثالوث مستمدة من فكر الفيلسوف الوثني افلوطينيس الذي يقول أن الله عقل ووجود وروح وهو كفر تنطبق عليه أيضا آية سورة المائدة (73) .
3- الكافرون الذين يقولون أن الله ثالث ثلاثة
قال سبحانه وتعالى :
" لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من الاه إلا الاه وأحد وان لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب اليم (73) أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقه كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر كيف يؤفكون (75) قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم (76) قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77)" صدق الله العظيم .
بيان الكلمات(1)
( خلت ) مضت ( أمه صديقة ) كثيرة الصدق مع الله تعالى
( يأكلان الطعام ) كسائر البشر فكيف تزعمونه إلها
( أنى يؤفكون ) كيف يصرفون عن تدبر الدلائل البينة وقبولها
( لا تغلوا ) لا تجاوزوا الحد ولا تفارقوا .
( غير الحق ) غلواً باطلا .
وتدل الآيات الكريمة دلالات واضحة على كفر من يقول التثليث ( الأب والابن والروح القدس ) فما من الاه إلا الله لا شريك له .
ولقد تفسير كل من ابن كمونه اليهودي للتثليث والاقانيم وول ديورانت عن كونها مأخوذه من الديانات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بيان الكلمات من تفسير وبيان الشيخ حسنين مخلوف الناشر دار المعارف
 
الوثنية, أخذت من عبادة إيزيس وأوزوريس وحورس والتي كانت منشرة في البحر الأبيض كذلك الديانة الوثنية المثراسية ….. وغيرها …. في أبواب لاحقة .
وما استدلال القائلين ( بالأب والابن والروح القدس اله وأحد ) إلا استدلال فاسد فتارة يقولون إن ذلك مثل الشمس أو الجمرة لها جسم وضوء وحرارة ونسوا أن الحرارة والضوء صفات وخواص وان لله الأسماء الحسنى (220اسم )(1) وأن الله تعالى غني عن التشبيه , فالحرارة والضوء خواص وصفات لحجم الشمس أو الجمرة , ولو ذكرنا خواص وصفات ما حولنا لوجدنا :-
- القمر جسم وضياء وهناك أجرام سماوية ليس لها ضوء ولا تنبعث منها حرارة والأرض يلف حولها قمر
وأحد وهناك كواكب لها اكثر من قمر .
- والذرة وهي وحدة المادة مكونة من اكثر من أربعة أو خمسة مكونات :-
إلكترونات , بروتونات , نيترونات , ميزونات , بوزيترونات وقد تخرج منها إشعاعات والميزونات قد تكون
موجبة أو سالبة .
- والجزيء في الغازات مكون من ذرتين متحدتين وفي المواد الصلبة والسائلة مثل الزئبق مكون من ذرة
واحدة .
على أية حال أحيل القارئ إلى ابن كمونه اليهودي في تفنيده للاقانيم الثلاثة والتي أوردتها في بأب أساسيات الديانة المسيحية وعن ضلالة عبادة المسيح وقولهم انه ابن الله أو انه الله أو انه ثالث ثلاثة فقد أفردت لها أيضا بابا يثبت المضاهاة والمصدر الوثني لها ( يضاهئون قول الذين كفروا من قبل )
ثالثا المجادلون مع اليهود وضرورة اتباعهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم
قال الله سبحانه وتعالى :-
" وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون " (11) من سورة البقرة
في تفسير المنار(2)
يقول السيد محمد رشيد رضا ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ) من الدين الحقيقي يعتد به فالشيء في اللغة هو الموجود المتحقق والاعتقادات الخيالية التي لا تنطبق على موجود في الخارج لا تسمى شيئا , فكفروا بعيسى وهم يتلون التوراة التي تبشر به وتذكر من العلامات ما ينطبق عليه ولا تزال اليهود إلى اليوم تدعي أن المسيح المبشر به في التوراة لم يأت , وتنتظر ظهوره وإعادته الملك إلى شعب إسرائيل .
( وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ) من الدين حقيقي يعتد به لإنكارهم المسيح المتمم لشريعتهم , يقول كل فريق منهم ما يقول ( وهم يتلون الكتاب ) أي يتلون كل منهم كتابه فكتاب الأولين التوراة يبشر برسول منهم ظهر ولم يؤمنوا به فهم مخالفون لكتابهم وكتاب الآخرين الإنجيل يقول بلسان المسيح انه جاء متمما لناموس موسى لا ناقضا له وهم قد نقضوه فدينهم وأحد قد ترك بعضهم أوله وبعضهم آخره فلم يؤمن به كله أحد منهم والكتاب الذي يقرءونه حجة عليهم .
ثم قال تعالى ( كذلك ) أي نحو ذلك السخف والجزاف ( قال الذين لا يعلمون ) من مشركي العرب وغيرهم من أهل الملل ( مثل قولهم ) تعصب كلي لملته التي جعلها جنسية وزعم أنها هي المنجية لكل من وسم بها ورضى باسمها ولقبها والحق وراء جميع المزاعم لا يتقيد بأسماء ولا ألقاب وإنما هو إيمان خالص وعمل صالح ولو اهتدى الناس إلى هذا لما تفرقوا في الدين واختلفوا في أصوله ولكنهم تعصبوا وتحزبوا لأهوائهم فتفرقوا واختلفوا في آرائهم ( فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) فانه هو العليم بما عليه كل فريق من حق وباطل ولم يبين لنا تعالى هنا بماذا يحكم . وقال بعض المفسرين انه يكذبهم جميعا ثم يلقيهم في النار ولكن الذي يدل عليه القرآن انه يحق الحق ويجعل أهله في النعيم ويبطل الباطل ويجعل أهله في الجحيم .
ويروى في سبب نزول الآية أن يهود المدينة تحاوروا مع وفد نصارى نجران عند النبي صلى الله عليه وسلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقال للدكتور علي جمعة مفتي مصر في الأهرام 10 أبريل عام 2004 م أن الأسماء التي وصف بها الله
نفسه في كتابه اكثر من 150 اسما وهناك قد ورد في السنة اكثر من150 اسما ومجموعهما 220 اسما
بعد حذف المكرر وهذه الأسماء والصفات يمكن تقسيمها إلى صفات جمال وكمال وجلال .
(2) الإمام محمد رشيد رضا تفسير المنار الجزء الأول العدد (5) سلسلة التراث للجميع الهيئة المصرية
للكتاب عام 1972 م .
فقال كل منهم ما قال في إنكار حقيقة دين الآخر .
هذا وقد سبق تلك الآية في سورة البقرة قوله سبحانه وتعالى :-
" وقالوا لم يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (111) بلى من اسلم وجهه لله وهو محسن فله اجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (112) " سورة البقرة .
وفي تفسير المنار يقول الشيخ محمد رشيد رضا
قالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا وقالت النصارى كذلك في أنفسهم وهو اختصار بديع غير مخل وهذه عقيدة الفريقين إلى اليوم ولا ينافي انسحاب حكمهم على الآخرين أن نفرا من الأولين قالوا ذلك بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم كما يروى , وقد بين لنا تعالى أن هذا القول لا صحة له في كتبهم المنزلة فقال ( تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) والأماني : جمع أمنية وهو ما يتمناه المرء ولا يدركه.
وهذا القول ناطق بأمنية واحدة ولكنها تتضمن أماني متعددة هي لوازم لها كنجاتهم من العذاب وكوقوع أعدائهم فيه وحرمانهم من النعيم ولهذا ذكر الأماني بالجمع ولم يقل تلك أمنيتهم وقد انفرد بهذا الوجه الأستاذ الإمام محمد عبده ……..
قال تعالى ردا عليهم ( بلى ) وهي كلمة تذكر في الجواب لإثبات نفي سآبق فهي مبطلة لقولهم ( لن يدخل الجنة ) أي بلى انه يدخلها من لم يكن هودا ولا نصارى لأن رحمة الله ليست خاصة بشعب دون شعب وإنما هي مبذولة لكل من يطلبها ويعمل لها عملها . وهو ما بينه سبحانه وتعالى بقوله ( من اسلم وجهه لله وهو محسن فله اجره عند ربه ) إسلام الوجه لله هو التوجه إليه وحده وتخصيصه بالعبادة دون سواء وهو محسن
قال سبحانه وتعالى :-
" ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير " (120) من سورة البقرة .
في تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا(1)
قال الإمام محمد عبده في معنى الآية : من شأن الإنسان أن يتـألم من القبيح أشد التألم إذا وقع ممن لا يتوقع منه , فكان النبي عليه الصلاة والسلام يرجو أن يبادر أهل الكتاب إلى الإيمان به وألا يرى منهم المكابرة والمجاحده والعناد , ولهذا كبر عليه أن رأى من إعراض اليهود والنصارى عن أجابه دعوته وإسرافهم في مجاحدته اشد مما رأى من مشركي العرب الذين جاء لمحو دينهم من الأرض , مع موافقته لأهل الكتاب في اصل دينهم ومقصده من توحيد الله تعالى والإخلاص له وتقويم عوج الفطرة الإنسانية الذي طرأ عليه بسبب التقاليد وترقية المعارف الدينية إلى أعلى ما استعد له الإنسان من الارتقاء العقلي والأدبي ولذلك كان يخاطبهم بمثل قوله تعالى ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ) (64) آل عمران وغيرها من الآيات . وقد كان من الصعب – لولا إعلام الله تعالى – أن تعرف درجة فتك التقليد بعقول أهل الكتاب وإفساد الأهواء لقلوبهم .
لذلك سلى الله تعالى نبيه عما كان يجده من عنادهم وإيذائهم بآيات كثيره عرفه فيها حقيقة حالهم , منهم هذه الآية الناطقة بأن كلا من اليهود والنصارى على اتحادهم في اصل الدين قد تعصب لتقاليده واتخذ الدين جنسية لا يرضيه من أحد شيء إلا الدخول فيها وقبول لقبها فقوله تعالى ( حتى تتبع ملتهم ) مراد به ما هم عليه من التقاليد والأهواء التي غيروا بها وجه الدين حتى صار بعضهم يحكم بكفر بعض كما تقدم في الآيات السابقة .
ثم أمره تعالى في مقابلة ذلك بقوله ( قل إن هدى الله هو الهدى ) أي اجهر بقول الحق وهو أن الهدى الصحيح هو هدى الله الذي أنزله على أنبيائه دون ما إضافة إليه اليهود والنصارى بآرائهم وأهوائهم ففرقوا دينهم وكانوا شيعا كل شيعة تكفر الأخرى وتقول : أنها ليست على شيء أي فان أردت استرضاءهم فلن يرضوا عنك إلا أن تتبع أهواءهم ( ولئن اتبعت أهواءهم ) التي أضافوها على كتبهم وجعلوها أصولا وفروعا لدينهم ( بعد الذي جاءك من العلم ) اليقين بالوحي الإلهي المبين الذي يبين ما كان منهم من تحويل القول عن معناه بالتأويل وتحريف الكلم عن مواضعه ونسيان حظا مما ذكروا به ( ما لك من الله من ولي ولا نصير )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإمام محمد رشيد رضا تفسير المنار الجزء الأول العدد(5) سلسلة التراث للجميع الهيئة المصرية
للكتاب عام 1972 م .
أي فانك لن تنجح ولن تصل إلى حقك بمجاراتهم علي باطلهم لأن الله لا ينصرك على ذلك إذ لا يرضيه أن يكون اتباع الهوى طريقا إلى الهدى والضال لا يرضيه إلا موافقته على ضلاله ومجاراته على فساده , وإذا لم يكن الله هو الذي يتولى شئونك وينصرك بمعونته فمن ذا الذي ينصرك ويتولاك من بعده ؟
ويقول الأستاذ الإمام محمد عبده : من تدبر هذا الإنذار الشديد الموجه من الله تعالى إلى نبي الرحمة المؤيد منه بالكرامة والعصمة علم أن المراد منه الوعيد والتشديد على الأمة على حد إياك اعني واسمعي يا جارة فان الله سبحانه وتعالى يخاطب الناس كافة في شخص النبي صلى الله عليه وسلم .
فقوله ( ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ) وهو يعلم جل شأنه انه لا يتبع أهواءهم في حال من الأحوال وقد عصمه من الزيغ والضلال إنما جاء على هذا الأسلوب ليرشد من يأتي بعده ممن يتبع سنته ويأخذ بهديه فهو يرشدنا بهذا التهديد العظيم إلى الصدع بالحق والانتصار له وعدم المبالاة بمن يخالفه مهما قوي حزبهم واشتد أمرهم وانه لتهديد ترتعد منه فرائص الذين يخشون ربهم ولا سيما إذا انسوا من أنفسهم ضعفا في الحق , كأن تركوا الجهر به أو الدفاع عنه خوفا من إنكار العامة عليهم ولفظ الناس بهم فمن عرف الحق وعرف أن الله تعالى ولي أهله وناصرهم لا يخاف في تأييده لومه لائم ولا يفترن أحد بمن يسميهم الناس علماء وعارفين في سكوتهم عن الحق ومجاراتهم لأهل الباطل فانهم ليسوا على شيء من العلم الحقيقي وان هي إلا كلمات يتلقفونها وعادات يتقلدونها , لا حجة للأحياء فيها سوى قولهم : أن الميتين درجوا عليها .
وليس هذا العلم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو شيء كان يلقب بالعلم عند الضالين من أهل الكتاب والمشركين كذلك وقد نفى عنه كونه علما على الحقيقة مثل قوله تعالى ( إن يتبعون إلا الظن وما تهوي الأنفس ) من آية (23) من سورة النجم وبقوله تعالى ( أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وان هم إلا يظنون ) (78) من سورة البقرة . فمن اخذ بقول القائلين واتبع ما وجد عليه السابقين بدون بنيه يعرف بها وجه الحق من ذلك وكتاب الله بين يديه لا ينظر فيه ولا يرجع إليه فقد اتبع الهوى بعد الذي جاء من العلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وباء بالخزي في الدنيا والآخرة ولم يكن ولن يكون له من الله ولي ولا نصير .
قال سبحانه وتعالى :-
" يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين " (15) من سورة المائدة .
في تفسير المنار يقول السيد محمد رشيد رضا(1)
يبين الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين انه اخذ الميثاق على أهل الكتاب من اليهود والنصارى من قبل كما أخذه على هذه الأمة الآن وانهم نقضوا ميثاقه وأضاعوا حظا عظيما مما أوحاه الله تعالى إليهم ولم يقيموا ما حفظوا منه وهذا البيان من دلائل النبوة لصلى الله عليه وسلم التي هي من معجزات القرآن الكثيرة ثم ناداهم بعد ذلك ووجه إليهم الخطاب في إقامة الحجة عليهم بقوله عز وجل :
( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ) قيل إن هذه الآية نزلت في قصة إخفاء اليهود حكم رجم الزاني حين تحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك والصواب أن الآية على إطلاقها , فكان رسول الله وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم قد بين لأهل الكتاب كثيرا من الأحكام والمسائل التي كانوا يخفونها مما انزل الله عليهم منها حكم رجم الزاني هو مما حفظوه من أحكام التوراة
( كما ترى في 22: 20-24 من سفر التثنية ) ولم يلتزموا العمل به وأنكروا أمام النبي صلى الله عليه وسلم فاقسم على عالمهم ابن صوريا وناشده الله حتى اعترفوا به .
فهذا مما كانوا يخفون عند وجوب العمل به أو الفتوى . وكذلك أخفوا صفات النبي صلى الله عليه وسلم والبشارات به وحرفوها بالحمل على معان أخرى اليهود والنصارى في ذلك سواء . وهذا النوع غير ما أضاعوه من كتبهم ونسوه البته , كنسيان اليهود ما جاء في التوراة من خبر الحساب والجزاء في الآخرة وما أظهره لهم الرسول مما كانوا يخفون وعن المسلمين كانت الحجة عليهم فيه أقوى لأنهم كانوا يعلمون انه أُمي لم يطلع على شيء من كتبهم , ولهذا آمن من آمن من علماء اليهود المنصفين واعترفوا بعد إيمانهم بما بقى عندهم من البشارات وصفات النبي صلى الله عليه وسلم .
( ويعفوا عن كثير ) مما كنتم تخفونه فلا يفضحكم ببيانه وهذا النص حجة عليهم أيضا لأنهم يعلمون انهم يخفون عن المسلمين وعن عامتهم كثيرا من المسائل لئلا يكون حجة عليهم إذ هم لا يعلمون به كدأب علماء السوء في كل أمة يكتمون من العلم ما يكون حجة عليهم كاشف عن سوء حالهم أو يحرفونه تحريفا معنويا بحمله على غير معناه المراد .
( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ) في المراد بالنور هنا ثلاثة أقوال أحدهما انه النبي صلى الله عليه وسلم ثانيها انه الإسلام ثالثها انه القرآن .
ووجه تسمية كل هذه الثلاثة نورا هو انه للبصيرة كالنور للبصر , فلولا النور لما أدرك البصر شيئا من المبصرات ولولا ما جاء به النبي من القرآن والإسلام لما أدرك ذو البصيرة من أهل الكتاب ولا من غيرهم حقيقة دين الله , وحقيقة ما طرأ على التوراة والإنجيل من ضياع بعضها ونسيانه , وعبث رؤساء الدين بالبعض الآخر بإخفاء بعضه وتحريف البعض الآخر ولظلوا في ظلمات الجهل والكفر لا يبصرون والكتاب المبين هو القرآن , وهو بين في نفسه مبين لما يحتاج إليه الناس لهدايتهم , ولولا عطفه على النور لما فسروا النور إلا به فان الأصل في العطف أن يكون المعطوف غير المعطوف عليه ولكن العطف قد يرد للتفسير , وهو الذي اختاره هنا لتوافق هذه الآية وما بعدها قوله تعالى في أواخر سورة النساء " يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما (175) "
وقد قال هنا بعد ذكر هذا النور ( يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد الرسل والتلاميذ وأول من أقام للعذراء معبدا بعد انتقالها إلى السماء بالنفس والجسد )
فما هي الأسباب التي ذكرها ( الأب انتساس الكرملي ) لعبادة العذراء ؟
] يقول أنه في سفر الملوك الثالث ( بحسب تقسيم الكاثوليك ) من أن إيليا حين كان مع غلامه في رأس الكرمل أمره سبع مرات أن يتطلع نحو البحر فأخبره الغلام بعد تطلعه المرة السابعة أنه رأى سحابه قدر راحة الرجل طالعه من البحر وقال ( أي الكاتب للمقال الأب انستانس ) في تلك القزعة من السحاب ( فمن ذلك النشأ) ( أول ما ينشأ من السحاب ) ؟ قلت إن هو إلا صورة مريم على ما أحقه المفسرون بل وصور الجبل بلا دنس أصلي , ثم قال هذا هو أصل عبادة العذراء في الشرق العزيز وهو يرتقي إلى المائة العاشرة قبل المسيح[
هكذا من التوهم والتخيل بوجود سحابه على شكل امرأة تخرج من البحر ويذكرني ذلك بما يراه البعض في القمر من صورة جميلة وكنت أرى تلك الصورة وأنا صغير وهي صورة وهمية وتخيلية لوجه إنسان أو أرنب أو غيره وبعد الصعود للقمر ووجود جبال به وما تبين من أنه أرض قاحلة لا صورة به ولا يحزنون تبين للجميع هذا الوهم والتخيل .
ونعود إلى معنى الآية بماذا أجاب المسيح عليه السلام ؟ ( قال سبحانك ) بدأ عليه السلام جوابه بتنزيه إلهه وربه عز وجل من أن يكون معه إله خلافا لمن قال أن التنزيه هنا إنما هو عن ذلك القول المسئول عنه فذهب إلى معنى الجملة : أنزهك تنزيها لائقا من أن أقول ذلك أو من أن يقال ذلك في حقك , وظن أن هذا هو الذي يقتضيه سياق النظم وستعلم ما فيه من الضعف وأن ما اخترناه هو الحق . وكلمة ( سبحانك ) قيل إنها علم للتسبيح .
إن عيسى عليه السلام بدأ جوابه بتنزيه الله عز وجل عن أن يكون معه إله فأثبت بهذا أنه على علم يقيني ضروري بأن الله تعالى منزه في ذاته وصفاته عن أن يشارك في ألوهيته وانتقل من هذا إلى تبرئة نفسه العالمة بالحق عن قول ما ليس له بحق فقال ( ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ) أي ليس من شأني ولا مما يصح وقوعه مني أن أقول قولا ليس لي أدنى حق أن أقوله لأنك أيدتني بالعصمة من مثل هذا الباطل ولا يخفى أن هذا أبلغ في البراءة من نفي ذلك القول , وإنكاره إنكارا مجردا , لأن نفي الشأن يستلزم
 
نفى الفعل نفيا مؤيدا بالدليل , فهو تنزيه الله تعالى أولا اثبت أن ذلك القول الذي سئل عنه - تمهيدا لإقامة الحجة من اتخذوه وأمه إلهين - قول باطل ليس فيه شائبة من الحق , ثم قفي على ذلك بأنه ليس من شأنه ولا مما يقع من مثله أن يقول ما ليس له بحق , فنتيجة المقدمتين الثابتتين أنه لم يقل ذلك القول ثم أكد هذه النتيجة بحجة أخرى قاطعة على سبيل الترقي من البرهان الأدنى الراجع إلى نفسه وهو عصمته عليه السلام إلى البرهان الأعلى الراجع إلى ربه العلام فقال ( إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك )
قيل إن إضافة كلمة ( نفس ) إلى الله تعالى من باب المشاكلة , على أنها وردت بغير مقابل يسوغ ذلك كقوله تعالى : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة 54:6) ( ويحذركم الله نفسه 30:28:3) وقيل إنها بمعنى الذات والمهم فهم المعنى من هذا الإطلاق وتنزيه الله تعالى عن مشابهة نفسه لأنفس خلقه معروف بالنقل والعقل فإستشكال إطلاق الوحي للأسماء مع هذا ضرب من الجهل ( عنك أنت علام الغيوب ) أي أنك أنت المحيط بالعلوم الغيبية وحدك لأن علمك المحيط بكل ما كان وما يكون وما هو كائن علم ذاتي لا منتزع من صور المعلومات ولا مستفاد بتلقين ولا بنظر واستدلال وإنما علم غيرك منك لا من ذاته فإما أن يناله بما آتيته من المشاعر أو العقل , إما أن يتلقاه مما تهبه من الإلهام والحي , أي وقد علمت أني لم أقل ذلك القول .
( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ) فهذا قول يتضمن إنكار أن يكون أمرهم باتخاذه وأمه إلهين وإثبات ضده , أي ما قلت لهم في شأن الإيمان وأصل الدين وأساسه الذي يبنى عليه غيره ولا يعتد بغيره دونه , إلا ما أمرتني بإلزامه اعتقادا وتبليغا وهو الأمر بعبادتك وحدك مع التصريح بأنك ربي وربهم وأنني عبد من عبادك مثلهم أي إلا أنك خصصتني بالرسالة إليهم .
( وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ) أي وكنت قائما عليهم أراقبهم وأشهد على ما يقولون ويفعلون فأقر الحق وأنكر الباطل مدة دوام وجودي بينهم ( فلما توفيتبي كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد)
أي فلما توفيتني إليك كنت أنت المراقب لهم وحدك إذا انتهت مدة رسالتي فيهم ومراقبتي لهم وشهادتي عليهم فلا أشهد على ما وقع منهم وأنا لست فيهم وأنت شهيد عليهم وشهيد بيني وبينهم بما أنك شهيد على كل شيء في ملكك , وأنت أكبر شهادة ممن تجعلهم شهداء على خلقك .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
يسأل الله سبحانه وتعالى عيسى ابن مريم عن عبادة المسيحيين له ...
يقول سبحانه وتعالى :
" وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116) ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117) " من سورة المائدة
 
في تفسير المنار للسيد محمد رشيد رضا(1)
المعنى اذكر أيها الرسول للناس يوم يجمع الله الرسل فيسألهم جميعاً عما أجابتهم به أممهم إذ يقول لعيسى اذكر نعمتي عليك وعلي والدتك … الخ وإذ يقول له بعد ذلك ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله ؟ أي يسأله : أقالوا هذا القول بأمر منك أم هم افتروه وابتدعوه من عند أنفسهم ؟
ومعنى قوله ( من دون الله ) كائنين من دون الله أو حال كونهم متجاوزين بذلك توحيد الله وإفراده بالعبادة فهذا التعبير يصدق باتخاذ اله أو اكثر مع الله تعالى وهو الشرك فإن عبادة الشريك المتخذ غير عبادة الله خالق السماوات والأرض سواء اعتقد المشرك أن هذا المتخذ ينفع ويضر بالاستقلال – وهو نادر- أو أعتقد انه ينفع ويضر بإقدار الله إياه وتفويضه بعض الأمر إليه في ما وراء الأسباب , أو بالوساطة عند الله وهو الأكثر الذي كان عليه مشركو العرب عند البعثة كما حكى الله عنه في قوله ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون (18) ) من سورة يونس.
أما اتخاذهم المسيح اله فقد نقدم بيانه في مواضع من تفسير هذه السورة وأما أمه فعبادتها كانت متفقا عليها في الكنائس الشرقية والغربية بعد قسطنطين ثم أنكرت عبادتها فرقة البروتستانت التي حدثت بعد الإسلام بعده قرون - أما باقي الفرق فما زالوا على عبادتها وصورتها-
تجدها في صور الكنيسة وهي تحمل ابنها
إن هذه العبادة التي يوجهها النصارى إلى مريم والدة المسيح ( عليهما السلام ) منها ما هو صلاة ذات دعاء وثناء واستغاثة واستشفاع ومنها صيام ينسب إليها وسمى باسمها وكل ذلك يقرن بالخشوع والخضوع لذكرها ولصورها وتماثيلها واعتقاد السلطة الغيبية لها التي يمكنها بها في اعتقادهم أن تنفع وتضر في الدنيا والآخرة بنفسها أو بوساطة ابنها , وقد صرحوا بوجوب العبادة لها ولكن لا نعرف عن فرقة من فرقهم إطلاق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الشيخ محمد رشيد رضا تفسير المنار الجزء السابع العدد (32) التراث للجميع الهيئة المصرية العامة
للكتاب.
كلمة ( إله ) عليها بل يسمونها ( والدة الإله ) ويصرح بعض فرقهم بأن ذلك حقيقة لا مجاز والقرآن يقول
هنا أنهم اتخذوها وابنها الهين والاتخاذ غير التسمية فهو يصدق بالعبادة وهي واقعة قطعاً ويبين في آية أخرى أنهم قالوا ( إن الله هو المسيح ابن مريم …) من آية17& 72 من سورة المائدة وذلك معنى آخر .
وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى في أهل الكتاب ( واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) من آية (31) سورة التوبة انهم اتبعوهم فيما يحلون ويحرمون لا انهم سموهم أربابا.
وأول نص صريح رأيته - السيد محمد رشيد رضا - في عبادة النصارى لمريم عبادة حقيقية ما في كتاب
( السواعي ) من كتب الروم الأرثوذكس وقد اطلعت على هذا الكتاب في دير يسمى ( دير البلمند ) وأنا في أول العهد بمعاهد العليم وطوائف الكاثوليك يصرحون بذلك ويفاخرون به , وقد زين الجزويت في بيروت العدد التاسع من السنة السابعة لمجلتهم ( المشرق ) بصورتها – التي يتخيلونها طبعاً – وبالنقوش الملونة إذ جعلوه تذكاراً لمرور خمسين سنة على إعلان البابا بيوس التاسع أن مريم البتول(حمل بها بلا دنس الخطية)
وأثبتوا في هذا العدد عبادة الكنائس الشرقية لمريم كالكنائس الغربية ومنه قول ( الأب لويس شيخو ) في مقاله له عن الكنائس الشرقية ( إن اعبد الكنيسة الأرمنية للبتول الطاهرة أم الله لأمر مشهور ) وقوله ( قد امتازت الكنيسة القبطية لعبادتها البتول المغبوطة أم الله ) .
ويذكر السيد محمد رشيد رضا أنه في العدد الرابع عشر من مجلد السنة الخامسة من مجلة المشرق الكاثوليكية البيروتية مقال بقلم ( الأب أنستانس الكرملي ) وهو مقال موضوعه ( أصل رهبانية الكرمل ) فقد صرح فيه بأن لعبادة مريم العذراء أصلاً في العهد العتيق وجعل عنوان أول فصل من هذا المقال ( قدم التعبد للعذراء ) ويقول في مقاله ( لذلك كان أمجاد الكرملين أول من آمن أيضاً بالإله يسوع