أحمد عبد الرحيم مصطفى: الفرق بين النسختين

تم إضافة 20٬136 بايت ، ‏ قبل 10 سنوات
* بريطانيا والدول العربية (1920- 1948).
* الولايات المتحدة والمشرق العربي، سلسلة عالم المعرفة
 
 
=========================================================
 
 
الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى
وتأسيس المعرفة العلمية للتاريخ
 
د. أحمد زكريا الشلق
أستاذ بكلية الآداب – جامعة عين شمس
فى الخامس والعشرين من مارس 2002 رحل فى صمت عن عالمنا مؤرخ كبير، وعالم من علماء التاريخ المفكرين البارزين ، هو الأستاذ الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى ، أستاذ تاريخ مصر والعالم العربي الحديث والمعاصر ، وبفقده ، فقدت مصر واحدا من أعلام المؤرخين الذين أرسوا أسس وتقاليد المدرسة العلمية الحديثة فى كتابة التاريخ، وأرسوا تقاليد البحث العلمي الموضوعي بكتاباتهم وندواتهم وتلاميذهم.
وقد ولد الأستاذ الجليل فى إحدى قرى سوهاج بصعيد مصر فى نوفمبر عام 1925، وحصل على درجة الليسانس الممتاز فى الآداب من جامعة القاهرة عام 1946، وأعقبه بدبلوم معهد التربية العالي عام 1948 ليشتغل فترة قصيرة بالتعليم الثانوي ، يعين بعدها معيدا بجامعة عين شمس (إبراهيم باشا آنذاك) حيث حصل على درجة الماجستير عام 1951 بدراسته عن "علاقى مصر بتركيات فى عهد الخديوى إسماعيل 1863 – 1879" تحت إشراف الأستاذ محمد فؤاد شكرى ثم الأستاذ الدكتور أحمد عزت عبد الكريم ، الذى درس معه لدرجة الدكتوراه فى البداية ، ثم أوفد فى بعثه دراسية إلى جامعة لندن ، ليحصل على دكتوراه الفلسفة فى التاريخ عام 1955 فى موضوع من أهم موضوعات تاريخ مصر الحديث يتناول "شئون مصر الداخلية والخارجية 1876 – 1882" تحت إشراف الأستاذين هارولد بوون ومدلكوت، ليقدم لنا دراسة وثائقية لهذه الفترة الحرجة من تاريخ الوطن، وهى فترة تزايد التدخل الأجنبي ونمو الحركة الوطنية المصرية ، التى أفضت إلى قيام الثورة الوطنية المعروفة بالعرابية ، وتعد أكمل وأهم دراسة صدرت عن هذا الموضوع وقد عربها بعد ذلك ونشرتها دار المعارف عام 1965 تحت عنوان "مصر والمسألة المصرية 1876 – 1882" ونفدت فى حينها ولم تطبع منذ ذلك التاريخ رغم أهميتها الشديدة.
وقد شغل الأستاذ المؤرخ بعد ذلك وظائف التدريس فى كلية الآداب بجامعة عين شمس منذ عام 1956 مدرسا، فأستاذا مساعدا ، فأستاذا لكرسي التاريخ الحديث منذ عام 1968 فرئيسا للقسم (1970) ، فوكيلا للكلية لعام 1972 – 1973. وقد شاءت ظروفه أن يعار للعمل أستاذاً بجامعة الكويت ، التى استقطبت فى حينه أعلاما من الأساتذة المصريين منهم الأساتذة المصريين منهم الأساتذة الدكاترة محمد عواد حسين وأحمد أبو زيد وعبد الرحمن بدوى وفؤاد زكريا وحسين مؤنس وغيرهم. وقد استمر الدكتور أحمد عبد الرحيم يعمل فترة طويلة فى جامعة الكويت (1973 – 1987) قام خلالها بنشاط علمي جم وبجهد تأسيسي كبير ، من خلال إشرافه العلمي وجهود فى التأليف والترجمة مدفوعاً بإيمانه بأن له رسالة يؤديها فى أى مكان من وطنه العربي ، وقد عاد الأستاذ إلى بيته الأول فى كلية الآداب بجامعة عين شمس عام 1987 ليستأنف نشاطه العلمي بين تلاميذه ، وقد صاروا كبار يشار إليهم بالبنان، وقد كرمته الدولة بمنحه جائزتها التقديرية فى العلوم الاجتماعية عام 1998، وربما كان لغيابه عن مصر فترة طويلة نسبياً أثر فى تأخر هذا التكريم ، الذى كان جديرا باستحقاقه له قبل ذلك بسنوات طويلة.
لقد كان الأستاذ المؤرخ لا يعرف من ملذات الدنيا غير القراءة والكتابة وجلسات النقاش العلمي ، وأظن أن هذا كان أفضل ما يحب فعله ويستمتع به ، فلم يتوان عن المشاركة ببحوثه ومداخلاته فى المؤتمرات العليمة والندوات التاريخية ، خاصة ذات الطابع العلمي الأكاديمي ، سواء فى مصر أو فى بقية العواصم العربية والأوربية ، حيث كان فارساً ، يقول دائما الجديد ، ويفجر القضايا ، ويتمتع بمقدرة هائلة على جذب انتباه الحضور وإفادتهم ، وربما كان أبرز المؤتمرات التى شارك فيها بأبحاثه ، المؤتمر الذى انعقد فى جامعة لندن (1964 – 1965) والذى كان يتناول "التغيرات الاجتماعية والاقتصادية فى مصر الحديثة" ، والذى أشرف عليه الأستاذ هولت ، وقد ألقى فيه الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفي بحثين بالإنجليزية أحداهما عن انهيار نظام الاحتكار فى مصر بعد عام 1841 ، والآخر عن أوراق حككيان الذى كان مهندسا كبيرا فى عهد محمد على وترك أوراقا تكشف عن جوانب هامة من تاريخ مصر خلال الفترة (1840 – 1863).
وقد نشر بحثا الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى ضمن الكتاب الذى ضم أبحاث المؤتمر وصدر بالإنجليزية عام 1968 عن جامعة لندن تحت عنوان : "Social and Political Change in Modern Egypt" ، والذى لم يقدر له أن يترجم إلى اللغة العربية حتى الآن رغم أهميته الكبيرة ، وإن كان استاذنا قد ترجم بحثيه ونشرهما ضمن كتاب أصدرته هيئة الكتاب تحت عنوان "عصر حككيان" عام 1990 حيث ضم فيه مجموعة من أبحاثه المترجمة التى تغطي موضوعات مهمة من تاريخ مصر خلال الفترة التى أعقبت معاهدة لندن عام 1840 وحتى أواخر القرن التاسع عشر.
لقد كان الأستاذ المؤرخ من عُمد سمنار التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب جامعة عين شمس ، وقد تولى الإشراف عليه فترة من الزمن، ساهم فيها بجهوده فى إرساء تقاليد الندوات العلمية المنتظمة ، وقد تعددت المجالات التى درس فيها ، فإلى جانب جامعته الأم، ألفى دروسه فى جامعة الموصل وجامعة الكويت ، وفى معهد البحوث والدراسات العربية، والجامعة الأمريكية بالقاهرة ، كما أشرف على الكثير من رسائل الماجستير والدكتوراه فى كل هذه المعاهد العلمية وغيرها، وكان له فى كل منها تلاميذ ومريدون ، لا يسع المقام هنا لذكرهم.
ولم يكن الأستاذ المؤرخ منغلقاً على كتبه وذاته ، يعيش فى برج أكاديمي عاجى، وإنما كان منخرطا فى الحياة الثقافية العامة، قارئا ومستمعاً ومشاركا بقدر معين ، من خلال الإذاعة المسموعة والمرئية فى كل من القاهرة والكويت ، والإذاعة البريطانية ، فضلا عن مشاركته بالكتابة فى الصحف والمجلات من حين لآخر، وعندما يطلب منه ذلك ، وفى مجال تخصصه واهتماماته ، فقد كان عزوفاً عن الأضواء والشهرة، وحسبه عندما يكتب أن يكون الموضوع ملحا عليه وله فيه رأى أو رؤية ، وكان سلوكه مطابقا لما يؤمن به ، وما يعلمنا إياه ، من أن المؤرخ الحقيقى لا ينبغي له أن ينجذب وراء الأضواء ، أو يسعى لذوى السلطان، ليستطيع أن يحافظ على استقلاليته وحيدته ، وأن يمتلك زمام قلمه الذى انتدبه لمهمة مقدسة.
وقد لا يعرف الكثيرون أن الأستاذ المؤرخ انجذب فى بداية حياته إلى الأدب ، الذى كان عاشقاً وقارئا نهما له ، وكان أول كتاب وضعه تحت عنوان "توفيق الحكيم ، أفكاره وآثاره" الذى نشره عام 1952 ، ورغم اهتمامه بالتأريخ لأفكار توفيق الحكيم من خلال مؤلفاته وآثاره، بكم تكوينه كمؤرخ ، إلا أن رؤيته النقدية المبكرة للموضوع ، وضعته فى تماس مع نقاد الأدب آنئذ، وربما لو لم يجذبه التاريخ ويستغرقه بشكل تام بعد ذلك لثني كتابه عن الحكيم بجزء آخر عن آثاره بعد عام 1952 ، ولكسب الأدب ناقدا جديدا آنئذ. وعموما لم يتخل الأستاذ عن متابعته لقراءة الأدب، وهو ما كان يبدو واضحا من مناقشاته وتعليقاته ، كما أن له مقالات معروفه عن الأستاذ العقاد والدكتور هيكل والأستاذ إحسان عبد القدوس وغيرهم، وإن كان تركيزه على الجانب التاريخي فى كتاباتهم وأعمالهم واضحا، تاركا الجوانب الأخرى لنقاد الأدب والمشتغلين به.
أما عن مؤلفات الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر ، فقد كتب ، إلى جانب رسالتيه للماجستير والدكتوراه ، وكتاب "عصر حككيان" الذى تناول دراسة مصر منذ أواسط القرن التاسع عشر ، كتابا صغيرا فى مبناه كبيرا فى معناه عن "الثورة العرابية" نشر عام 1961 فى سلسلة المكتبة الثقافية ، ثم وضع كتابا هاما عن "تاريخ مصر السياسي من الاحتلال إلى المعاهدة 1882 – 1936 "ضمنه آراءه وتحليلاته النافذة ، والمعروف أنه نشره فى أعقاب هزيمة يونيو 1967 فى فترة كنا فيها نحتاج إلى مراجعة النفس والعودة إلى الجذور التاريخية ، بوعي ومنطق جديدين ، وقد أكمل هذا الكتاب بكتاب آخر ، وإن اختص بدراسة القضية الوطنية ، قضية الجلاء البريطاني عن مصر ، دون بقية القضايا التى عالجها فى كتابه ذاك ، وقد نشر الكتاب الجديد عام 1968 تحت عنوان "العلاقة المصرية – البريطانية من 1936 – 1956". وإلى جانب ما سبق ألف كتابا عن "مشكلة قناة السويس" عرض فيه تطورها التاريخى من 1854 – 1956 فى عرض علمى مركز ، رصد الخطوط العامة دون إغراق فى التفاصيل. وعلى نفس الأهمية يأتي كتابه عن "تطور الفكر السياسي فى مصر الحديثة" الذى صدر عام 1973 حيث رصد فيه معالم التطور وأهم الاتجاهات وإسهاما المفكرين والمثقفين. وقد جمعت له دار الهلال مجموعة من مقالاته التى تناولت عدد من الشخصيات السياسية التى لعبت أدوارا مهمة فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر ، بدءا بالشيخ محمد عبده وانتهاء بالدكتور محمد صلاح الدين ، ونشر هذا الكتاب تحت عنوان "شخصيات مصرية" فى سلسلة كتاب الهلال ، عدد ديسمبر 1993.
وفى تاريخ العالم العربي الحديث والمعاصر وتاريخ الدولة العثمانية له العديد من المؤلفات أبرزها كتابه "الولايات المتحدة والمشرق العربي" (1978) وفى "فى أصول التاريخ العثماني" (1982) و "بريطانيا وفلسطين 1945 – 1949" (1986) ، و "حركة التجديد الإسلامي فى العالم العربي الحديث" (1971)، كما نشر مقالتين هما "جمال الدين الأفغاني وأفكاره السياسية" و "نظرة جديدة إلى جمال الدين الأفغاني" بمجلة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية (1962 ، 1976)، كذلك قدم دراسة وثائقية عن "مشروع سوريا الكبرى "أصدرتها حوليات جامعة الكويت (1984) ، كما نشر دراسة عن "أزمة 1958 والتدخل الأمريكي فى لبنان" نشرت بكتاب الأزمة اللبنانية ، الصادر عن معهد البحوث والدراسات العربية (1978) ، وقد أفرد بحثا آخر عن "مضايق تيران ومشكلة الشرق الأوسط" نشر ضمن كتاب البحر الأحمر فى التاريخ والسياسة الدولية ، الذى أصدره سمنار التاريخ الحديث بآداب عين شمس (1979). وقد أصدر كذلك دراستين إحداهما عن "مشروع حلف شرقي البحر المتوسط عام 1948 "بالمجلة العربية للعلوم الإنسانية بالكويت (1987) والأخرى عن "مشروع اتفاقية الدفاع المشترك عام 1948" بمجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية بالكويت (1994).
وكان للدكتور أحمد عبد الرحيم اهتمام خاص بالمؤرخين ومناهجهم ، كما اهتم بمن كتب فى التاريخ من المفكرين والأدباء أيضا ، وقد شارك فى الإعداد لندوة أقامتها الجمعية المصرية للدراسات التاريخية عام 1967 عن "إعادة كتابة التاريخ القوم" حيث نوقشت فيها هذه القضية من جانب لفيف من رجال الفكر والمؤرخين. كذلك نشر دراستين عن المؤرخ الكبير عبد الرحمن الجبرتي ، أولاهما عن كتابة "عجائب الآثار .." نشرت بمجلة تراث الإنسانية (1966) وثانيتهما عن الجبرتي مؤرخاً" نشرت ضمن كتاب "عبد الرحمن الجبرتي ، دراسات وبحوث" نشرته هيئة الكتاب (1976) ، كما كتب دراسة هامة عن "محمد شفيق غربال مؤرخا "نشرتها مجلة الجمعية التاريخية (1963) أظهرت قيمة وأهمية هذا المؤرخ الكبير ومكانته فى كتابه تاريخ مصر الحديث والمعاصر. أما الأستاذ عبد الرحمن الرافعي، مؤرخ الحركة القومية ، فقد حظي بدراسة كشفت عن أهمية كتابته ومدى قيمتها العلمية ، وقد نشرت بمجلة المجلة عام 1962.
وكان الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى مترجما من طراز فريد ، قدم نماذج مثالية للكاتب المؤرخ تبدو ترجمته كما لو كانت مؤلفه ، فى دقتها وروحها ، بفضل تمكنه من اللغات وقدرته على التعبير بلغة سلسلة مشرقة ، وبمقدرة عالية على فهم المصطلحات والألفاظ وتعريبها. وكان أول نشاط له فى مجا الترجمة عندما ترجم كتاب سيتون وليمز "بريطانيا والدول العربية 1920 – 1948" الذى نشره عام 1952 بعد أضاف إليه هوامش وتعليقات وتذييلا مكملا له. كذلك شارك فى ترجمة كتاب نورمان ماكنزى "موجز تاريخ الاشتراكية" (1960) وكتاب هيلين ريفلين عن سياسة محمد على الزراعية والذى نشره تحت عنوان "الاقتصاد والإدارة فى مصر فى مستهل القرن التاسع عشر "عام 1967 بعد أن رأى العنوان الجديد أكثر دقة ودلالة على موضوع الكتاب.
ومن أهم ما ترجمه الأستاذ المؤرخ كذلك كتاب خطير من أهم الكتب التى تناولت علاقة الغرب بالمجتمع الإسلامي ، تأليف جب وبوون ، وقد نشر ترجمة مجلده الأول فى جزئين نشرتهما دار المعارف (1970) والمجلد الثاني نشره فى جزئين أيضا نشرتهما هيئة الكتاب (1989 – 1990) والكتاب بجزئيه حصيلة دراسات طويلة ومتأنية قام بها المؤلفان لتتبع المؤثرات الغربية فى القسم العربي من الإمبراطورية العثمانية ، وإن كما نتمنى أن يعاد طبع هذه الأجزاء المترجمة فى مجلدين ، حسب الطبعة الإنجليزية، وفى طبعة جديدة جيدة تليق بهذا العمل العلمي الرصين ، تأليفا وترجمة.
وفى مجال ترجمة الكتب المتخصصة المهمة أيضا قدم ترجمة دقيقة وأمينة لكتاب فريد فى موضوعه وهو كتاب لوكاز هيرزوير :ألمانيا الهتلرية والشرق العربي" الذى كان قد ترجم من البولندية إلى الإنجليزية ، التى نقل عنها أحمد عبد الرحيم مصطفى النص العربي الذى نشرته دار المعارف (1968) ، ولعل آخر عمل ترجمه كان كتاب أندرو هس عن "الحدود المنسية The Forgotten Frontiers" والذى نشر ترجمته بالكويت تحت عنوان " افتراق العالمين الإسلامي والمسيحى فى المغرب والأندلس".
وينبغي ملاحظة نوعية الكتب العلمية المتخصصة فى مجال علمه واهتماماته ، والتى ضرب بها أمثلة لكيف تكون الترجمة، ولماذا يكون المترجم متخصصاً فيما يترجم ، كما نلاحظ أن معظم الكتب التى ترجمها كانت منشورة حديثا حين ترجمها ، مما يعني متابعته الدائبة لما يؤلف ، ويدل على مدى حرصه على إفادة مواطنيه بأحدث ما ينشر فى الخارج. كما نلاحظ أيضا أهمية أنه ترجم بنفسه مؤلفاته وأبحاثه التى وضعها بالإنجليزية، ليؤكد فكرة أن صاحب العمل هو الأقدر على تقديم أفكاره وآرائه ، وليفيد بها أكبر عدد من قراء العربية ، وياليت كل الذين كتبوا أبحاثهم بلغات أجنبية أن يفعلوا ذلك.
  
 
 
 
== مصادر ==
6

تعديل