الاستيلاء على مدينة فاس: الفرق بين النسختين

تم إزالة 37٬909 بايت ، ‏ قبل 9 أشهر
نص غير موسوعي
ط (اضافة تصنيف)
(نص غير موسوعي)
تركت هذه الأحداث العثمانيين في موقف قوي جدا في [[المغرب العربي]] آنذاك، وأصبحوا يشكلون تهديدا مباشرا للأراضي الأسبانية.
أثار (مؤرخ عراقي)، خلال مؤتمر دولي حول «البحر الأبيض المتوسط في العهد العثماني» عقد ب[[الرباط]] سنة [[2012]]، قضية قديمة تتعلق بالوجود العثماني في [[المغرب]] ودحض المؤرخ العراقي فاضل بيات، خلال أعمال المؤتمر، الأطروحة التي تقول إن العثمانيين لم يحكموا المغرب في تاريخهم، وإنهم توقفوا عند الحدود الجزائرية المغربية. وأكد بيات، من خلال وثائق تاريخية، أن الأمر على العكس من ذلك، وأن المغرب خضع لحكم الإمبراطورية العثمانية.
يطرح تاريخ العلاقات المغربية العثمانية إشكالية مزدوجة فمن جهة، هناك قلة المصادر والتي يوجد غالبها في الأرشيف العثماني، ومن جهة ثانية في نوع المقاربة التي يمكن تبنيها من أجل فهم طبيعة تاريخ هذه العلاقات.
إن تاريخ علاقات المغرب مع الدولة العثمانية يكتسي أهمية خاصة، على اعتبار أن المغرب ظل البلد الوحيد من بلدان العالم الإسلامي الذي أفلت من الخضوع للإمبراطورية العثمانية. ولا يمكن فهم طبيعة هذه العلاقات المغربية - العثمانية إلا في ظل نوعية العلاقات التي ربطت بين المسلمين داخل «دار الإسلام»، فالمغرب والدولة العثمانية انتميا إلى المنظومة الدينية والمذهبية نفسها (إسلامية سنية) وهو الأمر الذي يعطي لموضوع العلاقات المغربية العثمانية تميزا جوهريا، عن نوعية العلاقات التي جمعته مع الدول الأوربية.
وإذا كان كل من الشرفاء المغاربة والسلاطين العثمانيين قد اكتسبوا حظوة ونفوذا على أساس قيامهما بـ "الجهاد ضد الكافر"، فقد حاول كل طرف فرض هيمنته على الطرف الآخر تحت هذا الشعار، لكن الفرق هو أن العثمانيين بفضل المؤهلات الاقتصادية والحربية التي توفروا عليها، دخلوا عالم الإمبراطوريات، إذ استطاعت الدولة العثمانية أن ترقى إلى مستوى توسعي هائل داخل التراب الأوربي. في حين ظل المغرب حبيس مشاكله الداخلية. وبالرغم من ذلك، فقد ظل دائماً يرفض التبعية لهذه الخلافة، وقد ظهر هذا الموقف جلياً، خاصة في فترة حكم كل من: [[محمد الشيخ السعدي]] (946 ه/ 1539م و964ه/ 1557م)، الذي اغتاله [[الأتراك]] لمعاندته لهم، وكذاك في عهد المنصور السعدي (986 ه/ 1578م و1012ه/ 1603م) الذي حاول إحياء الخلافة الهاشمية على حساب العثمانية، فقد نظر أغلب السلاطين السعديين ومن بعدهم العلويين، لقضية الخلافة من خلال نسبهم القرشي الشريف الذي لا يصح معه أن يخرج منصب إمارة المؤمنين من بين أيديهم.
كما كان من نتائج تفوق الإيبيريين احتلالهم للسواحل الأطلسية والمتوسطية في الشمال الإفريقى، وإذا كان [[المغرب]] قد استطاع التصدي للحملة الإبيرية على شواطئه بفضل الدولة السعدية الناشئة، فإن بلدان [[شمال إفريقيا]] الأخرى اختارت حلا مغايرا تجلى في استقدام قوة خارجية عن البلاد وهي "القوة التركية"، فأمام الصعوبات التي وجدها عروج بعد فشله في استخلاص قلعة الجزائر بعث بوفد إلى [[اصطانبول]] سنة [[1519]] محملا بالهدايا والبيعة للسلطان [[سليم الأول]]، هذه البيعة التي لم يتردد السلطان العثماني في قبولها، لأنها فتحت الطريق لهم بسهولة للوصول إلى الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط.
يمكن القول بأن تواجد الأتراك بالمغرب العربي، حصل نتيجة استنجاد بلدانه بالقوة التركية ضد الحملات الإبيرية للسواحل الأطلسية والمتوسطية، بخلاف المغرب السعدي الذي اختار التصدي لهذه الحملات بنفسه.
وبالعودة إلى أواخر القرن السادس عشر، فقد عرف عالم [[البحر الأبيض المتوسط]] مرحلة مهمة، تجلت في بدء التفوق الأوربي في مجال التقنيات الحربية والبحرية، وهو الأمر الذي ساهم في تغيير ميزان القوى بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط وتراجع نفوذ القوى الدولية الكبرى داخله. ويبقى السؤال المشروع هو لماذا لم يخضع المغرب للإمبراطورية العثمانية ؟ وما هي الظروف التي حالت دون ذلك؟ وكيف كانت طبيعة العلاقات بين كل من السلاطين المغاربة وسلطة الباب العالي. أسئلة ضمن أخرى يحاول الملف التالي ملامستها.
عندما اجتاح الجيش العثماني مدينة فاس مقابل الغنائم
مشاركة العثمانيين في [[معركة وادي المخازن]] كانت ثمرة التعاون التركي المغربي مباشرة بعد وفاة "السلطان أبي عنان المريني" سنة 759ه/م1359 دخلت العاصمة [[فاس]] في مرحلة تميزت بالنكسات. خاصة وأن الأشراف السعديين قد انصرفوا عنها، وجعلوا من مدينة [[مراكش]] عاصمة لسلطانهم. ففي سنة 955/1547، دخل السعديون المدينة، لكنهم سرعان ما طردوا منها من قبل الشريف الوطاسي أبو حسون، سنة 961/1554 بمساعدة فيلق تركي رافقه من [[الجزائر]]، قبل أن ينجحوا – في السنة نفسها - في قهر آخر الملوك الوطاسيين وجيشه والتغلب عليه بالمدينة. سيطر السعديون من جديد في العام نفسه على المدينة وأحيائها، فبالغوا في التنكيل بسكانها عقابا لهم عن ولائهم لبني وطاس وتحالفهم مع أتراك [[الجزائر]].
عن هذه الواقعة يروي الناصري في الاستقصا : «لما دخل السلطان أبو عبد الله محمد الشيخ السعدي إلى [[فاس سنة]] ست وخمسين وتسعمائة وقبض على بني وطاس بها فر أبو حسون هذا إلى ثغر [[الجزائر]] حقنا لدمه ومحرضا لتركيا ومستجيشا على السعدي وكان الترك قد استولوا على [[المغرب الأوسط]] وانتزعوه من يد بني زيان فلم يزل أبو حسون عندهم «يفتل لهم في الغارات والسنام» ويحسن لهم بلاد [[المغرب الأقصى]] ويعظمها في أعينهم ويقول: «إن المتغلب عليها قد سلبني ملكي وملك آبائي وغلبني على تراث أجدادي فلو ذهبتم معي لقتاله لكنا نرجو الله تعالى أن يتيح لنا النصر عليه ويرزقنا الظفر به ولا تعدمون أنتم مع ذلك منفعة من ملء أيديكم غنائم وذخائر». ووعدهم بمال جزيل فأجابوه إلى ما طلب وأقبلوا معه في جيش كثيف تحت راية باشاهم "صالح التركماني" المعروف بصالح رئيس إلى أن اقتحموا [[فاس]] بعد حروب عظيمة ومعارك شديدة وفر عنها [[محمد الشيخ السعدي]] إلى منجاته وكان دخول السلطان أبي حسون إلى [[فاس]] ثالث صفر من هذه السنة (961) ولما دخلها (فرح به أهلها فرحا شديدا وترجل هو عن فرسه وصار يعانق الناس كبيرا وصغيرا شريفا ووضيعا ويبكي على ما دهمه وأهل بيته من أمر السعديين) واستبشر الناس بمقدمه وتيمنوا بمقدمه وقبض على كبير [[فاس]] يومئذ القائد "أبي عبد الله محمد بن راشد الشريف الإدريسي" وسادت أيام من الاستقرار، ثم لم يلبث السلطان أبو حسون إلا وقتا قليلا، حتى كثرت شكاية الناس إليه ضد الترك «وأنهم مدوا أيديهم إلى الحريم وعاثوا في البلاد فبادر بدفع ما اتفق معهم عليه من المال وأخرجهم عن فاس».
تريث العثمانيون خلال فترة حكم السلطان عبد الله الغالب، إذ رفضوا دعم أخيه عبد الملك السعدي (1576/1578) الذي التجأ إلى الأراضي [[الجزائر]]ية، حينما خاطبه السلطان العثماني قائلا : «إني لا أعينك على فتنة المسلمين ...».
وقد تحكمت في مواقف عبد الله الغالب( 1557/1574) معطيات الصراع العثماني الأوربي، لكن وفاته جاءت قبل أن تكتمل سفارته إلى استانبول، ولعل وعي العثمانيين أدى بهم إلى المراهنة على التدخل في الصراع الداخلي لصالح عبد الملك ضد المتوكل (1574/1576)، فدعموه بحملة انتهت بدخوله [[فاس]]، وفرار المتوكل الذي لجأ إلى نجدة الملك البرتغالي.
وقد أغدق "عبد الملك" على الأتراك أموالا كثيرة، وحملهم بأنواع من الهدايا مكافأة لهم، كما استمر في بعث الهدايا إلى «الأستانة» العاصمة، وكان يلقي الخطبة باسم السلطان العثماني، ويسك النقود باسمه، وهذه كلها مظاهر تؤكد التبعية للباب العالي، كما أن الرسائل العثمانية للسلطان عبد الملك كانت تحضه على الجهاد والتعاون مع أمير [[إيالة الجزائر]] (محمد فريد بك، تاريخ الدولة العلية العثمانية)، وقد ظل الباب العالي مساندا لعبد الملك السعدي، وهو ما يتجلى في مشاركة [[الأتراك]] في [[معركة واد المخازن]] بغض النظر عن طبيعة وحجم هذه المشاركة.
والمعروف تاريخيا أن ''عبد الملك السعدي'' خلال تواجده مع الأتراك في [[الجزائر]]، وخلال تواجده ب[[تونس]] للمشاركة في المعركة المشهورة باسم ''معركة حلق الوادي'' التي أبلى فيها، كان دائم التتبع لمجريات الأحداث داخل وطنه الأصلي المغرب، ودائم التواصل في الخفاء مع مناصريه من الأشراف والعلماء ووجهاء القبائل.
ولم يكنْ هناك من مكان استراتيجي لذلك التواصل آمن وأخفى من ''زاوية دويرة السبع'' المتواجدة –إلى حد اليوم-.
وفي نهاية المطاف تمكن عبد الملك -رفقة أخيه أحمد- من الاتصال مباشرة بالخليفة العثماني، كما هو معلوم بإصطنبول، واستطاع الحصول على مساعدة الأتراك، فدخل إلى المغرب على رأس''خمسة آلاف من عسكر الترك'' مارا من منطقة الحدود الشرقية الجنوبية، متوقفا للتنظيم والتخطيط في '' زاوية السبع'' حيث سيكون قد التحقت به في سرية تامة فرق المتطوّعين من أنصاره في البلاد..وهاهنا بالضبط ستكون زاوية ''دويرة السبع'' التي كانت مقاما لعبد الملك وأخيه أحمد قد لعبت دورها الثاني الحاسم.
إذ بتخطيطه العبقري استطاع عبد الملك السعدي أن يباغت ابن أخيه ''محمد المتوكل'' في فاس، وأن يزيحه بيسر وسهولة عن العرش.
 
صراع الأحقية حول الخلافة
يرى المؤرخ العماري أن الخلاف بين الشرفاء بالمغرب سواء السعديين أو العلويين من جهة، وبين الأتراك من جهة أخرى، لم يكن في عمقه يدور حول مشكلة الحدود، وإنما كان يدور حول مسألتين أساسيتين:
 
أولا: أحقية الخلافة التي كان السعديون والعلويون يعتبرون أنفسهم أحق بها من الأتراك وينظرون إلى هؤلاء كمغتصبين للخلافة.
 
ثانيا: وحدة شمال إفريقيا التي كانت تبدو ضرورة تاريخية وقومية أمام الخطر المسيحي.(العماري، تاريخ الضعيف..)
 
لقد كانت السلطة العثمانية على وعي بهذين المبدأين....لذلك حاول الأتراك تطويق موقف الشرفاء بخطة سياسة الحدود في عهد الدولة العلوية.
وهذا يعني أن العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين تحكم فيها بقوة الصراع حول أحقية الخلافة، فالعثمانيون امتلكوا مفاتيح الكعبة بتأييد شريف مكة، فأصبح السلطان حامي الحرمين الشريفين وراعيا للحجاج المسلمين، بالإضافة إلى ذلك أصبحت الدولة العثمانية الحامل لراية الجهاد، خصوصا بعد عجز المماليك عن مواجهة الحملات الصليبية المتأخرة، فتقوضت بذلك زعامتهم نهائيا كحماة للإسلام. كما يورد نيقولا زيادة في مقاله «الدولة العثمانية في الدراسات الحديثة».
 
ومن هنا اكتسب العثمانيون أحقية الزعامة والقيادة، ومنحهم ذلك تأييد الزعامات المحلية في غالبية البلاد العربية، ومنها [[المغرب]] وهكذا نجد على سبيل المثال الفقيه ابن أبي محلي يصف السلطان أحمد العثماني بملك البحرين وإمام الحرمين الشريفين، ويرى في العثمانيين «عصابة الجهاد» في الحروب، ولذلك استنفرهم للجهاد ضد من كان يسميهم «عبدة الصليب»، كما أن الحجري أيضا خصص للأتراك مكانة متميزة في رحلته (ناصر الدين على القوم الكافرين) إذ تحدث بإعجاب كبير عن دولتهم ودورهم في صيانة دار الإسلام، واعتبرهم القوة الوحيدة القادرة على مواجهة المد الأوربي» وكل واحد من السلاطين النصارى يرتعد ويخاف من سلاطين الإسلام والدين المجاهدين في سبيل رب العالمين ....وهم السلاطين الفضلاء العظماء ..العثمانيون التركيون ..». (عبد المجيد قدوري، سفراء مغاربة إلى أوروبا).
 
إذا كان السلاطين المغاربة يشتركون مع العثمانيين في القيام بواجب الجهاد، فإنهم ارتكزوا على النسب الشريف الذي له دلالة خاصة في مسألة شرعية الخلافة، لكن التساؤل الذي يطرح نفسه بقوة هو لماذا كان السلاطين الأشراف يلجؤون في بعض الأحيان إلى الدعاء للعثمانيين على المنابر؟ ومن ثم نتساءل هل كان هذا الاعتراف وسيلة لقطع الطريق على أي تدخل عثماني محتمل؟ أم أنه ناجم عن قناعة حقيقية بوجوب وحدة دار الإسلام؟
 
إن الصراع حول الخلافة تحكم في كثير من الأحيان في نوعية العلاقات بين الطرفين إلى حد كبير ونذكر على سبيل المثال:
* اتخاذ المنصور لقب الخليفة وأمير المؤمنين بعد توليه السلطة، مما أثار حفيظة العثمانيين خاصة عندما استقبل سفارة من ملك بورنو إدريس ألوما الذي بحث عن دعم عسكري لمواجهة أعدائه الصونغاي. يقول المؤرخ الفشتالي:
.
« ... ورد الرسول (من ملك بورنو)...إلى الأبواب العلية المشرفة، فوافق أمير المؤمنين بحضرته العلية [[مراكش]] دار الخلافة، فأزاح اللبس وبين الغرض، فصدع لهم أمير المؤمنين... وطالبهم بالمبايعة له والدخول في دعوته المباركة التي أوجب الله عليهم ... وقرر لهم ... أن الجهاد الذي ينقلونه ويظهرون الميل إليه، لا يتم لهم فرصة ولا يكتب إليهم عمله، ما لم يستندوا في أمرهم إلى إمام الجماعة الذي اختصه الله إلى يوم الدين بوصفه الشريف ... وعلق لهم أيده الله الإمداد على الوفاء بهذا الشرط فالتزمه الرسول» وموازاة مع ذلك قام الأتراك بتقديم الدعم العسكري لإمبراطورية الصونغاي، وهذا لا شك يدخل في إطار الصراع الخفي حول الخلافة وأحقية زعامة العالم الإسلامي .وذلك بحسب مصطفى الغاشي في أطروحته «الرحلة المغربية والشرق العثماني، محاولة في بناء الصورة».
 
كما نجد أن هذا الصراع الخفي حتى في رحلة سفير السعديين التمكروتي التي دونها بعد سفارته إلى اصطانبول، يقول «والترك جاروا على أهل تلك البلاد وأفسدوها، وضيقوا على أهلها في أرضهم وديارهم وأموالهم..إلى غير ذلك من الذل والإهانة ..هذا وأهل إفريقية...في كثرة اشتياقهم وحنينهم إلى حكم موالينا الشرفاء، تالله لقد كنا من تحدثنا معه من خيار أهل [[تونس]] وأعيان [[مصر]] الذين لقيناهم بالقسطنطينية يبكون على ذلك ...ويودون لو وجدوا سبيلا إلى الانتقال إلى [[المغرب]] والتخلص إليه لاشتروه بالدنيا وما فيها..»
.
إن هذا الموقف يوضح ما كان بين الكيانين من تنافس وصراع حول ولايات الشمال الإفريقي، وكان خطاب التمكروتي أكثر وضوحا في مسألة الأحقية في الخلافة، يقول (والعثمانيون من جملة..الموالي الذين دافع الله بهم على المسلمين، وجعلهم حصنا وسورا للإسلام، وإن كان أكثرهم وأكثر أتباعهم ممن يصدق عليه قوله صلى الله عليه وسلم «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» وإنما كانوا حملوا الإمارة وقلدوا الأمر في الحقيقة نيابة وأمانة يؤدونها إلى من هو أحق بها .. وهم موالينا الشرفاء ملوك بلاد المغرب الذين شرفت بهم الإمامة والخلافة، وكل مسلم لا يقول عكس هذا ولا خلافه .. وقد اجتمع المسلمون على أن الإمامة لا تنعقد إلا لمن هو من صحيح قريش، لقوله صلى الله عليه وسلم «الخلافة في قريش» وكون ملوك المغرب أولى بهم من غيرهم»، (عبد اللطيف الشاذلي، مقالة مسألة الانتماء من خلال رحلة التمكروتي إلى القسطنطينية سنة 1590)
 
السعديون أتقنوا لعبة التحالفات الدولية
 
استغل أحمد المنصور الأوضاع الدولية لصالحه، ولعب بالورقة الإسبانية الرابحة، وهو الشيء الذي فطن له سيلفا الذي بعث رسالة إلى الملك فيليب الثاني سنة 1583 يقول فيها (إن إمبراطور المغرب يسخر منا فهو متأرجح بين مصانعتنا ومصانعة الأتراك، فعندما يطالبه صاحب الجلالة بالعرائش يقول هيا بنا إلى [[الجزائر]]، وعندما يهدده [[الأتراك]] يقول هيا بنا إلى [[إسبانيا]]). (أنظر أطروحة عبد الرحيم بنحادة «المغرب والباب العالي من منتصف القرن السادس إلى أواخر القرن الثامن عشر).
 
ولا شك أن التخوف العثماني من إمكانية قيام تحالف سعدي إسباني يعتبر في نظرنا من الأسباب التي جعلت العثمانيين لم يسعوا بتاتا إلى القيام بغزو شامل للمغرب، والدخول في مغامرة ليست مضمونة النتائج، خصوصا مع الوعي العثماني بأن القوى الأوربية لن تقف صامتة إزاء مثل هذا المشروع الذي يهدد طموحاتها في السيطرة على الموارد الإفريقية انطلاقا من السواحل الأطلسية، كما نعتقد أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يسمح الأوربيون لقوة بحرية واحدة بالسيطرة على منافذ الطرق التجارية المتوسطية والأطلسية في آن واحد.
 
وبعد أن حرر العثمانيون [[تونس]] بعد [[معركة حلق الوادي]]، من يد [[الإسبان]] سنة [[1574]]م، زاد الرعب من إنزال عثماني في مملكة بلنسية، بمساندة المسلمين، الذين كانوا يكونون ثلث سكانها، وربع سكان مملكة أراغون القديمة. فقرر الملك في 9/10/1575م منع المسلمين من سكنى الشواطئ، فأجلوا عنها. وأخذت الشائعات تنتشر بقرب تحالف ثلاثي بين المورسكيين، والعثمانيين، وبروتستانت [[فرنسا]] (الهوكونو)، عندما اكتشفت شبكات اتصالات بينهم. فزادت سلاحهم، لتركهم فريسة سهلة للمجرمين، والمنتقمين، والطامعين من النصارى.
وظلت لمسلمي إسبانيا في هذه الفترة صلات وثيقة مع الثلاث جهات المعادية لأسبانيا: الدولة العثمانية، كأكبر قوة إسلامية في البحر الأبيض المتوسط؛ والمملكة المغربية، التي كانت بمثابة الدعم الطبيعي لمسلمي الأندلس عبر التاريخ، وهوكونو فرنسا، الذين يشاركونهم في عداوتهم للكاثوليك.
ابتدأت علاقة الأندلسيين بالدولة العثمانية منذ سقوط [[غرناطة]]، وتزايد أملهم في نصرتها لهم بتزايد قوتها. وبعد انهيار ثورة غرناطة الكبرى سنة 1570م، عملت السفن العثمانية على حمل اللاجئين، وتحول مركز المقاومة إلى بلنسية. وقدر عدد الحملات العثمانية على الشواطئ الإسبانية، بين سنتي 1528 و 1584م بحوالي 33 حملة. وفي سنة 1575م توصل قضاة محاكم التفتيش في سرقسطة وبلنسية بأخبار مفادها أن المسلمين يهيئون لثورة شاملة بتأطير غرناطي، وإنزال بحري عثماني.
وأرسل مورسكيو سرقسطة سفارة إلى الباب العالي يطلبون المال والسلاح. وتجددت الأنباء بين عامي 1578م و 1580م، عن تبادل مبعوثين بين الدولة العثمانية ومسلمي بلنسية وسرقسطة. ولكن أمل المسلمين بوصول الأسطول العثماني لتحريرهم لم يتحقق قط.
أما علاقة الأندلسيين بالدولة السعدية بالمغرب، فلم تكن جيدةً. نعم كانت لانتصارات محمد الشيخ ضد البرتغاليين أحسن الأثر لدى الأندلسيين، فأيدوه تأييدًا كاملاً، كرجل الجهاد المدافع عن المغرب، والمنقذ للأندلس. وحاول «محمد الشيخ» التحالف مع العثمانيين، لإنقاذ الأندلسيين، لكن خوفه منهم أوقفه عن ذلك. وتحول هذا الخوف إلى خيانة أمام الغالب الذي تحالف ضمينًا مع الإسبان ضد المصالح العليا لكل من المغرب والأمة الأندلسية، والإسلامية بصفة عامة. وخلفه المتوكل في السياسة نفسها إلى أن هُزم مع حلفائه البرتغاليين، وقُتل في [[معركة وادي المخازن]] سنة 986ه (1578م). وساند الأندلسيون أبا مروان المعتصم، إلى أن بويع سلطانًا على [[المغرب]] سنة 1576م. ثم ساندوا عبد الملك، فأصبح الأندلسيون ركنًا قويًا من أركان دولته وجيشه. لكنه غدر بهم وتعاقد مع الإسبان في حلف ضد العثمانيين، وضد المقاومة الأندلسية.
 
ولم يكن بإمكان الأتراك-آنذاك- توجيه ضربة عسكرية قاسية للإسبان في وهران والمرسى الكبير، لأنهم كانوا منشغلين أولا بتسليم عرش المغرب إلى حليفهم عبد الملك السعدي، بعد توجه هذا الأخير إلى الأستانة «اسطمبول» لاستعطاف السلطان لأجل تعيينه حاكما على المغرب الأقصى، وهو الأمر الذي استجاب له السلطان العثماني، بعد أن أثبت عبد الملك السعدي صداقته وإخلاصه للباب العالي، ليصدر «فرمانا» إلى أمير الجزائر، كي يجهز القوة العسكرية الكافية لغزو فاس، وتنصيب عبد الملك حاكما عليها (دفتر المهمات السلطانية رقم 21، ص 130. حكم موجه إلى أمير أمراء الجزائر).
.
◘ سليمان القانوني يقطع رأس السلطان السعدي محمد الشيخ بعد أن لقبه ب«سلطان الحواتة»
بعد انقلاب عبد الله محمد الشيخ السعدي، على أخيه السلطان أحمد الأعرج سنة 1540 م وتمكنه من القضاء على من تبقى من الوطاسيين بالرغم من الدعم الكبير الذي تلقوه من العثمانيين ودخل فاس منتصرا سنة 1554 م.
.
وعن هذا يقول المؤرخ المغربي أبو العباس أحمد بن خالد الناصري صاحب كتاب «الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى»: «إن أبا عبد الله محمد الشيخ السعدي سلطان المغرب كان يطلق لسانه في السلطان سليمان القانوني ويلقبه بسلطان القوارب، أو سلطان «الحواتة» لأن العثمانيين كانوا أصحاب أساطيل وسفر في البحر. فأنهي ذلك إلى السلطان العثماني وبلغه أن دولة الوطاسيين قد انقرضت من المغرب فبعث إليه رسله».
.
وقد عرفت حينها الدولة العثمانية أوجها مع هذا السلطان العثماني، الذي كانت ترتعد فرائص الملوك والأباطرة لدى توصلهم بكتابه، إلا أنه لما وصل كتابه إلى أبو عبد الله محمد الشيخ السعدي، انزعج هذا الأخير من الوعيد والتخويف والتهديد الذي تضمنه الكتاب.
.
يقول الناصري: «قرأ السلطان أبو عبد الله الشيخ كتاب السلطان سليمان ووجد فيه أنه يدعو له على منابر المغرب ويكتب اسمه على سكته كما كان بنو وطاس. حمى أنفه وأبرق وأرعد وأحضر الرسول وأزعجه فطلب منه الجواب فقال: لا جواب لك عندي حتى أكون بمصر إن شاء الله وحينئذ أكتب لسلطان القوارب، فخرج الرسول من عنده مذعورا يلتفت وراءه إلى أن وصل إلى سلطانه.»
.
لم يستسغ السلطان العثماني هذا الرد والجواب، فاجتمع بمستشاريه ووزرائه يستشيرهم في هذا الأمر. وقرر أن يهيئ الحملة العسكرية لكي يغزو المغرب، غير أنهم لم يحبذوا هذه الفكرة، ربما لأن في الأمر خطورة وصعوبة. وبالمقابل، اقترحوا عليه فكرة بسيطة مفادها أن يتم اغتيال السلطان السعدي، وهي الفكرة التي استحسنها السلطان سليمان العثماني، فكلفوا جماعة من الأتراك للقيام بهذه المهمة. وورد في الاستقصا أن «هؤلاء الأتراك خرجوا من الجزائر إلى مراكش مظهرين أنهم فروا من سلطانهم ورغبوا في خدمة الشيخ والاستيجار به، ثم إن صالحا الكاهية دخل على السلطان أبي عبد الله الشيخ وقال: يا مولاي إن جماعة من أعيان جند الجزائر سمعوا بمقامنا عندك ومنزلتنا منك فرغبوا في جوارك والتشرف بخدمتك وليس فوقهم من جند الجزائر أحد وهم إن شاء الله السبب في تملكها فأمره بإدخالهم عليه، ولما مثلوا بين يديه رأى وجوها حسانا وأجساما عظاما فأكبرهم، ثم ترجع له صالح كلامهم فأفرغه في قالب المحبة والنصح والاجتهاد في الطاعة والخدمة حتى خيل إلى الشيخ أنه قد حصل على ملك الجزائر فأمره بإكرامهم وأن يعطيهم الخيل والسلاح». ولما اطمأن السلطان السعدي إلى هؤلاء الأتراك الذين أكرم وفادتهم، استغلوا فرصة قيامه بإحدى الحركات إلى الجنوب المغربي فقاموا بقتله. قال الناصري: «واستمر الحال إلى أن أمكنتهم فيه الفرصة وهو في بعض حركاته بجبل درن بموضع يقال له آكلكال بظاهر تارودانت فولجوا عليه خباءه ليلا على حين غفلة من العسس فضربوا عنقه بشاقور ضربة أبانوا بها رأسه واحتملوه في مخلاة ملؤوها نخالة وملحا وخاضوا به أحشاء الظلماء وسلكوا طريق درعة وسجلماسة كأنهم أرسال تلمسان لئلا يفطن بهم أحد من أهل تلك البلاد، ثم أدركوا ببعض الطريق فقاتلت طائفة منهم حتى قتلوا ونجا الباقون بالرأس وقتل مع الشيخ في تلك الليلة الفقيه مفتي مراكش أبو الحسن علي بن أبي بكر السكتاني والكاتب أبو عمران الوجاني».
.
ولما وصل رأس السلطان أبي عبد الله محمد الشيخ السعدي إلى السلطان العثماني سليمان الذي كان في إقامة بإسطنبول، فأمر بجعله في شبكة نحاس وتعليقه على باب القلعة، وظل هناك إلى أن قدم ابناه عبد الملك المعتصم وأحمد المنصور على السلطان سليم بن سليمان يطلبان مساندتهما في مواجهة البرتغاليين والملك المخلوع المتوكل.
.
◘ مساعدة الأتراك في معركة وادي المخازن
أدى الضعف العسكري للدولة الوطاسية وانطفاء جذوتها إلى فراغ في السلطة السياسية المغربية، وهو ما ساهم في طمع الأيبيريين في سواحل المغرب وثغوره، رغبة منهم في تقويض استقلاله بعد ضعف سلطته وانهيار دولته واستغلاله اقتصاديا وتجاريا، حيث يلخص الدكتور إبراهيم حركات الأسباب التي سمحت للبرتغاليين بالاستيلاء على السواحل المغربية، في خمسة أسباب رئيسية أهمها:
.
الضعف العسكري المغربي، والتعصب للمسيحية، إذ كان البرتغاليون من الأوائل الذين استجابوا بحماس لنداء البابا الذي كان يدعوهم لقتال المسلمين وغزو بلادهم، خصوصا نداؤه الموجه إليهم سنة 1496 م، وينضاف كذلك عامل آخر تمثل في قوة الأسطول البحري الذي امتلكه الأيبيريون خلال القرن الخامس عشر.
.
وساهم كذلك العامل الاقتصادي والتجاري المهم الذي تتيحه الثغور المغربية، ثم الرغبة في نشر المسيحية بين المسلمين.
 
أتت معركة وادي المخازن التي جرت على أرض قبيلة الخلط بثلاثاء ريصانة يوم 30 جمادى الأولى 986 ه الموافق ل 4 غشت 1578، لتتوج مسيرة المقاومة المغربية المسلمة للحملات الصليبية الأيبيرية بعد أن قرر الملك سباستيان في صفقة سياسية عسكرية مع السلطان الفار محمد المتوكل، أن يهاجم المغرب لكي يستحوذ على كل سواحله بدعم من البابا وملوك أروبا، إذ يقول صاحب مساهمة «رباط تازروت في معركة وادي المخازن» : « وطلب مولاي محمد من طاغية بردقيز أن يعينه على عمه عبد الملك فاشترط عليه الطاغية أن يكون للنصارى سائر ثغر المسلمين وله ما وراء السواحل، فقبل منه ذلك المتوكل وأمر قائده عبد الكريم بن تودة بأن يسلم أصيلا إلى أعداء الله ورسوله، نصارى بردقيز، فقال له القائد المذكور عند السمع والطاعة وأخرج من أصيلا رجاله ودخلها جنود الكفر دمرهم الله في شهر ربيع الثاني 985 ه موافق شهر يوليوز 1577.»
.
كما أن تولية عبد الله الغالب ولاية العهد لابنه المتوكل وتدبيره لمذبحة رهيبة لإخوته كي تصفو له مسألة الخلافة، دفع عبد الملك السعدي وأحمد المنصور إلى الفرار نحو [[تلمسان]]، واستنجادهما بالدولة العثمانية القوية التي قدمت لهما الدعم الكامل من أجل استرداد العرش من ابن أخيهما.
فكانت النتيجة المباشرة لجدل الصراع الداخلي حول العرش السعدي والتفوق العسكري الذي حققه عبد الملك السعدي وأحمد المنصور على جيوش المتوكل، هي تلك الصفقة المخزية التي عقدها المتوكل مع ملك البرتغال سباستيان، والتي شكلت على المستوى العام ارتدادا من قبل المتوكل عن نهج الجهاد والمقاومة المسلحة الذي تبنته الدولة المغربية على مر تاريخها، وتنازلا عن دعم مقاومة الموريسكيين التي كبدت البرتغاليين خسائر فادحة طيلة النصف الأول من القرن السادس عشر، كما مثلت تلك الصفقة نكسة غير متوقعة في المسار السياسي لدولة السعديين التي قامت أساسا على جهاد النصارى ومعاداتهم، أما على المستوى الخاص فقد كانت خطأ سياسيا فادحا وقاتلا ارتكبه المتوكل رغبة منه في حماية حكمه في مواجهة أعمامه المساندين من قبل العثمانيين.
أما علي محمد الصلابي مؤلف كتاب «الدولة العثمانية» فيقول: « إذ لم يعد هناك مجال للشك في أن العثمانيين إنما يسعون جادين للاستيلاء على المغرب، لا باعتباره الجزء المتمم للشمال الإفريقي فحسب، بل وللأهمية الاستراتيجية كأقرب نقطة إلى بلاد الإسبان والبرتغال ...»
 
== المراجع ==
58٬877

تعديل