صلاح الدين الأيوبي: الفرق بين النسختين

تدقيق املائي
(الرجوع عن تعديل معلق واحد من 2.206.143.128 إلى نسخة 42516507 من جار الله.)
(تدقيق املائي)
وسوم: تحرير مرئي تمت إضافة وسم nowiki تعديلات طويلة تعديلات المحتوى المختار
أخذ صلاح الدين يقوّي مركزه في [[مصر]] بعد زوال [[الدولة الفاطمية]]، ويسعى من أجل الاستقلال بها، فعمل على كسب محبة المصريين، وأسند مناصب الدولة إلى أنصاره وأقربائه،<ref name="الدولة الأيوبية"/> وعزل قضاة [[الشيعة]] واستبدلهم بقضاة [[شافعية|شافعيين]]،<ref name="الكامل 566"/> وألغى مجالس الدعوة وأزال أصول [[إسماعيلية|المذهب الشيعي الإسماعيلي]].<ref name="الصلابي 137">الدولة الزنكية للصلابي، نقلا من: القاضي الفاضل ص137</ref> ثم أبطل [[أذان|الأذان]] بحي على خير العمل محمد وعلي خير البشر،<ref name="الصلابي 137"/> وأمر في يوم الجمعة [[10 ذو الحجة|العاشر من ذي الحجة]] سنة [[565 هـ]]، الموافقة سنة [[1169]]م، بأن يذكر في [[خطبة الجمعة]] الخلفاء الراشدون جميعًا: [[أبو بكر الصديق]] و[[عمر بن الخطاب]] و[[عثمان بن عفان]] و[[علي بن أبي طالب]]،<ref>الدولة الزنكية للصلابي، نقلا من: صلاح الدين الأيوبي لقلعجي ص 161</ref> كما أسس مدرستين كبيرتين في [[الفسطاط]] هما المدرسة الناصرية، والمدرسة الكاملية حتى يُثبّت [[أهل السنة والجماعة|مذهب أهل السنة]] في البلاد، وكانت هاتان المدرستان تُلقنان علوم الشريعة وفق المذهبين [[مالكية|المالكي]] و[[شافعية|الشافعي]].<ref>{{استشهاد بهارفارد دون أقواس|Lyons|Jackson|1982|p=41}}</ref>
[[ملف:SaladinRexAegypti.jpg|تصغير|يمين|250بك|رسم "صلاح الدين ملك مصر"، من مخطوطة كتابية تعود [[القرن الخامس عشر|للقرن الخامس عشر]].]]
وتخوّف [[نور الدين زنكي]] من تزايد قوة تابعهتابعة صلاح الدين، وكانت العلاقة بينهما على فتور أصلاً منذ أن تولّى صلاح الدين الحكم في [[مصر]]. بدأ هذا التوتر في العلاقة يظهر عندما تأخر صلاح الدين في الخطبة للخليفة العباسي في [[بغداد]]، حتى هدده نور الدين بالمسير إليه، وظهر أيضًا عندما أرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخوته فلم يجبه إلى ذلك وقال: "أخاف أن يخالف أحد منهم عليك فتفسد البلاد".<ref name="يا بيروت"/> وازداد الخلاف بينهما في سنة [[567 هـ]]، الموافقة سنة [[1172]]م، حتى أصبح وحشةً، وذلك عندما اتفقا على حصار قلعتيّ [[الكرك]] ومدينة [[الشوبك (معان)|الشوبك]] في [[صحراء]] [[الأردن]]، ورجع صلاح الدين إلى مصر، قبل أن يلتقي بنور الدين،<ref>الدولة الزنكية ونجاح المشروع الإسلامي لمقاومة التغلغل الباطني والصليبي. د [[علي الصلابي]]. صفحة594</ref> خوفًا من أن يعزله الأخير عن [[مصر]]، وأن تؤدي السيطرة على القلعتين إلى فتح الطريق أمام نور الدين إلى [[القاهرة]]، فانسحب صلاح الدين متذرعًا بالأوضاع الخطيرة في مصر، فعظم الأمر على نور الدين، حتى قرر المسير إلى مصر. لما علم صلاح الدين بذلك جمع مقربيه وشاورهم بالأمر فمنهم من نصح بمقاتلة نور الدين إلا أن [[الأفضل نجم الدين أيوب|والده]] وخاله منعوه من ذلك وطالبه والده بإرسال رسائل الاعتذار والتبرير لنور الدين،<ref name="عيون الروضتين في أخب2ار الدولتين النورية والصلاحية">{{مرجع كتاب | عنوان = عيون الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية | مؤلف = شهاب الدين عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي| 1000journal = | | صفحات = 343 | سنة = 1991 |}}</ref><ref name="الكاميل في التاريخ">{{مرجع كتاب | عنوان = الكامل في التاريخ الجزء الحادي عشر صفحة 279 | مؤلف = ابن الأثير| 1000journal = | | صفحات = 504 | سنة = 2003 |}}</ref>
لكن نور الدين لم يقتنع بأي من تلك التبريرات، وعزم على تسيير حملة إلى مصر لخلع صلاح الدين في أقرب فرصة متاحة.<ref name="عيون الر4 وضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية">
{{مرجع كتاب | عنوان = عيون الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية | مؤلف = شهاب الدين عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي| 1000journal = | | صفحات = 424 | سنة = 1991 |}}</ref>
وفي أثناء ذلك، تحرّك [[ريموند الثالث]] صاحب [[طرابلس (لبنان)|طرابلس]] لمهاجمة [[حمص]]، وحشد جيشه بالقرب من [[النهر الكبير الجنوبي]]، على الحدود [[لبنان|اللبنانية]] [[سوريا|السورية]] الشمالية حاليًا، لكنه سرعان ما تراجع عن تحقيق هدفه، لمّا بلغه أن صلاح الدين قد أرسل فرقة عسكرية كبيرة مجهزة بالعتاد اللازم لتنضم إلى حامية المدينة.<ref name="البداية 570"/><ref name="LJ4"/> وفي غضون هذا الوقت كان أعداء صلاح الدين في [[بلاد الشام|الشام]] و[[الجزيرة الفراتية]] يطلقون حملات مضادة له ويهجونه كلّما سنحت الفرصة، فقالوا أنه نسي أصله، فهو ليس سوى خادم للملك العادل [[نور الدين زنكي]]، بل خادم ناكر للمعروف لا يؤتمن على شيء، خان سيده ومولاه ونفى ولده من بلاد أبيه إلى بلاد أخرى، وجعل يُحاصرها بعد ذلك. فردّ صلاح الدين على تلك الحملات الشرسة قائلاً أنه لم يُحاصر [[حلب]] ولم يحضر إلى الشام منذ البداية إلا لحماية [[العالم الإسلامي|دار الإسلام]] والمسلمين من الجيوش الصليبية، وليستعيد ما سُلب من [[أراضي مقدسة|الأراضي المقدسة]]، وإن هذه مهمة لا يمكن أن يتولاها صبي لم يبلغ أشدّه بعد، ويسهل التلاعب به من قبل أصحاب النفوس الخبيثة. وليُطمئن الناس أكثر، سار صلاح الدين على رأس جيشه إلى [[حماة]] ليُقاتل فرقة صليبية أُرسلت لفتح المدينة، إلا أن الصليبيين انسحبوا قبل اللقاء بعد أن بلغهم حجم الجيش الأيوبي،<ref name="LJ4">{{استشهاد بهارفارد دون أقواس|Lyons|Jackson|1982|pp=88–89}}</ref> فدخل صلاح الدين المدينة بسهولة، وتسلّم [[قلعة حماة|قلعتها]] في شهر مارس من سنة [[1175]]م، بعد مقاومة عنيفة من حاميتها.<ref>{{استشهاد بهارفارد دون أقواس|Lane-Poole|1906|p=140}}</ref>
 
بعد هذه الأحداث، علم [[سيف الدين غازي|سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي]] صاحب [[الموصل]] أن صلاح الدين قد استفحل أمره وعظم شأنه، وخاف إن غفل عنه استحوذ على البلاد واستقرت قدمه في الملك وتعدى الأمر إليه، فأنفذ عسكرًا وافرًا وجيشًا عظيمًا وقدّم عليه أخاه عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود وساروا يريدون لقاءه ليردوه عن البلاد،<ref name="يا بيروت"/> فلما بلغ صلاح الدين ذلك فك الحصار عن [[حلب]] في مستهل [[رجب]] من السنة عائدًا إلى [[حماة]] استعدادًا للقائهم. وعندما وصل عز الدين مسعود إلى حلب، انضم إلى جيشه عسكر ابن عمه [[الصالح إسماعيل|الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين]]، وخرجوا في جمع عظيم، فلما عرف صلاح الدين بمسيرهم سار حتى وافاهم على قرون حماة وراسلهم وراسلوه واجتهد أن يصالحوه فما صالحوه، ورأوا أن ضرب المصاف معه ربما نالوا به غرضهم،<ref name="يا بيروت"/> والتقى الجمعان عند قرون حماة بقربقرب [[نهر العاصي]]، ووقعت بينهما معركة عظيمة هزم فيها الزنكيون على يد صلاح الدين، وأُسرت جماعة منهم، وذلك في [[19 رمضان|التاسع عشر من شهر رمضان]] من سنة [[570 هـ]]،<ref name="البداية 570"/> الموافقة في [[23 أبريل]] من سنة [[1175]] م، ثم سار صلاح الدين عقيب انتصاره ونزل على حلب مرة أخرى، فصالحه الزنكيون على أخذ [[معرة النعمان]] وكفر طاب وبارين.<ref>{{استشهاد بهارفارد دون أقواس|Lane-Poole|1906|p=141}}</ref>
[[ملف:Dirham Saladin.jpg|تصغير|250بك|نقش لصلاح الدين على [[درهم]] يعود لقرابة سنة [[1190]]م.]]
أعلن صلاح الدين نفسه ملكًا على البلاد التي افتتحها بعد انتصاره على الزنكيين، وخطب له أئمة المساجد يوم [[الجمعة]] باسم "الملك الناصر"، وضُربت [[دينار|الدنانير الذهبية]] في [[القاهرة]] باسمه، وعضّد مُلكه بالزواج من أرملة [[نور الدين زنكي]] المدعوة [[عصمة الدين خاتون]]. وسرعان ما أصبحت سيادة صلاح الدين على البلاد سيادة مشروعة عندما أسند الخليفة العباسي في [[بغداد]] إليه السلطة على [[مصر]] و[[ليبيا|المغرب الأدنى]] و[[النوبة]] و[[الحجاز]] و <nowiki/>[[تهامة]] و[[فلسطين]] و[[سوريا|سوريا الوسطى]]،<ref name="الدولة الأيوبية"/> وخلع عليه لقب "سلطان مصر والشام".<ref>{{استشهاد بهارفارد دون أقواس|Lane-Poole|1906|pp=141–142}}</ref>
 
استمرت الحرب بين الأيوبيين والزنكيين على الرغم من انتصار صلاح الدين في [[حماة]]، وحدثت الموقعة الأخيرة بينهما في صيف سنة [[1176]]م. كان صلاح الدين قد أحضر جيوشه من [[مصر]] استعدادًا للقاء الحاسم، وقام [[سيف الدين غازي|سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود]] بتجنيد الرجال في المناطق التي ما زال يسيطر عليها، في [[ديار بكر]] وقرى وبلدات [[الجزيرة الفراتية]].<ref>{{استشهاد بهارفارد دون أقواس|Lane-Poole|1906|p=143}}</ref> عبر [[الدولة الأيوبية|الأيوبيون]] [[نهر العاصي]] متجهين شمالاً حتى وصلوا [[تل السلطان (توضيح)|تل السلطان]] على بعد 24 كيلومترًا (15 ميلاً) من [[حلب]]، حيث قابلوا الجيش الزنكي، فاشتبك الجيشان في معركة ضارية، واستطاع [[الدولة الزنكية|الزنكيون]] دحر ميسرة الجيش الأيوبي، فاندفع صلاح الدين بنفسه تجاه حرّاس سيف الدين غازي وأعمل فيهم [[سيف|السيف]]، فتشجع الأيوبيون واندفعوا يمزقون صفوف الجيش الزنكي، فذُعر الزنكيون وأخذوا يتقهقرون تاركين في ساحة المعركة الكثير من القتلى،<ref name="البداية 571">{{مرجع كتاب |الأخير= ابن كثير|الأول= |وصلة مؤلف= ابن كثير|عنوان= [[البداية والنهاية]]، الجزء الثامن، أحداث 571 هـ|سنة= 2008|ناشر= دار التوفيقية للطباعة|مكان= القاهرة|صفحات= ص 415-418}}</ref> كاد سيف الدين أن يكون من ضمنهم. قُتل في المعركة العديد من ضبّاط الجيش الزنكي وأُسر بعضهم الآخر، وغنم الأيوبيون معسكر الزنكيين بما فيه من خيام وأمتعة وخيول وأسلحة، وعامل صلاح الدين الأسرى معاملة كريمة، فمنحهم هدايا وأطلق سراحهم، ثم وزّع غنائم المعركة كلها على جنوده، ولم يحتفظ بشيء لنفسه.<ref>{{استشهاد بهارفارد دون أقواس|Lane-Poole|1906|p=144}}</ref>
{{مفصلة|معركة حطين}}
[[ملف:Guido di Lusignano.jpg|تصغير|يمين|250بك|[[غي دي لوزينيان|غي آل لوزينيان]]، ملك بيت المقدس ([[1186]]–[[1192]])، شهد عهده القصير [[معركة حطين]] واسترجاع المسلمين [[القدس|للقدس]].]]
كان [[مرض|المرض]] قد اشتد على ملك [[مملكة بيت المقدس|بيت المقدس]] [[بلدوين الرابع]]، في سنة [[1185]]م وما لبث أن توفي في ذلك العام بعد أن سمّى ابن شقيقته [[بلدوين الخامس]] خلفًا له، لكن الأخير ما لبث أن توفي خلال سنة، فتولّت العرش والدته [[سيبيلا ملكة أورشليم|سيبيلا]]، التي ما لبثت أن توّجت زوجها الثاني [[غي دي لوزينيان|غي آل لوزينيان]] ملكًا، وكان الأخير قد خُطط له أن يكون وصي العرش بعد بلدوين الرابع، لكن تحالفه مع [[أرناط]] وخرقهما للهدنة مع صلاح الدين ومهاجمتهما لقوافل المسلمين التجارية وقوافل الحجاج، الأمر الذي جعل صلاح الدين يُحاصر [[الكرك]]، جعلت بلدوين الرابع يعدل عن تسميته خلفًا له بعد مماته.<ref name="الدولة الأيوبية"/> وعندما تولّى غي عرش بيت المقدس ظهرت الانشقاقات بين الصليبينالصليبيين وتوسعت، فلم يكن عدد من الأمراء راضيًا عن توليه، ومن هؤلاء [[ريموند الثالث|ريموند الثالث "القمص"]] صاحب [[طرابلس (لبنان)|طرابلس]]، الذي دفعه غيظه إلى مراسلة صلاح الدين<ref name="الكامل 582">{{مرجع كتاب|الأخير= ابن الأثير|الأول= |وصلة مؤلف= ابن الأثير|عنوان= [[الكامل في التاريخ]]، الجزء العاشر، أحداث 582 هـ|سنة= 2008|ناشر= دار التوفيقية للطباعة|مكان= القاهرة|صفحات= ص 142-145}}</ref> ومصادقته واتفق معه ألا يحاربه ولا يرفع عليه [[سيف]]، فقال له: {{اقتباس مضمن|أنني أملك [[طبريا]] أنزل عليها وأستولي عليها وأنا أتركها لك فتقوى بها على الفرنجة وتضعف قلوبهم}}. فذهب صلاح الدين ونزل قريبًا من [[طبريا]] فسلمها له صاحب طرابلس، وسمع ملك الفرنجة المتوج حديثًا ما حدث، فحشد العامة في البلاد مع عساكر الساحل وسار للقاء صلاح الدين، وانضم إليه صاحب طرابلس ليتستر على فعله.<ref>M. W. Baldwin, ''Raymond III of Tripolis and the Fall of Jerusalem (1140–1187)''. Princeton University Press, 1936.</ref>
[[ملف:Hattin Estoire d'Eracles.jpg|تصغير|240بك|[[معركة حطين]] بين الصليبيين والمسلمين.]]
[[ملف:BNF, Mss fr 68, folio 399.jpg|تصغير|240بك|صلاح الدين يُعدم أرناط صاحب الكرك بيده.]]
رأى صلاح الدين ألا يتوجه مباشرة لفتح [[القدس]] بعد انتصار [[حطين (توضيح)|حطين]]، وإنما رأى أنه من الأسلم أن يسير لفتح مدن الساحل ومن ثم الهجوم على القدس، فرحل طالبًا [[عكا]] وكان نزوله عليها يوم الأربعاء، وقاتل الصليبيين بها بكرة يوم الخميس مستهل جمادى الأولى سنة [[583 هـ]]، فأخذها وأنقذ من كان بها من أسرى المسلمين، وكانوا أكثر من 4 آلاف شخص،<ref name="يا بيروت"/><ref name="البداية 583"/> واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع كونها كانت المرفأ التجاري الرئيسي للصليبيين ونافذتهم على وطنهم الأم في [[أوروبا]]. ثم تفرقت الجنود الأيوبية في الساحل يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة، ففتحوا [[نابلس]] و[[حيفا]] و[[الناصرة]] و[[قيسارية]] و[[صفورية]]<ref name="الكامل 583">{{مرجع كتاب|الأخير= ابن الأثير|الأول= |وصلة مؤلف= ابن الأثير|عنوان= [[الكامل في التاريخ]]، الجزء العاشر، أحداث 583 هـ|سنة= 2008|ناشر= دار التوفيقية للطباعة|مكان= القاهرة|صفحات= ص 146-169}}</ref> بعد أن خلا معظمها من الرجال إما لمصرعهم على أرض المعركة أو لوقوعهم في الأسر أو لهربهم من أمام الجيش الأيوبي بعد أن قل عددهم.<ref name="يا بيروت"/> ولمّا استقرت قواعد عكا، قسّم صلاح الدين أموالها بين أهلها، وأبقى بعض القادة الصليبيين في الأسر وأطلق سراح بعض الجنود، ثم سار يطلب قلعة [[تبنين]]، فوصلها يوم الأحد في [[11 جمادى الأولى]] من نفس السنة، فنصب عليها [[منجنيق|المناجيق]] وضيّق عليها الحصار، وقاومت حاميتها مقاومة عنيفة قبل أن تستسلم ويدخلها الجيش الأيوبي، ثم ارتحل بعد ذلك قاصدًا [[صيدا]] وتسلمها في اليوم التالي لوصوله.<ref name="يا بيروت"/><ref name="الكامل 583"/>
 
وفي أثناء توجه صلاح الدين لفتح [[بيروت]] في سنة [[1187]]م، لقيه الأمير جمال الدين حجي التنوخي في بلدة [[خلدة]] وسار معه لحصار المدينة، فضرب الاثنان عليها الحصار ودخلوها بعد 7 أيام، وكافأ صلاح الدين الأمير التنوخي على ولائه له وثبته على إقطاعات آبائه وأجداده وزاد عليها حتى شملت منطقة الغرب كلها، الممتدة من جنوبي بيروت حتى أعالي [[جبل لبنان]]، وكذلك فعل مع [[شهابيون|الأمراء الشهابيين]] في [[سهل البقاع]]، فقد كان هؤلاء يقاتلون الصليبيين طيلة فترة من الزمن انتهت باستيلائهم على [[حاصبيا]] وما حولها، فسُرّ صلاح الدين بذلك وولّى الأمير منقذ الشهابي على البلاد التي فتحها.<ref name="الدولة الأيوبية"/> وفي أثناء حصار صلاح الدين لبيروت، كانت فرقة عسكرية أيوبية قد استرجعت [[جبيل]] من أيدي الصليبيين، ولمّا فرغ من هذا الجانب رأى أن قصده [[عسقلان]] أولى لأن حصارها وفتحها أيسر من حصار [[صور (توضيح)|صور]]، فأتى [[عسقلان]] وتسلّم في طريقه إليها مواقع كثيرة [[الرملة|كالرملة]] والدراوم،والداروم، وأقام في [[عسقلان]] المناجيق وقاتلها قتالاً شديدًا حتى استسلمت حاميتها، وأقام عليها إلى أن تسلّم أصحابه [[غزة]] و[[بيت جبرين]] والنطرون بغير قتال، وهكذا كان صلاح الدين قد استرجع أغلب ساحل [[بلاد الشام|الشام]]، ولم يصمد في وجهه غير مدينتيّ [[طرابلس (لبنان)|طرابلس]] و[[صور (توضيح)|صور]] وقسمًا من إمارة [[أنطاكية (توضيح)|أنطاكية]].<ref name="استرجاع القدس">المصور في التاريخ، الجزء السادس. تأليف: شفيق جحا، [[منير البعلبكي]]، [[بهيج عثمان]]، [[دار العلم للملايين]]، [[بيروت]]. [[الدولة الأيوبية|الأيوبيون]]، صفحة: 80</ref>
 
=== فتح القدس ===
[[ملف:BalianofIbelin1490.jpg|تصغير|250بك|يمين|[[باليان|باليان بن بارزان]] صاحب [[الرملة]] و[[نابلس]] وحامي [[القدس]]، يُسلّم المدينة للسلطان صلاح الدين الأيوبي.]]
[[ملف:ChristiansBeforeSaladin.jpg|تصغير|250بك|السكّان الفرنجة بين يديّ صلاح الدين بعد استرجاعه للقدس.]]
استشار صلاح الدين الأيوبي مجلسه وقبل هذه الشروط، على أن يتم دفع فدية على كل من فيها مقدارها عشرة دنانير من كل رجل وخمسهوخمسة دنانير من كل امرأة ودينارين عن كل صبي وكل صبية لم يبلغ سن الرشد، فمن أدى ما عليه في المهلة التي قدرها أربعين يومًا، صار حرًا.<ref name="الكامل 583"/> ثم سمح صلاح الدين بعد أن انقضت المهلة لمن لم يستطع الدفع منهم بالمغادرة دون فدية،<ref>Runciman (1990), p 465.</ref><ref>{{مرجع كتاب|مسار=http://books.google.com/books?id=7CP7fYghBFQC&pg=PA1101&dq=saladin+balian+jerusalem+siege+-wikipedia+-"Kingdom+of+Heaven"+destroy+temple+mount&sig=lu0RI7bOVMyPYmxqHXVUiaWTkkw|عنوان=E. J. Brill's First Encyclopaedia of Islam, 1913–1936 | الرقم المعياري=9789004097902 | سنة=1993 | ناشر=Brill| مسار الأرشيف = https://web.archive.org/web/20160415040849/https://books.google.com/books?id=7CP7fYghBFQC | تاريخ الأرشيف = 15 أبريل 2016 }}</ref> ولكن تم بيع معظم المقاتلة منهم عبيدًا.<ref name="Saladin">[http://www.britannica.com/EBchecked/topic/144695/Crusades/25607/The-Crusader-states-to-1187 The era of the Second and Third Crusades » The Crusader states to 1187], Encyclopædia Britannica {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20150607222951/http://www.britannica.com/EBchecked/topic/144695/Crusades/25607/The-Crusader-states-to-1187 |date=07 يونيو 2015}}</ref> دخل صلاح الدين المدينة في [[الإسراء والمعراج|ليلة المعراج]] يوم [[27 رجب]] سنة [[583 هـ]]، الموافق فيه [[2 أكتوبر]] سنة [[1187]]م، وسمح لل[[يهود]] بالعودة للمدينة،<ref>Scharfstein and Gelabert, 1997, p. 145.</ref> وهو ما دفع سكان عسقلان من اليهود لاستيطان القدس.<ref>Rossoff, 2001, p. 6.</ref> وأغلق صلاح الدين [[كنيسة القيامة]] بوجه الفرنجة بعد فتح المدينة، وأمر بترميم [[مسجد عمر بن الخطاب (القدس)|المحراب العمري]] القديم وحمل منبر مليح من [[حلب]] كان الملك نور الدين محمود بن زنكي قد أمر بصنعه ليوضع في المسجد الأقصى متى فُتح بيت المقدس، فأمر صلاح الدين بحمله من حلب ونُصب ب[[المسجد الأقصى]]،<ref name="الكامل 583"/> وأزيل ما هناك من آثار مسيحية منها [[صليب|الصليب]] الذي رفعه الإفرنج على قبة المسجد، وغُسلت الصخرة المقدسة بعدة أحمال [[ماء ورد]] وبُخّرت وفُرشت ورُتّب في المسجد من يقوم بوظائفه وجُعلت به مدرسة [[شافعية|للفقهاء الشافعية]]، ثم أعاد صلاح الدين فتح الكنيسة وقرر على من يرد إليها من الفرنج ضريبة يؤديها.<ref name="استرجاع القدس"/>
 
وقد ابتهج المسلمون ابتهاجًا عظيمًا بعودة [[القدس]] إلى ربوع [[العالم الإسلامي|الأراضي الإسلامية]] و[[الدولة العباسية|الخلافة العباسية]]، وحضر ناس كثيرون ليسلموا على السلطان ومن هؤلاء الرشيد أبو محمد عبد الرحمن بن بدر بن الحسن بن مفرج النابلسي، الشاعر المشهور، فأنشد صلاح الدين قصيدة طويلة من مائة بيت يمدحه ويُهنئه بالفتح،<ref name="يا بيروت"/> ومما جاء في القصيدة:
{{نهاية قصيدة}}
 
=== حصار صورسور وعكا ===
{{مفصلة|حصار عكا}}
[[ملف:Tyre 1187.jpg|تصغير|250بك|حصار [[صور (توضيح)|صور]] من قبل الجيش الأيوبي سنة [[1187]].]]
كان معظم أمراء الفرنجة وفرسانها يذهبون إلى المدن الحصينة التي ما زالت في أيديهم مثل [[أنطاكية (توضيح)|أنطاكية]] و[[صور (توضيح)|صور]]، وكانت الأخيرة يحكمها ملك من ملوك [[أوروبا]] هو [[كونراد من مونفيراتو|كونراد مركيز مونفيراتو]]، ويقول البعض أنه رومي ابن اخت إمبراطور [[القسطنطينية]].<ref name="استرجاع القدس"/> وكانت صور أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية من [[القدس]]، لذا كان من المتوقع أن يقوم صلاح الدين بفتحها أولاً، لكنه فضّل استرجاع المدينة المقدسة أولاً ليرفع من معنويات المسلمين قبل التوجه لحصار المدينة المحصنة. وقبل حصار صور توجّه صلاح الدين بجيشه إلى قلعة [[صفد]] وحاصرها سبعة شهور، ولمّا نفذ الطعام وجاعت الحامية اضطروا أن يسلموا القلعة له وطلب الأمان، وعندما غادرها جنود الفرنجة وفرسانهم ذهبوا إلى صور وكانت كل قلعة أو حصن أو مدينة تطلب الأمان ويسلمونها إلى صلاح الدين، كان الفرنجة يغادرونها إلى صور فقويت بوجود فرسان الفرنجة فيها، فصمدت في وجه صلاح الدين سنة كاملة، أضف إلى ذلك أن المركيز ظلّ يقوّي ويحمي ويدبر احتياجات المدينة طيلة أيام الحصار، حتى دبّ اليأس إلى فؤاد السلطان، ففك الحصار عنها مؤجلاً تحقيق الفتح إلى فرصة قادمة. وفي سنة [[1188]]م أطلق صلاح الدين سراح الملك [[غي دي لوزينيان|غي آل لوزينيان]] وأعاده إلى زوجته [[سيبيلا ملكة أورشليم|سيبيلا]]، فذهبا ليعيشا في [[طرابلس (لبنان)|طرابلس]]، ثم توجها إلى أنطاكية، قبل أن يُقررا الذهاب إلى صور، لكن كونراد رفض السماح لهما بالدخول إلى المدينة كونه لم يعترف بشرعيّة ملكيّة غي.<ref name="استرجاع القدس"/>
[[ملف:Siege of Acre.jpg|تصغير|250بك|[[حصار عكا (توضيح)|حصار عكا]].]]
وبعد أن انصرف صلاح الدين عن صفد واصل فتح المدن والقلاع ففتح [[جبلة (توضيح)|جبلة]] و[[اللاذقية]] وحصون صهيون وبكاس والشغر وسرمينية وبرزية ودرب ساك و[[الكرك]] وكوكب، كما سعى [[بوهمند الثالث أمير أنطاكية|بوهمند الثالث]] صاحب [[أنطاكية (توضيح)|أنطاكية]] لمهادنة صلاح الدين لمدة ثمانية أشهر، فقبل صلاح الدين ذلك على أن يطلق بوهمند من عنده من أسرى المسلمين.<ref name="الكامل 584">{{مرجع كتاب|الأخير= ابن الأثير|الأول= |وصلة مؤلف= ابن الأثير|عنوان= [[الكامل في التاريخ]]، الجزء العاشر، أحداث 584 هـ|سنة= 2008|ناشر= دار التوفيقية للطباعة|مكان= القاهرة|صفحات= ص 170-183}}</ref> لما ضجت صور بمن لجأ إليها من الفرنجة، قام بعض رهبانهم وقسسهموقسيسيهم بشحن الفرنجة للثأر لفقدان بيت المقدس، فرأوا أن يهاجموا [[عكا]]، فجمعوا قواتهم وضربوا عليها حصارًا بريًا بحريًا في [[15 رجب]] [[585 هـ]] الموافق [[28 أغسطس]] [[1189]]م.<ref name="الكامل 585">{{مرجع كتاب|الأخير= ابن الأثير|الأول= |وصلة مؤلف= ابن الأثير|عنوان= [[الكامل في التاريخ]]، الجزء العاشر، أحداث 585 هـ|سنة= 2008|ناشر= دار التوفيقية للطباعة|مكان= القاهرة|صفحات= ص 184-194}}</ref> استنجدت حامية المدينة بصلاح الدين فأرسل إلى عماله وحلفاؤه يطالبهم بالإسراع إلى نجدة المدينة، فوافاه عسكر الموصل وآمد وسنجار وغيرها من بلاد الجزيرة وحران والرُّها، كما وافاه أخاه الملك [[العادل سيف الدين أحمد|العادل أبو بكر بن أيوب]] في جند مصر والأسطول المصري بقيادة [[حسام الدين لؤلؤ]]، فدارت بين الفريقين معارك عظيمة لم يكتب فيها الغلبة لأي من الفريقين.<ref name="الكامل 585"/>
 
=== الحملة الصليبية الثالثة ===
 
== أسرته ==
وفقًا [[عماد الدين الكاتب|لعماد الدين الأصفهاني]]، فقد أنجب صلاح الدين الأيوبي خمسة أبناء قبل مغادرته مصر في عام [[1174]]م. ابنه الأكبر [[الأفضل بن صلاح الدين|الأفضل]] وُلد في عام [[1170]]م وأنجبت له زوجته شمسة التي اصطحبها معه إلى الشام ولده [[العزيز عماد الدين عثمان|عثمان]]، وُلد في عام [[1172]]م في مصر، ثم أنجبت طفلاً آخر في عام [[1177]]م. بينما ذكر [[أبو العباس القلقشندي]]، أن ولده الثاني عشر وُلد في مايو سنة [[1178]]م، بينما ذكر الأصفهاني، أن هذا الطفل كان ابن صلاح الدين السابع. كما وُلد له مسعود في عام [[1175]]م ويعقوب في عام [[1176]]م، وهذا الأخير من زوجته شمسة. تزوج صلاح الدين من أرملة نور الدين زنكي [[عصمة الدين خاتون]] في سبتمبر سنة [[1176]]م، وانجبتوأنجبت له إحدى زوجاته غازي وداود في عامي [[1173]]م و[[1178]]م على التوالي، وأنجبت له أخرى إسحق في عام [[1174]]م وولدًا آخر في شهر يوليو من سنة [[1182]]م.<ref>{{استشهاد بهارفارد دون أقواس|Lyons|Jackson|1982|p=135}}</ref>
 
== صلاح الدين في التراث ==
181

تعديل