الدولة الأيوبية: الفرق بين النسختين

[نسخة منشورة][نسخة منشورة]
تم حذف المحتوى تمت إضافة المحتوى
JarBot (نقاش | مساهمات)
ط بوت:إزالة تصنيف عام (3.5) إزالة تصنيف:عائلات ملكية شرق أوسطية لوجود (تصنيف:أيوبيون))
JarBot (نقاش | مساهمات)
ط بوت:إزالة تصنيف عام (3.5) إزالة تصنيف:سلالات حاكمة مسلمة لوجود (تصنيف:فاطميون+ تصنيف:أيوبيون))
سطر 5:
|المنطقة = الشرق الأوسط، شمال إفريقيا
|نظام الحكم = سلطنة وراثية
| مدة زمنية = 1174–1250<br />1250–1252<br /> {{صغير|(شَكْليَّة تحت سلطة [[السلطنةالدولة المملوكية|السلطنة المملوكية بالقاهرة]])}}{{للهامش|1}}
|سنة البداية = 1174
|سنة النهاية = 1250
سطر 23:
|
|العاصمة = [[القاهرة]]
|اللغة = [[لغةاللغة عربيةالعربية|العربية]] (اللغة الرسمية)
|لغة رسمية = لا
|الدين = [[إسلام|الإسلام]]: [[أهل السنة والجماعة]] <small>أقليات صُغرى: [[مسيحية|المسيحية]]، و[[يهودية|اليهودية]]</small>
سطر 53:
}}
}}
'''الدولة الأيوبية''' هي دولة إسلامية نشأت في [[مصر]]، وامتدت لتشمل [[بلاد الشام|الشام]] و[[الحجاز]] و[[اليمن]] و[[النوبة]] وبعض أجزاء [[المغرب العربي]]. يعتبر [[صلاح الدين الأيوبي|صلاح الدين يوسف بن أيوب]] مؤسس الدولة الأيوبية، كان ذلك بعد أن عُيِّن وزيرًا للخليفة الفاطمي [[العاضد لدين الله]] ونائبًا عن السلطان [[نور الدين محمود]] في مصر، فعمل على أن تكون كل السلطات تحت يده، وأصبح هو المتصرف في الأمور، وأعاد لمصر التبعية للدولة العباسية، فمنع الدعاء للخليفة الفاطمي ودعا للخليفة العباسي، وأغلق مراكز الشيعة الفاطمية، ونشر [[أهل السنة والجماعة|المذهب السني]].<ref>[http://egypthistory.net/1169/سقوط-الخلافة-الفاطمية-وصلاح-الدين-يحك/ بداية النهاية للخلافة الفاطمية في مصر] تاريخ مصر. وصل لهذا المسار في 31 مارس 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20180724181303/http://egypthistory.net:80/1169/سقوط-الخلافة-الفاطمية-وصلاح-الدين-يحك/ |date=24 يوليو 2018}}</ref>
 
بعد وفاة نور الدين زنكي توجه صلاح الدين إلى بلاد الشام، فدخل [[دمشق]]، ثم ضمَّ [[حمص]] ثم [[حلب]]، وبذلك أصبح صلاح الدين سلطانًا على مصر والشام. كانت دولة الأيوبيين قد امتدت إلى بلاد الحجاز، حيث قام صلاح الدين بتحصين جنوب [[فلسطين]]، والاستعداد لأي أمر يقوم به [[أرناط]] صاحب [[قلعة الكرك]]، والذي كان يدبر للهجوم على الأماكن المقدسة في [[مكة]] و[[المدينة المنورة|المدينة]]، وكان صلاح الدين قد اعتنى بميناء القلزم و[[ميناء جدة الإسلامي|ميناء جدة]]، لأن أرناط كان قد عمَّر أسطولا في ميناء أَيْلَة ([[العقبة]])، وأرسل سفنًا بلغت عِيذاب، فاستولى صلاح الدين على أيلة. استرد صلاح الدين [[القدس|بيت المقدس]] في [[27 رجب]] [[583 هـ]] الموافق [[2 أكتوبر]] [[1187]]م، بعد ثلاثة أشهر من انتصاره في [[معركة حطين]]، عقب ذلك سقطت في يده كل موانئ الشام، ما عدا مينائي [[كونتية طرابلس|إمارة طرابلس]] و[[أنطاكيا (تركيا)|أنطاكية]]، وانتهت الحرب الصليبية الثالثة بسقوط عكا بيد الصليبيين، وتوقيع [[معاهدة الرملة|صلح الرملة]] بين صلاح الدين و[[ريتشارد الأول ملك إنجلترا|ريتشارد قلب الأسد]].<ref>[https://www.discover-syria.com/bank/118 الأيوبيون] اكتشف سوريا. وصل لهذا المسار في 31 مارس 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20180225024136/http://www.discover-syria.com:80/bank/118 |date=25 فبراير 2018}}</ref>
 
توفي صلاح الدين عام 589 هـ بعد أن قسم دولته بين أولاده وأخيه العادل، ولكنهم تناحروا فيما بينهم، وظل بعضهم يقاتل بعضًا في ظروف كانت الدولة تحتاج فيها إلى تجميع القوى ضد الصليبيين. بعد وفاة العادل تفرقت المملكة بين أبنائه الثلاثة الكامل محمد على حكم مصر، والمعظم عيسى على دمشق وما حولها، والأشرف موسى على باقي الشام، لم يكد يتوفى العادل أبو بكر حتى انهال الصليبيون على الشام ومصر وخصوصًا مصر في ثلاث حملات صليبية متتابعة جعلت الكامل محمد على أن يتنازل طواعية عن بيت المقدس للملك [[فريدريك الثاني (إمبراطور روماني مقدس)|فريدريك الثاني]] سنة 625 هـ الموافق 1228م. اختلف الأشرف موسى مع المعظم عيسى على حدود النفوذ في الشام والجزيرة ووقعت بينهما الكثير من المشاكل والاضطرابات كرست الفتنة وعمقت أسباب الخلاف ومهدت لمزيد من التخبط وفتحت طريق سقوط الدولة.<ref>[https://islammemo.cc/print.aspx?id=1419 مقتل الأمير توران شاه الأيوبي على يد المماليك] مفكرة الإسلام. وصل لهذا المسار في 31 مارس 2016 {{وصلة مكسورة|date= يوليو 2017 |bot=JarBot}} {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20160423204159/https://islammemo.cc/print.aspx?id=1419 |date=23 أبريل 2016}} {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20160423204159/http://islammemo.cc/print.aspx?id=1419 |date=23 أبريل 2016}}</ref>
 
وُلِّي بعد وفاة الكامل محمد أخوه [[الصالح أيوب]] وذلك سنة 637 هـ، والذي استرد بيت المقدس ودمشق و[[عسقلان]] بعد تحالفه مع القوات الخوارزمية الهاربة من الغزو المغولي. في آخر حياة الصالح أيوب هجمت الحملة الصليبية السابعة على مدينة دمياط يقودها [[لويس التاسع]] ملك فرنسا سنة 647 هـ، فرابط الصالح أيوب ب[[المنصورة (مصر)|المنصورة]]، وهناك أصيب بمرض شديد تفاقم عليه حتى مات، فأخفت جاريته أم خليل الملقبة بشجر الدر خبر موته وأرسلت لولده الأمير [[توران شاه]] وكان بالشام، فقاد الجيوش المصرية وحقق انتصارًا كبيرًا على الصليبيين، وأسر ملكهم لويس التاسع. لما حقق توران شاه انتصاره على الصليبيين استدار إلى زوجة أبيه وباقي قادة الجيش وكانوا جميعًا من [[المماليك البحرية]]، وخطط للتخلص منهم وعزلهم، جعلت هذه الأمور شجرة الدر تتآمر مع المماليك على قتل توران شاه، فهاجموه في ليلة [[28 محرم]] [[648 هـ]] الموافق [[2 مايو]] [[1250]]م وقتلوه، وبذلك انتهت الدولة الأيوبية.<ref>[https://www.roo7e.com/islam/book6-62.html التاريخ الإسـلامي الدولة الأيوبية] موسوعة الأسرة المسلمة. وصل لهذا المسار في 31 مارس 2016 {{وصلة مكسورة|date= يوليو 2017 |bot=JarBot}} {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20161104031725/http://www.roo7e.com:80/islam/book6-62.html |date=04 نوفمبر 2016}}</ref><ref>سامي عبدالله المغلوث ([[1434 هـ]] - [[2013]]م). أطلس تاريخ العصر المملوكي (الطبعة الأولى). [[الرياض]] - [[السعودية]]. مكتبة العبيكان صفحة 17</ref>
سطر 63:
== أصول الأيوبيين ==
 
تحدث المؤرخون عن النسب الأيوبي واختلفوا حول هذا النسب، ولكنهم اتفقوا على أن جد الأيوبيين هو الملك الأفضل نجم الدين أيوب بن شادي (أو شاذي) بن مروان. كتب كل من [[ابن الأثير الجزري|ابن الأثير]] و[[أبو شامة المقدسي|أبو شامة]] و[[ابن العديم]] و[[ابن خلكان]] وغيرهم عن نسب الأيوبيين، ولكنهم لم يجمعوا على رأي واحد، ولم يبتوا نهائيًا في النسب الأيوبي حتى المعاصرين منهم، فمنهم من قال بأنهم أكراد،<ref>عبد الرحمن عزام ([[2013]]م). صلاح الدين وإعادة إحياء المذهب السني (الطبعة الثانية). [[الدوحة]] - [[قطر]]. دار بلومزبري مؤسسة قطر للنشر صفحة 42</ref> ومن قال أنهم عرب أمويون، ومن قال أنهم عرب ينتسبون إلى [[بنو ذبيان|علي بن أحمد المري]]، ولكن لم يثبت بأن أحد من الأيوبيين نسب نفسه إلى الأكراد فمنهم من أيد الرأي الثاني وبعضهم أيد الرأي الثالث وقد نفو ا جميعهم الرأي الأول.<ref name="السلطان صلاح الدين الأيوبي">[https://salahaldine.weebly.com/15751604160615871576-1575160415711610160815761610-1575160415811602161016021610.html النسب الأيوبي الحقيقي] السلطان صلاح الدين الأيوبي. وصل لهذا المسار في 1 أبريل 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20170716074420/http://salahaldine.weebly.com:80/15751604160615871576-1575160415711610160815761610-1575160415811602161016021610.html |date=16 يوليو 2017}}</ref>
 
[[ملف:Dvin.jpg|تصغير|300بك|رسم لساحة مدينة دوين ([[لغة أرمنية|بالأرمنية]]: Դվին)، البلد الأم [[أيوبيونالدولة الأيوبية|لبني أيوب]]، في [[أرمينيا]] خلال [[العصور الوسطى|القرون الوسطى]].]]
يرجع نسب الأيوبيين إلى أيوب بن شاذي بن مروان من أهل مدينة دوين في [[أرمينيا]]،<ref name="ReferenceA">ابن الأثير، الكامل في التاريخ، حوادث عام 564 هجري</ref> وقد أختلف المؤرخون في نسب العائلة الأيوبية حيث أورد ابن الأثير في تاريخه أن أيوب بن شاذي بن مروان يرجع إلى الأكراد الروادية وهم فخذ من الهذبانية،<ref name="ReferenceA"/> ويذكر [[ابن خلكان|أحمد بن خلكان]] ما نصه: {{اقتباس مضمن|قال لي رجل فقيه عارف بما يقول، وهو من أهل دوين، إن على باب دوين قرية يُقال لها "أجدانقان" وجميع أهلها أكراد روادية، وكان شاذي قد أخذ ولديه [[أسد الدين شيركوه بن شاذي|أسد الدين شيركوه]] و[[الأفضل نجم الدين أيوب|نجم الدين أيوب]] وخرج بهما إلى [[بغداد]] ومن هناك نزلوا [[تكريت]]، ومات شاذي بها وعلى قبره قبة داخل البلد}}،<ref>[https://yabeyrouth.net/content/view/832/41 رجال خالدون، صلاح الدين الأيوبي] يا بيروت. وصل لهذا المسار في 1 أبريل 2016 {{وصلة مكسورة|تاريخ= مايو 2019 |bot=JarBot}}</ref> بينما يرفض بعض ملوك الأيوبيين هذا النسب وقالوا: {{اقتباس مضمن|إنما نحن عرب، نزلنا عند الأكراد وتزوجنا منهم".}}<ref name="ReferenceB">مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، جمال الدين محمد بن سالم بن واصل المتوفى سنة [[697 هـ]]، ذكر نسب بني أيوب</ref> الأيوبيون نفسهم اختلفوا في نسبهم فالملك المعز إسماعيل الأيوبي صاحب اليمن أرجع نسب بني أيوب إلى [[بنو أمية (قبيلة)|بني أمية]]، وأن نسبهم يرجع إلى أيوب بن شادي (أو شاذي) بن مروان بن الحكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية،<ref name="السلطان صلاح الدين الأيوبي" /> وحين بلغ ذلك الملك [[العادل أبوسيف بكرالدين بن أيوبأحمد|العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب]] قال: "كذب إسماعيل ما نحن من [[بنو أمية (قبيلة)|بني أمية]] أصلاً"،<ref name="ReferenceB"/> أما الأيوبيون ملوك [[دمشق]] فقد أثبتوا نسبهم إلى بني مرة بن عوف من بطون [[بنو غطفان|غطفان]] وقد أحضر هذا النسب على [[المعظم عيسى بن العادل|المعظم عيسى بن أحمد]] صاحب دمشق وأسمعه ابنه الملك الناصر صلاح الدين داود.<ref name="ReferenceB"/>
 
شرح الحسن بن داود الأيوبي في كتابه "الفوائد الجلية في الفرائد الناصرية"<ref>طبعة دار الكتاب الجديد، [[بيروت]]، تحقيق الدكتور [[صلاح الدين المنجد]].</ref> ما قيل عن نسب أجداده وقطع أنهم ليسوا أكرادًا، بل نزلوا عندهم فنسبوا إليهم. وقال: "ولم أرَ أحداً ممن أدركتُه من مشايخ بيتنا يعترف بهذا النسب". كما أن الحسن بن داود قد رجَّح في كتابه صحة شجرة النسب التي وضعها الحسن بن غريب، والتي فيها نسبة العائلة إلى أيوب بن شاذي بن مروان بن أبي علي محمد بن عنترة بن الحسن بن علي بن أحمد بن أبي علي بن عبد العزيز بن هُدْبة بن الحُصَين بن الحارث بن سنان بن عمرو بن مُرَّة بن عوف بن أسامة بن بيهس بن الحارث بن عوف بن أبي حارثة بن مرة بن نَشبَة بن غيظ بن مرة بن عوف بن [[لؤي بن غالب|لؤي]] بن [[غالب بن فهر|غالب]] بن [[فهر بن مالك|فهر]] بن [[مالك بن النضر|مالك]] بن [[قريش]].<ref>[https://www.al-jazirah.com/2011/20111120/wo2.htm صلاح الدين الأيوبي .. شيء من سيرته وحديث عن أصوله نايف بن عوض الوسمي] صحيفة الجزيرة، 20 نوفمبر 2011. وصل لهذا المسار في 1 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20181023105147/http://www.al-jazirah.com:80/2011/20111120/wo2.htm |date=23 أكتوبر 2018}}</ref><ref>[[ابن واصل|جمال الدين محمد بن سالم بن واصل]]، تحقيق جمال الدين الشيال ([[1377 هـ]] - [[1957]]م). مفرج الكروب في أخبار بني أيوب الجزء الأول (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. دار الكتب والوثائق القومية المطبعة الأميرية صفحة 5</ref>
سطر 74:
{{مفصلة|الدولة الفاطمية|الزنكيون}}
 
تتفق المصادر التاريخية أن شادي بن مروان أعقب ولدين، الأول: الملك الأفضل نجم الدين أبي الفضل أيوب والد الملوك، الثاني: الملك المنصور أسد الدين أبي الحارث شيركوه،<ref>[[مرتضى الزبيدي|المرتضى الزبيدي]]، تحقيق صلاح الدين المنجد ([[1995]]م). ترويح القلوب في ذكر الملوك بني أيوب (الطبعة الثانية). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار الكتاب الجديد صفحة 36</ref> وقد اتصل بحاكم العراق السلجوقي مجاهد الدين بهروز، وذلك في عهد السلطان السلجوقي [[ركن الدين مسعود|مسعود بن ملكشاه]]، فأقطعه قلعة تكريت القائمة بين [[بغداد]] و[[الموصل]]، وهي بلدة كردية وسكانها [[كرد|أكراد]]. لما مات شادي خلفه في حكم قلعة تكريت ابنه [[الأفضل نجم الدين أيوب|نجم الدين أيوب]] الذي أُتيحت له الظروف خدمة [[عماد الدين زنكي]] أمير [[الموصل]] و[[حلب]]، وذلك عندما انهزم زنكي في الحرب التي خاضها ضد الخليفة العباسي [[الفضل المسترشد بالله|المسترشد بالله]] سنة 526 هـ الموافق 1132م، وفر مع جيوشه إلى مدينة [[تكريت]] ملتجئين إلى نجم الدين أيوب، فأكرمهم وآواهم. وحدث أن تنكر مجاهد الدين بهروز لنجم الدين أيوب، وقد تعددت أسباب هذا التنكر، وكانت النتيجة أن أرسل إليه بهروز يأمره بتسليم القلعة إلى عامل آخر، والخروج مع أهله من تكريت. غادر نجم الدين قلعة تكريت ومعه أخوه أسد الدين متوجهًا نحو الموصل،<ref>[[علي الصلابي|علي محمد الصلابي]] ([[1427 هـ]] - [[2006]]م). الدولة الفاطمية (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. مؤسسة اقرأ صفحة 139</ref> فأحسن عماد الدين زنكي وفادتهما، وبالغ في اكرامهما وأقطعهما اقطاعات جليله وكان ذلك عام 532 هـ الموافق 1138م، ويقال أنه في نفس الليلة التي خرج فيها نجم الدين أيوب من قلعة تكريت ولد له يوسف (صلاح الدين) الذي تنسب له الدولة الأيوبية.<ref>[https://www.islamarabi.com/sejut.php?ID=6626 أسد الدين شيركوه فاتح مصر الثاني] مجلة العربي. وصل لهذا المسار في 1 أبريل 2016 {{وصلة مكسورة|date= يوليو 2017 |bot=JarBot}} {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20160423203818/https://www.islamarabi.com/sejut.php?ID=6626 |date=23 أبريل 2016}} {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20160423203818/http://www.islamarabi.com/sejut.php?ID=6626 |date=23 أبريل 2016}}</ref><ref>[[مرتضى الزبيدي|المرتضى الزبيدي]]، تحقيق صلاح الدين المنجد ([[1995]]م). ترويح القلوب في ذكر الملوك بني أيوب (الطبعة الثانية). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار الكتاب الجديد صفحة 68</ref> قابل نجم الدين وأخوه [[أسد الدين شيركوه بن شاذي|أسد الدين شيركوه]] مكرمة عماد الدين، بانخراطهما في جيشه، وأخلصا له وأحرزا انتصارات عديده، ماحدا بعماد الدين بتعيين بنجم الدين أيوب حاكمًا على [[بعلبك]] بعد استيلائه عليها سنة 532 هـ 1139.<ref>[[علي الصلابي|علي محمد الصلابي]] ([[1429 هـ]] - [[2008]]م). صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس (الطبعة الثانية). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع صفحة 226</ref>
 
[[ملف:Zengid dynasty, 1127 - 1183-ar.png|تصغير|300بك|يمين|الدولة الزنكية في أقصى اتساعها قبل السيطرة على مصر.]]
بعد مقتل عماد الدين زنكي انقسم ملكه بين ولديه [[سيف الدين غازي]] في الموصل و[[نور الدين محمود]] في حلب، فاستغل ذلك صاحب دمشق مجيد الدين أبق بن جمال الدين بن تاج الملوك، فحاول استرجاع بعلبك، فسلمه نجم الدين أيوب مقابل تعهده بإعطائه إقطاعًا جليلًا، ثم نزل دمشق وتسلم الإقطاع وهو عبارة عن عشرة قرى بجوار [[دمشق]]، بالإضافة لدار يسكن بها في دمشق، ثم أصبح لنجم الدين مركز مرموق في دمشق حتى أصبح قائدًا لقواتها، واستمر يشغل هذا المنصب حتى استولى نور الدين على دمشق عام 549 هـ تاموافق 1154م. أما أسد الدين شيركوه فقد بقي في خدمة نور الدين محمود بحلب، حتى أصبح قائدًا لقوات حلب، ثم قام نور الدين بتسيير جيش بقيادة شيركوه للاستيلاء على دمشق عام 547 هـ الموافق 1154م، فوقف نجم الدين أيوب على رأس جيش حاكم دمشق مجيد الدين آبق. قام نور الدين محمود بالطلب من شيركوه بمكاتبة أخيه نجم الدين وحثه على المساعدة، فطلب نجم الدين الحصول على المزيد من الإقطاعات في دمشق، فوعد نور الدين بتنفيذ ما طلب، واستمرت المفاوضة ستة أيام انتهت بتسليم دمشق، فعين نجم الدين حاكمًا على دمشق.
 
كانت مصر قبل قدوم صلاح الدين مقرًا [[الدولة الفاطمية|للدولة الفاطمية]]، ولم يكن للخليفة الفاطمي في ذلك الوقت سوى الدعاء له على المنابر، وكانت الأمور كلها بيد الوزراء، وكانت هذه الفترة من أسوأ الفترات السياسية في تاريخ مصر الإسلامي، فقد أصبح الخليفة الفاطمي يشارك في مؤامرات و دسائس ضد وزرائه للتخلص منهم وذلك لضعفه وعدم قدرته علي عزلهم بنفسه،<ref>[[علي الصلابي|علي محمد الصلابي]] ([[1429 هـ]] - [[2008]]م). صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس (الطبعة الثانية). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع صفحة 167</ref> فوُجد أن كل طرف كان يتآمر ضد كل الأطراف، ولا يبالي أي طرف من أن يتقوى بالصليبيين ضد منافسه، مما أدى إلي تحريك أطماع [[حملات صليبية|الصليبيين]] في الإستيلاء على مصر.<ref name="قصة الإسلام">[http://islamstory.com/arسقوط_دولة_الفاطميين سقوط دولة الفاطميين د. عبد الحليم عويس] قصة الإسلام، 10 أغسطس 2008. وصل لهذا المسار في 1 أبريل 2016</ref> فعندما فشل الصليبيون على الجهة الشمالية (الشام)، اتجهوا صوب الجنوب (مصر)، واستغل الملك الصليبي [[بالدوين الثالث]] حالة مصر الضعيفة، وكشر عن أنيابه مهددًا بغزو الديار المصرية، ولم يرجع عن تهديده إلا بعد أن وعده الوزير [[طلائع بن رزيك|ابن رزيك]] باسم الخليفة الفاطمي العاضد بجزية سنوية مقدارها مئة وستين ألف دينار، لما مات بلدوين الثالث تولى حكم مملكة بيت المقدس بعده أخوه أمالريك الأول بدون أن تقوم القاهرة بدفع شيء من الجزية، وكان تولي أمالريك حكم بيت المقدس بداية مرحلة جديدة في تاريخ العلاقات بين الصليبيين ومصر، حيث أدرك أن سيطرة نور الدين محمود على [[حلب]] و[[حماة]] و[[حمص]] و[[دمشق]] قد حالت دون توسع الصليبيين في شمال بلاد الشام، فأصبح الطريق مفتوحًا أمامهم لمصر.<ref>[[قاسم عبده قاسم]]، علي السيد علي ([[1995]]م). الأيوبيون والمماليك التاريخ السياسي والعسكري (الطبعة الأولى). [[بيروت]] - [[لبنان]]. عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية صفحة 23</ref>
 
[[ملف:الدولة الفاطمية والدول الشيعية في القرن العاشر..png|تصغير|300بك|يسار|مراحل نفوذ الدولة الفاطمية بين التوسع والانحسار في القرن العاشر الميلادي.]]
في هذه الفترة تحركت رغبات نور الدين محمود في ضم مصر إلي الشام في جبهة واحدة ضد الصليبيين، وكان نور الدين قد نجح في توحيد معظم مدن وإمارات [[بلاد الشام|الشام]] تحت إمرته، هذا بالإضافة لتلقيه العهد من الخليفة العباسي عام 549 هـ بإطلاق يده في بلاد الشام ومصر.<ref>[[علي الصلابي|علي محمد الصلابي]] ([[1429 هـ]] - [[2008]]م). صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس (الطبعة الثانية). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع صفحة 168</ref> كان الوزير طلائع بن زريك الأرمني هو الحاكم الفعلي لمصر زمن الخليفة الفاطمي الفائز بدين الله، ولكنه قتل وابنه فحل محله في الوزارة شارو الذي كان حاكمًا للصعيد،<ref>محمد جمال الدين سرور ([[1995]]م). تاريخ الدولة الفاطمية (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. دار الفكر العربي صفحة 115</ref> ظهر في تلك الفترة ضرغام أبو الأشبال أمير فرقة من الجند المغاربة تخدم في مصر كمنافس فعلي للوزير [[شاور بن مجير السعدي|شاور]] علي كرسي الوزارة زمن الخليفة [[العاضد لدين الله]]. استطاع ضرغام خلع شاور من وزارة مصر بمساعدة الخليفة الفاطمي، فوجد أمالريك الفرصة سانحةً أمامه ليتخذ من مسألة الجزية ذريعة لهجوم يشنه على الحدود المصرية، ثم عبر برزخ [[السويس]] سنة 558 هـ الموافق 1163م ووصل إلى مصب [[دمياط]]، فتصدى له ضرغام، وقطع بعض جسور النيل، وشكلت مياه الفيضانات وأوحال الدلتا عائقًا أمام أمالريك وجعله يتراجع إلى [[فلسطين]]. ما كان من شاور إلا أن هرب إلي الشام واستنجد بنور الدين محمود ليعيد إليه الوزارة، ووعده بثلث خراج إيراد مصر، وأن يمنح جنده إقطاعات يقيمون فيها في مصر.<ref name="تاريخ مصر">[http://egypthistory.net/1169/سقوط-الخلافة-الفاطمية-وصلاح-الدين-يحك/ بداية النهاية للخلافة الفاطمية في مصر] تاريخ مصر. وصل لهذا المسار في 1 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20180724181303/http://egypthistory.net:80/1169/سقوط-الخلافة-الفاطمية-وصلاح-الدين-يحك/ |date=24 يوليو 2018}}</ref> بعد فترة من التردد وافق نور الدين علي مساعدة شاور لاستعادة الوزارة في مصر شريطة أن يعترف شاور بسيادة نور الدين علي مصر، وكان نور الدين يرغب في تحويل مصر إلي [[أهل السنة والجماعة|المذهب السني]] وتوحيد مصر والشام ضد الصليبيين. أرسل نور الدين قائده أسد الدين شيركوه علي رأس جيش إلي مصر، واصطحب أسد الدين معه ابن اخيه صلاح الدين الأيوبي الذي كان في الخامسة والعشرين من عمره آنذاك، لما علم ضرغام بأنباء شاور ونور الدين أرسل يستنجد بالصليبيين، فلم يتردد أمالريك بمساندته بعد أن تعهد ضرغام له أن يعقد معه معاهدة تصبح مصر بمقتضاها تابعة للصليبيين مقابل مساعدته،<ref>الأيوبيون والمماليك التاريخ السياسي والعسكري صفحة 24</ref> تقابل جيش شيركوه وجيش ضرغام عند القاهرة، واستطاع شيركوه أن يهزم قوات ضرغام ويقتله ويعيد شاور إلي الوزارة، و لكن شاور نكث بعهده ورفض الاعتراف بولائه لنور الدين محمود، وطلب من شيركوه أن يعود إلي الشام، ولكن شيركوه توجه بجيشه إلي مدينة [[بلبيس]] في [[دلتا النيل|دلتا مصر]] وسيطر عليها وتحصن بها ضد شاور. أرسل شاور إلي أمالريك ملك بيت المقدس الصليبي ليساعده في التخلص من أسد الدين شيركوه، وكان سقوط [[عسقلان]] في [[غزة]] بوابة مصر الشرقية في يد الصليبيين قد أغري أمالريك ملك بيت المقدس بالاستيلاء علي مصر لتصبح أحد الممالك الصليبية، فوافق أمالريك وسار بجيش إلي مصر وانضم لقوات شاور وتقدم الاثنان لحصار مدينة بلبيس التي كان شاور معسكرًا بها، وانضمت إليه بعض القوات من [[كنانة|عرب كنانة]] بالشرقية، واستمر حصار شاور والفرنج لشيركوه مدة ثلاثة أشهر من مستهل شهر رمضان إلى ذي الحجة، وفي النهاية قبل شيركوه الخروج من مصر مقابل خروج الصليبيين أيضًا. لكن شيركوه الذي رأي ضعف مصر وهوان الخلافة الفاطمية، عاد يلح علي نور الدين ليرسل حملة أخرى إلي مصر، فوافق نور الدين، وبعد سنتين أي في عام 562 هـ الموافق 1167م، أرسل نور الدين جيشًا آخر إلي مصر بقيادة شيركوه ومعه صلاح الدين مرة أخرى. استنجد شاور أمالريك ملك بيت المقدس، الذي خرج على رأس جيش من مملكته، ولكن شيركوه كان الأسرع ووصل إلي القاهرة قبل أن يعترضه جيش أمالريك، أقام شيركوه معسكره في [[الجيزة (مدينة)|الجيزة]]، بينما سار أمالريك عن طريق [[فاقوس]] وبلبيس حتى وصل إلى مكان بين القاهرة والفسطاط، حيث خرج شاور لاستقباله، وتم عقد معاهدة بين الصليبيين وشاور، أقرها الخليفة الطفل العاضد يتقاضى بموجبها أمالريك مبلغًا كبيرًا من المال يقدر بحوالي مئتي ألف دينار. هاجم شاور والجيش الصليبي قوات شيركوه الذي تقهقر إلى موضع قريب من مدينة [[المنيا (مدينة)|المنيا]] الحالية، ولكن القوات الصليبية لحقت به هناك ولحقت الهزيمة بالجيش الصليبي، وعرفت هذه المعركة باسم معركة البابين،<ref>[[علي الصلابي|علي محمد الصلابي]] ([[1429 هـ]] - [[2008]]م). صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس (الطبعة الثانية). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع صفحة 174</ref> بعد ذلك سار شيركوه صوب [[محافظة الفيوم|الفيوم]] ومنها إلى الإسكندرية، لكن قوات أمالريك وبعض الأساطيل المعاونة للصليبيين فرضت حصارًا بريًا وبحريًا على الإسكندرية استطاع شيركوه أن ينسل بجيشه خارج الأسكندرية وترك حامية مكونة من ألف رجل يقودها صلاح الدين الأيوبي لتواجه حصار جيش أمالريك وشاور، دام حصار الاسكندرية والحامية أربعة أشهر واضطر شيركوه أن يدخل في مفاوضات مع أمالريك لفك الحصار، وتم الاتفاق علي أن ينسحب شيركوه بجيشه من مصر وأن تُدفع ضرائب تبلغ مئة ألف دينار من مصر لملك بيت المقدس في مقابل جلاء القوات الصليبية عن مصر.<ref name="تاريخ مصر" /><ref>محمد جمال الدين سرور ([[1995]]م). تاريخ الدولة الفاطمية (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. دار الفكر العربي صفحة 116</ref>
 
[[ملف:العاضد لدين الله.jpg|250بك|تصغير|يسار|رسمٌ تخيُلي لِآخر الخُلفاء الفاطميين العاضد لدين الله على صهوة جواده، يتبعه خادمه.]]
سطر 98:
قرر نور الدين المسير إلى مصر وإخضاعها تحت حكمه في مناسبتين، الأولى: لما خرج صلاح الدين لمهاجمة حصن الشوبك بعد استيلاء الصليبيين عليه، وعرقلة سير التجارة بين مصر والشام، وبعد حصار لم يدم طويلًا، لم تستطع الحامية الصليبية في الثبات والمقاومة، فأعطى صلاح الدين أهل الحصن مهلة من عشرة أيام للتسليم، لكن صلاح الدين لم يلبث أن ينال من الحصن حتى علم بسير نور الدين إليه لمساعدته، وعندئد خشي صلاح الدين أن يقبض عليه نور الدين إذا رآه، فأسرع بالانسحاب والعودة إلى مصر، معتذرًا باختلال الأحوال في مصر وأنه يخاف عليها إذا بعد عنها. استاء نور الدين من مسلك نائبه وعظم عليه ذلك ولم يقبل عذره، ورأى فيه دليلًا صارخًا على تهربه منه، وظن أن صلاح الدين قد انفصل نهائيًا عنه، فقرر الزحف إلى مصر والاستيلاء عليها، الأمر الذي أخاف صلاح الدين، فعقد اجتماعًا مع أقاربه وبعض خاصته واستشارهم فيما ينبغي أن يُفعل، أشار نجم الدين أيوب على ولده أن يكتب إلى نور الدين بأنه خاضع له ومنفذ لأمره، فعمل صلاح الدين بنصيحة أبيه، وأرسل إلى نور الدين هدايا ثمينة من الحيوانات النادرة والجواهر والأقمشة والمصنوعات والعطر. استلم نور الدين هدية صلاح الدين ومعها كتاب الولاء والطاعة، ولم يعد هناك من حجة يبرر بها الزنكي حملته على مصر.<ref name="تاريخ الفاطميين والزنكيين والأيوبيين والمماليك وحضاراتهم">تاريخ الفاطميين والزنكيين والأيوبيين والمماليك وحضاراتهم صفحة 147</ref>
 
الثانية: أراد نور الدين تجربة صلاح الدين فكتب إليه عام 569 هـ الموافق 1173م أن يخرج لغزو الفرنجة في [[الكرك]]، على أن يسير هو أيضًا إلى هناك، فأيهما سبق صاحبه أقام إلى أن يوافيه الآخر، ذهب صلاح الدين بجيشه إلى الكرك وحاصرها، ولكنه ما كاد يعلم باقتراب نور الدين حتى رفع الحصار عن المدينة وعاد إلى مصر، وأرسل الفقيه [[ضياء الدين الهكاري|عيسى الهكاري]] إلى نور الدين يعتذر عنه بأنه اضطر إلى العودة لمرض والده وأنه يخاف أن يحدث عليه حادث الموت، والذي كان يعاني سكرات النزاع، وقد توفي قبل وصول صلاح الدين إلى القاهرة. لم يقتنع نور الدين زنكي باعتذار صلاح الدين وأيقن هذه المرة أن نائبه قد خرج عليه وخلع طاعته، فزاد غضبه ونفذ صبره، وأقسم لينتقمن منه أشنع انتقام، فصمم نهائيًا على فتح مصر والقيام بعمل حاسم ضد صلاح الدين، لكن القدر كان مع صلاح الدين، فما كاد نور الدين يستعد للقيام بحملته على مصر حتى وافته المنية عام 569 هـ الموافق 1174،<ref>البير شاندور، ترجمة سعيد أبو الحسن ([[1993]]م). صلاح الدين الأيوبي البطل الأنقى في الإسلام (الطبعة الثانية). [[دمشق]] - [[سوريا]]. دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر صفحة 115</ref> وفي هذا التاريخ كانت بداية الدولة الأيوبية{{للهامش|2}}.<ref name="تاريخ الفاطميين والزنكيين والأيوبيين والمماليك وحضاراتهم" /><ref>محمد فريد أبو حديد ([[1346 هـ]] - [[1927]]م). صلاح الدين الأيوبي وعصره (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. مطبعة دار الكتب المصرية صفحة 79</ref><ref>[[علي الصلابي|علي محمد الصلابي]] ([[1429 هـ]] - [[2008]]م). صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس (الطبعة الثانية). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع صفحة 229</ref>
 
==== توحيد الجبهة الإسلامية ====
{{تاريخ مصر}}بعد أن زال خطر نور الدين، واجهت صلاح الدين عدد من المؤامرات منها: رفض الجماعات الشيعية المتواجدة في مصر الخضوع للحاكم الجديد، فقاموا عام 567 هـ الموافق 1174م بمؤامرة للانقلاب على حكم صلاح الدين، وكاتبوا شيخ [[إسماعيلية|الإسماعيلية الباطنية]] (الحشيشية) وطلبوا منه أن يُبيِّت له مكيدة وحيلة، واتصلوا ب[[ويليام الثاني ملك صقلية|ويليم الثاني النورماني ملك صقلية]] ليهاجم الإسكندرية، بالإضافة لتنسيقهم مع [[عموري الأول]] ملك بيت المقدس. لكنهم أخطأوا بإشراكهم في سرهم الفقيه زين الدين علي بن أبي النجا الذي قام بإطلاع صلاح الدين على المؤامرة، فقام صلاح الدين بالقبض على قادة المؤامرة وتصفيتهم، لكن ملك صقلية واصل السير إلى الإسكندرية وحاول اقتحامها، وانتهت المعركة بين الطرفين بانسحاب ملك صقلية.<ref>عرب دعكور ([[1431 هـ]] - [[2010]]م). تاريخ الفاطميين والزنكيين والأيوبيين والمماليك وحضاراتهم (الطبعة الأولى). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار النهضة العربية صفحة 150</ref> كما واجه صلاح الدين خطر الجيش الفاطمي المؤلف من عدد كبير من الفرسان البيض وحوالي ثلاثين ألفًا من المشاه السود، كان معظم الفرسان البيض من [[أرمن|الأرمن]] الذين خدموا في الجيش الفاطمي في عهد [[المستنصر بالله الفاطمي|الخليفة المستنصر الفاطمي]]، فكثر عددهم وزادت شوكتهم منذ ذلك الحين، فبدأ صلاح الدين في بناء جيش خاص به على حساب الجيش الفاطمي، وذلك بإخراج طوائف السودان والأرمن من القاهرة، وعندما اندلعت حركة التمرد التي أشعلها الجنود السود بقيادة مؤتمن الخلافة جوهر، كان لدى صلاح الدين من القوات النظامية مايكفي للقضاء على معظم قوات التمرد وطرد فلولهم إلى [[صعيد مصر|الصعيد]]،<ref>محمد فريد أبو حديد ([[1346 هـ]] - [[1927]]م). صلاح الدين الأيوبي وعصره (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. مطبعة دار الكتب المصرية صفحة 68</ref> أما الفرسان البيض في الجيش الفاطمي فلم يتحركوا للمشاركة في التمرد، وصاروا فيما بعد جزءً مهمًا من جيش صلاح الدين.<ref>الأيوبيون والمماليك التاريخ السياسي والعسكري صفحة 29</ref><ref>[[خالد الكركي]] ([[2005]]م). ورد ورماح: قراءات في البطولة (الطبعة الأولى). [[بيروت]] - [[لبنان]]. المؤسسة العربية للدراسات والنشر صفحة 57</ref>
 
[[ملف:Damaskus4.jpg|تصغير|250بك|يمين|[[قلعة دمشق]]، دخلها صلاح الدين بعد 4 أيام من وصوله [[دمشق|المدينة]]، بعد أن استنجد به أهلها وأميرها لإنقاذهم من أمير [[حلب]].]]
عندما توفي نور الدين محمود كان وريثه في الحكم ابنه [[الصالح إسماعيل|الملك الصالح اسماعيل]] الذي كان عمره 11 سنة، ولصغر سنه كثر من يطالب بولايته فبدأت المنازاعات في الشام،<ref>البير شاندور، ترجمة سعيد أبو الحسن ([[1993]]م). صلاح الدين الأيوبي البطل الأنقى في الإسلام (الطبعة الثانية). [[دمشق]] - [[سوريا]]. دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر صفحة 132</ref> تطلع لهذه الوصاية عواصم كبرى في العالم الإسلامي آنذلك، ف[[الموصل]] وحكامها الأتابكة تحت زعامة الملك [[سيف الدين غازي الثاني]] الذي سارع لضم البلاد المجاورة له وأعلن نفسه أميرًا على الجزيرة، كما تطلع لضم حلب ودمشق التي كان بها مقدم الجيش شمس الدين محمد الذي اضطر لمهادنة الصليبيين ودفع جزية مالية لهم حتى يتقي هجومهم، وأرسل بطلب المساعدة من صلاح الدين، و[[حلب]] التي كان أكبر القواد فيها شمس الدين علي بن الداية، الذي استدعى الملك الصالح بن نور الدين إلى حلب، لكن قائدًا آخر هو سعد الدين كمشتكين قبض على ابن الداية واستبد بأمر الملك الصالح. تحين صلاح الدين الفرصة حتى قرر الخروج إلى الشام عام 570 هـ الموافق 1174، بعد أن ستغاث به قائد الحامية شمس الدين محمد بسبب أطماع الفرنج في دمشق وأعمالها مثل [[بانياس]]، فوصل الشام واستولى عليها من غير مدافع وبلا ضربة ولا طعنة.<ref>[[بهاء الدين بن شداد]] ([[1415 هـ]] - [[1994]]م). النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية (الطبعة الثانية). [[القاهرة]] - [[مصر]]. مكتبة الخانجي صفحة 24</ref> ثم غادر دمشق متوجهًا لحلب، فاخضع في طريقه حمص وحماة، أما حلب فقد استعصت على صلاح الدين حيث لجأ أمراء حلب إلى [[سنان شيخ الجبل]] زعيم [[الحشاشون|الحشاشين]] لاغتيال صلاح الدين وأمدوهم بالأموال التي تغريهم على ذلك، فوثب عليه جماعة منهم أثناء نزوله حلب ولكنه نجا من المحاولة،<ref>محمد حمدان السيد ([[1433 هـ]] - [[2012]]م). الفرق في الإسلام في مئة سؤال و جواب: جذورها وحاضرها (الطبعة الأولى). [[عمان (مدينة)|عمان]] - [[الأردن]]. دار المأمون للنشر والتوزيع صفحة 84</ref> ثم قام حاكمها كمشتكين بالاستنجاد ب[[ريموند الثالث|ريموند الثالث أمير طرابلس]]، الذي كان يدرك خطورة سقوط حلب بيد صلاح الدين، فقرر مفاوضته، وأرسل إليه يرغبه بالصلح ويلوح له أن الفرنج قد تعاضدوا وصاروا يدًا واحدة، لكن صلاح الدين رفض الصلح مما دفع بريموند للإغارة على حمص التي كان صلاح الدين قد ضمها إلى دولته، فاضطر لترك حصار حلب لنجدة حمص، فنتج عن ذلك فك الحصار عن حلب. اتجه صلاح الدين نحو بعلبك فدخلها بدون قتال. ثم أرسل إلى الخليفة العباسي [[حسن المستضيء بأمر الله|المستضيء بأمر الله]] رسولًا يشرح فيه سبب قيامه بحملته على الشام، ويقول أن مجيئه للشام مطلبًا قوميًا وليس شخصيًا حيث قال: {{اقتباس مضمن|والمراد الآن هو كل مايقوي الدولة، ويؤكد الدعوة ويجمع الأمة}}.<ref>[https://shamela.ws/browse.php/book-12813/page-419 كتاب صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس صفحة 422] المكتبة الشاملة. وصل لهذا المسار في 1 أبريل 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20160602065921/http://shamela.ws/browse.php/book-12813/page-419 |date=02 يونيو 2016}}</ref> ثم أعلن صلاح الدين نفسه ملكًا على مصر والشام بموافقة الخليفة العباسي في أواخر عام 570 هـ الموافق 1175م.<ref>أبو مسلم يوسف ([[2006]]م). الأمن وتاريخ مصر: الشرطة في نصر على مر العصور (الطبعة الأولى). [[الإسكندرية]] - [[مصر]]. مركز الإسكندرية للكتاب صفحة 100</ref>
[[ملف:الحروب الصليبية والدول الإسلامية المعاصرة لها.jpg|لاإطار|150بك|يمين]]
لم ينس صلاح الدين محاولات الحشاشين لاغتياله، فأغار عليهم في مناطقهم في جبل السماق ثم عاد إلى دمشق. حاول صلاح الدين استمالة الزنكيين ولكنه لم يفلح في مسعاه، فتعرض لخطر كبير من حكام حلب والموصل وحلفائهم الذين جمعوا قواتهم لمهاجمته، فسار بجيشه حتى لقيهم على مسافة قريبة من حلب فدارت وقعة بين الطرفين عام 570 هـ الموافق 1176 انتهت بانتصاره، عاد صلاح الدين لحصار حلب فتجددت الاتفاقية بينه وبين أمراء حلب والموصل على مساعدة كل طرف للطرف الآخر إذا ما اقتضت الظروف، وفي تلك الأثناء جرت محاولة أخرى من جانب الحشاشين لاغتيال صلاح الدين، فلما صالح الحلبين قصد بلاد الحشاشين فهاجم مصياف مقرهم الرئيسي عام 572 هـ وحاصرهم، وقتل منهم أعداد كبيرة وهُدِّمت كثير من قلاعهم.<ref>[[ابن واصل|جمال الدين محمد بن سالم بن واصل]]، تحقيق جمال الدين الشيال ([[1377 هـ]] - [[1957]]م). مفرج الكروب في أخبار بني أيوب الجزء الثاني (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. دار الكتب والوثائق القومية المطبعة الأميرية صفحة 47</ref> رجع صلاح الدين لمصر بعد أن تزوج من أرملة نور الدين زنكي في دمشق، وفي مصر قضى نحو ست سنوات ينظم فيها الشؤون الداخلية، وانصب اهتمامه على بناء القلعة وأسوار القاهرة الكبيرة لتأمينها من أي هجوم محتمل من جانب الصليبيين. في عام 577 هـ الموافق 1181م توفي الملك الصالح إسماعيل،<ref>تاريخ الفاطميين والزنكيين والأيوبيين والمماليك وحضاراتهم صفحة 159</ref> وعلى الفور خرج صلاح الدين صوب حلب التي أعلن الخليفة العباسي أن حكمها من حقه، وعلم في الطريق أن حكام الموصل قد كاتبوا الفرنج وطلبوا منهم مهاجمة بلاد الشام ليشغلوا صلاح الدين، فعبر نهر الفرات وحاصر الموصل إلا أنه مالبث أن انصرف منها. في عام 581 هـ الموافق 1185م، اتجه صلاح الدين للموصل فحاصرها، وانتهى الحصار بإعلان [[عز الدين مسعود الأول|الأمير عز الدين مسعود]] تبعيته لصلاح الدين. وبذلك تحققت لصلاح الدين الوحدة الإسلامية من [[الفرات]] إلى [[نهر النيل|النيل]].<ref>تاريخ الفاطميين والزنكيين والأيوبيين والمماليك وحضاراتهم صفحة 159 - 160</ref>
 
كانت شمالي أفريقيا مرتبطة عضويًا بمصر منذ الفتوحات الإسلامية الأولى، حاول صلاح الدين في عام 568 هـ الموافق 1173م ضمها، حيث أرسل قوة عسكرية إلى [[المغرب الأدنى]] بقيادة شرف الدين قراقوش وغلام المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، فدخل [[طرابلس]] و[[برقة]] وبعض بلاد المغرب الأدنى حتى [[قابس (مدينة)|قابس]] باستثناء المهدية وسفاقس وقفضة و[[تونس]]. كرر قراقوش محاولة التوسع الأيوبي شمالي أفريقيا فضم [[أوجلة]] الواقعة جنوبي برقة عام 571 هـ الموافق 1175م والدوحان وغدامس وبلاد هوارة وزوارة ولوتة ونفوسة عام 577 هـ الموافق 1181م.<ref>[[علي الصلابي|علي محمد الصلابي]] ([[1429 هـ]] - [[2008]]م). صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس (الطبعة الثانية). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع صفحة 213</ref> كان ضم اليمن إلى مصر متصلًا في ذهن الأيوبيين بالقضاء على الدولة الفاطمية، فقد استأذن صلاح الدين نور الدين محمود في أن يسير أخاه توران شاه إلى اليمن لقصد عبد النبي بن المهدي صاحب [[زبيد (مدينة)|زبيد]]، أراد صلاح الدين تأمين حدود مصر الجنوبية، لأن ضم اليمن يعد مفتاح [[البحر الأحمر|بحر القلزم]] من ناحية الجنوب، وسيؤمن له السيطرة العسكرية والتجارية على الأقاليم الجنوبية، توجه توران شاه إلى اليمن فوصل زبيد عام 569 هـ الموافق 1174م وملكها وقتل عبد النبي بن مهدي، ثم ضم [[عدن]] و[[صنعاء]] و[[تعز]] وسائر اليمن. كانت [[النوبة]] مملكة نصرانية عاصمتها مدينة [[دنقلا|دنقلة]]، ولما قامت الدولة الأيوبية أراد صلاح الدين فتح النوبة لحماية مصر من التعدي عليها من جهة الجنوب، أرسل صلاح الدين أخوه توران شاه عام 568 هـ الموافق 1173م إلى بلاد النوبة ففتح إبريم وقوص.<ref>[[محمد سهيل طقوش]] ([[1429 هـ]] - [[2008]]م). تاريخ الأيوبيون في مصر وبلاد الشام وإقليم الجزيرة (الطبعة الأولى). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار النفائس صفحة 50</ref><ref>[[علي الصلابي|علي محمد الصلابي]] ([[1429 هـ]] - [[2008]]م). صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس (الطبعة الثانية). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع صفحة 215</ref> تطلع صلاح الدين منذ استلامه مقاليد الحكم في تحصين مصر أما موجات الحملات الصليبية المتعددة، فحاول أن يحيط القاهرة و[[الفسطاط]] بسور واحد حصين بعد أن تهدم أكثره، فعهد ببنائه ل[[بهاء الدين قراقوش|بهاء الدين قراقوش الخصي]]، فبدأ العمل سنة 567 هـ الموافق 1171 وانتهى البناء عام 571 هـ الموافق 1176، وكان السور مبنيًا كله من الحجارة، يبدأ شماله عند قلعة المقس المطلة على النيل، ويظل يطوف بالقاهرة والفسطاط حتى ينتهي عن النيل جنوب الفسطاط، يقول المؤرخون أن محيط السور بلغ تسع وعشرين ألفًا وثلاثمئة وذراعان. ثم قرر بناء قلعة ضخمة على [[هضبة المقطم|جبل المقطم]] تكون مركزًا للحكام وملجأ للناس عند الضرورة.<ref>[https://islamport.com/d/3/tkh/1/27/474.html كتاب الروضتين في أخبار النورية و الصلاحية لأبو شامة المقدسي] الموسوعة الشاملة. وصل لهذا المسار في 1 أبريل 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20160428074031/http://islamport.com/d/3/tkh/1/27/474.html |date=28 أبريل 2016}}</ref>
 
==== الصراع مع الصليبيين ====
سطر 114:
 
[[ملف:Map Crusader states 1135-ar.png|تصغير|250بك|يسار|مملكة بيت المقدس عام 1135م.]]
بعد أن تمكن صلاح الدين من تأليف جبهة إسلامية متحدة تمتد من [[الفرات]] شرقًا إلى [[برقة]] غربًا، ومن الموصل وحلب شمالًا إلى النوبة واليمن جنوبًا، وجه اهتمامه لمحاربة الصليبيين. كانت بداية الصراع الأيوبي الصليبي عام 573 هـ الموافق 1177 عندما هاجم الصليبيون بعلبك وأطراف دمشق، فقام صلاح الدين بمهاجمة غزة وعسقلان، ووقعت بين الأيوبيين والصليبيين بقيادة [[بلدوين الرابع]] معركة في تل الصافية القريب من [[الرملة]] انتهت بهزيمة صلاح الدين، وفيها يقول صلاح الدين: {{اقتباس مضمن| لقد أشرفنا على الهلاك غير مرة، وما أنجانا الله سبحانه منه إلا لأمر يريده سبحانه، وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر}}.<ref>[https://islamport.com/w/tkh/Web/331/2140.htm كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزء الخامس صفحة 140] الموسوعة الشاملة. وصل لهذا المسار في 2 أبريل 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20160428121306/http://islamport.com/w/tkh/Web/331/2140.htm |date=28 أبريل 2016}}</ref> في عام 574 هـ الموافق 1178 سار بلدوين الرابع لغزو دمشق، فأرسل صلاح الدين ابن أخيه عز الدين فرخشاه على رأس جيش كبير استطاع من الحاق الهزيمة بالصليبيين. في عام 576 هـ الموافق 1180 عقد ملك بيت المقدس وصلاح الدين هدنة لمدة سنتين، شملت جميع المدن التي كانت بيد الصليبيين ماعدا [[طرابلس (لبنان)|طرابلس]] و[[أنطاكيا (تركيا)|أنطاكية]]، لكن أرناط صاحب الكرك نقض الهدنة وقام بحملة بحرية على [[شبه الجزيرة العربية|شبة الجزيرة العربية]] هدفها الهجوم على [[مكة]] و[[المدينة المنورة|المدينة]]، وأخذت سفنه تغير على الموانيء المصرية الصغيرة على [[البحر الأحمر|بحر القلزم]]، حتى وصلت إلى [[عيذاب|ميناء عيذاب]]، وهناك استولى الصليبيين على سفن تجارية من [[جدة]] و[[اليمن]] و[[عدن]] و[[الهند]]، فقتلوا وأسروا وأحرقوا في بحر القلزم نحو سنة عشر مركبة، ثم نقلوا نشاطهم إلى شاطيء [[الحجاز]] وأغاروا على ميناء [[رابغ]] القريب من مكة. قام صلاح الدين بتوجيه أخيه العادل في مصر لاعداد أسطول بحري في بحر القلزم تحت قيادة الحاجب [[حسام الدين لؤلؤ]] متولي أساطيل مصر، وقام بحصار [[إيلات|أيلة]] وظفر بمراكب الفرنج فيها، ثم تعقب السفن الصليبية عند عيذاب ووحول شواطيء الحجاز، وكان الجزء الأكبر موجودًا على شاطيء الحوراء، فقاتل الفرنح قتالًا شديدًا وانتصر عليهم، وحمل من أسر منهم وعرضوا في شوارع القاهرة راكبين على الجمال ووجوههم إلى أذنابها وحولهم الطبول والأبواق،<ref>تذكرة الأخبار عن اتفاقات الأسفار صفحة 41</ref> لكن صلاح الدين أقسم ألا يغفر لأرناط فعلته وأن يدمر حصنه ويقتله، فشن هجومين على الكرك، ولكن الهجومين فشلا في تحقيق غرض صلاح الدين.<ref>[[محمود شاكر (مؤرخ)|محمود شاكر]] ([[1421 هـ]] - [[2000]]م). التاريخ الإسلامي الجزء السادس الدولة العباسية الجزء الثاني (الطبعة الثاني). [[بيروت]] - [[لبنان]]. المكتبة الإسلامية صفحة 316</ref> في عام 577 هـ الموافق 1181 عقد صلاح الدين صلحًا مع الامبراطور البيزنطي الكسيوس كونتين الثاني، كفل بها عدم مساهمة الأسطول البيزنطي في أية حركة هجومية على مصر، ومن ذلك الوقت استمرت العلاقة بين مصر والبيزنطيين علاقة ود وتعاون حسنة دون حرب. ثم في عام 580 هـ الموافق 1184 وقع الصليبيين هدنة مع صلاح الدين مدتها أربع سنوات.<ref>[http://www.dar-ein.com/articles/364/صلاح-الدين-الأيوبى-وحرب-الاسترداد-الإ/ صلاح الدين الأيوبى وحرب الاسترداد الإسلامية (تحرير القدس من الفرنج) بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم] عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية. وصل لهذا المسار في 1 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20181006024948/http://www.dar-ein.com:80/articles/364/صلاح-الدين-الأيوبى-وحرب-الاسترداد-الإ/ |date=6 أكتوبر 2018}}</ref>
 
[[ملف:Guido di Lusignano.jpg|تصغير|250بك|يمين|الملك غي دي لوزينيان حاكم مملكة بيت المقدس عام 1186م.]]
كان صلاح الدين يتحين الفرصة لتحرير بيت المقدس. ففي الجانب الصليبي كانت [[مملكة بيت المقدس]] والإمارات الصليبية الأخرى تعاني من مشكلات داخلية عصية على الحل، فبذور الشك أصبحت متزايدة بين حاكم مملكة بيت المقدس [[بلدوين الرابع]] وبين بوهميند الثالث أمير أنطاكية، و[[ريموند الثالث]] أمير طرابلس كما جاءت في وقت تعاني فيه مملكة بيت المقدس من مشاكل حول صحة بلدوين الرابع ومشكلة وراثة العرش، قرر البطريرك هيراكليو وأم بلدوين وأخته [[سيبيلا ملكة أورشليم|سيبيلا]] أن يجعلوا الوصاية على العرش ل[[غي دي لوزينيان]] زوج سيبيلا، الذي تمكن من فرض سيطرته على مملكة بيت المقدس باستثناء بيت المقدس، لكن بلدوين ما لبث أن تشاجر مع لوزينيان وخلعه من الوصاية على عرش بيت المقدس، ونتيجة لذلك هاجم بلدوين [[يافا]] واستولى عليها، ولكن لوزينيان صد هجومه عند [[عسقلان]]. على الصعيد الخارجي كانت علاقات صلاح الدين تتوثق مع المدن الإيطالية ومع حاكم الإمبراطور البيزنطية الكيسوس كومنين الثاين، بعد وفاة بلدوين الرابع، تم توقيع معاهدة بين الصليبيين والأيوبيين تنص على سريان هدنة بين الطرفين مدتها أربع سنوات، وتسلم الحكم [[بلدوين الخامس]] سنة 1185م، ولكنه توفي بعد ذلك في عام 1186م، لتدخل بعدها مملكة بيت المقدس في صراع على وراثة الحكم شارك فيه أمير طرابلس ريموند الثالث،<ref>[[علي الصلابي|علي محمد الصلابي]] ([[1429 هـ]] - [[2008]]م). صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس (الطبعة الثانية). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع صفحة 493</ref> فثارت شكوك حول وفاة بلدوين الخامس أهي وفاة طبيعية أم أن الأطراف الطامعة في تاج مملكة بيت المقدس كانت وراء هذه الوفاة حيث يشار على أنه مات مسموماً، ووصل الأمر إلى أن أصبح الصليبيون يشكلون معسكرين متعادين حول وراثة حكم مملكة بيت المقدس فريق يؤيد غي لوزينيان وحكمه للقدس، وفريق آخر معارض لهذا الحكم ويرأسه ريموند الثالث أمير طرابلس وبوهيمند الثالث أمير أنطاكية، وبعد عدة تقلبات في الأحداث تولى لوزينان عرش بيت المقدس.<ref>[[سهيل زكار]] ([[1420 هـ]] - [[2000]]م). الموسوعة الشاملة في تاريخ الحروب الصليبية (الطبعة الأولى). [[دمشق]] - [[سوريا]]. صفحة 1126</ref><ref>[[عارف العارف]] ([[2005]]م). المفصَّل في تاريخ القدس (الطبعة الأولى). [[بيروت]] - [[لبنان]]. المؤسسة العربية للدراسات والنشر صفحة 1126</ref>
 
[[ملف:Hattin Estoire d'Eracles.jpg|تصغير|250بك|يسار|[[معركة حطين]] بين الصليبيين والمسلمين.]]
في عام 583 هـ الموافق 1187 عاد أرناط إلى الاعتداء على قوافل المسلمين والاعتداء على الحجاج المتجهين نحو مكة، فأرسل صلاح الدين إلى نوابه وتابعيه في كافة أنحاء دولته يطلب منهم القدوم بجيوشهم لقتال الصليبيين، وانطلق على رأس قوة كبيرة لحماية قافلة من الحجاج العائدين من [[الحجاز]]، وبدأت الفرقة المصرية التي وصلت للانضمام لصلاح الدين بالإغارة على الكرك و[[الشوبك (معان)|الشوبك]]، ثم عاد صلاح الدين إلى دمشق حيث تجمعت الجيوش القادمة من دمشق وحلب ومابين النهرين ومصر و[[ديار بكر (منطقة)|ديار بكر]] لتشن هجومًا على [[طبريا|طبرية]]، وعند صفورية عام 1187م انتصر المسلمون انتصارًا ساحقًا في معركة دارت بين الطرفين، حيث قضى المسلمون تمامًا على القوة الصليبية التي اشتبكوا معها. تجمع الصليبيون أمام [[عكا]] في جيش يزيد عن عشرة آلاف مقاتل، في حين رصَّ صلاح الدين قواته عند عشتراء التي كانت تتألف من اثني عشر ألف فارس، وعدد مماثل من القوات الغير نظامية، انطلقت قوات صلاح الدين إلى فلسطين حيث عسكرت على التلال المشرفة على [[بحيرة طبريا]]، واستولت على مدينة طبريا، عبر صلاح الدين بقواته نهر الأردن ثم عسكر عند كفر سبت، قام الملك جي لوزينان بعقد مجلس حربي انتهى باعطاء أوامره بالتحرك صوب طبرية، حيث عسكر الصليبيون في [[صفورية]] بجيش ضخم يقارب جيش المسلمين. في يوم الجمعة تحرك الجيش الصليبي من بساتين صفورية باتجاه طبرية، حتى وصل للهضبة التي تعلوا حطين مباشرة، ولكن صلاح الدين كان قد استولى على موقع المياه في طبرية، وأمر باضرام النيران في الحشائش الموجودة في المنطقة. في يوم السبت [[25 ربيع الآخر|25 ربيع الثاني]] [[583 هـ]] الموافق [[4 يوليو]] [[1187]]م اشتبك الجيشان في حطين، وانتهت المعركة بانتصار المسلمين،<ref>[[علي الصلابي|علي محمد الصلابي]] ([[1427 هـ]] - [[2006]]م). الدولة الفاطمية (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. مؤسسة اقرأ صفحة 142</ref> وأسر الملك [[غي دي لوزينيان]] وأخاه أمالريك، أما أرناط فقد قتله صلاح الدين.<ref>[https://shamela.ws/browse.php/book-12813/page-490#page-501 كتاب صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس صفحة 504] المكتبة الشاملة. وصل لهذا المسار في 2 أبريل 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20170618193710/http://shamela.ws:80/browse.php/book-12813/page-490 |date=18 يونيو 2017}}</ref><ref>عدنان الطرشة ([[1427 هـ]] - [[2006]]م). نهاية الأمم: سنة الله في إزالة الأمم من نهاية قوم نوح إلى نهاية أمة المسلمين (الطبعة الأولى). [[الرياض]] - [[السعودية]]. مكتبة العبيكان صفحة 296</ref><ref>سهيل إبراهيم عيساوي ([[1429 هـ]] - [[2008]]م). معارك فاصلة في التاريخ الإسلامي (الطبعة الأولى). إي كتب صفحة 74</ref>
 
[[ملف:ChristiansBeforeSaladin.jpg|تصغير|250بك|يسار|السكّان الفرنجة بين يديّ صلاح الدين بعد استرجاعه للقدس.]]
[[ملف:BalianofIbelin1490.jpg|تصغير|250بك|يمين|[[باليان|باليان بن بارزان]] صاحب [[الرملة]] و[[نابلس]] وحامي [[القدس]]، يُسلّم المدينة للسلطان صلاح الدين الأيوبي.]]
فتح انتصار صلاح الدين في حطين أمامه الطريق لاسترداد المدن الساحلية الواقعة جنوبي طرابلس، فأسرع مستغلًا الموقف وذلك ليقطع الصلة بين الصليبيين وبلاد الشام وبين أوروبا، فاسترد [[عكا]]،<ref>[[ابن واصل|جمال الدين محمد بن سالم بن واصل]]، تحقيق جمال الدين الشيال ([[1377 هـ]] - [[1957]]م). مفرج الكروب في أخبار بني أيوب الجزء الثاني (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. دار الكتب والوثائق القومية المطبعة الأميرية صفحة 201</ref> الذي لم يفكر حاكمها جوسلين في شيء سوى سلامته، وعرض على صلاح الدين تسليم المدينة مقابل تأمين الأرواح والممتلكات، و[[يافا]] و[[قيسارية]] و[[يافا]]، بعد ذلك تحرك الجيش إلى الساحل اللبناني، وكان معظم الناجين من معركة حطين قد فروا إلى مدينة صور، التي كانت مدينة جيدة التحصين، وشن عليها صلاح الدين هجومه الأول ولكنه فشل في الاستيلاء عليها، فواصل سيره نحو صيدا التي استسلمت له، ثم استسلمت [[بيروت]] و[[جبيل]]. توجه صلاح الدين إلى [[غزة]]، واقتحمها وهزم حاميتها، ثم استولى على [[عسقلان]] بعد ذلك، في هذا الوقت وصل سفراء أهالي بيت المقدس للتفاوض حول شروط استسلام القدس، لكن المفاوضات فشلت، فأقسم صلاح الدين أن يستولي عليها بالسيف. تولى القائد الفرنسي [[باليان]] قيادة جيش بيت المقدس، وقام بتجنيد كل فتى يفوق سنة السادسة عشر، في عام 583 هـ الموافق 1187م اتجه صلاح الدين صوب القدس، وعسكر أمام المدينة، وبدأ هجوم المسلمين، بعد خمسة أيام من الهجوم غير صلاح الدين موقعه إلى [[جبل الزيتون]] المطل على القدس، وبعد حصار دام أيامًا، اتفق صلاح الدين وباليان على تسليم المدينة وفق شروط تنص على: أن يدفع الصليبيون فدية عن أنفسهم بمعدل عشرة دنانير للرجال وخمسة دنانير عن كل مرأة ودينارين عن كل طفل، وأن يسمح للمسيحيين الشرقيين من أهل الشام واليونانيين بالبقاء في المدينة.<ref>[[علي الصلابي|علي محمد الصلابي]] ([[1427 هـ]] - [[2006]]م). الدولة الفاطمية (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. مؤسسة اقرأ صفحة 146</ref> دخل صلاح الدين القدس في [[الإسراء والمعراج|ليلة المعراج]] يوم [[27 رجب]] سنة [[583 هـ]] الموافق [[2 أكتوبر]] سنة [[1187]]م، وبهذا سقطت مملكة بيت المقدس بيد صلاح الدين.<ref>[http://www.almabarrah.net/montada/2014/معركة-حطين-وانتصار-المسلمين-على-الصلي/ معركة حطين وانتصار المسلمين على الصليبيين] مبرة الآل والأصحاب. وصل لهذا المسار في 2 أبريل 2016 {{وصلة مكسورة|تاريخ= مايو 2019 |bot=JarBot}} {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20151018155245/http://www.almabarrah.net:80/montada/2014/معركة-حطين-وانتصار-المسلمين-على-الصلي |date=18 أكتوبر 2015}}</ref><ref>[http://islamstory.com/ar/معركة-حطين-وما-بعدها معركة حطين.. وما بعدها بقلم راغب السرجاني] قصة الإسلام، 15 مارس 2011. وصل لهذا المسار في 2 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20161125172142/http://islamstory.com:80/ar/معركة-حطين-وما-بعدها |date=25 نوفمبر 2016}}</ref>
 
[[ملف:Map Crusader states 1190-ar.svg|تصغير|يمين|الممالك الصليبية عام 1190م ومعارك الحملة الصليبيه الثالثة.]]
أرسل صلاح الدين أخوه العادل لحصار حصن الكرك، انتهى الحصار بتسليم الحصن، ثم تحرك الجيش الأيوبي صوب [[طرابلس (لبنان)|طرابلس]] وأنطاكية، وأحرز الجيش بعض الانتصارات الصغيرة، وانتهى تحرك الجيش بعقد هدنة بين صلاح الدين و[[بوهيموند الخامس|بوهيموند]] أمير أنطاكية. لم تبقى بأيدي الصليبيين في بلاد الشام سوى صور وأنطاكية وطرابلس. كان لسقوط القدس في يد المسلمين رد فعل كبير في [[أوروبا]]. وقد بشر البابا [[كليمنت الثالث]] بحرب صليبية لاستعادة القدس وهي ما عرفت بالحرب الصليبية الثالثة، فقام [[فريدريكفريدرش الأول بربروسا|الملك فريدريك بارباروسا]] في [[ألمانيا]] و[[ريتشارد الأول ملك إنجلترا|ريتشارد قلب الأسد]] في [[إنجلترا]] و[[فيليب الثاني أغسطس|فيليب الثاني]] في [[فرنسا]] بإعداد [[الحملة الصليبية الثالثة]].
 
[[ملف:SaracensBeheaded.jpg|تصغير|250بك|يسار|رسم يُظهر الملك [[ريتشارد الأول ملك إنجلترا|ريتشارد الأول "قلب الأسد"]] وهو يُعدم السجناء المسلمين بعد استرجاعه مدينة [[عكا]].]]
سارت الجيوش الثلاثة كل في طريق منفصل، انحرف ريتشارد ليستولي علي [[قبرص]]، أما فريدريك بارباروسا فسار من طريق بلاد [[البلقان]] ولكنه غرق عندما كان يعبر نهرًا في [[صقلية]]. فضَّل صلاح الدين الدخول في مفاوضات مع الحملة قبل اللجوء إلي الحرب، ولإثبات حسن النية أفرج عن الأسري الصليبيين، ولكن رد الصليبيين جاء بأن يسلم صلاح الدين القدس إلي الصليبيين ويسحب جيشه إلي مصر. فشلت المفاوضات وبادر الصليبيون بالهجوم علي عكا وحصارها، وتدفقت امدادات الصليبيين من ميناء صور، استمر الحصار اثنين وعشرين شهرًا حتي استسلمت عكا في عام 587 هـ الموافق 1191م،<ref>[http://egypthistory.net/1192/الحملة-الصليبية-الثالثة-و-الصلح-مع-ربت/ الحملة الصليبية الثالثة و معاهدة الصلح مع ريتشارد قلب الاسد 1192م] تاريخ مصر. وصل لهذا المسار في 2 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20180711142832/http://egypthistory.net:80/1192/الحملة-الصليبية-الثالثة-و-الصلح-مع-ربت/ |date=11 يوليو 2018}}</ref><ref>[[بيبرس الدوادار|بيبرس المنصوري]]، تحقيق عبد الحميد صالح حمدان ([[1995]]م). مختار الأخبار تاريخ الدولة الأيوبية ودولة المماليك البحرية (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. الدار المصرية اللبنانية صفحة 4</ref> وفق شروط هي: تسليم المدينة بما فيها من أسلحة للصليبيين، وأن تدفع فدية مئتي ألف دينار للمسلمين، وأن يطلق سراح ألف وستمئة أسير من الفرسان الصليبيين، وأن يسترد الصليبيون الصليب المقدس، وأن يخرج المسلمون سالمين من المدينة.<ref>الأيوبيون والمماليك التاريخ السياسي والعسكري صفحة 72</ref> بتأمين عكا وصور تدفقت الجيوش الصليبية علي طول السواحل، واحتل ريتشارد حيفا وعسقلان، في عام 588 هـ الموافق 1192م عادت الحرب بين الطرفين بعد توقف وتقدم ريتشارد نحو القدس ولكنه لم يستطع احتلالها. تجددت المفاوضات وتمت اتفاقية بين صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد سميت بصلح الرملة،<ref>علي محافظة ([[2009]]م). شخصيات من التاريخ: سير وتراجم موجزة (الطبعة الأولى). [[بيروت]] - [[لبنان]]. المؤسسة العربية للدراسات والنشر صفحة 22</ref> وبموجبه اتفق الطرفان على يكون للصليبيين المنطقة الساحلية من صور شمالاً إلى يافا جنوبا بما فيها قيسارية وحيفا وأرسوف، وتكون عسقلان بأيدي المسلمين على أن يجري تخريبها، يتقاسم المسلمون والصليبيون اللد والرملة مناصفة، يحق للنصارى زيارة بيت المقدس بحريَّة، للمسلمين والنصارى الحق في أن يجتاز كل فريق منهم بلاد الفريق الآخر، مدة المعاهدة ثلاث سنوات وثلاثة أشهر. اشترط صلاح الدين دخول [[الحشاشون|بلاد الحشيشية]] في الصلح، بمعنى أن المناطق التي يسيطر عليها هؤلاء تُعدُّ جزءاً من المناطق الإسلامية التي شملها المعاهدة، وفي المقابل اشترط ريتشارد قلب الأسد دخول كل من صاحب أنطاكية وطرابلس في المعاهدة، وعليه انتقل العرش الصليبي من بيت المقدس إلي [[كونتية طرابلس|إمارة طرابلس]] التي زادت قوتها بانتقال ملوك بيت المقدس إليها.<ref>[http://islamstory.com/ar/الحملة-الصليبية-الثالثة الحملة الصليبية الثالثة بقلم راغب السرجاني] قصة الإسلام، 19 نوفمبر 2014. وصل لهذا المسار في 2 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20161225195727/http://islamstory.com:80/ar/الحملة-الصليبية-الثالثة |date=25 ديسمبر 2016}}</ref><ref>[https://shamela.ws/browse.php/book-12813/page-490#page-628 كتاب صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس صفحة 631] المكتبة الشاملة. وصل لهذا المسار في 2 أبريل 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20170618193710/http://shamela.ws:80/browse.php/book-12813/page-490 |date=18 يونيو 2017}}</ref>
 
بعد أن تم الصلح، رحل صلاح الدين من القدس، وقام بجولة لبعض مدن الشام قبل أن يصل لبيروت حيث زار فيها [[بوهمند الثالث أمير أنطاكية|بوهمند الثالث]] صاحب أنطاكية، حيث تم التوقيع على صلح نهائي بين الطرفين. ثم واصل طريقة لدمشق، قضى فيها أربعة أشهر، ثم مالبث أن مرض وتوفي في [[27 صفر]] [[589 هـ]] الموافق [[4 مارس]] [[1193]]م.<ref>تاريخ الفاطميين والزنكيين والأيوبيين والمماليك وحضاراتهم صفحة 205</ref><ref>فؤاد صالح السيد ([[2014]]م). معجم ألقاب السياسيين في التاريخ العربي والإسلامي (الطبعة الثانية). [[القاهرة]] - [[مصر]]. مكتبة حسن سعد العصرية صفحة 825</ref><ref>[[علي الصلابي|علي محمد الصلابي]] ([[1427 هـ]] - [[2006]]م). الدولة الفاطمية (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. مؤسسة اقرأ صفحة 152</ref>
 
=== الدولة بعد صلاح الدين ===
سطر 138:
{{مفصلة|الحملة الصليبية الرابعة|الإمبراطورية البيزنطية}}
 
تعرضت الدولة الأيوبية التي كانت تضم الشام وفلسطين ومصر إلي التقسيم بعد وفاة صلاح الدين نتيجة التنافس بين أفراد أسرته، فكانت مصر من نصيب ابن صلاح الدين [[العزيز عماد الدين عثمان|عماد الدين أبي الفتح عثمان]] الذي لقب بالعزيز، ودمشق من نصيب ابنه الثاني [[الأفضل بن صلاح الدين|الأفضل نور الدين علي]]، وحلب من نصيب ابنه الظاهر غازي غياث الدين، والكرك والشوبك من نصيب [[العادل أبوسيف بكر بنالدين أيوبأحمد|العادل]] أخو صلاح الدين، استقل أولاد عم صلاح الدين ببعض مدن الشام واليمن، فاحتفظ [[سيف الإسلام طغتكين]] أخو صلاح الدين ب[[اليمن]] و[[شبه الجزيرة العربية|جزيرة العرب]]، وأخذ الملك الأمجد مجد الدين بهرامشاه بن فرخشاه [[بعلبك]] وأعمالها، واستمر الملك منصور الأول محمد بن تقي الدين عمر في حكم [[حماة]].<ref>[[عماد الدين الكاتب|عماد الدين الأصفهاني]] ([[1425 هـ]] - [[2007]]م). الفتح القسي في الفتح القدسي (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. دار المنار صفحة 32</ref> تنافس كل من العزيز والأفضل ابني صلاح الدين علي السيطرة علي بيت المقدس، انتهى هذا التنافس بالاتفاق على ترتيب جديد لحكم الأسرة الأيوبية يقضي بأن: يحتفظ الأفضل بدمشق وطبرية، ويتخلى عن بيت المقدس وماجاورها للعزيز، ويتخلى الأفضل عن جبلة والاذقية لأخيه الظاهر غازي، ويعترف العزيز بسيادة الأفضل، في فترة النزاع الأيوبي على السلطة استولى الصليبيين على [[جبيل|مدينة جبيل]] وقلعتها عام 590 هـ الموافق 1194م، وخرج الملك الأفضل لاستردادها لكنه لم يستطع. ولَّى العزيز الوزارة في مصر لعمه العادل الذي بدأ يثبت أقدامه في الحكم حتي أصبح صاحب السلطة الحقيقية، قام العادل والعزيز بالاستيلاء على دمشق وتجريد الأفضل من إمارته، واتفق الأطراف الثلاثة على أن يأخذ الأفضل [[صلخد|صرخد]]، ويملك العادل دمشق وأواسط الشام، ويتولى الملك العزيز السلطنة وتبقى له مصر وبيت المقدس، استمرت الهدنة حتي توفي العزيز عام 595 هـ الموافق 1200م. بعد وفاة العزيز تولي ابنه [[المنصور محمدناصر بنالدين العزيزمحمد|ناصر الدين محمد]] حكم مصر، ولقب بالملك المنصور، وكان الأفضل وصيًا علي ابن أخيه المنصور الذي كان لايزال صغيرًا، ونازعه في الأمر عمه العادل، واتفقا على أن يحكم العادل مصر ويحكم الأفضل [[ديار بكر (منطقة)|ديار بكر]]. بمجرد حصول العادل علي الوصاية قرر خلع السلطان الصغير وتولى حكم مصر منفرداً سنة 596 هـ الموافق 1200م، ثم قام بعد ذلك ببسط نفوذه علي الشام، وبذلك عادت دولة صلاح الدين تحت حكم سلطان واحد.
 
[[ملف:Kaiser Heinrich VI. im Codex Manesse.jpg|تصغير|250بك|يمين|رسم يُظهر الإمبراطور [[هنري السادس (إمبراطور روماني مقدس)|هنري السادس]] الذي قاد حملة فاشلة على عكا عام 1197م.]]
[[ملف:Eugène Ferdinand Victor Delacroix 012.jpg|تصغير|250بك|يسار|رسمة تُظهر دخول الصليبيين إلى القسطنطينية عام 1203م.]]
لم تنقطع إغارات الصليبيين علي المدن التي تخضع تحت سيطرة المسلمين، فكان العادل يرسل بالمدد لأمراء المدن الإسلامية في الشام ليصدوا هجمات الصليبيين، وكان كثيراً ما يخرج بنفسه لقتال الصليبيين ويردهم إلي المهادنة، ومنها حملة [[هنري السادس (إمبراطور روماني مقدس)|هنري السادس]] امبراطور ألمانيا، التي وصلت حملته عكا عام 594 هـ الموافق 1197م، ودارت بين الصليبيين والأيوبيين معركة عند تل العجول قرب غزة انتهت بهزيمة الصليبيين، كما انتهت الحملة بموت هنري السادس. كان البابا [[إينوسنت الثالث|أنوسنت الثالث]] قد أعرب علنًا عن رغبته في الدعوة إلى حرب صليبية جديدة، في عام 600 هـ الموافق 1203م وصلت سفن الحملة الصليبية الرابعة [[القسطنطينية|للقسطنطينية]] بقيادة الكسيوس ابن الإمبراطور اسحاق الثاني، واعتقد الصليبيون أن [[بيزنطة]] كلها سوف ترحب بهم، ولكنهم اكتشفوا أن جميع أبواب القسطنطينية أغلقت في وجوههم، وأن الجنود البيزنطيين مرابطين فواق أسوارها، وفشلت المحاولات الأولى التي قام بها الأسطول الصليبي لمهاجمة الأسوار، وبعد قتال عنيف تمكن البنادقة من فتح ثغرة في الأسوار، وفكر الكسيوس الثالث من الفرار مع ابنته ولجأ مدينة موزينو في [[تراقيا]]، فما كان من حاشية القصر إلا أنهم أخرجوا الإمبراطور المعزول إسحاق من السجن وأعادوه على عرشه وبذلك توقف القتال، وتم الاتفاق على تنصيب الكسيوس الصغير قسيمًا لأبيه في حكم الإمبراطورية وتسمى بعد ذلك [[ألكسيوس الرابع أنجيلوس|الكسيوس الرابع]]. في عام 602 هـ الموافق 1404م وقعت ثورة في القصر الإمبراطوري، وتم عزل الكسيوس وألقي به في السجن حيث توفي ولحق به أبوه، تولى الحكم [[ألكسيوس الخامس دوكاس|الكسيوس الخامس]] الذي وقف موقفًا مضادًا ضد الصليبيين، ومع هذا التطور اتجه الأخيرون لمهاجمة القسطنطينية، وحل بالمدينة القتل والسلب والتدمير. ثم بدأت محاولة الحملة الصليبية السيطرة على بلاد الشام حيث أرسلت قوات قليلة من القسطنطينية، وهناك تعاونوا مع الصليبين المستوطنين لشن هجوم هزيل ضد [[رشيد (مدينة)|مدينة رشيد]] المصرية و[[فوه (مدينة)|مدينة فوة]] القريبة منها، عندما علم أمالريك الثاني ملك عكا بعدم قدوم الحملة الصليبية واستقرارها في بيزنطة، سعى أمالريك لعقد هدنة مع الملك العادل الذي رحب بعقد الهدنة، وتم عقد هدنة مدتها ست سنوات في أواخر سنة 1204م.<ref>[http://islamstory.com/ar/الحملة-الصليبية-الرابعة الحملة الصليبية الرابعة، راغب السرجاني] ثصة الإسلام، 30 نوفمبر 2014. وصل لهذا المسار في 2 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20161102211456/http://islamstory.com:80/ar/الحملة-الصليبية-الرابعة |date=2 نوفمبر 2016}}</ref><ref>[[قاسم عبده قاسم]] ([[1990]]م). ماهية الحروب الصليبية (الطبعة الأولى). [[مدينة الكويت]] - [[الكويت]]. عالم المعرفة صفحة 123</ref><ref>سليم محاسيس ([[1432 هـ]] - [[2011]]م). معجم المعارك التاريخية (الطبعة الأولى). [[عمان (مدينة)|عمان]] - [[الأردن]]. دار زهران للنشر والتوزيع صفحة 322</ref>
 
[[ملف:Capturing Damiate.jpg|تصغير|400بك|يسار|رسمة تُظهر حصار الصليبيين لبرج السلسلة في دمياط.]]
في عام 614 هـ الموافق 1217م بدأت قوات [[الحملة الصليبية الخامسة]] في الوصول إلى عكا، وكانت القوات المجرية في طليعة الواصلين بقيادة الملك [[أندريه الثاني]]، ولحق به ليوبولد السادس دوق النمسا، ثم لحق بهما هيو ملك قبرص، وأرسل ليوبولد فور وصوله عكا سفارة إلى [[بوهيموند الرابع]]، وأحضر معه بعض الأمراء الصليبيين، وتجمع لدى الصليبيين أكبر جيش لهم منذ الحملة الصليبية الثالثة، خرج بعدها الصليبيون من عكا ليشنوا هجومًا مباغتًا ضد دمشق في جيش ضخم، عندما علم العادل بتحركهم خرج من مصر إلى فلسطين وتابع طريقه إلى [[نابلس]] آملًا أن يقطع الطريق عليهم عند عين جالوت، لما علم الصليبيون بقدومه غيروا خطتهم واتجهوا نحوه، وساروا إلى مدينة نيسان في الوقت الذي سار فيه العادل نحوها بعد أن تحص بها، نتيجة لتفوق الصليبيين تجنب العادل الاشتباك معهم، فواصلوا هجومهم على المدن الإسلامية وحاصروا بانياس ووصلوا إلى حوران، ثم عادوا إلى عكا. ظل الوضع هادئًا حتى عام 615 هـ الموافق 1218م حين وفدت قوات صليبية جديدة من [[أوروبا]]، وقرر مجلس الحرب الصليبي الذي اجتمع في عكا مهاجمة دمياط،<ref>[[جرجس بن العميد|المكين جرجس بن العميد]] ([[1998]]م). أخبار الأيوبيين (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. مكتبة الثقافة الدينية صفحة 8</ref> وصل الصليبيين دمياط بقيادة الملك يوحنا دي بريان، فنزل أفراده إلى البر، ونصبوا معسكرهم على الضفة الغربية للنيل المواجهة للمدينة، عندما علم الملك العادل بنزول الصليبيين في دمياط، وكان بمرج الصَّفر، انتقل إلى عالقين بظاهر دمشق، وبدأ بإرسال العساكر إلى مصر، حتى أنه لم يبق عنده من العساكر إلا القليل، وطلب من ابنيه المعظم عيسى والأشرف موسى أن يغيرا على معاقل الصليبيين في بلاد الشام ليشغلهم ذلك عن دمياط.<ref>[[ابن واصل|جمال الدين محمد بن سالم بن واصل]]، تحقيق جمال الدين الشيال ([[1377 هـ]] - [[1957]]م). مفرج الكروب في أخبار بني أيوب الجزء الثالث (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. دار الكتب والوثائق القومية المطبعة الأميرية صفحة 261</ref> ظل الوضع متجمدًا قُرابة أربعة أشهر، نفذ خلالها الصليبيون محاولات عديدة لاقتحام برج السلسلة، انتهت بنجاح الصليبيون في دخول برج السلسلة والاستيلاء عليه، حيث قاموا بإقامة برج على سفينتين أحكم ربطهما معًا بالحبال، وجرت تغطيته بالجلد والنحاس الأحمر لحمايته من النار، ووضعوا فوقه سلمًا متحركًا حتى أضحى كالقلعة العائمة.<ref>[http://islamstory.com/ar/الحملة-الصليبية-الخامسة الحملة الصليبية الخامسة، راغب السرجاني] قصة الإسلام، 2 مارس 2015. وصل لهذا المسار في 2 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20160508085454/http://islamstory.com:80/ar/الحملة-الصليبية-الخامسة |date=8 مايو 2016}}</ref> مات بعدها الملك العادل سنة 615 هـ الموافق 1218م أثناء وجوده في الشام ودفن في أحد المساجد بدمشق، وترك أبناءه الثلاثة يحكمون الدولة الأيوبية في مصر والشام، الكامل في مصر والمعظم عيسي في دمشق والأشرف موسي في حلب.<ref>[http://egypthistory.net/1200/السلطان-العادل-يخلف-أخيه-صلاح-الدين/ السلطان العادل يخلف أخيه صلاح الدين] تاريخ مصر. وصل لهذا المسار في 2 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20180814092556/http://egypthistory.net:80/1200/السلطان-العادل-يخلف-أخيه-صلاح-الدين/ |date=14 أغسطس 2018}}</ref><ref>[[علي الصلابي|علي محمد الصلابي]] ([[2008]]م). الأيوبيون بعد صلاح والحملات الصليبية من الرابعة إلى السابعة (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. دار ابن الجوزي صفحة 101</ref>
 
==== الكامل محمد بن العادل ====
سطر 151:
 
[[ملف:Al-Kamil Muhammad al-Malik and Frederick II Holy Roman Emperor.jpg|تصغير|يسار|الملك الكامل محمد بن العادل مغ الإمبراطور الروماني فريدريك الثاني]]
تولي [[الكامل محمدناصر بنالدين العادلمحمد|الكامل]] بعد أبيه العادل في ظروف حرجة حيث استولي الصليبيون علي دمياط، فراح يستجد بالمسلمين من حوله، ولكن حكام المسلمين كانوا في هول من هجمات [[مغول|المغول]] التي بدأت تدق أبواب [[بغداد]]، فجهز الكامل قوة برية تدعهما عشرات السفن وهاجم المعسكر الصليبي إلا أنه اصطم بخنادق دمياط، ثم نصب جسرًا عظيمًا ليمنع العدو من سلوك النيل، لكنهم استطاعوا من قطعه، وسلكوا النيل ولم يفلحوا في الوصول إلى [[القاهرة]]، ولسوء الأحوال الجوية توقف القتال مدة من الزمن. لما علم عسكر الشام بموت الملك العادل، ما كان من العسكر إلا أن اتفقوا مع القائد عماد الدين أحمد بن المشطوب، وعزموا على خلع الملك الكامل وأن يملكوا الديار المصرية أخاه الفائز إبراهيم، ولما أحس الكامل بذلك خرج من معسكره في [[العدلية (دمياط)|العادلية]] توجه إلى الشام، فساد الفزع أرجاء المعسكر وترك الجنود خيامهم وأسلحتهم، ولما علم الصليبيين بذلك خرجوا إلى دمياط وملكوها واستولوا عليها.<ref>[[بيبرس الدوادار|بيبرس المنصوري]]، تحقيق عبد الحميد صالح حمدان ([[1995]]م). مختار الأخبار تاريخ الدولة الأيوبية ودولة المماليك البحرية (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. الدار المصرية اللبنانية صفحة 7</ref> وصل الملك المعظم عيسى من الشام لنجدة أخيه وانهى تمرد ابن المشطوب. دعا الملك الكامل الجهاد في البلاد الإسلامية فوصله المدد من أخويه المعظم والأشرف، وأخذ يستعد لشن هجوم على الصليبيين لكنه تراجع لهبوب عاصفة عام 616 هـ الموافق 1219م. حال استمرار تدفق الإمدادات والمؤن من الغرب الأوروبي وقبرص على الصليبيين، وتواتر الأخبار من الشرق الإسلامي عن تقدم الجيوش المغولية بقيادة جنكيز خان باتجاه الدولة الخوارزمية، من مواصلت قوات الملك العادل القتال ضد الصليبيين، واقترح الكامل على الصليبيين شروط بالغة السخاء، شملت: أن يتنازل عن أراضي بيت المقدس باستثناء الكرك والشوبك، مقابل أن يخرج الصليبيون من دمياط، وعقد هدنة بين المسلمين والصليبيين مدتها ثلاثين سنة. لم يتردد [[فريدريك الثاني (إمبراطور روماني مقدس)|الإمبراطور فريدريك]] في أن يقبل هذا العرض، لكن البابا في روما رفض العرض ووبخ الإمبراطور فريدريك علي قبوله للعرض، فعرض السلطان الكامل عرضًا آخر وهو أن يتنازل عن [[نابلس]] و[[صيدا]] و[[عسقلان]] و[[طبريا|طبرية]] و[[اللاذقية]] وسائر ما فتحه السلطان صلاح الدين من بلاد الساحل، دفع مبلغ خمسة عشر ألف مقابل الكرك والشوبك، دفع تكاليف إعادة تحصين بيت المقدس وباقي القلاع التي خربها المسلمون في بلاد الشام، تشكيل مجلس لتحديد تكاليف البناء، إعادة صليب الصلبوت، تستمر الهدنة مدة ثلاثين سنة، وضمانًا لحسن تنفيذ العرض تعهد الكامل بتقديم عشرين رهينة من أقاربه ليحتفظ بها الصلبيبيون مدة سنتين يتم خلالها إعادة تحقيق ما تقدم. لكن البابا رفض هذا كله وهدد فريدريك أن ينزع منه مملكته في أوروبا إذا عقد صلحًا مع المسلمين، فلم يبق للسلطان الكامل إلا ان يقاتل ليحرر دمياط من الصليبيين. واصلت الحملة حصار دمياط، وتعذر على الكامل إمداد المدينة بالمؤن والمقاتلين، وفي عام 616 هـ الموافق 1219م سقطت دمياط بعد حصار دام تسعة أشهر، واستعد الصليبيون لزحف نحو القاهرة، وكان الموقف ينبيء بانتصار الصليبيين فهم أكثر سلاحًا وعدة، لكنهم لم يكونوا يعرفون طبيعة الأرض المصرية وما تمتلئ به من قنوات الماء. اختار الكامل مكانًا أكثر ملائمة للقتال لوقف الزحف الصليبي باتجاه القاهرة، فنقل معسكره إلى المنطقة التي تقع جنوب بحر أشموم طناح والشاطيء الشرقي للنيل، قبالة قرية جوهر، وبنى فيها قلعة جديدة أسماها المنصورة، من الجانب الصليبي بادروا ببناء حصني تورون وبوتا في دمياط، الذين حدا من نشاط السفن الأيوبية. تحركت القوات الصليبية في عام 618 هـ الموافق 1221م من دمياط إلى العادلية استعدادًا للتقدم جنوب دمياط بحذاء النيل، حتى وصلت [[فارسكور]]، فلما تقدم الصليبيون نحو دمياط قام المصريون بفتح سدود المياه من كل جانب فتدفقت المياه وأغرقت القوات الصليبية، ولم يستطيعوا التقدم خطوة واحدة، فشقوا طريقهم وسط الوحل مرتدين إلي الشاطئ، استقر رأي القادة الصليبيين على عرض الصلح على المسلمين، ومال الكامل للقبول بالعرض، وفيه أن تسلم دمياط للكامل وأن يسترد الصليبيون رهائنهم ومنهم ملك عكا، وبذلك فشلت [[الحملة الصليبية الخامسة]].<ref>صلاح الدين الأيوبي والمماليك في مصر صفحة 33</ref>
 
[[ملف:Fridrich2 Al-Kamil.jpg|تصغير|250بك|يمين|الملك الكامل محمد بن العادل يسلم الإمبراطور الروماني المقدس فريدريك الثاني القدس عام 1229م]]
كان لتضامن ابنا العادل الكامل والمعظم وتكاتفهما أثر لا يُنكر في تحقيق النصر وإفشال الحملة الصليبية الخامسة،<ref>[[جرجس بن العميد|المكين جرجس بن العميد]] ([[1998]]م). أخبار الأيوبيين (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. مكتبة الثقافة الدينية صفحة 12</ref> لم تكد تمضي سنوات معدودة حتى شبَّ صراع بين السلطان الكامل وأخيه المعظم عيسى صاحب دمشق، واستعان كل منهما بمن يحقق له الظفر، فاستعان المعظم عيسى بالسلطان جلال الدين الخوارزمي سلطان [[خوارزميون|الدولة الخوارزمية]]، واستنجد السلطان الكامل بالإمبراطور [[فريدريك الثاني (إمبراطور روماني مقدس)|فردريك الثاني]]، وتعهد له بمنحه بيت المقدس، وجميع فتوحات صلاح الدين بساحل الشام،<ref>[https://www.tanseerel.com/main/articles.aspx?selected_article_no=21533 الحملة الصليبية السادسة] المرصد الإسلامي لمقاومة التنصير، 25 أبريل 2011. وصل لهذا المسار في 8 أبريل 2016 {{وصلة مكسورة|date= يوليو 2017 |bot=JarBot}} {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20160424182205/https://www.tanseerel.com/main/articles.aspx?selected_article_no=21533 |date=24 أبريل 2016}}</ref> بادر الملك المعظم بتجهيز العساكر في [[نابلس]] لحماية القدس من مطامع الإمبراطور، لكن الموت عجل بالمعظم وخلفه ابنه الناصر داود، وانهار التحالف بين خوارزم شاه والمعظم. في عام 625 هـ الموافق 1228م بدأ الإمبراطور فردريك الثاني [[الحملة الصليبية السادسة]] على رأس جيش صغير،<ref>[[منير البعلبكي]] ([[1992]]م). معجم أعلام المورد (الطبعة الأولى). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار العلم للملايين صفحة 323</ref> فمر على قبرص واحتلها، ثم قصد عكا، واحتل صيدا. بعد مفاوضات طويلة بين فريدريك والكامل توصل الطرفان لاتفاق يافا، نصت على: تُسلم القدس للإمبراطور فريدريك على أن تظل أسوار المدينة وتحصيناتها خرابًا وألا تجدد الأسوار، يأخذ الفرنج بيت لحم والناصرة، ألا يكون للفرنج موطئ قدم خارج مدينة القدس، وأن تظل قرى بيت المقدس في أيدي المسلمين، قرى بيت المقدس والضاحية يديرها والي مسلم، وتكون البيرة مقرًا له، يظل الحرم القدسي بما فيه من المعالم، كالصخرة والمسجد الأقصى، في أيدي المسلمين، ويظل شعار الإسلام فيه ظاهرًا، ألا يسمح للفرنج بدخول القدس إلا بغرض الزيارة، يكون المتولون على الأماكن المقدسة من المسلمين، تكون القرى الواقعة على الطريق بين القدس وكل من عكا ويافا تحت إدارة الفرنجة لحماية أرواح الحجاج وضمان سلامتهم، يتعهد الإمبراطور المشاركة في الدفاع عن الملك الكامل ضد أي عدو حتى لو كان من الفرنج وعدم تقديم أية مساعدة لحكام أنطاكية وطرابلس وحكام المناطق الإفرنجية الأخرى في بلاد الشام.<ref>الأيوبيون بعد صلاح والحملات الصليبية صفحة 247</ref> دخل فريدريك القدس واستلمها من القاضي شمس الدين يوم الأحد [[18 مارس]] [[1229]]م الموافق [[636 هـ]]، و دخل [[كنيسة القيامة]] وتوج نفسه ملكًا علي القدس. بذلك عادت القدس للصليبيين. أكمل السلطان الكامل بناء [[قلعة صلاح الدين الأيوبي (القاهرة)|قلعة الجبل]]، كما أنشأ مدينة جديدة هي [[المنصورة (مصر)|مدينة المنصورة]] في الموقع الذي انتصر فيه علي الحملة الصليبية الخامسة.<ref>[http://egypthistory.net/1218/السلطان-الكامل-و-الحملة-الصليبية-الخا/ السلطان الكامل و الحملة الصليبية الخامسة علي مصر 1218م] تاريخ مصر. وصل لهذا المسار في 2 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20180814064913/http://egypthistory.net:80/1218/السلطان-الكامل-و-الحملة-الصليبية-الخا/ |date=14 أغسطس 2018}}</ref><ref>[http://islamstory.com/ar/الحملة-الصليبية-السادسة الحملة الصليبية السادسة، راغب السرجاني] قصة الإسلام، 24 يوليو 2015. وصل لهذا المسار في 2 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20160721173251/http://islamstory.com:80/ar/الحملة-الصليبية-السادسة |date=21 يوليو 2016}}</ref><ref>[[حسين مؤنس]] ([[1407 هـ]] - [[1987]]م). أطلس تاريخ الإسلام (الطبعة الثانية). [[القاهرة]] - [[مصر]]. الزهراء للإعلام العربي صفحة 270</ref>
 
==== الصالح نجم الدين أيوب ====
سطر 160:
 
[[ملف:Seventh crusade.jpg|تصغير|300بك|يسار|الحملة الصليبية السابعة تغزو دمياط في سنة 1249م]]
ولي [[العادل أبو بكر بن الكامل|العادل الثاني سيف الدين أبو بكر]] حكم مصر بعد وفاة ابيه السلطان الكامل مما أدي إلي أن يسعي أخوه الأكبر سنًا [[الصالح أيوب|الصالح نجم الدين أيوب]] لاستعادة حقه في تولي السلطنة، وواتته الفرصة نتيجة سياسة أخيه التي أثارت مشاعر الأمراء عليه فقبضوا عليه واستدعوا الصالح نجم الدين أيوب الذي اصبح سلطانًا علي مصر عام 637 هـ الموافق 1240م.<ref>[[سعيد عبد الفتاح عاشور]] ([[1972]]م). مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك (الطبعة الأولى). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار النهضة العربية صفحة 98</ref> واجه السلطان الصالح ثورات بعض طوائف الجند، فبدأ في تكوين جيش جديد يخلص له ويطيعه فاشتري آلاف [[الدولة المملوكية|المماليك]] و[[ترك|الأتراك]] الذين هجروا أوطانهم في [[آسيا الصغرى]] بسبب غارات المغول واتخذ الصالح أيوب منهم جيشًا نظاميًا.<ref>سامي عبدالله المغلوث ([[1434 هـ]] - [[2013]]م). أطلس تاريخ العصر المملوكي (الطبعة الأولى). [[بيروت]] - [[لبنان]]. مكتبة العبيكان صفحة 15</ref><ref>عبد الستار الشيخ ([[1414 هـ]] - [[1994]]م). الحافظ الذهبي: مؤرخ الإسلام، ناقد المحدثين، إمام المعدلين والمجرحين (الطبعة الأولى). [[دمشق]] - [[سوريا]]. دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع صفحة 17</ref> من أبرز آثار الملك الصالح في مصر قلعة الروضة التي أقام فيها مع مماليكه، وقد تزوج من جارية أرمنية هي [[شجر الدر]] والتي كان الخليفة العباسي قد أهداها له. وجد السلطان الصالح أيوب نفسه مهددًا بحلف صليبي مع أمراء دمشق الصالح إسماعيل، والكرك الناصر داود، وحمص المنصور إبراهيم، عمد الصالح أيوب إلى استدعاء الخوارزمية وتحريضهم على مهاجمة دمشق،<ref>[[سعيد عبد الفتاح عاشور]] ([[1972]]م). مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك (الطبعة الأولى). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار النهضة العربية صفحة 103</ref> فما كان من الصالح إسماعيل إلا أن استعان بالصليبيين مقابل تعهده لهم بأن تكون سيطرتهم على بيت المقدس تامة مطلقة، عبرت القوات الخوارزمية [[الفرات|نهر الفرات]] حتى وصلت دمشق، ثم طبرية واستولوا عليها، ثم إلى نابلس وبيت المقدس، عندها أحس الصليبيون بالخطر الخوارزمي، في عام [[642 هـ]] الموافق [[1244]]م اقتحم الخوارزميون المدينة وجرى قتال شديد، استنجد على أثره الصليبيون بأمير أنطاكية وطرابلس وملك قبرص بحامية عكا وبحلفائهم من المسلمين في دمشق والأردن، فلم ينجدهم أحد سوى ما قام به الناصر داود في توسطه بخروج من يرغب من الصليبيين من القدس إلى الساحل.<ref>منذر الحايك ([[2011]]م). العصر الأيوبي قرن من الصراعات الداخلية (الطبعة الأولى). [[دمشق]] - [[سوريا]]. دار صفحات للدراسات والنشر صفحة 259</ref> بعد أن استولى الخوارزمية على بيت المقدس ساروا إلى الملك الصالح يخبرونه بقدومهم فأمرهم بالإقامة في غزة، وسير إليهم عسكرًا من مصر بقيادة [[الظاهر بيبرس|ركن الدين بيبرس]]، فسار إلى غزة وانضم للخوارزمية، وهناك التقى الجيش المصري المتحالف مع الخوارزمية مع جيش حمص ودمشق المتحالف من الصليبيين، واستطاع بيبرس إلحاق الهزيمة بالتحالف الشامي الصليبي.<ref>[[ابن كثير الدمشقي|ابن كثير]]، تحقيق محمد العيد الخطراوي ومحي الدين مستو ([[1402 هـ]]). الفصول في سيرة الرسول (الطبعة الثالثة). [[دمشق]] - [[سوريا]]. مؤسسة علوم القران صفحة 66</ref> بعد معركة غزة سارع بيبرس للاستيلاء على غزة والساحل، والقدس والخليل وبيت جبريل والأغوار، ثم حاصر دمشق وفيها الصالح إسماعيل وإبراهيم بن شيركوه صاحب حمص، وبعد حصار دام ستة أشهر استسلمت دمشق عام 643 هـ الموافق 1245م،<ref>[[جرجس بن العميد|المكين جرجس بن العميد]] ([[1998]]م). أخبار الأيوبيين (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. مكتبة الثقافة الدينية صفحة 36</ref> وعوض الصالح إسماعيل عنها ب[[بعلبك]] و[[بصرى]]. أما الخوارزمية فقد انقلبوا على الصالح نجم الدين، بعد أن أقطعهم بلاد الساحل وكانوا يطمعون بدمشق، وأعلنوا الثورة على الصالح، وسارع الناصر داود والصالح إسماعيل بالانضمام إليهم، واستطاع نجم الدين الحاق الهزيمة بالخوارزميين بالقرب من [[حمص]]، وانتهى خطرهم بشكل نهائي.<ref>الأيوبيون بعد صلاح والحملات الصليبية صفحة 286</ref>
 
قامت حملة صليبية جديدة تستهدف مصر، وكانت أشرس وأعنف من الحملة الأولي علي دمياط وهي [[الحملة الصليبية السابعة]]، وكان علي رأسها ملك فرنسا [[لويس التاسع]] الذي كان معروفًا بتدينه وتعصبه، استغرق الأوروبيون ثلاث سنوات وهم يعدون للحملة، وقام لويس بتجهيز أسطول كبير لنقل الجنود والعتاد عبر البحر بعد أن قرر استبعاد الطريق البري، واستأجر عدد من السفن من [[جنوة]] و[[مارسيليا|مرسيليا]]، وغادر على رأس حملته من مدينة [[باريس]] إلى [[ليون]]، ثم إلى جنوب فرنسا حتى وصل [[قبرص]]، خلال هذه الأثناء تسربت أخبار الحملة على مصر، وعلم السلطان الصالح أيوب بأن الصليبيين يحتشدون في [[قبرص]]، وقدر أنهم سينزلون دمياط كما فعل اسلافهم، فحشد جيشه تجاه المدينة وقرر أن يحارب حربًا لا هوادة فيها. دخل الصلبييون مدينة دمياط عام 647 هـ الموافق 1249م دون قتال وحولوا مسجد المدينة إلي كنيسة وأقاموا بطريركًا فرنسياً للمدينة، تعود أسباب الاستيلاء السهل لمدينة دمياط من قبل الصليبيين إلى أحد القادة العسكرين في الطرف الإسلامي وهو [[فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ|الأمير فخر الدين بن الشيخ]]، إضافة لبعض أفراد القبائل العربية التي عهد إليها الصالح أيوب بالدفاع عن المدينة وهم بني كنانة، قد تركوها وانسحب هؤلاء جميعًا إلى حيث يوجد معسكر الملك صالح أيوب في منطقة أسموم طناح، بالإضافة أنهم تركوا أبواب المدينة ممفتوحة وفاتهم عند فرارهم أن يقطعوا الجسر الذي يربطها بالضفة العربية للنيل، وأصبحت دمياط بذلك مدينة مفتوحة.<ref>[[محمد العروسي المطوي]] ([[1431 هـ]] - [[1982]]م). الحروب الصليبية في المشرق والمغرب (الطبعة الثانية). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار الغرب الإسلامي صفحة 119</ref> قبيل سيطرة القوات الصليبية على دمياط أرسل الملك لويس رسائل تهديد للصالح نجم الدين، وطالبه فيها بالاستسلام وإرجاع الأراضي المقدسة للصليبيين، واعتبر أن الصالح أيوب ماهو إلا أحد نوابه. كان شهر يونيو شهر فيضان النيل فآثر الملك لويس أن ينتظر حتي ينتهي الفيضان حتي لا يقع فيما وقعت فيه الحملة الخامسة، عندما انتهي موسم الفيضان بدأ لويس زحفه إلي القاهرة، وفي تلك الأثناء مات السلطان الصالح في المنصورة عام 647 هـ الموافق 1249م.<ref>[http://egypthistory.net/1249/نجم-الدين-أيوب-و-شجر-الدر-و-الحملة-الصلي/ جم الدين أيوب و شجر الدر و الحملة الصليبية السابعة علي مصر] تاريخ مصر. وصل لهذا المسار في 2 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20180718092958/http://egypthistory.net:80/1249/نجم-الدين-أيوب-و-شجر-الدر-و-الحملة-الصلي/ |date=18 يوليو 2018}}</ref><ref>[https://islammemo.cc/2004/02/23/1399.html موقعة فارسكور ـ الحملة الصليبية السابعة] مفكرة الإسلام، 23 فبراير 2004. وصل لهذا المسار في 2 أبريل 2016 {{وصلة مكسورة|date= يوليو 2017 |bot=JarBot}} {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20160823194644/http://islammemo.cc:80/2004/02/23/1399.html |date=23 أغسطس 2016}} {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20170601112126/http://islammemo.cc:80/2004/02/23/1399.html |date=01 يونيو 2017}}</ref><ref>مجلة كلية العلوم الإسلامية ([[1434 هـ]] - [[2013]]م). الباحث محمد يونس فلح، الملك الصالح نجم الدين أيوب وعلاقته بالقوى السياسية (638 – 647 هـ / 1250 – 1260م) (المجلد 7، العدد 13). [[الموصل]] - [[العراق]]</ref>
 
=== مرحلة السقوط ===
سطر 168:
 
[[ملف:AssassinationOfTuranShah.jpg|تصغير|250بك|يمين|لوحة تخيَّلية عن مقتل توران شاه من قبل المماليك عام 1250م]]
استمرت الحملة الصليبية بعد وفاة الصالح أيوب، واستطاعت شجر الدر أن تخبيء نبأ وفاة السلطان، ودارت بين الأيوبيين والصليبيين [[معركة المنصورة]] بقيادة [[لويس التاسع]] ملك فرنسا من جهة، و[[فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ|الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ]] وفارس الدين أقطاي الجمدار وركن الدين بيبرس البندقداري من جهة أخرى، أسفرت المعركة عن هزيمة الصليبين هزيمة كبرى. قامت شجر الدر باستدعاء [[توران شاه]] ابن الصالح أيوب ليكون السلطان الجديد بعد موت أبيه،<ref>نجاة سليم محاسيس ([[1432 هـ]] - [[2011]]م). معجم المعارك التاريخية (الطبعة الأولى). [[عمان (مدينة)|عمان]] - [[الأردن]]. زهران للنشر والتوزيع صفحة 380</ref> جاء توران مسرعًا من [[حصن كيفا]] ومعه خاصة رجاله ومساعدوه، واستلم قيادة البلاد والجيوش فور وصوله وأظهر مقدرة حربية، وبمساعدة المماليك وضع خطة عسكرية محكمة لإجبار الصليبيين على التسليم حيث أمر بحمل عدة سفن مفككة على ظهور الجمال، ثم أعاد تركيبها وإنزالها خلف خطوط الصليبيين مما أدى لوضع الصليبيين في كماشة أدت لهزيمتهم وأسر ملكهم [[لويس التاسع]].<ref>[[حسين مؤنس]] ([[1407 هـ]] - [[1987]]م). أطلس تاريخ الإسلام (الطبعة الثانية). [[القاهرة]] - [[مصر]]. الزهراء للإعلام العربي صفحة 271</ref><ref>[[بيبرس الدوادار|بيبرس المنصوري]]، تحقيق عبد الحميد صالح حمدان ([[1995]]م). مختار الأخبار تاريخ الدولة الأيوبية ودولة المماليك البحرية (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. الدار المصرية اللبنانية صفحة 8</ref> على الرغم من هذا الانتصار العسكري الكبير على الصليبيين إلا إن توران شاه كان يمثل تجسيدًا حقيقيًا لانهيار الأيوبيين الصغار، وبدلاً من أن يستغل الظروف الراهنة في توحيد المسلمين للقضاء على الخطر الصليبي تمامًا، اتجه نحو أمراء المماليك وزوجة أبيه شجر الدر، وأخذ في التخطيط للقضاء عليهم. كان توران شاه كئيبًا متكبرًا سريع الغضب، فأصدر عدة قرارات صادر بمقتضاها إقطاعات الأمراء وحدد عدة أسماء ووضعها على قائمة التصفية، ووصلت أخبار هذه القائمة للأمراء فقرروا التخلص منه. في صباح يوم [[27 محرم]] [[648 هـ]] الموافق [[2 مايو]] [[1250]]م كان السلطان توران في خيمته السلطانية فهجم عليه [[الظاهر بيبرس|بيبرس البندقداري]] و[[المنصور سيف الدين قلاوون|قلاوون الصالحي]] و[[فارس الدين أقطاي الجمدار|أقطاي الجمدار]] وضربوه بالسيوف فهرب منهم لكشك خشبي فأحرقوه عليه فهرب منه ورمى نفسه بالنيل فضربوه بالسهام والنبال فقتل جريحًا غريقًا حريقًا، وبمقتله سقطت دولة الأيوبيين بمصر وقامت [[الدولة المملوكية|دولة المماليك]].<ref>[https://islammemo.cc/zakera/methl-haza-elyawm/2011/12/22/140429.html مقتل السلطان الأيوبي توران شاه] مفكرة الإسلام، 22 ديسمبر 2011. وصل لهذا المسار في 2 أبريل 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20170620140627/http://islammemo.cc:80/zakera/methl-haza-elyawm/2011/12/22/140429.html |date=20 يونيو 2017}}</ref><ref>[http://islamstory.com/ar/نهاية-الدولة-الايوبية نهاية الدولة الأيوبية بقلم راغب السرجاني] قصة الإسلام، 15 مارس 2013. وصل لهذا المسار في 2 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20161225081047/http://islamstory.com:80/ar/نهاية-الدولة-الايوبية |date=25 ديسمبر 2016}}</ref><ref>[https://library.islamweb.net/hadith/display_hbook.php?bk_no=1702&pid=631679 كتاب طبقات الشافعية الكبرى كتاب ذكر الموت الطبقة السادسة فيمن توفي بين الست مائة والسبع مائة توران شاه] موسوعة الحديث. وصل لهذا المسار في 2 أبريل 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20160505082958/https://library.islamweb.net/hadith/display_hbook.php?bk_no=1702&pid=631679 |date=05 مايو 2016}}</ref>
 
[[ملف:C croisade7 prisonnier1.jpg|تصغير|250بك|يسار|الملك الفرنسي لويس التاسع يُقاد إلى الحبس بعد هزيمته في معركة المنصورة]]
صار المماليك بعد مقتل توران شاه أصحاب الحل والعقد، وكان من الطبيعي أن يعينوا أحدًا منهم لتبوء عرش السلطنة الشاغر، وأخيرًا قرر المماليك حل المشكلة الناجمة عن شغور العرش فاختاروا [[شجر الدر]] لتولي العرش. غير أن حكم شجر الدر تعرض للنقد من قبل الخليفة العباسي [[عبد الله المستعصم بالله|المستعصم بالله]]، الذي عاب على المماليك تنصيب امرأة في الحكم، فاقتنعت شجر الدر واقتنع المماليك معها بضرورة تغيير رأس السلطة، فتزوجت من الأمير [[المعز عز الدين أيبك|عز الدين أيبك]] وتنازلت له عن الحكم،<ref>إبراهيم شمس الدين ([[1423 هـ]] - [[2002]]م). قصص العرب الجزء الأول (الطبعة الأولى). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار الكتب العلمية صفحة 203</ref> بعد أن دام حكمها ثلاثة أشهر.<ref>[[محمود شاكر (مؤرخ)|محمود شاكر]] ([[1421 هـ]] - [[2000]]م). التاريخ الإسلامي الجزء السابع العهد المملوكي (الطبعة الخامسة). [[بيروت]] - [[لبنان]]. المكتب الإسلامي صفحة 23</ref> وقف الأمراء الأيوبيون في الشام موقف العداء للنظام الجديد القائم في مصر، وقد جرت العادة منذ أيام صلاح الدين أن يكون للسلطان في مصر سيطرة على بقية الأمراء الأيوبيون في الشام، لذلك أرسلت شجر الدر عقب مبايعتها الخطيب أصيل الدين محمد لأخذ البيعة لها من أمراء الشام، ظل الأمراء الأيوبيون يعتبرون أنهم أصحاب الحق الشرعي في حكم مصر وبلاد الشام بوصفهم سلالة صلاح الدين، وأن ماجرى يعد خروجًا للسلطنة في مصر على البيت الأيوبي، ورفضوا أن يحلفوا يمين الولاء للسلطانة الجديدة، وشاركهم بعض الأمراء المماليك في بلاد الشام، فقد رفض المماليك القيمرية{{للهامش|3}} في دمشق أن يحلفوا يمين الولاء والطاعة، ولم يعترفوا بماجرى في مصر من تغيير في نظام الحكم، فكتبوا إلى [[الناصر يوسف|الناصر يوسف الأيوبي]] صاحب حلب يعلمونه بموقفهم الرافض ويستدعونه للقدوم إليهم ليسلموا له [[دمشق]]، كما خرج الملك السعيد حسن بن العزيز عثمان الأيوبي صاحب قلعة الصُبية من الديار المصرية احتجاجًا على ماحصل، فهاجم [[غزة]] وأخذها واستقر فيها، وثار الطواشي بدر الدين الصوابي الصالحي نائب الصالح أيوب بالكرك والشوبك، وسلم الحصنين إلى المغيث عمر الأيوبي بعد أن أخرجه من السجن، وخضعت باقي مدن بلاد الشام لأمراء من البيت الأيوبي، فستقر الموحد تقي الدين عبد الله بن توران شاه في [[حصن كيفا]] وتصيبين، والكامل ناصر الدين محمد بن المظفر عازي في ميفارقين، والمنصور ناصر الدين محمد بن المظفر تقي الدين محمود في حماة، والأشرف مظفر الدين موسى بن المنصور إبراهين في تل باشر والرحبة. انتهز الناصر يوسف الفرصة واستجاب لدعوة المماليك القيمرية، فزحف بجيوشه نحو [[دمشق]] ودخلها وخلع الأمير جمال الدين بن يغمور، وعلى الأمراء القيمرية وعلى جماعة من الأمراء المصريين من مماليك الصالح أيوب، وبذلك خرجت بلاد الشام من قبضة شجر الدر، وانقسمت الجبهة الإسلامية بين مصر المملوكية وبلاد الشام الأيوبية.
 
[[ملف:Bahri Dynasty 1250 - 1382 (AD) Masry.PNG|تصغير|250بك|يمين|الدولة المملوكية في أوج اتساعها]]
خشي المماليك على نظامهم الجديد من منافسة الأيوبيين، فتنادوا إلى اجتماع في قلعة الجبل لتدارس الموقف، جدد الأمراء والأجناد الولاء لشجر الدر وللأمير عز الدين أيبك أتابكًا وقائدًا للجيش، وقرروا الخروج من القاهرة للتصدي للأيوبيين، وإبعاد الناصر يوسف عن دمشق، إلا أنهم احجموا عن ذلك، ما حدا بالناصر يوسف الاستعداد لغزو مصر، تحرك الأيوبيون بزعامة الناصر باتجاه مصر لاستعادتها، وعندما علم أيبك بذلك قرر مواجهة الخطر الأيوبي بالطرق السلمية، فاختار بالاتفاق مع كبار المماليك صبيًا صغيرًا من بني أيوب في العاشرة من عمره هو الأشرف موسى بن المسعود بن الكامل،<ref>[[بيبرس الدوادار|بيبرس المنصوري]]، تحقيق عبد الحميد صالح حمدان ([[1995]]م). مختار الأخبار تاريخ الدولة الأيوبية ودولة المماليك البحرية (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. الدار المصرية اللبنانية صفحة 9</ref> وأقامه سلطانًا ليكون شريكًا له في السلطة،<ref>[[محمود شاكر (مؤرخ)|محمود شاكر]] ([[1421 هـ]] - [[2000]]م). التاريخ الإسلامي الجزء السابع العهد المملوكي الجزء الثاني (الطبعة الخامسة). [[بيروت]] - [[لبنان]]. المكتبة الإسلامية صفحة 24</ref> فكانت التواقيع والمراسيم تخرج باسميهما، ويخطب باسميهما على منابر مصر، وضربت لهما السكة على الدنانير والدراهم.<ref>[[جرجس بن العميد|المكين جرجس بن العميد]] ([[1998]]م). أخبار الأيوبيين (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. مكتبة الثقافة الدينية صفحة 39</ref> لكن الأمراء الأيوبيين أدركوا أن الأشرف لم يكن له غير الاسم، في حين كانت الأمور كلها بيد أيبك، واستمروا في استعداداتهم للزحف نحو مصر. عندئذ أعلن أيبك وضع البلاد تحت سلطة [[الدولة العباسية|الخلافة العباسية]]، وأنه يحكم بوصفه نائبًا عن الخليفة المستعصم بالله، وأقدم في الوقت نفسه بإلقاء القبض على الأمراء المماليك بميولهم للأيوبيين. أقدم الناصر يوسف على التماس مساعدة الصليبيين وعلى رأسهم الملك لويس التاسع المقيم في عكا، لكن أيبك بعد أن علم بالأمر أرسل إنذارًا للملك لويس التاسع بأنه سوف يقدم عى قتل الأسرى الصليبيين الذين مازالوا في مصر منذ أيام الحملة على دمياط، إن قام بأي عمل عدائي ضده، غير أن الملك لويس لم يشأ أن يلتزم بشيء نحو أي من الطرفين. لما يَأس الناصر يوسف من استقطاب لويس، زحف بجيشه نحو مصر، ونسي زعماء المماليك البحرية خلافاتهم الداخلية، وتكتلوا وراء أيبك لصد الأيوبيين، خرج أيبك بجيشه والتقى الجيشان الأيوبي والمملوكي في ذي القعدة عام 648 هـ الموافق 1251م عند [[العباسة]] بين بلبيس والصالحية، انتهت بانتصار المماليك ورجوع الناصر إلى دمشق، كان لهذه المعركة أثرها في تثبيت عرش أيبك، فقد أرسل بعد شهر جيشًا بقيادة فارس الدين أقطاي واستولى على [[غزة]]. استغل الملك لويس الصراع الإسلامي ونجح في ابرام اتفاق بينه وبين أيبك ينص على: أن يطلق كل الأسرى الصليبيين، وأن يعفى الملك عن بقية المبلغ المتبقي من الفدية، واتفق الطرفان على القيام بحملة مشتركة لطرد الناصر من الشام، فاستولى لويس على [[يافا]]، وعسكر المماليك في غزة، فأرسل الناصر جيش عسكر عند تل العجول قرب غزة، وكادت أن تقع معركة بين الطرفين لكن الصلح تم بينهما عام 651 هـ الموافق 1253م، بعد تدخل الخليفة المستعصم، وتقرر أن: يعترف الناصر بسلطة أيبك وبسيادة المماليك على مصر وبلاد الشام حتى الأردن، على أن تدخل غزة وبيت المقدس ونابلس والساحل الفلسطيني في حوزة الناصر، وأن يعترف المماليك بسيادة الأيوبيين على بقية الشام.<ref>[[محمد سهيل طقوش]] ([[1429 هـ]] - [[2008]]م). تاريخ الأيوبيون في مصر وبلاد الشام وإقليم الجزيرة (الطبعة الثانية). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار النفائس صفحة 203</ref> قام أيبك بعد الصلح بالقضاء على [[فارس الدين أقطاي الجمدار|فارس الدين أقطاي]]، ففر أتباعه إلى بلاد الشام للاحتماء بالأيوبيين، ومن بينهم [[الظاهر بيبرس|ركن الدين بيبرس]] و[[المنصور سيف الدين قلاوون|قلاوون الألفي]]،<ref>[[ابن خلدون|عبد الرحمن بن خلدون]] ([[1421 هـ]] - [[2000]]م). [[كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر|كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر]] (الجزء الخامس الطبعة الأولى). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع صفحة 433</ref> وحثوا الناصر على مهاجمة مصر، فطلب الناصر من أيبك إعادة المناطق التي أخذها منه، فقرر أيبك إعادة البلاد إلى الناصر، وقرر الخروج من القاهرة للحدود المصرية للتصدي للأيوبيين، لكن الأمر انتهى بتدخل الخليفة العباسي مجددًا، وعقد اتفاق نص على: أن يستعيد أيبك ساحل بلاد الشام، وألا يأوي الناصر أحد من المماليك البحرية. قتل أيبك عام 655 هـ الموافق 1257م فبايع المماليك ابنه [[المنصور نور الدين علي بن أيبك|نور الدين علي]]، وتولى سيف الدين قطز القيادة الفعلية لدولة المماليك واستطاع صد هجوم الأيوبيين المتحالفين مع المماليك أكثر من مرة.<ref>[[محمود شاكر (مؤرخ)|محمود شاكر]] ([[1421 هـ]] - [[2000]]م). التاريخ الإسلامي الجزء السابع العهد المملوكي الجزء الثاني (الطبعة الخامسة). [[بيروت]] - [[لبنان]]. المكتبة الإسلامية صفحة 27</ref>
 
==== الغزو المغولي ====
سطر 180:
 
[[ملف:Bagdad1258.jpg|تصغير|300بك|يسار|مُنمنمة لِجيش المغول بِقيادة هولاكو خان وقد ضرب الحصار على بغداد.]]
كان الصراع الدائر في منطقة إقليم الجزيرة بين الملوك والأمراء المحليين الأثر الكبير في تفتيت وحدة الإقليم الأيوبي أمام الزحف المغولي القادم من الشرق، الذي بدأ غربي [[آسيا]] ضمن سياسة توسعية، فقد سيطر على إمبراطورية الصين الشمالية، وأواسط آسيا و[[بلاد فارس|فارس]] وبلاد الكرج و[[القوقاز]] و[[روسيا]] و[[بولندا]] و[[آسيا الصغرى]]. عندما تولى [[مونكو خان]] منصب الخان الأعظم على المغول وضع أمامه هدفين، الأول: القضاء على [[الحشاشون|الحشيشة]] في فارس، والثاني: السيطرة على ماتبقى من العالم الإسلامي حتى أقاصي مصر، وعهد إلى أخيه [[هولاكو خان|هولاكو]] القيام بتنفيذ هذه المهمة بعد أن منحه إقليم فارس والولايات الغربية، وحدد له إطار العلاقات مع الخليفة العباسي، فوضع هولاكو خطته بالقضاء على الحشيشة ثم غزو المناطق الغربية وصولًا إلى مصر، وبعد أن حقق هدفه الأول سار لتحقيق هدفه الثاتي وبدأ في غزو [[العراق]]. كانت الأوضاع في [[بغداد]] سيئة جدًا، فقد اشتهر الخليفة العباسي [[عبد الله المستعصم بالله|المستعصم بالله]] بعدم جديته في إدارة شؤون البلاد العامة، وكانت الأخبار تصل إليه تباعًا باقتراب جيوش المغول ومع ذلك لم يستعد لمواجهتهم، حاصرت الجيوش المغولية عاصمة الخلافة بغداد، ثم دخلتها عنوة في شهر صفر عام 656 هـ الموافق فبراير عام 1258م ودمرتها،<ref>رغد عبد الكريم النجار ([[2012]]م). العراق في العهد الجلائري، دراسة في الأوضاع السياسية (الطبعة الأولى). [[عمان (مدينة)|عمان]] - [[الأردن]]. دار غيداء للنشر والتوزيع صفحة 11</ref> وكان الخليفة قد خرج منها وسلم نفسه للزعيم المغولي هولاكو دون قيد أو شرط بعد أن وعده هولاكو بالأمان، انتهت هذه الأحداث بقتل الخليفة وابنيه أبي العباس أحمد وأبي الفضائل عبد الرحمن، وأسر ابنه الأصغر مبارك، وأخواته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم، ثم استسلمت الحلة والكوفة والموصل، وبذلك انتهت الخلافة العباسية في بغداد.<ref>[[ابن العماد الحنبلي]] ([[1412 هـ]] - [[1992]]م). [[شذرات الذهب|شذرات الذهب في أخبار من ذهب]] المجلد السابع (الطبعة الأولى). [[عمان (مدينة)|عمان]] - [[الأردن]]. دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع صفحة 822</ref>
 
انتقل الاجتياح المغولي من العراق إلى بلاد الشام، وكان هولاكو قد أرسل أثناء حصار بغداد فرقة عسكرية بقيادة أريق نوين واستطاعت الاستيلاء على [[أربيل]]، ومن ثم أشرف المغول على بلاد الشام، وقد حرص الزعيم المغولي على أن يقوي سيطرة المغول على إقليم الجزيرة، وأن يخضخ بصفة خاصة الأمير الأيوبي الكامل محمد صاحب [[ميافارقين]] الذي رفض قبول السيادة المغولية. كانت بلاد الشام تحت سيطرة ثلاث قوى هي: قوة المسلمين المتمثلة بالملوك والأمراء الأيوبيين، وقوة الصليبيين، وقوة الأرمن في [[قيليقية|كيليكية]]، أما الملوك والأمراء الأيوبيين فقد حكموا مدن ميافارقين وحصن كيفا والكرك وحلب وحمص وحماة ودمشق، إلا أنهم افتقروا إلى ربطة اتحادية فكان كل أمير يعمل مستقلًا عن الآخر مما أضعف قوتهم أما المغول، أما الصليبيون الغربيون فقد وقفوا موقف المتردد في الصراع المغولي الإسلامي، أما الأرمن في كيليكية فقد حالفوا المغول وشجعوا على القضاء على الخلافة العباسية وعلى الأيوبيين في بلاد الشام، واشتركوا معهم في قتال المسلمين.<ref>تاريخ الأيوبيون في مصر وبلاد الشام وإقليم الجزيرة صفحة 407</ref>
 
[[ملف:Campaign Ain Galut-ar.png|تصغير|280بك|يسار|خريطة توضح مسيرة الجيشين الإسلامي والمغولي حتى التقاؤهما في عين جالوت عام 1260م وانتصار المسلمين بعد ذلك.]]
كان الناصر يوسف صاحب دمشق وحلب أقوى الأمراء الأيوبيين، وقد أوجس خيفة من تقدم المغول، وقدَّر أن هولاكو وجنوده سوف يستولون على بلاد الشام عاجلًا أم آجلًا، لذلك رفض تقديم نجدة للكامل محمد صاحب ميافارقين بناءً على طلبه لمقاومة المغول، كما أرسل ابنه العزيز محمد إلى هولاكو يحمل الهدايا والتحف ويقدم الخضوع والولاء، ويطلب منه مساعدة عسكرية لاستعادة مصر من أيدي المماليك، أرسل هولاكو للناصر يوسف رسالة يأمره فيها بضرورة المجيء إليه وتقديم الخضوع دون شرط، لكن الناصر رفض القدوم لهولاكو، فقام هولاكو بقيادة جيشه للاستيلاء على غربي بلاد الشام، فسقطت في يده مدن مياقارقين ونصيبين وحران و[[أورفة|الرها]] والبيرة و[[حارم]] ثم اتجه إلى حلب وحاصرها من جميع الجهات، رفضت حامية المدينة بقيادة المعظم توران شاه بن صلاح الدين بن العزيز شادي التسليم للجيش المغولي، فقرر المغول الاستيلاء عليها فسقطت عام 658 هـ الموافق 1260م. نتيجة لهذه الانتصارات المغولية السريعة والحاسمة وما صاحبها من قتل وتدمير، أدرك الناصر يوسف استحالة الوقوف وحده في وجه المغول، فقرر أن يطلب المساعدة من المماليك في مصر، وغادر إلى غزة، فانقضت مملكة الناصر يوسف في ذلك اليوم. لما تقدم المغول نحو دمشق كان المدافعون عنها قد هاجروا، كما أم الناصر لم يحاول حماية المدينة قبل مغادرته، فقرر أعيان المدينة تسليمها لهولاكو، لكن قلعة دمشق امتنعت على الجنود المغول وقاومتهم، فاقتحموها عنوه وهدموها. كانت نهاية الناصر يوسف على يد المغول، فقد قتل في جبال سلماس في [[أذربيجان]] حيث كان في زيارة لهولاكو وحصل منه على اعتراف بحكم بلاد الشام ومصر، وعندما علم بخبر هزيمة المغول في عين جالوت صادفه أثناء عودته بعض من نجا من الجيش المغولي، فقتلوه عام 658 هـ الموافق 1260م، وقتل معه أخوه الظاهر غازي والصالح سيركوه صاحب حمص وعدد من الأمراء.<ref>تاريخ الأيوبيون في مصر وبلاد الشام وإقليم الجزيرة صفحة 409</ref>
 
==== آخر الأمراء الأيوبيين ====
 
نظرًا لاحتلال [[مغول|المغول]] للعراق والشام قام [[سيف الدين قطز]] بعزل المنصور علي واعتلى سدة الحكم، وعندما تقدم المغول نحو فلسطين، تحرك الجيش المملوكي نجاه الشام، وجرت المعركة بين المماليك والمغول عند [[معركة عين جالوت|عين جالوت]]،<ref>[[ابن العماد الحنبلي]] ([[1427 هـ]] - [[2006]]م). قصة التتار من البداية إلى عين جالوت (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمةصفحة 339</ref> وانتصر فيها المماليك، فتقدم قطز نحو بلاد الشام، ودخل دمشق، وكافأ من ناصره من الأمراء الأيوبيون بأن أعادهم إلى إماراتهم بعد أن أخذ عليهم العهود والمواثيق بالطاعة، فأقر الأشرف موسى على [[حمص]] والرحبة و[[تدمر]]، كما أقر المنصور الثاني صاحب [[حماة]] على إمارته،<ref>[[بيبرس الدوادار|بيبرس المنصوري]]، تحقيق عبد الحميد صالح حمدان ([[1995]]م). مختار الأخبار تاريخ الدولة الأيوبية ودولة المماليك البحرية (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. الدار المصرية اللبنانية صفحة 11</ref> أما السعيد حسن صاحب [[بانياس]] الذي تحالف مع المغول فقد قتله قطز. لما تولى ركن الدين بيبرس الحكم خشي قيام ثورة ضده في بلاد الشام من جانب بقايا الأيوبيين، وخشي من طموحات المغيث عمر صاحب الكرك، فعزم على القضاء عليه، وأعد حملة عسكرية من أجل هذه الغاية، لما علم المغيث بنوايا بيبرس كتب إلى الخليفة العباسي في [[القاهرة]] يشفع له، فكتب الخليفة إلى ركن الدين كتاب ستشفعه في المغيث، قأبقاه بيبرس على الكرك. لكن المغيث استمر في عدائه للمماليك فكتب إلى [[هولاكو خان|هولاكو]] في فارس يحثه على مهاجمة الشام،<ref>[[عماد الدين الكاتب|عماد الدين الأصفهاني]] ([[1978]]م). تاريخ دولة آل سلجوق (الطبعة الأولى). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار الآفاق صفحة 77</ref> لما علم بيبرس بذلك تحايل على المغيث عمر حتى أحضره إلى معسكره في بيسان بفلسطين واعتقله، وعقد مجلسًا قضائيًا عرض فيه الكتب المتبادلة بينه وبين هولاكو، كما شهد الرسل الذين حملوا الكتب بذلك، فحصل بيبرس على فتوى تجيز قتله، فقتله عام 661 هـ الموافق 1263م، وضم بيبرس أملاكه، وبذلك تخلص من آخر الأمراء الأيوبيين المناوئين له.<ref>تاريخ الأيوبيون في مصر وبلاد الشام وإقليم الجزيرة صفحة 404</ref><ref>[[ابن خلكان]]، تحقيق إحسان عباس ([[1994]]م). [[وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان]] الجزء السابع (الطبعة الأولى). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار صادر صفحة 42</ref>
 
== أنظمة الدولة ==
سطر 199:
كان السلطان يقيم مع أسرته وحاشيته ورجال بلاطه في [[قلعة صلاح الدين الأيوبي (القاهرة)|قلعة الجبل]]، وهو رئيس الدولة الأعلى الذي له الحق في الهيمنة على شئون الأمراء الخاصة والعامة، وفي تدرجهم الوظيفي، وفي توزيع الإقطاعات والجنود عليهم وتحديد أنصبتهم، وكان على السلطان تعيين موظفى الدولة وعزلهم، وتأديبهم والنظر في المظالم وقيادة الجيوش في الحروب. كان للدولة الأيوبية مجلس شورى تُقَرُّ من خلاله مشروعات الدولة الحيوية كإعلان حرب أو إبرام صلح أو إصلاح لهيكل من هياكل الدولة، وكان هذا المجلس يُسمَّى: مجلس السلطنة، وكان أعضاؤه من كبار موظفى الدولة للاستئناس بآرائهم ومشورتهم قبل الإقدام على تنفيذ المشروعات والخطط، ويتولى أمير المجلس الذي يشبه منصبه منصب كبير الأمناء الآن الأمور الخاصة بمجلس السلطنة، وله حق التصرف في شئون البرتوكول، كما كان يتمتع بالجلوس في حضرة السلطان بحكم هذه الوظيفة.
 
نيابة السلطنة وظيفة استحدثها السلاطين الأيوبيون لأول مرة في التاريخ الإسلامي، واستمرت قائمة بعد ذلك حتى نهاية عصر المماليك، فأصبح النائب كأنه سلطان ثاني، ويشترك مع السلطان في منح لقب الإمارة، وتوزيع الإقطاعات، وتعيين الموظفين، وتوقيع المراسيم والمنشورات، وتنفيذ القوانين، والخروج على رأس فرق الجيش في المواكب الرسمية، يحف به الأمراء عند دخوله أو خروجه من قصر السلطان، وكان يُلقَّب بكامل المملكة الشريفة الإسلامية، لأن من اختصاصاته تصريف أمور الدولة عامة سواء أكان السلطان بالقاهرة أم كان متغيبًا عنها. هناك نوع آخر من النيابة يقول عنه [[تقي الدين المقريزي]]: {{اقتباس مضمن|يقوم النائب فيها بمهام الدولة إذا خرج السلطان إلى الصيد، أو سار على رأس الجيش في حرب خارجية}}. كما اتخذ سلاطين الدولة الأيوبية في مصر وزراء لم يحددوا سلطتهم، ولم يجعلوها مقصورة على التنفيذ، بل جعلوها سلطة مطلقة، فأصبحت الوزارة أعلى الوظائف وأرفعها، وأصبح صاحبها باب الملك المقصود، ولسانه الناطق، ويده المعطاءة.<ref name="منارة الإسلام">[http://www.islambeacon.com/index.php?title=الدولة_الأيوبية الدولة الأيوبية] منارة الإسلام، 15 أبريل 2015. وصل لهذا المسار في 4 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20180212193747/http://www.islambeacon.com:80/index.php?title=الدولة_الأيوبية |date=12 فبراير 2018}}</ref> بلغ من استئثار بعض خلفاء صلاح الدين بالسلطنة أن استغنوا أحيانًا عن وظيفة الوزير، ومن ذلك السلطان العادل الذي استوزر الصاحب صفي الدين بن شكر، ولكنه ما لبث أن تغير عليه فأقاله من الوزارة، وترك المنصب خاليًا دون أن يعين فيه وزيرًا حتى مات، وعندما تولى الكامل بن العادل السلطنة أعاد ابن شكر إلى الوزارة، فلما شعر بأن ابن شكر أساء الأمانة وأحدث حوادث كثيرة وحصَّل مالًا جمًا، عزله وأحاط بجميع موجوده ولم يستوزر بهده أحدًا. بالإضافة لوظيفة الوزير وجدت وظائف سامية في الدولة الأيوبية منها: وظيفة الحاجب: ومهمته إدخال الناس على السلطان، ووظيفة الاستادار: ويفوض إليه النظر غي إدارة البيوت السلطانية،<ref>[[ابن كثير الدمشقي|عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير]]، تحقيق [[عبد الله بن عبد المحسن التركي]] ([[1419 هـ]] - [[1998]]م). البداية والنهاية (الطبعة الأولى) الجزء السابع عشر. [[الجيزة (مدينة)|الجيزة]] - [[مصر]]. هجر للطباعة والنشر والتوزيع صفحة 361</ref> ووظيفة الداودار: ويقوم بإبلاغ الرسائل إلى السلطان والحصول على توقيعه على المراسيم والمناشير السلطانية، ووظيفة الناظر الخاص: وهو المكلف بالشؤون المالية للسلطان.<ref>تاريخ الفاطميين والزنكيين والأيوبيين والمماليك وحضاراتهم صفحة 309</ref>
 
اعتبرت الدولة الأيوبية أن جميع الأقاليم متساوية في التبعية، وانحصر تعيين ولاتها بين أفراد الأسرة الأيوبية، فأخذ أولاد صلاح الدين الأقاليم المهمة والحساسة مثل [[مصر]] و[[دمشق]] و[[حلب]]، والأقاليم الثانوية كانت من نصيب إخوة صلاح الدين وأولادهم، وقد أطلق على جميع أصحاب الأقاليم لقب الملك أو السلطان دون تفريق بين إقليم وآخر. أما الجهاز الإداري فقد اعتمد على مجموعة من الدواوين على رأس كل منها موظف كبير يسمى ناظرًا أو رئيس، من أهم الدواوين الأيوبية: ديوان الجيش، ديوان الأسطول، ديوان المالية، ديوان الانشاء، ديوان الأحباس. يتبع ديوان الانشاء إدارة البريد التي احتل أصحابها مركزًا مرموقًا في هذا العصر. كان لكل ديوان عدد من الموظفين يتبعون الرئيس وينفذون أوامره، بالإضافة لعدد آخر من الوظائف الإدارية، مثل: والي القاهرة، والي الفسطاط.<ref>تاريخ الفاطميين والزنكيين والأيوبيين والمماليك وحضاراتهم صفحة 310</ref>
سطر 209:
=== النظام الاقتصادي ===
[[ملف:Dirham Saladin.jpg|تصغير|250بك|يسار|نقش لصلاح الدين على درهم يعود لقرابة سنة 1190م.]]
كانت الدولة الأيوبية إحدى الدول القوية ذات الاقتصاد القوي، فقد امتلكت ما تركه الفاطميون عقب سقوط دولتهم، ونظمت الخراج والجزية، بالإضافة إلى غنائم حروبها وفدية الأسرى، واستخدمت هذه الموارد لصالح البلاد الإسلامية كافة، وأنفقت على تسليح الجيش وإعداده جزءًا كبيرًا منها، وبنت القلاع والحصون، وقامت بالإصلاحات الداخلية في البلاد. غَيَّر الناصر صلاح الدين النظام الاقتصادي الذي كان سائدًا قبله، وقلل من النظام الإقطاعي، فقضى بذلك على استقلال أمراء الإقطاعات، وقوَّى الحكومة المركزية، فكان لهذا أثره الكبير في ازدهار حالة البلاد الاقتصادية. أولى الأيوبيون [[زراعة|الزراعة]] عنايتهم، فهي عماد حياة البلاد، فطهَّروا الترع، وأقاموا الجسور، ونظموا وسائل الري، لدرجة أن السلطان الكامل كان يراقب المهندسين بنفسه أثناء إقامتهم السدود والخزانات، وغير ذلك من أعمال الرى الخاصة، فنشطت الزراعة دون أن تؤثر الحروب عليها، فقد كانت حروب الأيوبيين تتوقف في سوريا شتاءً، وهو موسم الزراعة في مصر. نشطت التجارة كما ازدهرت الزراعة في العصر الأيوبى، وأصبحت مصر آنذاك همزة الوصل بين تجارة الشرق والغرب، وعقد السلطان العادل معاهدة تجارية مع [[البندقية]] في سنة 605 هـ الموافق 1208م، حصل البنادقة بمقتضاها على تسهيلات تجارية في الموانى المصرية، خاصة [[الإسكندرية]]، في مقابل أن يمنعوا الصليبيين من التقدم نحو مصر، فلما ولي السلطان الكامل حكم البلاد أقر ما اتفق عليه السلطان العادل مع أهل البندقية، وسمح لهم بتأسيس سوق تجارية في الإسكندرية، سُمِّيت سوق الأيك، ومنح الامتيازات نفسها لأهل [[بيزا|بيزة]] الذين أرسلوا قنصلا لهم إلى الإسكندرية، فأدت هذه الخطوات إلى ازدهار التجارة وانتعاش الاقتصاد، وزيادة دخل الدولة.
 
اقتصرت الصناعة في العصر الأيوبي على إنتاج البلاد من المواد الخام، والتي كانت في أغلبها زراعية، أما عدا ذلك من المواد المستوردة فكانت قليلة كالمصنوعات الحديدية والحريرية التي كانت تعتمد على الحرير الشامي الخام. يعد [[نسيج (قماش)|النسيج]] من أهم صناعات مصر في ذلك العصر، حتى أن أنواعًا معينة أحرزت شهرة عالمية مثل قماش الفستان، واحتلت المنسوجات الكتانية مكانة مرموقة بسبب وفرة [[كتان|الكتان]]، وكانت [[تنيس]] تصدر من الأقمشة الكتانية إلى [[العراق]] وحدها بثلاثين ألف دينار سنوياً،<ref>[https://islamport.com/w/amm/Web/3779/9143.htm كتاب موسوعة البحوث والمقالات العلمية] الموسوعة الشاملة. وصل لهذا المسار في 4 أبريل 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20160428113426/http://islamport.com/w/amm/Web/3779/9143.htm |date=28 أبريل 2016}}</ref> يضاف إلى ذلك ازدهار المنسوجات الحريرية الموشاة ب[[ذهب|الذهب]]، كما اشتهرت صناعة الأقمشة الصوفية، أما [[قطن|القطن]] فكان معروفًا في العصر الأيوبي، لكنه بقي أقل جودة من الصناعة الكتانية، وفي ذلك يقول [[أبو منصور الثعالبي|الثعالبي]]: {{اقتباس مضمن|إن القطن لخرسان والكتان لمصر}}. كانت المصانع النسيجية تنقسم إلى قسمين: مصانع حكومية منتشرة مابين الوجه البحري والوجه القبلي وفي مصر الوسطى، ومصانع خاصة تم توزيعها في الطوابق العليا من العمائر الضخمة التي شيدت على النيل خارج [[دمياط]]. ازدهرت في القاهرة صناعة الحفر على الخشب، تتمثل في رائعة قبة الإمام الشافعي، ومحراب ضريخ الملك نجم الدين أيوب، ومن الصناعات التي راجت في العصر الأيوبي صناعة [[ورق|الورق]]، وكانت أهم مراكزها [[طبريا|طبرية]] ودمشق وطرابلس، كما ازدهرت صناعة [[زجاج|الزجاج]] وبالأخص في حلب ودمشق والفسطاط، أما [[خزف|الخزف]] فقد أخذت صناعته تضمحل. كما ازدهرت صناعة [[معدن|المعادن]] و[[فسيفساء|الفسيفساء]].<ref>تاريخ الفاطميين والزنكيين والأيوبيين والمماليك وحضاراتهم صفحة 296</ref>
 
[[ملف:Flax seeds.jpg|تصغير|250بك|يسار|كان الكتان أحد أهم منتجات الدولة الأيوبية في مصر، وأحد أهم صادراتها الخارجية.]]
مرت مصر بانتكاسة اقتصادية في عهد العادل نتيجة انخفاض مياه [[نهر النيل]] الذي ترتب عليه قلة الزراعة، فحدثت المجاعة واشتد القحط، وبذل العادل جهودًا كبيرة لمواجهة هذه الأزمة، فكان يخرج بنفسه أثناء الليل ويوزع الأموال على الفقراء والمساكين والغرباء، ولكن الموقف ازداد سوءًا وتفاقم خطره حين وقع زلزال مروِّع وقت المجاعة هدم كثيرًا من المبانى، وأزهق أرواحًا لا تُحصَى في مصر والشام، ولكن الأوضاع سرعان ماعادت إلى طبيعتها بعد زيادة مياه النيل سنة 601 هـ الموافق 1204م، فزادت الغلال وخفت المجاعة، وانتهى أمر النكبة بعد أن تكاتف الجميع للقضاء عليها وإعادة الاقتصاد إلى سابق عهده.<ref name="منارة الإسلام" />
 
لم يطرأ تغيير كبير على النظام المالي الذي كان سائدًا في مصر منذ [[الدولة العباسية|العصر العباسي]]، فبقيت إيرادات الدولة الرئيسية تنقسم إلى قسمين، [[خراج (ضريبة)|الخراجي]]: وهو مايدفعه المزارع من ضريبة سنوية مفروضة على الأرض التي يقوم بفلاحتها والتي تزرع حبوبًا ونخلًا وعنبًا وفاكهة، وقد أدخل صلاح الدين ما يسمى بالبدل في جميع الخراج، أي أن يؤدي الخراج عينًا فيدفع الفلاح كميات من الشعير أو الحمص بدلًا من القمح. الهلالي: وهو ما يؤخذ من الضرائب على الكلأ وما يصطاد من [[سمك|السمك]] وكان يعرف الهلالي بالمرافق والمعاون. توسعت الضرائب المستندة من الخراجي والهلالي لتشمل أنواعًا عديدة منها: الأحكار: وهي عبارة عن الأجرة المتحصلة من مساحة الأراضي، وضريبة الغروس: وهي الأماكن التي تقع بالاقطاعات ولا تصل إليها المياه واراد بعض الأفراد استئجارها لقاء مبلغ معلوم، والضريبة على الجهات التي توافر فيها [[السنططلح|أشجار السنط]]، فيدفع أهالي تلك المناطق مبلغًا من المال مقابل انتفاعهم بأخشابها، المعادن: فقد تقرر مصادرتها ولا تباع إلا في المتاجر السلطانية بالإسكندرية. من الموارد المالية ضرائب أخرى كالجوالي: وهي ضريبة مفروضة على أهل الذمة، وأموال المواريث، متحصلات ديوان الأوقاف، والضريبة المفروضة على التجار الأجانب القادمين إلى مصر، ضريبة المكوس المفروضة على الحجاج، لكن صلاح الدين رفعها أما سخط الناس.<ref>صلاح الدين الفارس المجاهد والملك الزاهد المفترى عليه صفحة 388</ref><ref>[[علي الصلابي|علي محمد الصلابي]] ([[1429 هـ]] - [[2008]]م). صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس (الطبعة الثانية). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع صفحة 346</ref> بالرغم من تعدد إيرادات الدولة وتنوع مواردها إلا أن أبواب المصروفات كانت عديدة مما أدى إلى وقوع البلاد في أزمة مالية، لكن صلاح الدين استطاع تدارك الموقف وأصدر عملة ذهبية كاملة العيار،<ref>[[أنور محمود زناتي]] ([[2011]]م). مجمع مصطلحات التاريخ والحضارة الإسلامية (الطبعة الأولى). [[عمان (مدينة)|عمان]] - [[الأردن]]. دار زهران للنشر والتوزيع صفحة 168</ref> لكن هذا الاستقرار المالي لم يدم طويلًا بسبب أعباء الحروب المضنية بين الصليبيين والأيوبيين، فقام صلاح الدين بإصدار عملة نصفها من [[فضة|الفضة]] ونصفها الآخر من [[نحاس|النحاس]]، مما دفع الناس للاحتفاظ بما لديهم من [[ذهب|الذهب]]، فانحطت عملية البيع والشراء، مما اضطر الملك الكامل إلى إصدار دراهم نحاسية.<ref>تاريخ الفاطميين والزنكيين والأيوبيين والمماليك وحضاراتهم صفحة 312</ref>
 
=== النظام العسكري ===
==== الجيش ====
 
أسهمت الحملة الشامية النورية في نشوء الجيش الأيوبي سواءً في عهد وزارة شيركوه وصلاح الدين، وقد تطورت وتوسعت قدرات الجيش إلى حد كبير بعد القضاء على [[الدولة الفاطمية|الخلافة الفاطمية]]، يقول [[تقي الدين المقريزي|المقريزي]]: {{اقتباس مضمن|في مستهل عام 567 هـ / 1171م ومع القضاء على الخلافة الفاطمية ˆجرى عرض عسكري اشترك فيه مختلف صنوف الجيش الصلاحي قديمها وحديثها بأسلحتها وخيولها وعدتها ˆالحربية، وقد دُعي إلى مشاهدة العرض رُسل البيزنطيين والصليبيين}}، ˆويضيف: {{اقتباس مضمن|في عام 577 هـ/ 1181م قام صلاح الدين بالنظر في أمور جيشه لمعرفة الزيادة والنقصان الحاصلة في جنده، واستقرت العدة على ثمانية آلاف وستمائة وأربعˆ في عدد جنده، وستة آلاف وتسعمائة وستة سبعين طواشياً، أما القراغلامية فكان تعدادهم ألفاً وخمسمائة وثلاثة وخمسينˆ}}، وبلغت نفقات الجيش السنوي (3.670.000) دينار.<ref>محسن محمد حسين ([[2002]]م). الجيش الأيوبي في عهد صلاح الدين (الطبعة الأولى). [[أربيل]] - [[كردستان]]. دار ئاراس للطباعة والنشر صفحة 68</ref> بدأ صلاح الدين بعد وصوله إلى بلاد الشام بكسب تأييد بقايا الجيش النوري في دمشق، واستطاع أن يخلق منه جيشًا شاميًا تابعًا له يلازمهˆ في تحركاته، وبهذا صارت لصلاح الدين قوتان: قوة مصرية احتياطية لجيش الشام يستخدمها لدى الحاجة الشديدة إليا وللدفاع عن مصر ضد عدوان خارجي محتمل، وهذه القوة هي امتداد للجيش النوري القادم من الشام تحت قيادة شيركوهˆ، والذي كان قوامه ثمانية آلاف فارس وآلاف أخرى من المشاة، ثم انضمت إليها جماعات حتى تضاعف حجمها، ثم قوة أخرى شامية تحت تصرفه المباشر، وهي التي ترافقه في تحركاته العسكرية، وكان مركزها [[دمشق]]، ˆوضمت هذه القوة بالدرجة الأولى قوات جيش نورالدين محمود.
 
[[ملف:L'armée de Saladin.jpg|تصغير|300بك|رسم إفرنجي من سنة 1337م يُظهر الجيش الأيوبي.]]
شكل صلاح الدين جيشه من المماليك الأسدية القدماء، وسائره من الأحرار الأكراد الذين دخلوا مصر في حملة شيركوه الثالثة، فضلًا عن المماليك الأتراك الذين اشتراهم لنفسه وسماهم الصلاحية نسبة إلى اسمه وعهد بقيادتهم إلى الأمير أبي الهجاء، صار الصلاحية والأسدية الحرس الخاص لصلاح الدين. تنقسم تشكيلات الجيش الأيوبي إلى ثلاث فئات، الفئة الأولى: تتألف من الترك والأكراد والتركمان، وكانوا يحصلون على رواتبهم كاملة، الفئة الثانية: تتألف من الكنانية والعساقة الذين هاجروا من جنوب [[فلسطين]] بعد سقوط [[عسقلان]] في يد الصليبيين، وانضم إليهم من ماثلهم من الأجناد القادمين من خارج مصر، وهؤلاء يحصلون على نصف الراتب، الفئة الثالثة: تتألف من الجند الذين يخدمون في الإسطول البحري، ولا يحصلون إلا على ربع الراتب. يُضاف إلى هذه الفئات الثلاث فرقة من المتطوعين [[تركمان|التركمان]] و[[كرد|الأكراد]] و[[عرب|العرب]]، وكانوا بمثابة جند غير نظاميين، يعملون مقابل ما يتقاضونه من أجور. أنشأ صلاح الدين ديوانًا للجيش، وجعله مسؤلًا عن الشؤون الخاصة بالجيش، فكان هذا الديوان بمثابة وزارة الدفاع في وقتنا الحاضر. اتخذ صلاح الدين عدة خطوات اصلاحية لتدعيم جيشه، أولًا: لجأ إلى تعميم نظام الاقطاع الحربي، أي أنه صار لكل من كبار الأمراء والقادة إقطاع مقابل ما يقدمونه من العساكر، وقد سمي الديوان الذي يشرف على شؤون الجيش بديوانˆ الاقطاع، وهذا يدل على مدى اعتماد التنظيم العسكري الأيوبي على النظام الاقطاعي، ولم يكن هذا الاقطاع وراثيًا بالمعنى الحقيقي للكلمة، إلا أنه كان يحدث أن يورث الأمير اقطاعيته لابنه الأكبر الراشد، وإذا كان ابنه قاصرًا رتب له السلطان معه رجلًا يثق إليه فيتولى أمره إلى أن يكبر، ويكون هذا الرجل بمثابة أتابكًا له، ولم يشمل الإقطاع كافة الامراء بل كان يشمل الذين عرفوا بشجاعتهم ونكايتهم بالعدو. ثانيًا: أرسل أخوه ثوران شاه سنة 569 هـ الموافق 1174م إلى [[اليمن]] على رأس جيش كبير كي يقع عبئه على كاهل تلك الديار، ثالثًا: تخلص صلاح الدين بشكل كبير ممن تبقى من جند الفاطميين الذيم دخلوا جيشه، فبعث بهم إلى أقصى بلاد الصعيد. أعاد صلاح الدين تنظيم جيشه عدة مرات، حيث أن الجيش الأيوبي لم يبق على حال واحد من الكثرة العددية والنفقات طوال العصر الأيوبي، فبعد انتهاء مرحلة الجهاد ضد الصليبيين وعقد صلح الرملة، سرح صلاح الدين أكثر من نصف العساكر المصرية، ثم ازداد الجيش وارتفعت نفقاته أيام السلطان الكامل عندما وقعت [[الحملة الصليبية الخامسة]]. لم يستخد صلاح الدين كل الجيش في حملاته على الشام، لأنه كان مقتنعًا بخطر الصليبيين الداهم لمصر، فاضطر إلى الاستغناء عن نصف الجيش وابقائه داخل البلاد، كانت المرة الوحيدة التي أرسل فيها قسم كبير من جيشه في مصر إلى الشام أثناء حملته على الرملة وما أصابه من هزيمة قاسية.<ref>تاريخ الفاطميين والزنكيين والأيوبيين والمماليك وحضاراتهم صفحة 316</ref>
 
==== البحرية ====
[[ملف:Capture of the El Gamo.jpg|تصغير|300بك|يسار|نموذج أسباني لسفينة الحراقة رسم عام 1801م، والتي كان الأيوبيون يستخدمونها بشكلٍ كبير.]]
عند قيام الدولة الأيوبية كان الأسطول المصري في حالة من الضعف والعجز نتيجة ما تعرض له من الهدم والضرب في أواخر [[الدولة الفاطمية|العصر الفاطمي]] جراء هجمات الأساطيل الصليبية المتكررة على سوحل بلاد الشام. أدرك صلاح الدين هذا الانهيار منذ بداية حملته الأولى على مصر وحصار الصليبيين للإسكندرية وما ترتب عليه من تقهقر قواته داخل المدينة. اهتم صلاح الدين بالأسطول البحري فأنشأ له ديوانًا خاصًا للإنفاق عليه باسم ديوان الأسطول، وخصص للديوان موارد هامة منها متحصلات إقليم الفيوم وإيراد ديوان الزكاة، فضلًا عن حصيلة النطرون وخراج السنط، تولى ديوان الأسطول الإنفاق على المشتغلين بالأسطول وعلى النفقة على دور الصناعات حيث كانت تصنع السفن في مصر في [[الفسطاط]] و[[الإسكندرية]] و[[دمياط]]، كما كان في الإسكندرية ديوان سُمي بالمتجر السلطاني، عمله شراء البضائع المستوردة التي تحتاجها الدولة لأغراض عسكرية، ولا سيما في بناء السفن. في سنة 567 هـ الموافق 1172م عمل صلاح الدين على تحسين أحوال رجال الأسطول، فرفع أجورهم لتشجيع الناس على الخدمة بالأسطول، ثم لجأ إلى جمع الموارد الازمة ببناء السفن، فاحتكر غابات أشجار السنط، واعتبرها كأنها معادن ليس لأحد فيها ملك واختصاص فهي لبيت المال،<ref>الجيش الأيوبي في عهد صلاح الدين صفحة 205</ref> لم يكتفي صلاح الدين بالخشب المحلي في مصر، بل استعان بأخشاب [[صنوبر|الصنوبر]] التي استوردها من جبال الشام، فضلًا عن [[حديد|معدن الحديد]] الذي كان يستخرج من بعض المناطق القريبة من [[بيروت]]، كما عقد معاهدات تجارية مع حكومات إيطاليا ([[البندقية]]، [[بيزا]]، [[جنوة]]) حصل بمقتضاها على حاجته من الحديد والخشب والشمع.<ref>دراسات العلوم الانسانية والاجتماعية ([[2015]]م). الباحثة فوزية خالد الطواهية، النشاط التجاري وحركة الأسعار في مصر زمن الأيوبيين (المجلد 42، العدد 2). [[عمان (مدينة)|عمان]] - [[الأردن]]. صفحة 294</ref> بفضل هذه الامكانيات أصبح الأسطول الأيوبي قوة كبيرة مزودة بالأبراج والقلاع التي تحمل الواحدة منها 150 رجلًا وتصلح في حالات الهجوم والدفاع، وعشرون طرادة وهي سفن الحركة. قسم صلاح الدين الأسطول لقسمين، الأول: يتألف من ثلاثين سفينة مهمتها حماية شواطيء مصر والدفاع عنها، الثاني: يتألف من ثلاثين سفينة مهمتها مهاجمة الصليبيين وموانيهم بالشام. أرفق الأيوبيون اهتمامهم بالأسطول بتقوية أجهزة الدفاع والحراسات الساحلية كالرباطات والمحارس والمناور والمناظر المعتمدة على طول سواحل مصر والشام، وأصدر صلاح الدين مرسومًا يقول فيه: {{اقتباس مضمن|إن مرسومنا الشريف اقتضى الاجتهاد في حفظ السواحل والموانيء والاهتمام بأمرها}}.<ref>تاريخ الفاطميين والزنكيين والأيوبيين والمماليك وحضاراتهم صفحة 318</ref> أما السفن التي استعملت في عصر الدولة الأيوبية فهي: الطريدة: وكانت خاصة بحمل الخيل، وقد امتازت بكبر حجمها بحيث تستطيع أن تحمل أربعين فرسًا، وهي تختلف عن الطرادة التي كانت صغيرة الحجم سريعة الجريان، الشيني: وهي من السفن الكبيرة التي استعملت لحمل المقاتلين، بلغت سعتها حوالي مئة وأربعين مجدافًا، البسطة: وهي ضرب من المراكب الحربية الكبيرة، تتسع لزهاء 700 جندي، وقد لعبت هذه السفن دورًا كبيرًا في الحروب مع الصليبيين، [[حراقة (سفينة)|الحراقة]]: استعمل هذا النوع من السفن في النقل، وهي سفينة متوسطة تتسع لحوالي مئة جندي، المسطح: نوع كبير من المراكب ذات طابقين مسقوفين يقاتل الجنود على ظهرها والجدافون يجدفون من تحتها، الحمالة: وهي من السفن الخاصة بحمل المؤونة، البركوس: وهي من السفن الصغيرة، ومهمتها الأساسية نقل [[ماء|المياة]]، الشلندي: مركب حربي مهمته نقل المقاتلة والأسلحة.<ref>الجيش الأيوبي في عهد صلاح الدين صفحة 210 - 214</ref>
 
بعد أن أتم صلاح الدين استعداداته الحربية، بدأ الأسطول بعملياته البحرية، فتوغل المسلمون في البحر حتى وصلوا إلى أطراف [[بيزنطة]]، وإلى [[قبرص]] و[[كريت]] والسواحل الجنوبية لآسيا الوسطى، كما قام بعمليات ناجحة ضد الصليبيين بساحل الشام، امتدت حتى [[أرواد|جزيرة أرواد]]، واستولى على سفينتي شحن. قام الأيوبيون عام 575 هـ الموافق 1179م بمهاجمة ميناء عكا واستولوا على عدد من السفن، وظلوا في الميناء يومين كاملين. في المقابل قام الصليبيون بإنزال بحري قرب آيلة، وشرعوا في مهاجمة الموانيء المصرية وخاصة عيذاب، وقامت معركة بحرية بين الطرفين وانتصر فيها قائد الأسطول المصري [[حسام الدين لؤلؤ]].<ref>[[محمد رجب البيومي]] ([[1418 هـ]] - [[1998]]م). صلاح الدين الأيوبي قاهر العدوان الصليبي (الطبعة الأولى). [[دمشق]] - [[سوريا]]. دار القلم صفحة 123</ref> ازدادت فعالية الأسطول البحري بعد معركة حطين، فساعد في الاستيلاء على بعض الموانيء الهامة في بلاد الشام مثل هكا التي رابطت عندها قوة بحرية اسلامية مؤلفة من عشر سفن لمراقبة المسالك المؤدية لفلسطين.<ref>أنور عبد العليم ([[1979]]م). الملاحة وعلوم البحار عن العرب (الطبعة الأولى). [[مدينة الكويت]] - [[الكويت]]. عالم المعرفة صفحة 85</ref>
 
بعد وفاة صلاح الدين كان موقف خلفائه مناقضًا لنهجه في إدارة الأسطول، فضعف وأُهمل، وأصبحت مصر عاجزة عن مقاومة حملات الصليبيين المتكررة: [[الحملة الصليبية الخامسة]] و[[الحملة الصليبية السابعة]]. أدرك بني أيوب غلطتهم في اهمال الأسطول، وظهر واضحًا في وصية الصالح نجم الدين أيوب لابنه توران: {{اقتباس مضمن|فالأسطول أحد جناحي الإسلام فينبغي أن يكونوا شباعًا، ورجال الأسطول إذا أطلق لهم كل شهر عشرين درهم مستمرة راتبه، جاؤوا من كل فج عميق}}. يقول المقريزي: فلما مات صلاح الدين يوسف بن أيوب استمر الحال في الأسطول قليلًا، ثم قل الاهتمام به وصار لا يفكر في أمره إلا عند الحاجة إليه.<ref>ل.أ. سيميونوفا، ترجمة حسن بيومي ([[1998]]م). صلاح الدين الأيوبي والمماليك في مصر (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. المجلس الأعلى للثقافة صفحة 260</ref>
سطر 238:
{{مفصلة|الخلافة العباسية}}
[[ملف:Ayyubid Dynasty ar.png|تصغير|300بك|يسار|الدولة الأيوبية ومدى اتصال حدودها بالخلافة العباسية.]]
تراوحت العلاقة الأيوبية مع الخلافة العباسية بين الجيدة والفتور، بدأ صلاح الدين علاقته الجيدة مع العباسيين عندما كان وزيرًا للخليفة العاضد، فقد طلب منه الخليفة العباسي أن يقطع الخطبة للفاطميين ويدعوا للعباسيين على منابر مصر. عندما أراد صلاح الدين توحيد بلاد الشام ومصر تحت مظلته، كتب للخليفة العباسي بين جهوده للتصدي للصليبيين ويبرر سبب ضمه لليمن وضرب المهدي المبتدع، ورجائه من الخليفة أن يقلده سلطنة [[مصر]] و[[المغرب]] و[[بلاد الشام|الشام]] و[[اليمن]]، وقد استجاب الخليفة العباسي لذلك وأرسل إليه رسل دار الخلافة تحمل التشريفات والتقليد والتملك والتفويض. رغم علاقة الخلافة العباسية الجيدة مع صلاح الدين، إلا أن الخليفة لم يمنحه تقليدًا بولاية [[الموصل]]، وكان صلاح الدين وجه رسائل عدة إلى [[بغداد]] تطالب بتقليد إمارة الموصل، وكل ما استطاع الحصول عليه هو تقليد بإمارة [[ديار بكر (منطقة)|ديار بكر]]. لم يؤدي هذا الرفض بخلع صلاح الدين الطاعة العباسيين، واستمر بمراسلتهم، وأطلع الخليفة العباسي على انتصاراته في [[معركة حطين]]، وخاطبه بالخادم يشرح من نبأ هذا الفتح العظيم والنصر الكريم. في عام 587 هـ الموافق 1191م وصل كتاب الخليفة العباسي إلى صلاح الدين ينكر ما قام به ابن أخيه تقي الدين عمر في شمالي الجزيرة الفراتية من مهاجمة [[اخلاطأخلاط|خلاط]]، وطلب منه إرسال القاضي الفاضل للتباحث بشأن توضيح بعض القضايا، فأجاب صلاح الدين بأنه غير راضي عن تصرفات ابن أخيه، واعتذر عن إرسال القاضي الفاضل إلى بغداد لأنه كان مريضًا، وكانت هذه المراسلة بداية فتور العلاقة بين الأيوبيين والعباسيين.<ref>تاريخ الأيوبيون في مصر وبلاد الشام وإقليم الجزيرة صفحة 89</ref>
 
استمرت علاقة الدولتين بالفتور حتى مقتل توران شاه وسقوط الدولة الأيوبية، حيث سيَّر الناصر يوسف الوريث القوي للأيوبيين في الشام جيشًا إلى مصر لقتال المماليك بقيادة السلطان عز الدين أيبك الذي آلت إليه مراسيم حكم مصر، هُزم الناصر يوسف في معركة العباسة التي دارت بين الطرفين، فاتفق أيبك مع الملك الفرنسي لويس التاسع أن يساعده ضد الناص أيوب مقابل تسليم القدس، عندها تدخل الخليفة العباسي [[عبد الله المستعصم بالله|المستعصم بالله]] بين أيبك والناصر عام 651 هـ الموافق 1253م بحيث تكون مصر وجنوبي فلسطين بما فيها غزة للمماليك، وتكون بقية بلاد الشام للأيوبيين.<ref>[[محمود شاكر (مؤرخ)|محمود شاكر]] ([[1421 هـ]] - [[2000]]م). التاريخ الإسلامي الجزء السابع العهد المملوكي (الطبعة الثاني). [[بيروت]] - [[لبنان]]. المكتبة الإسلامية صفحة 24</ref><ref>سامي عبدالله المغلوث ([[1434 هـ]] - [[2013]]م). أطلس تاريخ العصر المملوكي (الطبعة الأولى). [[الرياض]] - [[السعودية|المملكة العربية السعودية]]. مكتبة العبيكان صفحة 22</ref>
 
=== الدولة السلجوقية ===
{{مفصلة|الدولة السلجوقية}}
 
كان السلطان [[قلج أرسلان الثاني|عز الدين قلج أرسلان الثاني]] يرغب في ضم رعبان وكيسوم بهدف التوسع نحو الجنوب، فأرسل رسولًا لصلاح الدين يطالبه بالحصنين بحجة أنهما كانا سابقًا من أملاك سلاجقة الروم ضمهما والده [[ركن الدين مسعود|مسعود]] ثم اضطر أن يتنازل عنهما لنور الدين محمود. رفض صلاح الدين طلب قلج، الذي قام بمهاجمة رعبان عام 575 هـ الموافق 1179م، لما علم صلاح الدين بالهجوم أرسل قوات نحو المعسكر السلجوقي بقيادة المظفر تقي الدين عمر، انتهت بهزيمة السلاجقة وتثبيت حكم صلاح الدين للحصن.<ref>[https://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&paragraphid=&bk_no=126&ID=3133&Books=&start= كتاب الكامل في التاريخ ثم دخلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة] المكتبة الإسلامية. وصل لهذا المسار في 11 أبريل 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20190226014858/http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&paragraphid=&bk_no=126&ID=3133&Books=&start= |date=26 فبراير 2019}}</ref> في السنة التالية نشب نزاع بين قلج وصلاح الدين بسبب مشكلة عائلية مع صاحب كيفا، حيث هاجم قلج [[حصن كيفا]]، فقام صاحبه نور الدين محمد بطلب المساعدة من صلاح الدين، تقابل الجيشان عند نهر كوك سو، لكن الطرفان جنحا للصلح، فتم الاتفاق المهم بمساعدة صلاح الدين للسلاجقة في حربهم ضد [[أرمن|الأرمن]] في [[قيليقية|كيليكية]].
 
[[ملف:Kayqubad.jpg|تصغير|350بك|يسار|تمثال للسلطان السلجوقي علاء الدين كيقباد الذي اتحد مع الأيوبيين في هزيمة الخوارزميين، ثم تحالف مع الخوارزميين لقتال الأيوبيين.]]
عندما أرسل الغرب الأوروبي حملته الصليبية الثالثة كان الإمبراطور الألماني [[فريدرش الأول بربروسا|فريدريك بربروسا]] أحد المشاركين فيها، وحتى يمهد لحملته أرسل رسائل للملوك والأمراء والسلاطين الذين سوف تجتاز حملته بلادهم، ومنهم السلطان قلج أرسلان الثاني، الذي رد عليه يعده بالمساعدة، في حين قام الإمبراطور البيزنطي بإرسال بعثة إلى [[ألمانيا]] تعد باجتياز الحملة الأراضي البيزنطية، وفي الوقت نفسه أدت مخاوفه إلى سعيه لمحالفة صلاح الدين ضد فريدريك وقلج، فتعهد له صلاح الدين بوضع الأماكن المقدسة النصرانية في بلاد الشام تحت رعاية رجال الدين الأرثوذكس. عندما وصل الإمبراطور فريدريك [[البلقان]] أرسل الإمبراطور البيزنطي رسالة لصلاح الدين تعده بعدم تمكينه من عبور بلاده، لكن فريدريك اجتاز الأراضي البيزنطية ووصل داخل هضبة الأناضول السلجوقية، وقام قلج بتزويد الجيش الألماني بالمؤن وحراستها داخل الأراضي السلجوقية حتى وصلت الحملة أرض الشام. لما آلت السلطة السلجوقية ل[[كيكاوس الأول|عز الدين كيكاوس]] في عهد الملك الأيوبي العادل، طمع بالسيطره على [[حلب]]، فأرسل جيش تقابل مع الجيش الأيوبي على مشارف حلب، انتهت المعركة بهزيمة السلاجقة، فقام عز الدين بسحب جيشه واسترد الجيش الأيوبي بلدة تل باشر ورعبان وتل خالد وبرج الرصاص التي خسرها قبل معركة حلب.<ref>تاريخ الأيوبيون في مصر وبلاد الشام وإقليم الجزيرة صفحة 95</ref>
 
لما نجح جلال الدين الخوارزمي في إعاد إحياء [[خوارزميون|الدولة الخوارزمية]] قام بمهاجمة بغداد، ثم تحالف مع بعض الأمراء الأيوبيين على مهاجمة حلب وإقليم الجزيرة، قرر السلطان السلجوقي [[كيقباد الأول|علاء الدين كيقباد الأول]] التحالف مع الأيوبيين في مواجهة الخوارزميين، نتج عنها وقوع معركة بين الطرفين في منطقة قريبة من خلاط عام 627 هـ الموافق 1230م، انتهت بهزيمة الخوارزميين وانسحابهم إلى [[أذربيجان]]. لم يستمر التحالف السلجوقي الأيوبي طويلًا، فقام كيقباد الأول بالاستيلاء على خلاط وتوغل في بلاد الأرمن ودخل [[تبليسي|تفليس]]، كما قام بضم العساكر الخوارزمية بعد سقوط الدولة الخوارزمية بيد المغول، تحرك الملك الكامل بجيشه الأيوبي نحو بلاد السلاجقة، ووقعة بين الطرفين حاسمة انتهت بهزيمة الجيش الأيوبي، واستطاع السلاجقة من السيطرة على حصن زياد القريب من [[الفرات|نهر الفرات]].<ref>[[جرجس بن العميد|المكين جرجس بن العميد]] ([[1998]]م). أخبار الأيوبيين (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. مكتبة الثقافة الدينية صفحة 19</ref> في عام 633 هـ الموافق 1236م قام الملك الكامل بمهاجمة بلاد السلاجقة واستعاد [[أورفة|الرها]] و[[حران (تركيا)|حران]]. استمر تمدد السلاجقة في بلاد الأيوبيين حتى توطد حكمهم في إقليم الجزيرة وسيطرتهم على [[آمد]]<ref>تاريخ الأيوبيون في مصر وبلاد الشام وإقليم الجزيرة صفحة 340</ref>
 
=== الإمبراطورية البيزنطية ===
[[ملف:Isaac II Angelos.jpg|تصغير|200بك|يسار|رسم تخيلي للإمبراطور البيزنطي إسحاق الثاني أنجيلوس الذي وقع مع صلاح الدين معاهدة تعاون.]]
انتهت بوفاة الإمبراطور البيزنطي [[مانويل كومنينوس]] مرحلة التعاون البيزنطي الصليبي، وبدأت مرحلة التعاون مع الأيوبيين، ففي عام 577 هـ الموافق 1181م أرسل إمبراطور بيزنطة [[أندرونيكوس الأول كومنينوس]] مبعوثًا إلى القاهرة لعقد صلح مع صلاح الدين، وكان ذلك قبيل مجيء الحملة الصليبية الثالثة، كان الهدف من الاتفاق هي مقاومة الاتين بشكل عام وسلاجقة الروم بشكل خاص. في عام 581 هـ الموافق 1185م أرسل أندرونيكوس سفارة إلى صلاح الدين يعرض عليه قيام تحالف بينهما على: أن يتعاون الطرفان في قتال مملكة بيت المقدس، ويتعاون الطرفان في مناوأة السلاجقة، ويبذل الإمبراطور البيزنطي المساعدة لصلاح الدين في نضاله ضد الصليبيين في بلاد الشام. لكن هذا الاتفاق لم يكتب له النجاح بسبب خلع الإمبراطور البيزنطي قبل أن يصل رد صلاح الدين. تولى الإمبراطور [[إسحاق الثاني|إسحاق الثاني أنجيلوس]] السلطة في القسطنطينية وواصل سياسة التقارب مع صلاح الدين، وأقرت بين الطرفين المعاهدة التي بدأها أندرونيكوس .<ref>البير شاندور، ترجمة سعيد أبو الحسن ([[1993]]م). صلاح الدين الأيوبي البطل الأنقى في الإسلام (الطبعة الثانية). [[دمشق]] - [[سوريا]]. دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر صفحة 264</ref> عندما انتصر صلاح الدين في حطين أرسل سفارة إلى الإمبراطور البيزنطي تخبره بهزيمة الصليبيين في الشام، رد صلاح الدين بسفارة مماثلة جدد فيها المحالفة مع صلاح الدين. عندما بدأت أخبار تجهيز [[الحملة الصليبية الثالثة]] في الظهور أرسل صلاح الدين سفارة إلى بيزنطة بشأن قيام تحالف عسكري بين الدولتين للتصدي للغزو الصليبي، أرسل فريدريك بربروسا قائد الحملة رسالة إلى بيزنطة تخبرهم بعزمه اجتياز أراضيها وتقديم مايلزم للانتقال لشواطيء الشام، قام إسحاق الثاني بعقد معاهدة بينه وبين فريدريك في [[أدرنة]] يتعهد بموجبها بحماية السفن وتأمين المؤن للجيش الصليبي، ثم كتب لصلاح الدين رسالة يعتذر فيها عن قيامه بالسماح للصليبيين بعبور الأراضي البيزنطية. في عام 587 هـ الموافق 1191م أرسل إسحاق الثاني رسالة إلى صلاح الدين يطلب منه أن يجعل له الإشراف على بيت المقدس، وأن يشترك معه في الهجوم على [[قونية]] عاصمة السلاجقة، لكن صلاح الدين رفض أن يكون لمذهب من المذاهب السيادة على بيت المقدس. كانت الحملة الصليبية الرابعة تستهدف غزو الأراضي المقدسة عبر مصر وذلك عام 1202م، لكن في عام 1204م تحول نظر الصليبيين عن مهمتهم في الأرض المقدسة، فحاصروا المدينة الأرثوذكسية الشرقية [[القسطنطينية]]، فاحتلوها لستين عامًا.<ref>نصري ذياب خاطر ([[2011]]م). تاريخ أوروبا الحديث (الطبعة الأولى). [[الرياض]] - [[السعودية|المملكة العربية السعودية]]. الجنادرية للنشر والتوزيع صفحة 31</ref><ref>زبيدة محمد عطا ([[1968]]م).الشرق الإسلامي والدولة البيزنطية زمن الأيوبيين (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. جامعة القاهرة صفحة 155</ref> من نتائج العلاقة الجيدة بين البيزنطيين والأيوبيين أنه في عام 577 هـ تم فتح الجامع الإسلامي في القسطنطينية، وإطلاق مئتي أسير مسلم فيها.<ref>[[علي الصلابي|علي محمد الصلابي]] ([[1429 هـ]] - [[2008]]م). صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس (الطبعة الثانية). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع صفحة 511</ref>
 
=== دولة الموحدين ===
{{مفصلة|الموحدون}}
أرسل صلاح الدين قائده [[بهاء الدين قراقوش]] لإخضاع المغرب الأدنى تحت الحكم الأيوبي، رأى الموحدون أن اجتياح قراقوش لأفريقيا يشكل تهديدًا خطيرًا لوجودهم، تجسد هذا الخطر من خلال الحلف الذي انعقد بين قراقوش والقبائل العربية في المغرب الأدنى ووقوع العديد من المدن في قبضة القبائل العربية التي أعلنت ولائهم للخلافة العباسية، ودعت للخليفة في المنابر، عندها دارت معارك وصراع طويل بين الموحدين من جهة والقبائل العربية المدعومة من الأيوبيين من جهة أخرى. كان دخول قراقوش لأفريقيا قد أساء إلى العلاقات بين الدولتين، وجعلت من امكانية التعاون بينهما يكاد يكون مستحيلًا. بعد الانتصار الذي حققه صلاح الدين في حطين واستعادته بيت المقدس، أخذت أوروبا في التحضير لحلف صليبي كبير يضم [[فرنسا]] و[[ألمانيا]] و[[إنجلترا]] و[[بيزا]] و[[جنوة|جنوى]] بالإضافة لأوروبا الشرقية لاستعادة القدس، وبدؤوا في تسيير [[الحملة الصليبية الثالثة]]، هذا الموقف الخطير دفع بصلاح الدين لمخاطبة الخليفة العباسي للحضور بنفسه أرض الشام لبث الحماس في نفوس الجنود المرابطين فيها، ولما شعر صلاح الدين بأهمية الأساطيل البحرية تطلع نحو المغرب آملًا في اسهام الموحين في الوقوف بوجه أساطيل أوروبا والحيلول دون وصولهم الشام.
[[ملف:شيخ الجبل راشد الدين سنان.jpg|تصغير|200بك|يسار|رسمة تخيلية لشيخ الجبل راشد الدين سنان زعيم الحشاشين في الشام، والذي حاول اغتيال صلاح الدين الأيوبي مرتين الأولى: عام 1174م، والثانية: عام 1176م.]]
قام صلاح الدين بارسال رسالة إلى يعقوب المنصور يطلب منه المساعدة في تخفيف الضغط الصليبي على الشام موضحًا أهمية منع السفن والاساطيل الأوروبية إلى الشام وأن الأمل معقود على الأسطول الموحدي، واقترح على يعقوب أن يعهد إلى واليه في تونس القيام بهذه المهمة، ومما جاء في الرسالة:{{اقتباس مضمن|وما اختص بالاستعانة إلا لأن العدو جاره والجار أقدر على الجار، ولأنه بحر والنجدة بحرية}} لم تسفر سفارة صلاح الدين إلى الموحدين عن أية نتائج، أما عن سبب رفض الخليفة الموحدي لنجدة صلاح الدين فيقول [[ابن خلكان]]: {{اقتباس مضمن|لم يخاطبه بأمير المؤمنين بل خاطبه بأمير المسلمين، فعز ذلك عليه، ولم يجب إلى ما طلب منه}}.<ref>مجلة المؤرخ العربي ([[1409 هـ]] - [[1988]]م). رشيد عبد الله الجميلي، العلاقات السياسية بين الأيوبيين والموحدين في المغرب الأقصى (العدد 35 السنة الرابعة عشرة). [[بغداد]] - [[العراق]]. صفحة 170</ref><ref>عدنان زهران ([[2008]]م). نهضة الأمة بين عوامل الانحدار وسبل الارتقاء نظرة تاريخية تحليلية ومقارنة معاصة (الطبعة الأولى). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار زهران للنشر والتوزيع صفحة 142</ref>
سطر 264:
=== الحشاشون ===
{{مفصلة|الحشاشون}}
انقسمت الطائفة الإسماعيلية بعد وفاة الخليفة الفاطمي [[المستنصر بالله الفاطمي|المستنصر]] إلى فرقين: النزارية التي اعتقد أتباعها بأحقية ابنه الأكبر نزار بالخلافة، وقد فروا إلى الشرق وكان على رأسهم [[حسن الصباح|الحسن بن الصباح]] الذي أسس في بلاد فارس ما يُعرف بالفرقة النزارية وغلب على اتباعه اسم الحشيشية أو الباطنية، والفرقة الثانية هي المستعلية أتباع المستعلي الابن الثاني للمستنصر. حين وصل الحسن بن الصباح إلى بلاد فارس بدأ بنشر دعوته إلى نزار مخططاً لإنشاء دولة إسماعيلية جديدة في المشرق الإسلامي، قام اتباع الحسن بن الصباح بسلسلة عمليات اغتيال كان ضحيتها الكثير من رجال الدولة العباسية وأمرائها، وتوسعت الحركة الإسماعيلية وامتلكوا عدة حصون هامة في بلاد الشام، مثل: القدموس والعليقة والكهف و[[مصياف]] وغيرها.
 
أرسلت القيادة الإسماعيلية في [[قلعة ألموت|قلعة الموت]] إلى [[سنان شيخ الجبل]] ليتولى زعامة الإسماعيلية في بلاد الشام، نَقَم الحشاشون على صلاح الدين الأيوبي لأنه أسقط الخلافة العبيدية الفاطمية، ففي عام 570 هـ الموافق 1174م أرسل رشيد الدين سنان جماعة من أتباعه الفدائيين إلى المعسكر الأيوبي في حلب فاكتشفهم أمير يدعى خمارتكين فقتلوه، ووصلوا إلى خيمة صلاح الدين وحمل عليه أحدهم ليقتله فقتل دونه، واستبسل الباقون في الدفاع عن أنفسهم قبل أن يُقتلوا جميعًا. قام رشيد الدين عام 571 هـ الموافق عام 1176م بإرسال جماعة من أتباعه يتنكرون في زي الجنود، فدخلوا المعسكر الأيوبي أثناء حصار قلعة عزاز، وباشروا الحرب مع جند صلاح الدين واختلطوا بهم يتحينون الفرصة لقتل صلاح الدين، فهجم عليه أربعة من الإسماعيلية، لكنهم لم يستطيعوا من قتله.<ref>[[علي الصلابي|علي محمد الصلابي]] ([[1429 هـ]] - [[2008]]م). صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس (الطبعة الثانية). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع صفحة 449</ref> بعد محاولات الاغتيال الفاشلة أخذ صلاح الدين بالاحتراز الشديد، وجهز حملة عسكرية في شهر محرم عام 572 هـ الموافق 1176م، فحاصر حصونهم ونصب المجانيق الكبار عليها ودمرها حتى شفع فيهم خاله شهاب الدين محمود تكشى صاحب حماة، وكانوا قد راسلوه في ذلك لأنهم جيرانه، فرحل عنهم بعد أن دمر قوتهم.<ref>[http://islamstory.com/ar/الشيعه-محاولات-اغتيال-صلاح-الدين الشيعة ومحاولات اغتيال صلاح الدين الأيوبي] قصة الإسلام، 23 سبتمبر 2014. وصل لهذا المسار في 11 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20160802064124/http://islamstory.com:80/ar/الشيعه-محاولات-اغتيال-صلاح-الدين |date=2 أغسطس 2016}}</ref><ref>[[سيد حسين العفاني]] ([[1417 هـ]] - [[1997]]م). صلاح الأمة في علو الهمة (المجلد السادس الطبعة الأولى). [[بيروت]] - [[لبنان]]. مؤسسة الرسالة صفحة 31</ref>
 
== المظاهر الاجتماعية والثقافية ==
=== الحياة الدينية ===
 
عمدت الدولة الأيوبية إلى القضاء على [[الشيعة|المذهب الشيعي]]، ومحو أثره وتدعيم ونشر [[أهل السنة والجماعة|المذهب السني]] في كافة أنحاء البلاد، وذلك بعد أن بلغ الصراع الديني في الإسلام ذروته في تلك الفترة، كانت السياسة التعليمية التي لجأ إليها [[الدولة الفاطمية|الفاطميون]] لنشر الدعوة لمذهبهم في مصر وما رافقه من تعذيب وتفكيك، قابلها [[الدولة السلجوقية|السلاجقة]] في الشام بتعصبهم للمذهب السني، وأنشأوا المدارس لمكافحة المذهب الشيعي. لم تكد تتم لنور الدين زنكي السيطرة على مصر حتى تعجل صلاح الدين بمحو الخلافة الفاطمية، وتوحيد البلاد تحت راية الخليفة العباسي السني. أخذ صلاح الدين منذ أن ولي مصر للخليفة الفاطمي العاضد بالعمل على نشر المذهب السني، فأنشأ عددًا من المدارس السنية، وقد تجلت ظاهرة [[صوفية|التصوف]] والإكثار من بناء منازل للصوفية عرفت باسم [[خانقاه|الخوانق]].<ref>شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي ([[1421 هـ]] - [[2001]]م). أنوار البروق في أنواء الفروق (الطبعة الأولى) المجلد الأول. [[القاهرة]] - [[مصر]]. دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع صفحة 38</ref><ref>[http://islamstory.com/ar/الخانقاه-في-الحضارة-الإسلامية الخانقاه في الحضارة الإسلامية] قصة الإسلام، 25 مارس 2013. وصل لهذا المسار في 3 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20170110211327/http://islamstory.com:80/ar/الخانقاه-في-الحضارة-الإسلامية |date=10 يناير 2017}}</ref> اهتم صلاح الدين بجذب العلماء وكذلك جذب الصوفية فأنشأ أول خانقاه للصوفية في مصر وجعلها برسم الفقراء الصوفية الواردين من البلاد الشاسعة، ووقف عليهم أوقافًا جليلة، وولى عليهم شيخًا يدبر أمورهم عرف بشيخ الشيوخ، يذكر [[تقي الدين المقريزي]]: {{اقتباس مضمن|أن سكانها من الصوفية كانوا معروفين بالعلم والصلاح، وأن عدد من كان بها بلغ الثلاثمائة، وقد رتب لهم السلطان الخبز والحلوى في كل يوم، وأربعين درهماً في العام ثمن كسوة، وبنى لهم حماماً بجوارهم، ومن أراد منهم السفر، أعطي نفقة تعينه على بلوغ غايته}}.<ref>[https://shamela.ws/browse.php/book-12813/page-351 صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية] المكتبة الشاملة. وصل لهذا المسار في 3 أبريل 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20160602082713/http://shamela.ws/browse.php/book-12813/page-351 |date=02 يونيو 2016}}</ref> وقال الرحالة [[ابن جبير]]: {{اقتباس مضمن|وهذه الطائفة الصوفية هم الملوك بهذه البلاد لأن قد كفاهم الله مؤن الدنيا وفضولها، وفرغ خاطرها لعبادته من الفكر في أسباب المعايش، وأسكنهم في قصور تذكرهم بالجنان}}.<ref>[[ابن جبير|محمد بن أحمد بن جبير الأندلسي]]، تحقيق علي كنعان ([[2008]]م). تذكرة الأخبار عن اتفاقات الأسفار (الطبعة الأولى). [[أبو ظبي|أبوظبي]] - [[الإمارات العربية المتحدة|الإمارات]]. دار السويدي للنشر والتوزيع صفحة 222</ref> كانت لسياسة صلاح الدين وخلفائه مع المتصوفين الأثر الكبير في تشجيع كثرة الزوايا والربط اللتين اجتذبتا حولهما الأتباع والمريدين، في المقابل كان لكثرة الإقبال على التصوف في العصر الأيوبي بعد ازدياد عدد الوافدين على مصر من زعماء المتصوفة ومشايخهم وبخاصة من [[المغرب العربي]] الذين أشاعوا حياة الزهد والتقشف، قد ترك أثرًا خطيرًا في المجتمع المصري نتيجة زيادة العاطلين عن العمل، والذي انعكس سلبًا على الحياة الاقتصادية في الدولة الأيوبية.<ref>تاريخ الفاطميين والزنكيين والأيوبيين والمماليك وحضاراتهم صفحة 279</ref>
 
عانى بعض المسيحيين في بلاد المسلمين أشد المعاناه من الصليبيين الغزاه، فعندما احتل الصليبيون مدينة أنطاكية، طردوا [[روميةروما|الأروام]] من كنائسهم الكبرى، وطردوا أساقفهم، ثم عينوا بطريركًا وعدة أساقفة، وقام اللاتين المنتصرين بالاستيلاء على أديرة الأرمن والروم والسوريين والجورجيين، كما عاملوا المسيحيين الأرثوذكس معاملة قاسية إذ استولوا على كنائسهم وحولوها إلى كنائس لاتينية، على الرغم من مشاركة الأرمن والسوريان والموارنة في مساعدة الصليبيين.<ref>[[قاسم عبده قاسم]] ([[1990]]م). ماهية الحروب الصليبية (الطبعة الأولى). [[مدينة الكويت]] - [[الكويت]]. عالم المعرفة صفحة 174</ref> لما احتل الصليبيون القدس منعوا النصارى المصريين من الحج إليها بدعوى أنهم ملحدون، وكتب أحد المؤرخين الأقباط يشكو من هذه المعاملة: {{اقتباس مضمن|لم يكن حزن اليعاقبة بأقل من المسلمين، بأي حق يمنع النصارى الأقباط من الحج إلى القدس أو الاقتراب من المدينة، إن الصليبيين يكرهوننا، كما لو كنا ضللنا عن الإيمان القويم}}.<ref>[[جاك تاجر]] ([[2012]]م). أقباط ومسلمون منذ الفتح العربي حتى عم 1922م (الطبعة الأولى). [[القاهرة]] - [[مصر]]. مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة صفحة 138</ref> افتتح صلاح الدين عهده في الوزارة بطرد الموظفين الأقباط من مناصبهم، ولكنه سرعان ما أعادهم إليها مرة أخرى، ومن المحتمل أن يكون إخراجه للذميين من وظائفهم هو بمثابة حركة تطهير أجريت ضد الفاطميين أكثر منها بغضًا من النصارى، كما أنه صار لزامًا عليهم أن يتزينوا بزي خاص بهم. كانت سياسة صلاح الدين واضحة بالتسامح مع النصارى الشرقيين، ويعود ذلك إلى أن النصارى سهلوا له مهمة الاستيلاء على بيت المقدس، وذلك بإلحاحهم على الصليبيين بأن يسلموا المدينة، لمَّا كان عددهم يفوق عدد الصليبيين تمكنوا من تحقيق رغبتهم. رافق صلاح الدين في حملته لبيت المقدس عدد كبير من الأقباط، ودخلوا معه القدس كَكُتاب وكعمال مهرة. بعد انتصار صلاح الدين على الصليبيين منحهم ديرًا ملاصقًا للقبر المقدس بالقدس وهو المعروف باسم [[دير السلطان (القدس)|دير السلطان]]، مكافئة لمواقفهم النبيلة معه ضد الصليبيين، كما أعاد [[أقباط|الأقباط]] إلى وظائفهم العليا في الدولة، واسترد آخرون أموالهم وممتلكاتهم التي سلبت منهم أيام سقوط الدولة الفاطمية، اختار صلاح الدين قبطيًا هو صفي الدولة بن أبي المعالي الملقب بابن شرقي ككاتب خاص له. كانت أحوال الأقباط في أيام الدولة الايوبية رغم ما تخللها من صعوبات أفضل من غيرها من الدول، حيث شارك المسيحيون العرب في إدارة الدولة الايوبية، ومن أبرزهم: أبو سعيد بن أبي اليمن بن النحال وزير العدل،<ref>[[ياقوت الحموي]]، تحقيق أحسان عباس ([[1993]]م). معجم الأدباء إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب الجزء الأول (الطبعة الأولى). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار الغرب الإسلامي صفحة 638</ref> والأسعد أبو الفرج صليب بن ميخائيل صاحب ديوان الملك الصالح، والطبيب علم الدين أبو النصر جرجس، وأبو الفرج بن ميخائيل رئيس ديوان الملك العادل، وابن المصوف أمين أموال الحكومة في ايام صلاح الدين وغيرهم.<ref>[http://www.abouna.org/content/حضور-المسيحيين-العرب-في-العصر-الأيوبي حضور المسيحيين العرب في العصر الأيوبي] موقع أبونا، 18 يناير 2016. وصل لهذا المسار في 4 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20190327172502/http://www.abouna.org/content/حضور-المسيحيين-العرب-في-العصر-الأيوبي |date=27 مارس 2019}}</ref><ref>[https://www.stmacariusmonastery.org/st_mark/sm061009.htm الكنيسة القبطية في القرن الثاني عشر] دير القديس أنبا مقار الكبير. وصل لهذا المسار في 4 أبريل 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20180426221716/http://www.stmacariusmonastery.org:80/st_mark/sm061009.htm |date=26 أبريل 2018}}</ref> أُقيم أول مطران قبطي في القدس سنة 1236م، وذلك مع ازدياد الأقباط في القدس وازدياد ممتلكاتهم من كنائس وأديرة، ولكثرة وجود الأقباط في الشام قام [[كيرلس الثالث (بابا الإسكندرية)|البابا كيرلس الثالث]] برسامة أول مطران قبطي للقدس سنة 1236م وأعطاه السلطان الرعاية من فلسطين حتى نواحي الفرات، وقبل هذا كانت مصالح الأقباط ترعاها الكنيسة السريانية في القدس.<ref>[http://hadarat.ahram.org.eg/Articles/أفكار/1-الوجود-القبطى-فى-القدس-110815 حقوق الأقباط التاريخية فى المدينة المقدسة.. الوجود القبطى فى القدس] بوابات الحضارات. وصل لهذا المسار في 4 أبريل 2016 {{وصلة مكسورة|تاريخ= مايو 2019 |bot=JarBot}} {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20181019032210/http://hadarat.ahram.org.eg:80/Articles/أفكار/1-الوجود-القبطى-فى-القدس-110815 |date=19 أكتوبر 2018}}</ref>
 
أثناء [[الحملة الصليبية الثالثة]] ظل اليهود مقيمين في [[عسقلان]] وذلك لأنها لم تتعرض للإبادة مثل نظيرتها من المدن، أما القدس فلم يُسمح لليهود خلال هذه الفترة التي أعقبت تأسيس [[مملكة بيت المقدس]] إلا بأربع عائلات فقط للسُكنى في المدينة المقدسة. أظهر [[بلدوينبالدوين الأول|الملك بلدوين الأول]] تقاربًا مع اليهود كرعايا، فسمح لهم بدخول المدينة المقدسة، أما بالنسبة لباقي مدن الشام فقد تناقص عدد اليهود بشكل عام خوفًا من المذابح والقتل. عُومل اليهود معاملة حسنة ومارسوا أثناء الحكم الصليبي لبلاد المسلمين مهنة الصباغة وصناعة الزجاج وامتلك اليهود سفنًا بخارية والتزم اليهود بدفع الضريبة للحكم الصليبي، وقد استفاد اليهود من الأوضاع السائدة في [[القرن 12|القرن الثاني عشر الميلادي]] وأصبحت العلاقات بين الجالية اليهودية والنظام الصليبي إيجابية مما سهل عمليات الهجرة اليهودية وتسهيل عمليات الحج، بقيت القدس المدينة الوحيدة المحرمة على اليهود حتى عام 1178م، عندما دخل صلاح الدين المدينة وسمح لهم بدخولها، واصل خلفاء صلاح الدين نفس السياسة مع اليهود إلى أن سياسة التسامح لم تمنع صلاح الدين من تحويل المعابد اليهودية إلى مساجد على أساس أنها كانت في الأصل مساجد فقام الصليبيون بتدميرها. بقى اليهود في القدس حتى جاء عام 1244م حين تم تحرير المدينة المقدسة على يد الخوارزمين والصالح نجم الدين أيوب، حيث تم إعفاؤهم من الضرائب. كان لليهود دور في مواجهة الحروب الصليبية، حيث تشير الروايات إلى أن السيوف الصليبية لم تفرق بين المسلمين والمسيحيين واليهود العرب في مجزرة بيت المقدس، فقد كانت النظرة الصليبية الدينية تجاه الفريقين على أساس تكفر المسلميين واليهود باعتبارهم أعداء المسيح.<ref>[https://www.alukah.net/publications_competitions/0/40729/#ixzz44s46atjB دور اليهود في الحروب الصليبية.. دراسة بحثية تاريخية، سارة محمود الجعبري] شبكة الألوكة، 6 يوليو 2012. وصل لهذا المسار في 4 أبريل 2016 {{وصلة مكسورة|date= يوليو 2017 |bot=JarBot}} {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20160624012230/http://www.alukah.net/publications_competitions/0/40729/ |date=24 يونيو 2016}} {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20170211183151/http://www.alukah.net:80/publications_competitions/0/40729 |date=11 فبراير 2017}}</ref>
 
أقر الأيوبيون [[موحدون دروز|للموحدين الدروز]] بمكانتهم كأمراء حرب على جبل لبنان لمقاومتهم عن المشرق الإسلامي أمام غزو الفرنجة، حيث كان للمقاتلين العرب الدروز وجود ملموس في معركة حطين، فأراد صلاح الدين أن يكافئهم على ذلك مكافأة رمزية، فأوكل لهم خدمة وإدارة شؤون [[ضريح النبي شعيب (الأردن)|مقام النبي شعيب]] المجاور لسهل حطين الذي جرت عليه المعركة. لم تقتصر مشاركة الدروز في معركة حطين فقط بل شاركوا في العديد من المواجهات الرئيسية والثانوية ضد الصليبيين، وعندما تقدم صلاح الدين لتحرير المدن التي يحتلها الصليبيون على الساحل السوري الممتد آنذاك من [[إسكندرونة|الإسكندرونة]] وأنطاكية شمالًا إلى ساحل [[غزة]] جنوبًا، انضم إليه المقاتلون الدروز بقيادة أميرهم آنذاك جمال الدين التنوخي، فقام صلاح الدين بتعينه حاكمًا على [[بيروت|مدينة بيروت]] و[[جبل لبنان]].<ref>[https://www.aljabha.org/?i=52306 حول الماضي الوطني العريق للعرب الدروز واشتراكهم في التصدي للغزاة الاجانب الطامعين بحكم بلادنا، أحمد علي القضماني] الجبهة، 2 يونيو 2012. وصل لهذا المسار في 5 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20190228062935/http://www.aljabha.org/?i=52306 |date=28 فبراير 2019}}</ref><ref>[https://www.al-amama.com/index.php?option=com_content&task=view&id=641 العلاقات بين الطائفة الدرزية وجمهورية مصر العربية، بقلم الاستاذ علي بيراني] مجلة العمامة. وصل لهذا المسار في 5 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20190410190850/http://www.al-amama.com/index.php?option=com_content&task=view&id=641 |date=10 أبريل 2019}}</ref>
 
=== الحياة العلمية والفكرية ===
 
[[ملف:الكامل في التاريخ.jpg|تصغير|200بك|يسار|كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير الجرزي أُلف في عهد الدولة الأيوبية.]]
بالرغم من أن السلاطين الأيوبيين كان همهم الجهاد والكفاح ضد الصليبيين، إلا أنهم اهتموا بالعلم والعلماء، فهذا [[المعظم عيسى بن أحمدالعادل|الملك المعظم عيسى بن العادل]] صاحب دمشق من شدة رغبته في الأدب وأهله اشترط لكل من يحفظ كتاب المفصل [[الزمخشري|للزمخشري]] مئة دينار وخلعة.<ref>[https://shamela.ws/browse.php/book-7328/page-178 كتاب نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة] المكتبة الشاملة. وصل لهذا المسار في 3 أبريل 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20160602075011/http://shamela.ws/browse.php/book-7328/page-178 |date=02 يونيو 2016}}</ref> كما أن [[بهرام شاه|بهرام شاه فرخشاه]] صاحب بعلبك كان شاعرًا وأديبًا، والمؤرخ أبو الفداء هو [[أبو الفداء|اسماعيل بن علي عماد الدين]] صاحب حماة. إلى جانب الملوك والأمراء برزت طبقة من الوزراء والكتاب الذين ساهموا مساهمة فاعلة في الحياة العلمية في ذلك العصر، ومنهم: القاضي الفاضل أبو علي محي الدين اللخمي وزير صلاح الدين وصاحب الطريقة الفاضلة في الإنشاء، وكتب عددًا ضخمًا من الرسائل، و[[عماد الدين الكاتب|عماد الدين الأصفهاني]] الكاتب والمؤرخ الذي عينه صلاح الدين نائبًا عن القاضي الفاضل، اشتهر بمؤلفاته الأدبية خريدة القصر وخريدة العصر والفتح القسي في الفتح القدس و[[البرق الشامي]]، والأمير [[أسامة بن منقذ]] أحد أمراء بني منقذ أصحاب حصن شيرز، الذي ألف [[كتاب الاعتبار]] المتضمن لدراسة مقارنة بين عادات [[مسلم|المسلمين]] و[[فرنجة|الفرنجة]]، و[[بهاء الدين بن شداد|بهاء الدين أبو المحاسن]] المعروف بابن شداد صاحب كتاب [[النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية]]، والأديب ضياء الدين بن الأثير وزير الملك الأفضل بن صلاح الدين، والمؤرخ [[ابن الأثير الجزري|عز الدين بن الأثير]] صاحب [[الكامل في التاريخ|كتاب الكامل في التاريخ]]، و[[جمال الدين القفطي]] صاحب كتاب إخبار العلماء بأخبار الحكماء، والمؤرخ الدمشقي [[أبو شامة المقدسي|شهاب الدين أبو شامة المقدسي]] صاحب [[الروضتين في تاريخ الدولتين|كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية]] وما وقع من الحروب الصليبية، والقاضي [[ابن خلكان|شمس الدين ابن خلكان]] صاحب [[وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان|كتاب وفيات الأعيان]]، والمؤرخ جمال الدين بن واصل الحموي صاحب كتاب مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، و[[ابن أبي أصيبعة]] صاحب كتاب [[عيون الأنباء في طبقات الأطباء]]، وأبي صالح الأرمني و[[ابن عساكر|ابن عساكر الدمشقي]].
 
شهد العصر الأيوبي ازدهارًا في [[علم اللغة (لغة عربية)|علم اللغة]]، ومن أبرز من برعوا في هذا العلم محمد بن بري، وأبو الفتح البلطي، وابن عبد المعطي الزواوي، و[[ابن الحاجب]]. أما الشعر فقد طغى عليه طابع الجهاد والكفاح، وأصبحت أغلب القصائد الشعرية في جميع أنحاء الشرق العربي تشيد بالانتصارات وأعمال البطولة، ومن أشهر شعراء العصر الأيوبي الشاعر المصري ابن سيناء صاحب كتاب دار الطرز، وابن شمس الخلافة، و[[ابن النبيه المصري|كمال الدين ابن النبيه المصري]]، والشاعر الصوفي [[ابن الفارض|عمر بن الفارض]]، وجمال الدين يحيى بن مطروح، وبهاء الدين زهير الذي عاش في خدمة الملك الصالح أيوب. أظهر سلاطين بني أيوب عناية كبيرة في اقتناء الكتب شملت [[المنطق]] و[[فلسفة|الفلسفة]] و[[هندسة رياضية|الهندسة]] و[[علم الفلك|الفلك]] و[[موسيقى|الموسيقى]] و[[طب|الطب]] بالإضافة إلى الكتب الدينية، فالملك المؤيد مسعود بن صلاح الدين صاحب اليمن كان مغرمًا باقتناء الكتب حتى اشتملت مكتبته على آلاف الكتب، والمكتبة التي عني بها السلطان الكامل بالقلعة كانت في الأصل تؤلف مكتبة القاضي الفاضل، ثم عني بها ابنه الأشرف أحمد حتى أمر السلطان الكامل بوضع اليد عليها ونقلها إلى القلعة سنة 626 هـ الموافق 1229م، لتصبح نواة مكتبة كبيرة ضمت ثمانية وستين ألف مجلد.
 
[[ملف:أبو الفداء.jpg|تصغير|250بك|يمين|رسم تخيلي للجغرافي والمؤرخ أبو الفداء، الذي يعد أحد مشاهير سلالة الأيوبيين.]]
زادت عدد المدارس زمن الأيوبيين، حتى أصبح ب[[القاهرة]] حوالي ثلاثة عشر مدرسة، والواقع أن الأيوبيين لم يبتكروا نظام المدارس، وإنما يعود الفضل في ذلك للسلاجقة الذين استحدثوا هذا النظام لنشر المذهب السني ومكافحة الفكر الشيعي، وتهيئة عقول المسلمين لفكرة الجهاد، وكان نظام الملك وزير السلطان السلجوقي ملكشاه أول من أسس مدرسة في بغداد.<ref>[https://shamela.ws/browse.php/book-36417/page-276 كتاب دولة السلاجقة وبروز مشروع إسلامى لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي] المكتبة الشاملة. وصل لهذا المسار في 3 أبريل 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20160630102742/http://shamela.ws:80/browse.php/book-36417/page-276 |date=30 يونيو 2016}}</ref> يذهب المؤرخون إلى القول أن صلاح الدين إنما قصد إنشاء المدارس محاربة المذهب الشيعي، وعن كثرة مدارس القاهرة يقول [[ابن جبير]]: {{اقتباس مضمن|ومن مناقب هذا البلد ومفاخره العائدة في الحقيقة إلى سلطانه المدارس والمحارس الموضوعة فيه لأهل الطلب والتعبد}}.<ref>[https://www.almasalik.com/locationPassage.do?locationId=29930&languageId=ar&passageId=4086 مآثر صلاح الدين، التذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار] رحلات المسالك. وصل لهذا المسار في 3 أبريل 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20160427182406/http://www.almasalik.com/locationPassage.do?locationId=29930&languageId=ar&passageId=4086 |date=27 أبريل 2016}}</ref> أنشأ الأيوبيون مدرستان بالفيوم وأربع وعشرون‌ مدرسة ب[[الفسطاط]] والقاهرة، وفي الشام أُنشئ أثناء العصر الأيوبي‌ خمسون مدرسة في [[دمشق]] واثنتان وعشرون‌ مدرسة في [[حلب]]، أما المدارس التي أنشئت بالفسطاط ([[مصر القديمة]]) والقاهرة في العصر الايوبي‌ فهي كما يلي: المدرسة الناصرية أو الشريفية أو مدرسة زين التجاري: أنشأها صلاح الدين‌ الايوبي في أول المحرم سنة [[566 هـ]] الموافق [[1170]]م جنوب [[جامعمسجد عمرو بن العاص (القاهرة)|مسجد عمرو بن العاص]]، ووقفها على [[شافعية|المذهب الشافعي]]، وكانت أول مدرسة أنشئت‌ بديار مصر تحت اشراف الدولة، وأول من درس‌ بها الفقيه ابن زين التجار.<ref>[https://www.alkhaleej.ae/supplements/page/146e7d76-c332-4c60-9af0-ecfadf44b8d8 المدارس الأيوبية.. نوافذ على المذاهب] مركز الخليج للدراسات، 26 مارس 2016. وصل لهذا المسار في 3 أبريل 2016 {{Webarchive|url=https://web.archive.org/web/20181004040704/http://www.alkhaleej.ae:80/supplements/page/146e7d76-c332-4c60-9af0-ecfadf44b8d8 |date=4 أكتوبر 2018}}</ref> المدرسة القمحية: أنشأها صلاح الدين‌ بجوار مسجد عمرو بن العاص أيضًا ووقفها على المذهب‌ المالكي، ووقف عليها ضيعة بالفيوم كانت تدر قمحًا كثيرًا يوزع على طلابها وعلى العالمين بها، ولذلك سميت بالمدرسة القميحة. المدرسة القطبية: أنشأها الأمير قطب الدين خسرو بالقاهرة، وهو أحد أمراء صلاح الدين ووقفها على المذهب الشافعي‌. مدرسة ابن الارسوقي: أنشأها التاجر العسقلاني ابن الأرسوقي بالقسطاط. المدرسة السيوفية: أنشأها صلاح‌ الدين سنة [[572 هـ]] الموافق [[1176]]م ووقفها على [[حنفية|المذهب الحنفي]]، وكانت قريبة من سوق‌ الصنارقيين. المدرسة الصلاحية أو مدرسة الخيوشاني: أنشأها صلاح الدين بجوار [[مسجدقبة الإمام الشافعي|ضريح الإمام الشافعي]]، ووقفها على المذهب الشافعي، وأشرف على بنائها الشيخ نجم الدين بن الموفق الخبوشاني‌ ودرس بها. مدرسة المشهد: أنشأها صلاح الدين‌ بجوار المشهد الحسيني. المدرسة التقوية: نسبته إلى [[المظفر عمر بن توران شاه بن أيوب|الملك‌ المظفر تقي الدين عمر]] ابن أخ صلاح الدين، وقد أنشأها بالفسطاط في المكان المقابل لجزيرة الروضة، ووقفها على المذهب الشافعي‌، وحينما كانت الفيوم اقطاعا لتقي الدين عمر بني بها مدرستين إحداهما للشافعية والأخرى للمالكية. المدرسة الفاضلية: أنشأها القاضي‌ الفاضل عبد الرحيم بن على البيساني بالقاهرة ووقفها على مذهبي الشافعية والمالكية، وجعل لها مكتبة ضخمة قوامها حوالي مائة ألف مجلد. المدرسة العادلية: أنشأها [[العادل أبوسيف بكرالدين بن أيوبأحمد|الملك‌ العادل]] ووقفها على المذهب المالكي. المدرسة الأزكشية: أنشأها الأمير أباز كوج أحد أمراء صلاح الدين، ووقفها على المذهب الحنفي. المدرسة الغزنوية: بناها الأمير حسام‌ الدين قايماز مملوك السلطان نجم الدين‌ أيوب، ووقفها على المذهب الحنفي. المدرسة القطبية: أنشأتها السيدة عصمة الدين مؤنسة خاتون ابنة الملك العادل‌ ووقفها على مذهبي‌ الشافعية والحنفية. المدرسة الشريفية: أنشأها ابن نصر اسماعيلي بن ثعلب ووقفها على المذهب الشافعي. المدرسة الفائزية: أنشئت سنة [[612 هـ]] الموافق [[1215]]م، ووقفت على المذهب الشافعي. المدرسة الصاحبية: أنشأها صفي الدين عبد الله بن شكر، ووقفها على المذهب‌ المالكي وعلم النحو. المدرسة الكاملية: وكانت تعرف‌ بدار الحديث، أنشأها الملك الكامل. المدرسة الفخرية: أنشئت سنة [[622 هـ]] الموافق [[1225]]م. المدرسة السيفية. المدرسة العاشورية. المدرسة المسرورية. المدرسة الصيرمية. مدرسة ابن رشيق: ووقفت على المذهب المالكي. المدرسة الصالحية: أنشأها الملك‌ الصالح نجم الدين أيوب في سنة [[640 هـ]] الموافق [[1243]]م بخط ما بين القصرين قريبًا من الصاغة، ووقفها على المذاهب الأربعة، وهو أول من عمل‌ بديار مصر دروسًا أربعة في مكان واحد، ودخل‌ في هذه المدرسة باب القصر الشرقي الكبير المعروف بباب الزهوتة. بلغت جملة المدارس المعروفة بمصر القديمة والقاهرة في العصر الأيوبي أربعًا وعشرين مدرسة منها: ست مدارس خصصت للمذهب الشافعي، وثلاث مدارس خصصت للمذهب الحنفي، وثلاث مدارس خصصت للمذهب المالكي، ومدرسة واحدة خصصت للمذهبين الشافعي‌ والمالكي معًا، ومدرسة واحدة خصصت للمذهبين الشافعي‌ والحنفي معًا، ومدرسة واحدة خصصت للمذهب المالكي‌ وعلم النحو، ومدرسة واحدة خصصت للمذاهب الأربعة، ومدرسة واحدة خصصت للحديث، سبع مدارس لم تحدد مذاهب الدراسة بها.<ref>[https://www.islamsyria.com/portal/article/show/6445#sthash.eh5vrd94.dpuf المدارس في العهد الأيوبي‌ بمصر، للدكتور نعمان طيب سليمان] رابطة العلماء السوريين، 19 ربيع الثاني 1436 هـ. وصل لهذا المسار في 3 أبريل 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20170717003921/http://www.islamsyria.com:80/portal/article/show/6445 |date=17 يوليو 2017}}</ref><ref>[[علي الصلابي|علي محمد الصلابي]] ([[1429 هـ]] - [[2008]]م). صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس (الطبعة الثانية). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع صفحة 257</ref> من المظاهر الهامة ما لوحظ بمصر من قلة المدارس الحنبلية وكثرة المدارس التي يجري بها تدريس المذاهب الثلاثة عكس ما كان جاريًا في دمشق.
 
كانت المدارس في العصر الأيوبي أشبه ماتكون بجامعات، فبعد أن كانت تدرس فيها العلوم الدينية، أصبحت مع الأيام تدرس العلوم اللغوية التي اشتملت على النحو واللغة والبيان والأدب، بالإضافة للفلسفة والعلوم الطبيعية. لم يكن يعين بالمدرسة أول الأمر إلا مدرس واحد يختار من مشايخ علماء عصره، ثم صار يعين أكثر من مدرس في المدارس الكبيرة، ففي المدرسة المالكية بالقاهرة والتي كانت تعرف بالقمحية، عين صلاح الدين أربعة مدرسين وجعل كلًا منهم يقوم بالتدريس لعشرين طالبًا. يساعد المدرس عادة معيد،<ref>عبد الرحمن عزام ([[2013]]م). صلاح الدين وإعادة إحياء المذهب السني (الطبعة الثانية). [[الدوحة]] - [[قطر]]. دار بلومزبري مؤسسة قطر للنشر صفحة 117</ref> وهو أقل مرتبة من المدرس، وأعظم درجة من عامة الطلبة، وظيفته إعادة الدرس الذي ألقاه عليه المدرس، وقلَّ أن خلت مدرسة من معيد في جميع مدارس العصر الأيوبي، وذكر [[جلال الدين السيوطي|السيوطي]] أن المدرسة الصالحية خلت من مدرس مدة ثلاثين سنة، واكتفى فيها بالمعيدين.<ref>[[ابن الأثير الجزري|عز الدين أبي الحسن الجزري]]. [[أسد الغابة في معرفة الصحابة]] (الطبعة الأولى). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار الكتب العلمية صفحة 94</ref> أما طريقة التدريس فاعتمدت عادة على الإلقاء والتلقين، وباللإضافة للمدارس ذات التعليم العالي، وجدت في العصر الأيوبي [[كتاب (مدرسة)|كتاتيب]] لتعليم الصغار القراءة والكتابة وتحفيظهم [[القرآن|القران الكريم]]، يقول [[ابن جبير]]: {{اقتباس مضمن|من مآثر صلاح الدين ما أمر ببنائه من الكتاتيب لتعليم أبناء الفقراء والأيتام خاصة، وأجرى عليهم الجراية الكافية لهم}}. يقول [[تقي الدين المقريزي|المقريزي]]: {{اقتباس مضمن|إن المدرس في المدرسة الصلاحية كان يتقاضى أربعين دينارًا في الشهر، ثم اضطربت الأمور فصار المدرس لا يتقاضى إلا ربع المعلوم}}.<ref>تاريخ الفاطميين والزنكيين والأيوبيين والمماليك وحضاراتهم صفحة 289</ref>
 
=== الحياة الاجتماعية ===
سطر 295:
لم تعرف الحياة الاجتماعية في مصر في العصر الأيوبي حياة البذخ والترف على غرار ما كان في العصر الفاطمي. تميز صلاح الدين بالبعد عن التلهي والشغف بالحياة، ومما يُروى عن صلاح الدين أنه عندما ولى ابنه الظاهر حلب، عمل وتلهى وشُغف بالمُلك وأحبه، فخاف صلاح الدين أن يسد عليه حبه للمنصب والجاه حسن الخدمة، فعزله عن ولاية حلب وأرسل مكانه أخاه العادل، كما طلب منه الملك العادل أن يكتب له اقطاع حلب كتابًا ككتاب البيع والشراء، فامتنع صلاح الدين وقال له: {{اقتباس مضمن|أظننت أن البلاد تباع، أوما علمت أن البلاد لأهلها المرابطين بها، ونحن خزنة المسلمين ومراعاة للدين وحراس لأموالهم}}.<ref>شاكر مصطفى ([[1419 هـ]] - [[1998]]م). صلاح الدين الفارس المجاهد والملك الزاهد المفترى عليه (الطبعة الأولى). [[دمشق]] - [[سوريا]]. دار القلم صفحة 421</ref> تذكر المصادر أن صلاح الدين كان كريمًا ينفق كل ما في يده في جوه الخير، وقد بلغ من فرط كرمه وزهده أنه لم يكن لديه مال يتزكى به، ولما توفي لم يترك وراءه لا دار ولا مزرعة، قال [[بهاء الدين بن شداد|ابن شداد]] كاتب سيرته: {{اقتباس مضمن|لم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ودينارا واحدا، ولم يخلف ملكا لا دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا مزرعة}}.<ref>[https://www.mojtamai.com/book/almaktabah/book30/home/2/78-c7/7794---10 التجديد في الإسلام صحوة الجهاد، عبدالله عثمان فدا] مجلة البيان، 10 نوفمبر 2012. وصل لهذا المسار في 4 أبريل 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20160425001344/http://www.mojtamai.com/book/almaktabah/book30/home/2/78-c7/7794---10 |date=25 أبريل 2016}}</ref>
 
اهتم الأيوبيون في إحياء الأعياد الدينية، مثل عيد الفطر وعيد الأضحى، ورأس السنة الهجرية، ومولد النبي محمد، وليلة أول رجب وليلة نصفه وليلة شعبان وليلة نصفه، ولكن من غير اسراف، وبدون تهتك ومع مراعاة للجانب الاقتصادي. يُحدِّث [[تقي الدين المقريزي|المقريزي]] أن بعض خلفاء صلاح الدين أسرفوا أحيانًا في مد الأسمطة وإحياء بعض الحفلات، ومن ذلك ما اشتهر به [[العزيز عماد الدين عثمان|العزيز عثمان]] من إقامة الأسمطة الكبرى لأعيان دولته بين حين وآخر، كما أن السلطان الكامل أقام سمطًا بمناسبة ختان ابنه العادل الصغير وانفق في سبيل ذلك أموالًا باهضة، كما أقام السلطان العادل الصغير سمطًا في الميدان الأسود تحت القلعة، ذبح فيه ألف رأس من الغنم، فضلًا عن البقر والجاموس والإبل، في المقابل قام صلاح الدين في بدايات حكمه لمصر بإلغاء الاحتفال بيوم عاشوراء.<ref>[[علي الصلابي|علي محمد الصلابي]] ([[1429 هـ]] - [[2008]]م). صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس (الطبعة الثانية). [[بيروت]] - [[لبنان]]. دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع صفحة 356</ref> مثَّل العصر الأيوبي اهتمامًا بالغًا بالعمران والبناء، فقد أنشأ صلاح الدين في سلطنته الكثير من الكليات والمستشفيات والمدارس المجانية، ولا يكاد يفتح مدينة حتى يؤسس فيها المعاهد والمرافق، ويبني الجسور والترع. يصف [[أبو العباس القلقشندي|القلقشندي]] المجتمع المصري في العصر الأيوبي بقوله: {{اقتباس مضمن|وزخرت القاهرة بالدور الضخمة، والمباني الرهيبة والأسواق الممتدة والخوانق الفاخرة، وجوامعها ومدارسها وبيوت رؤسائها مبنية بالحجر المنحوت، مفروشة الأرض بالرخام... ولأهلها الميل إلى تعلية المساكن، فارتفعت بعض الدور طبقتين وأربع طبقات، وفي كل طبقة مساكن كاملة بمبانيها ومرافقها}}. ولم يقتصر هذا الاهتمام العمراني على القاهرة دون سواها، فقد ذكر [[ابن جبير]] في وصفه بعض مدن الصعيد: {{اقتباس مضمن|إنها كانت ممتازة حسنًا ونظافة وبنيانًا وصفًا}}.<ref>تاريخ الفاطميين والزنكيين والأيوبيين والمماليك وحضاراتهم صفحة 305</ref> فرض الجهاد وسائل معينة للتسلسة في المجتمع الأيوبي وخاصةً المجتمع الشامي مثل الخروج للصيد، إذ كان الأيوبيون يهتمون بصيد الحيوانات وفق ترتيب كأنه ترتيب الحرب، ومارسوا رياضة الرمي بالبندق التي انتقلت إليهم من [[العراق]]، كما مارسوا لعبة الكرة و[[صولجان (توضيح)|الصولجان]] التي مارسها السلطان صلاح الدين بشغف، على الرغم من أن الفقهاء لم ينظروا إليها بارتياح، كما حظيت رياضة [[فروسية|الفروسية]] باهتمام الملوك والسلاطين.<ref>مبارك محمد الطراونة ([[2010]]م). الحياة الإجتماعية في بلاد الشام في عصر المماليك الجراكسة (784-922 هـ / 1382-1516م) (الطبعة الأولى). [[عمان (مدينة)|عمان]] - [[الأردن]]. دار جليس الزمان للطباعة والنشر صفحة 60</ref>
 
=== العمارة والآثار ===
 
[[ملف:Old Cairo Walls (2348000312).jpg|200بك|جانب من سور القاهرة الذي شيده صلاح الدين.|تصغير|يسار]]
ازدهر في العصر الأيوبي عنصران من عناصر العمارة الإسلامية، الأول: المدارس التي شيدت لنشر المذهب السني ومحاربة المذهب الشيعي، الثاني: تطور بناء الأسوار والاستحكامات والقلاع بتأثير ما عرفه المسلمون عند الصليبيين.<ref>متحف بلا حدود ([[2007]]م). الحج العلم والصوفية: الفن الاسلامي في منطقة الضفة الغربية وغزة (الطبعة الأولى). [[بيروت]] - [[لبنان]]. المؤسسة العربية للدراسات والنشر صفحة 41</ref> أمر صلاح الدين سنة 1167م ببناء سور يحيط بالقاهرة ومصر (القطائع والعسكر والفسطاط)، وبتشييد قلعة الجبل وجعل الأشراف على هذا البناء للأمير [[بهاء الدين قراقوش]]، وجلبت مواد البناء من بعض [[أهرام الجيزة]] وساعد في العمل ألوف من أسرى الفرنج، وقد أضيف إلى القلعة بعد صلاح الدين أجزاء كثيرة كما حدث فيها تعديل غير بعض معالمها الأولى. من العمائر التي ترجع إلى العصر الأيوبي [[مسجدقبة الإمام الشافعي|قبة الأمام الشافعي]] التي أنشأها سنة 1211م الملك الكامل محمد، كذلك المدرسة الصالحية التي أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة 1242م ولم يبق منها الآن إلا جزء صغير، كذلك الإيوان المعروف ب[[ضريحمشهد ومدرسة السادات الثعالبة|إيوان الثعالبة]]، وتعتبر [[ضريحمشهد شجرة الدر|قبة شجرة الدر]] كذلك من الآثار الأيوبية، يقول ابن جبير الذي زار مصر 578 هـ: {{اقتباس مضمن|المسخرون في بناء هذا السور والمتولون لجميع اهتماماته ومسئوليته العظيمة كنشر الرخام، ونحت الصخور وحفر الخندق المحدق بالسور، هم الأسرى من الروم (الصليبيين) وعددهم لا يحص كثرة}}. زخرت القاهرة بالدور الضخمة والمنازل الرحيبة والأسواق الممتدة والخوانق الفاخرة، وغالب مبانيها بالأجر وجوامعها ومدارسها وبيوت رؤسائها مبنية بالحجر المنحوت مفروشة الأرض بالرخام، وغالب سقوفها من أخشاب النخل والقصب المحكم الصنعة وكلها أو أكثرها جرى تبيض جدرانها بالكلس الناصع البياض، ولميل أهلها إلى تعلية المساكن، ارتفعت بعض الدور إلى طبقتين وأربع طبقات، وفي كل طبقة مساكن كاملة بمبانيها ومرافقها، ويصف البغدادي الذي زار القاهرة زمن الدولة الأيوبية ما جرى من نشاط في البناء والعمارة فيصف مظاهر الاهتمام ببناء المراحيض بالدور وأحكام قنواتها، حتى إذا تخربت الدار ظلت القناة قائمة، وحرص أرباب الدور على أن يمعنوا في حفر المرحاض حتى يصل إلى الماء الجوفي فلا يحتاج إلى الكسح، ويذكر عن الحمامات بالقاهرة أنه لم يشاهد فيما زاره من البلاد أتقن منها صنعا ولا أحكاما ولا أحسن منظراً.<ref>[https://www.cpas-egypt.com/Articles/Baki/Study/21.html مراحل تطور العمارة في مصر في العصر الإسلامي، د. عبد الباقي محمود إبراهيم] مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية. وصل لهذا المسار في 3 أبريل 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20170611164939/http://www.cpas-egypt.com:80/Articles/Baki/Study/21.html |date=11 يونيو 2017}}</ref>
[[ملف:الإمام الشافعي.jpg|200بك|ضريح [[الإمام الشافعي]] وهو ضريح خشبي محفور ذو رسوم رائعة، مغطى بقبة خشبية مزدوجة بُني عام 1211م.|تصغير|يمين]]
تركزت حركة العمارة ب[[فلسطين]] في العهد الأيوبي ب[[القدس|القدس الشريف]] و[[الخليل]]، وعليه فإن العمارة الأيوبية قليلة جدًا في المناطق والمدن الساحلية من فلسطين، واقتصر عملهم في تلك المناطق الداخلية والساحلية على تحويل العمائر القائمة إلى مساجد أو [[بيمارستان]] وغيرها. لكن هذا لم يمنع أحيانًا من إقامة رباطات عسكرية في المناطق الساحلية مثل رباطات: غزة وميماس وعسقلان وأسدود ويافا، ففي هذا العصر تركز الاهتمام على الإنفاق على القضايا العسكرية التي تخدم المعركة. بُنيت عمائر هذا العصر وفق مخطط مربع غير منتظم تتوسطها فسحة سماوية طولانية تحيط بها الغرف من ثلاثة أو أربعة جهات، وجعلت في طابقين وأقيم درج في إحدى زوايا هذه الفسحة السماوية، كانت الأساسات والجدران غالبا من الحجر، وتتصل بعضها ببعض بواسطة ملاط مؤلف من [[حجر جيري|الكلس]] و[[رمل|الرمل]]، وكانت الجدران تورق وتطلى بطلاء أبيض. كانت البيوت الأيوبية خالية من الزخارف، ويمكن القول إن العمارة في هذا العصر تشترك مع عمارة سائر بلاد الشام في أنها تحمل الطابع الإسلامي وهي متعددة الأغراض فلم تقتصر على بناء المساجد التي تُرى شواهدها في القدس و[[الرملة]] والخليل، بل تعدتها إلى كثير من المباني كالمدارس والبيمارستانات وغيرها، ومن أهم شواهد هذه العمارة: جامع النبي يونس في بلدة [[حلحول]] الذي بناه الملك العظيم عيسى بن الملك العادل الأيوبي، وتجديد جامع الخليل ([[المسجد الإبراهيمي|الحرم الإبراهيمي الشريف]])، وتجديد عمارة [[المسجد الأبيض (الرملة)|الجامع الأبيض]]، وقيام صلاح الدين الأيوبي ببناء جامع نابلس الكبير.<ref>[https://www.thaqafa.org/site/pages/details.aspx?itemid=1201#.VwFmrZwrJdg العمارة الإسلامية بفلسطين في العهد الأيوبي، الدكتور شوقي شعت] مؤسسة فلسطين للثقافة. وصل لهذا المسار في 4 أبريل 2016 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20160425112333/http://www.thaqafa.org/site/pages/details.aspx?itemid=1201 |date=25 أبريل 2016}}</ref>
[[ملف:عقاب صلاح الدين.jpg|100بك|عُقاب صلاح الدين الذي اكتشف في [[قلعة صلاح الدين الأيوبي (القاهرة)|قلعة القاهرة]]، والذي اقتُبس ليُصبح شعارًا لعدة دول عربية وإسلامية .|يسار|تصغير]]
شهدت [[بلاد الشام|الشام]] في العهد الأيوبي حركة عمرانية نشطة، تجلَّت في توسيع المدن وتجديد أسوارها، وتشييد العديد من الحصون والقلاع، وتزويد الطرق العامة بالخانات كمحطات للقوافل، وامتلأت المدن بالمباني العامة كالمساجد والمدارس والخانقاهات والبيمارستانات والحمامات والقيساريات والخانات والترب الفخمة المزودة بالقباب.
 
كان يغلب على المباني الأيوبية طابع البساطة والتقشف من حيث الزخرفة بسبب حالة الحرب، ولكنها تميزت بالمتانة والقوة وإتقان التصميم والاعتماد على مادة الحجر، وإتقان نحته واستخدامه بمقاييس كبيرة، كذلك حدث تطور ملحوظ على العمارة العسكرية، حيث فاقت الأبراج والأسوار بحجمها وارتفاعها ومتانتها كل ما هو معروف من قبل ومن بعد، نجد ذلك في قلعتي حلب ودمشق بشكل خاص. تأصلت في تصاميم المباني العناصر التي شاعت في [[الدولة السلجوقية|العهد السلجوقي]]، وامتزجت بالعناصر المحلية التراثية، فأصبحت فناءاتُها المزودة ببركة مستطيلة أو مضلعة، محاطةً بالأواوين في عدد من الجهات، وتشترك الأروقة معها أحيانًا، كما في مدرستي [[مدرسة الفردوس|الفردوس]] و[[المدرسة الطرنطائية|الطرنطائية]] في [[حلب]].
سطر 325:
|align="center"| 2
|align="center"| الملك العزيز
|align="center"| '''[[العزيز عماد الدين عثمان|عثمان بن صلاح الدين يوسف]]'''
|align="center"| 588 - 594 هـ<br />1193- 1198م
|-
|align="center"| 3
|align="center"| الملك المنصور
|align="center"| '''[[المنصور محمدناصر بنالدين العزيزمحمد|ناصر الدين محمد بن عماد الدين]]'''
|align="center"| 594 - 596 هـ<br />1198- 1200م
|-
|align="center"| 4
|align="center"| الملك العادل
|align="center"| '''[[العادل أبوسيف بكرالدين بن أيوبأحمد|أحمد بن نجم الدين أيوب]]'''
|align="center"| 596 - 614 هـ<br />1200- 1218م
|-
|align="center"| 5
|align="center"| الملك الكامل
|align="center"| '''[[الكامل محمدناصر بنالدين العادلمحمد|ناصر الدين محمد بن سيف الدين]]'''
|align="center"| 614 - 635 هـ<br />1218- 1238م
|-
سطر 370:
<center>{{شجرة نسب/بداية}}
{{شجرة نسب||||||||||||||||,|-|-|-|-|-|-|-|-|-|-|-|-|-|-|-|.| }}
{{شجرة نسب|||||||||||||||ن||||||||||||| |ش|ن={{للهامش|4}} [[الأفضل نجم الدين أيوب|نجم الدين أيوب]]|ش=[[أسد الدين شيركوه بن شاذي|شيركوه]] }}
{{شجرة نسب||||,|-|-|-|v|-|-|-|v|-|-|-|+|-|-|-|-|-|-|v|-|-|-|-|.||||!}}
{{شجرة نسب|||ش| |ص| |ط| |ع| | | | | |ت| |ز|y|ق|ش=[[شاهنشاه بن أيوب|شاهنشاه]]|ص={{للهامش|4}} [[صلاح الدين الأيوبي|صلاح الدين]]|ع=[[العادل أبوسيف بكرالدين بن أيوبأحمد|العادل]]|ت=[[توران شاه بن أيوب|توران شاه]]|ط={{للهامش|4}} [[سيف الإسلام طغتكين|طغتكين]]|ز=[[ست الشام|زمرد]]|ق=[[القاهر محمد بن شيركوه|القاهر]]}}
{{شجرة نسب|,|-|^|-|.|||!||,|-|-|-|v|-|+|-|v|-|-|-|.|||!|||||!}}
{{شجرة نسب|ب| |ف|!|ح| | ع|!|م| |ك| |ظ| | |أ|ب=[[بهرام شاه]]|ف=[[فروخ شاه (أمير أيوبي)|فروخ شاه]]|أ=[[الملك المجاهد أسد الدين شيركوه|أسد الدين]]|ح=[[الأوحد أيوب بن العادل|الأوحد]]|ع=[[المعظم عيسى بن العادل|المعظم]]|ك=[[الكامل محمدناصر بنالدين العادلمحمد|الكامل]]|م=[[الأشرف موسى|الأشرف]]|ظ={{للهامش|4}} [[المظفر عمر بن توران شاه بن أيوب|المظفر]]}}
{{شجرة نسب|| ||,|-|-|-|+|-|-|-|.||||!|||||,|-|+|-|-|-|.||||!}}
{{شجرة نسب|| |ل| |ع| |غ|y|ض| |ص| |م| |أ| |ه|ل=[[الأفضل بن صلاح الدين|الأفضل]]|ع=[[عثمانالعزيز بن صلاحعماد الدين عثمان|عثمان]]|غ=[[الظاهر غازي|غازي]]|ض=[[ضيفة خاتون|ضيفة]]|ص=[[الصالح أيوب|الصالح]]|أ=[[العادل أبو بكر بن الكامل|العادل]]|م=المسعود|ه=[[المنصور إبراهيم بن شيركوه|المنصور]] }}
{{شجرة نسب||||||||||||||!||||||!||||!||||||||!}}
{{شجرة نسب|||||||||||||ع||||ت||ي||||||أ|ع=[[العزيز محمد بن غازي]]|ت=[[توران شاه]]|ي=يوسف|أ=[[الأشرف موسى بن إبراهيم|الأشرف]]}}
سطر 386:
== انظر أيضًا ==
 
* [[ايوبيو اليمن في العصر الأيوبي|الأيوبيون في اليمن]].
* [[ايوبيوأيوبيو حماهحماة|الأيوبيون في حماه]].
* [[ايوبيوأيوبيو حلب|الأيوبيون في حلب]].
* [[ايوبيوأيوبيو حمص|الأيوبيون في حمص]].
* [[ايوبيوأيوبيو دمشق|الأيوبيون في دمشق]].
* [[ايوبيوأيوبيو ديار بكر|الأيوبيون في ديار بكر]].
 
== هوامش ==
سطر 447:
[[تصنيف:دول وأقاليم انحلت في 1260]]
[[تصنيف:دول وأقاليم تأسست في 1171]]
[[تصنيف:سلالات حاكمة مسلمة]]
[[تصنيف:سوريا في العصور الوسطى]]
[[تصنيف:صلاح الدين الأيوبي]]