افتح القائمة الرئيسية

تغييرات

تم إضافة 736 بايت ، ‏ قبل 3 أشهر
ط
|مكان الدفن = جامع السلطان محمود، [[إسطنبول]]
|}}
'''عبد العزيز الأول''' ([[1830]] - [[1876]]) ابن [[قائمة السلاطينسلاطين العثمانيينالدولة العثمانية|السلطان]] [[محمود الثاني]]. هو [[قائمة الخلفاء|خليفة المسلمين الرابع بعد المائة]] و[[قائمة السلاطينسلاطين العثمانيينالدولة العثمانية|سلطان العثمانيين الثاني والثلاثين]] والرابع والعشرين من آل عثمان الذين جمعوا بين الخلافة والسلطنة. استوى على تخت المُلك بعد وفاة شقيقه [[عبد المجيد الأول]] في [[25 يونيو]] [[1861]]، ومكث في السلطة خمس عشرة عامًا حتى خلعه وزراؤه وسائر رجال الدولة في آخر [[مايو]] [[1876]] <ref name=EB/> وتوفي بعدها بأربعة أيام وقيل [[انتحار|انتحر]] وقيل أيضًا قد قتل. امتاز عهده بغنى الدولة بالرجال وبكثير من الإصلاحات التي تمت على يد صدريه محمد أمين عالي باشا وفؤاد باشا، الذين كسبا شهرة في التاريخ العثماني، ولم تبدأ مشاكل السلطنة بالتفاقم -والذي توّج بإعلان إفلاس الدولة عام [[1875]] - إلا بعد وفاتهما؛ كما أنه السلطان العثماني الوحيد الذي قام بزيارات خارجية سياسية إلى [[مصر]] وإلى كلٍ من [[ألمانيا]] و[[فرنسا]] و[[المملكة المتحدة|بريطانيا]]، ولم يشهد عهده أي حروب خارجية للدولة.
 
بعد خلعه افتتح عبد العزيز قائمة سلاطين مخلوعين، فجميع خلفائه: [[مراد الخامس]] و[[عبد الحميد الثاني]] و[[محمد الخامس العثماني|محمد الخامس]] و[[محمد السادس العثماني|محمد السادس]] و[[عبد المجيد الثاني]] لم يبرحوا في العرش حتى وفاتهم بل تنازلوا طوعًا أو كرهًا، وقد قيل أن [[الدولة العثمانية]] كانت تسير نحو نهايتها حتى عهد عبد العزيز بسرعة عربة يجرها حصانان، وبعد عبد العزيز بسرعة قطار بخاري.<ref>عصر السلطان عبد الحميد، محمد أبو عزة، دار الأهالي، دمشق 1998، ص.46</ref>
ولد عبد العزيز في [[9 فبراير]] [[1830]] وقيل [[18 فبراير]] <ref name=EB/> ابنًا ثانيًا للسلطان [[محمود الثاني]] و<nowiki/>[[برتفنيال سلطان|السلطانة برتونيال]]؛ بعد وفاة والده [[محمود الثاني]] أصبح شقيقه الأكبر [[عبد المجيد الأول|عبد المجيد]] سلطانًا في السابعة عشر من عمره، حينها كان عبد العزيز لم يتجاوز العاشرة. تزوج للمرة الأولى عام [[1856]] من [[جورجيا|الجورجية]] دورونيف قادين وأنجب منها ثلاثة أولاد على رأسهم [[يوسف عز الدين]] ولي عهد الدولة العثمانية خلال حكم [[محمد الخامس العثماني|محمد الخامس]]؛ وبعد توليه شؤون السلطنة تزوج للمرة الثانية في [[ديسمبر]] [[1861]] من آيداديل قادين ولم ينجب منها سوى طفل واحد؛ وبعد زواجه الثاني بخمس سنوات تزوج عام [[1866]] السلطانة حيرانة وأنجب منها طفلان وفي عام [[1868]] تزوج للمرة الرابعة السلطانة نسرين وأنجب منها ثلاثة أطفال، ثم في [[يوليو]] [[1872]] تزوج للمرة الخامسة من نيفين قادين أفندي وأنجب منها طفلًا واحدًا أيضًا، وأخيرًا تزوج السلطانة صافيناز وأنجب منها ثلاثة أطفال، وقد تزوجت صافيناز بعد وفاته السلطان [[عبد الحميد الثاني]]، وساق لها المؤرخون دورًا في سياسة الدولة خلال عهديهما.<ref>[http://freepages.genealogy.rootsweb.com/~royalty/turkey/i339.html زيجات السلطان عبد العزيزي]، الصفحات الحرة، {{En icon}}، 2 أيلول 2011. {{وصلة مكسورة|date= يوليو 2017 |bot=JarBot}} {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20080112171340/http://freepages.genealogy.rootsweb.com:80/~royalty/turkey/i339.html |date=12 يناير 2008}}</ref>
 
في [[7 يونيو]] [[1861]] توجه في الموكب الملكي إلى ضريح [[أبو أيوب الأنصاري]]، وهناك تقلد السيف السلطاني وفق العادة المتوارثة مذ أن [[فتح القسطنطينية|فتح العثمانيون القسطنطينية]]، ومنه سار لزيارة قبر السلطان [[محمد الفاتح|محمد الثاني]] فاتح [[إسطنبول]] ثم قبر والده السلطان [[محمود الثاني]]، وكانت أولى فرماناته بإقرار الصدر الأعظم [[محمد أمين عالي باشا]] في مكانه، ثم استحدث وسامًا خاصًا أسماه "الوسام العثماني" يمنح لمن قدّم خدمات جليلة للدولة، وقدم وسامه في المرتبة على الوسام المجيدي الذي استحدثه أخيه.<ref>تاريخ الدولة العلية العثمانية، مرجع سابق، ص.530</ref>
 
== الثورات والقلاقل الأمنية ==
على عكس سلفيه [[محمود الثاني]] و[[عبد المجيد الأول]] وخلفيه [[مراد الخامس]] و[[عبد الحميد الثاني]]، لم تشهد الدولة العثمانية خلال عهد السلطان عبد العزيز حروبًا خارجية، ولعلّ [[مؤتمر باريس (1856)|معاهدة باريس]] المبرمة عام [[1856]] ضبطت إيقاع السياسة الخارجية لأوروبا وجنبتها حروبًا جديدة. كذلك فلم تشهد سلطنته فقدانًا لأراضي الدولة وتقلصًا في مساحتها، كما حصل في سائر عهود عصر انحلال الدولة، بل استطاع عبد العزيز الحفاظ على أملاك دولته، أما المناطق التي شهدت ثورات، فقد استطاعت [[الدولة العثمانية]] التعامل معها بالحزم والسياسة بحيث لم تؤد لفقدان أملاك وأراض.
=== ثورة الجبل الأسود ===
منذ أن فتح [[الدولة العثمانية|العثمانيون]] [[الجبل الأسود]] الذي يقع إلى الشمال من [[ألبانيا]] لم يتمكنوا من فرض سيطرتهم سوى على المدن الكبرى فيه أما الجبال والقرى المحيطة ظلت شبه مستقلة وذات إدارة محلية بسبب وعورة المسالك وصعوبة المفارز،<ref>تاريخ الدولة العلية العثمانية، محمد فريد بك المحامي، طبعة تاسعة، دار النفائس، بيروت 1982، ص. 532</ref> وكان الجبل قد أعلن عام [[1853]] ثورة ضد [[قصر طوب قابي|الباب العالي]] تمكن القائد العثماني عمر باشا من سحقها، وفي أعقاب [[حرب القرم]] ومؤتمر باريس لعام [[1856]] طالب حاكم الجبل المحلي الأمير دانييل الاعتراف باستقلال الجبل فلم يلق ذلك قبولاً لدى [[أوروبا|الدول الأوروبية]] التي نصحته بعقد سلام مع [[الدولة العثمانية]] والاعتراف بسيادتها مقابل منحه رتبة مشير مع مبلغ سنوي من المال وتوسيع حدود دولته لتشمل أجزاءً من [[البوسنة والهرسك|الهرسك]] أيضًا، فقبل الأمير بعرض أوروبا.<ref>تاريخ الدولة العلية العثمانية، مرجع سابق، ص.533</ref> في عام [[1860]] توفي الأمير دانييل وآل الحكم لابن أخيه الأمير نيكولا الذي شجع حركات ثورية ضد [[قصر طوب قابي|الباب العالي]] في [[البوسنة والهرسك|الهرسك]] وكذلك في [[الجبل الأسود]] وأخذ يجمع جيوشًا لإعلان التمرد، فأغار عمر باشا على أراضي الجبل وحاصرها من ثلاث جهات، ثم دخلت قواته الإمارة واضطر الأمير نيكولا إلى توقيع اتفاق استسلام في [[30 أغسطس]] [[1862]]، التي نصّت على بقاء نيكولا حاكمًا للجبل شرط السماح للعثمانيين بناء ما يحلو لهم من حصون لتأمين وضمان السيادة داخل أراضي الإمارة، لاحقًا سعت [[الإمبراطورية الروسية]] و[[فرنسا]] لدى الباب العالي للتنازل عن حق بناء الحصون والقلاع داخل أراضي الإمارة، فقبل السلطان عبد العزيز بذلك وأصدر فرمانًا في [[2 مارس]] [[1864]]، انسحب بموجبه الجيش العثماني وهدم القلاع التي كان قد شرع في استحداثها، وأنهى انسحابه في [[يونيو]] [[1864]].
 
=== ثورة الصرب ===
ثورة جزيرة [[كريت]] اندلعت أواخر [[1866]] لرغبة أهالي الجزيرة وهم في الغالب من [[الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية|اليونان الأرثوذكس]] الانضمام إلى [[مملكة اليونان]]، وقد حاولت [[مملكة اليونان|المملكة المذكورة]] دعم الثائرين، إلا أن هذا الدعم ظل محدودًا في إطار تقاعس الدول الأوروبية عن الموافقة على سلخ الجزيرة من أملاك [[الدولة العثمانية]].<ref name="أول"/> أرسل السلطان موفدًا شخصيًا إلى سكان الجزيرة اسمه كريدلي محمد باشا إلا أنه فشل في مهمة تقريب وجهات النظر بين الدولة الثوار، وفي أعقاب استقالة محمد رشدي باشا من الصدارة العظمى وإسنادها إلى محمد أمين عالي باشا في [[11 فبراير]] [[1867]]، أنهت الدولة مهام كريدلي باشا وأرسلت عوضًا عنه جيشًا كبيرًا بقيادة عمر باشا، الذي سطع نجمه في [[حرب القرم]]، كما أرسل [[الخديوي إسماعيل]] بناءً على طلب السلطان عبد العزيز جيشًا ليساعد في قمع التمرد، فقمع الجيشان المحتجين وأخمدا ثورتهم.<ref name="ثاني">تاريخ الدولة العلية العثمانية، مرجع سابق، ص.545</ref>
[[ملف:Abdülaziz.jpg|تصغير|يسار|عبد العزيز الأول أثناء رحلة سفر إلى أوروبا عام 1867]]
بعد الحسم العسكري، أرسل السلطان صدره الأعظم عالي باشا شخصيًا كمندوب سياسي عنه في [[14 أكتوبر]] [[1867]]، وسعى إلى تهدئة خاطر الأعيان بمنحهم رتبًا ونياشين، وبعد أن استتب الأمن أوائل عام [[1868]] قفل عائدًا إلى [[إسطنبول]].<ref name="ثاني"/> وبنتيجة هذه الثورة انعقد في عام [[1869]] مؤتمر خاص في [[باريس]] للدول الموقعة على اتفاق العام [[1856]] للتباحث بوضع الجزيرة، وبنتيجة المؤتمر أصدر السلطان في [[19 سبتمبر]] [[1869]]، فرمانًا يقضي بمنح الجزيرة امتيازات تجارية وإعفاءً من الضرائب لمدة سنتين، وإعفاءً من [[خدمة عسكرية|الخدمة العسكرية]].<ref name="ثاني"/>
 
=== حادثة سالونيك ===
في [[5 مايو]] [[1876]] وصلت إلى [[سلانيك|سالونيك]] فتاة [[بلغاريا|بلغارية]] أعتنقت [[إسلام|الدين الإسلامي]] ،فلما بلغ الأمر مسيحيي المدينة قبضوا عليها وحاول بعض المسلمين استراجعها ففشلوا، وتحول الأمر إلى فوضى طائفية، اغتيل خلالها قنصلا [[فرنسا]] و[[ألمانيا]].<ref>عصر السلطان عبد الحميد، محمد أبو عزة، دار الأهالي، دمشق 1998،ص.51</ref> غضبت [[أوروبا]] لمقتل قنصليها ورست سفن الأسطول الفرنسي قبالة سالونيك، وأمن الجند الألمان موكب جنازة حافل للقنصلين، ثم عقد وزراء خارجية [[روسيا]] و[[النمسا]] و[[ألمانيا]] اجتماعًا في [[برلين]] وأصدروا بيانًا صدقت عليه [[فرنسا]] و[[إيطاليا]]، طالب خلاله المجتمعون بتعيين مجلس دولي لمراقبة تنفيذ فرمان سلطاني كان عبد العزيز قد أصدره في [[12 ديسمبر]] [[1875]]، ينصّ إلى إصلاح أحوال مسيحيي الدولة، وطالب البيان أيضًا باستكمال تنفيذ الفرمان خلال مدة لا تتجاوز الشهرين، وإلا فإن الدول التي أصدرت البيان ستضطر لاستعمال القوة بهدف تنفيذ أحكام الفرمان السلطاني. لم يقبل السلطان بهذا البيان واعتبره مجحفًا بحقوق دولته،<ref name="ثالث">عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.52</ref> ولعلمه أيضًا بوجود خلافات بين دول أوروبا حول الحرب وعدم تصديق [[إنجلترا|إنكلترا]] على البيان، كما أنه قام بإعدام عدد من المسلمين بعد محاكمتهم بتهمة القتل العمد.<ref name="ثالث"/>
 
=== احتجاجات طلاب المعاهد الشرعية في الآستانة ===
في أواخر [[أبريل]] [[1876]] خرجت مظاهرة حاشدة مؤلفة من طلبة العلوم الدينية ورجال الدين والمشايخ بعد أن تجمعت أمام جامع السلطان محمد الفاتح، وسارت زاحفة نحو مبنى وزارة الحربية ثم نحو [[قصر طوب قابي|الباب العالي]] نفسه، منادية بإسقاط الصدر الأعظم محمود نديم باشا و[[شيخ الإسلام]] حسن فهمي أفندي، وفشل رجال الشرطة في تفريق المتظاهرين لعدم علمهم المسبق بالتظاهرة، كما فشلوا في منعهم من الوصول إلى مبنى الباب العالي حيث يقيم السلطان شخصيًا. أما محمود نديم باشا وحسن فهمي أفندي فقد تورايا عن الأنظار ثم غادرا [[إسطنبول]] خوفًا من الشعب الهائج.<ref>عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.53</ref> قرر المتظاهرون الاعتصام أمام [[قصر طوب قابي|الباب العالي]] حتى تحقيق مطالبهم، وفي مساء ذلك اليوم عقد السلطان اجتماعًا شارك فيه والدته مع وزير الخارجية ومحافظ [[إسطنبول]]، وقاضي عسكر الروم إيلي واثنين من كبار علماء الشريعة للبحث في قضية المتظاهرين.<ref name="رابع">عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.54</ref> أشارت والدة السلطان باستعمال القوة ضد المتظاهرين، وبضرورة إغلاق المعاهد الدينية وطرد طلابها خارج المدينة مع رفض قاطع لمطالبهم، غير أن بقية المجتمعين لم يستصوبوا رأيها، واقترحوا على السلطان أخذ الأمور باللين بعد أن شرحوا له الأخطار التي لا بدّ من وقوعها في حال تحولت الحركة إلى ثورة مسلحة في العاصمة، فوافق السلطان وجهة نظرهم، وقال بأنه يرضى بتحقيق مطالب المتظاهرين لمرة واحدة فقط.<ref name="رابع"/> وأصدر فرمانًا بتعيين [[خير الله أفندي]] شيخًا للإسلام، ولم يعين [[مدحت باشا]] صدرًا أعظم - كما كان يطالب من يتظاهر - بل أسند الصدارة العظمى إلى محمد رشدي باشا، وقد تفرق الاعتصام في أعقاب ذلك، قبل مرور أربع وعشرين ساعة على بدايته. يذكر أن مدحت باشا كان قد نصح السلطان بالتنازل عن مبلغ خمسة ملايين ليرة عثمانية من ثروته الخاصة لإنفاقها على الإصلاحات الضرورية، والعزوف عن فكرة تولية ابنه [[يوسف عز الدين]] ولاية العهد، فلم يرضَ السلطان، وكان ذلك من مقدمات خلعه.<ref name="خلع ثاني">عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.55</ref> وتكتسب هذه الحادثة أهمية خاصة لكونها قد وقعت قبل حادثة الخلع بأربعين يومًا فقط.<ref name="خلع ثاني"/>
 
== الإصلاحات الداخلية ==
وصفت [[مجلة الأحكام العدلية]] بأنها "أبرز مؤلف قانوني إسلامي في تاريخ الإسلام"،<ref>الدولة العثمانية: قراءة جديدة لعوامل الانحطاط، قيس جواد العزاوي، الدار العربية للعلوم، طبعة ثانية، بيروت 2003، ص.113</ref> وقد "دللت على ما [[فقه إسلامي|لفقه]] [[شريعة إسلامية|الشريعة]] من مرونة وتقبل للمعاصرة وقابلية للتقنين"،<ref>الدولة العثمانية: قراءة جديدة لعوامل الانحطاط، مرجع سابق، ص.113-114</ref> ويمكن تشبيه المجلة [[قانون الأحوال الشخصية|بقانون الأحوال الشخصية]] أو القانون المدني حاليًا. ترأس اللجنة التي وضعت المجلة [[أحمد جودت باشا]] والذي استعان بعدد وافر من مشترعي ذلك العصر، وبعد عمل دؤوب دام سبعة أعوام انتهت اللجنة من وضع ستة عشر مجلدًا من القوانين المستنبطة من [[حنفية|المذهب الحنفي]]، وصدرت عام [[1867]] لتنظيم مختلف أحوال الزواج والطلاق والإرث والبيع وغيرها،<ref>الدولة العثمانية: قراءة جديدة لعوامل الانحطاط، مرجع سابق، ص.114</ref> وشكلت أساسًا في تشريعات قوانين الأحوال الشخصية للمسلمين في عدد من الدول [[سوريا|كسوريا]] و[[لبنان]] و[[العراق]] و[[مصر]]، كما أنها لا تزال مطبقة حتى اليوم في [[قطاع غزة]].
=== توحيد الأفلاق والبغدان ===
بموجب [[مؤتمر باريس (1856)|معاهدة باريس]] لعام [[1856]] فإن لكل من [[أفلاق|الأفلاق]] والبغدان إمارة وحكومة ومجلس نواب تحت سلطة [[الدولة العثمانية]]، وفي عام [[1861]] توحدت الإمارتين في إمارة واحدة بمآل العرش إلى الأمير جان ألكسندر الأول، وقد اعترف [[قصر طوب قابي|الباب العالي]] بهذا التوحيد رغم أنه يخالف اتفاق باريس، بحيث يكون لهما حكومة واحدة ومجلس نيابي واحد. ومن الإصلاحيات الهامة التي وقعت خلال سلطنة عبد العزيز فيما يخصّ الأفلاق والبغدان، قرار الأمير جان ألكسندر الأول ومعه الحكومة ومجلس النواب بأن تكون الأوقاف ملكًا للحكومة وتقوم بتمويل [[كنيسة|الكنائس]] و[[أديرةدير (توضيح)|الأديرة]] منها، ما أدى إلى معارضة شديدة من [[بطريركية القسطنطينية المسكونية|بطريركية الآستانة]]،<ref>تاريخ الدولة العلية العثمانية، مرجع سابق، ص.538</ref> ومع تفاقم الخلاف عرض السلطان عبد العزيز في [[14 سبتمبر]] [[1863]] مشروع اتفاق ينصّ على دفع مبلغ 840,000 ليرة ذهبية لبطريركية الآستانة تكون فائدة المبلغ السنوية بمثابة تعويض عما ستخسره من أملاك، وبعد طول مفاوضات بين الأطراف المتنازعة رفع المبلغ إلى 1,500,000 ليرة ذهبية باقتراح من السلطان، ثم أصدر فرمانًا يجيز به تصرفات حكومة الأفلاق والبغدان في [[16 ديسمبر]] [[1863]]، وكذلك مجلس النواب الروماني، وبذلك استقلت الكنيسة في [[رومانيا]] استقلالاً إداريًا وماليًا، وقد أرسى الأمير سلسلة إصلاحات أخرى بيد أنه لم يستشر مجلس النواب في سن القوانين واستحداث الضرائب، فضغط الشعب عليه للاستقالة فقدمها عام [[1866]]، وانتخب الأهالي شارل دي هوهنزولرن من [[بروسيا]] أميرًا للبلاد فصدّق السلطان على الانتخاب.<ref>تاريخ الدولة العلية العثمانية، مرجع سابق، ص.539</ref>
 
=== فرمان الخديوية المصرية ===
[[ملف:Ismail Pacha.JPG|يمين|170بك|تصغير|[[الخديوي إسماعيل]]، أول [[خديوي]] [[مصر|لمصر]].]]
كانت الدولة العثمانية قد اعترفت عام [[1840]] [[محمد علي باشا|بمحمد علي]] واليًا على [[مصر]] وبأن تكون ولاية مصر محصورة بورثته، فرمان السلطان العثماني عبد المجيد الأول كان بضغط من دول الحلفاء إذ كان الباب العالي حينها يميل لخلع محمد علي من ولاية مصر برمتها ولذلك فإن فرمان منح مصر لمحمد علي وورثته جاء مقيدًا لتصرفاته من نواحي كثيرة كالجيش وعقد المعاهدات والإدارة المالية وغيرها. وبنتيجة العلاقة المميزة بين السلطان عبد العزيز و[[الخديوي إسماعيل|إسماعيل باشا]] مذ أن زار إسطنبول بعيد توليته عام [[1861]]، صدر خلال عهد السلطان عبد العزيز ثلاثة فرمانات متعلقة بمصر الأول أولها عام [[1866]] حصرت خلالها وراثة البلاد بأكبر أولاد إسماعيل باشا، والثاني في [[7 يوليو]] [[1867]] منح بها حاكم مصر لقب "[[خديوي]]" المشتق من [[لغة فارسية|اللغة الفارسية]] بمعنى "أمير" إلا أنه لم يستعمل في الدولة العثمانية إلا لحاكم مصر كدلالة على رفعة موقعه، وأخيرًا صدر فرمان شامل في [[10 يونيو]] [[1873]]،<ref>تاريخ الدولة العلية العثمانية، مرجع سابق، ص.554</ref> نظم مختلف نواحي الامتيازات، فأعاد التأكيد أن أكبر أولاد خديوي مصر هو من يرث العرش، فإن لم يوجد فأكبر إخوته الذكور ثم أكبر أولاد إخوته، ليعاد حصر المنصب من جديد بأكبر أولاد الخديوي الجديد.<ref name="فرمان">تاريخ الدولة العلية العثمانية، مرجع سابق، ص.555</ref> وأعلن في الفرمان ذاته عن إمكانية تعيين مجلس وصاية أو وصي على الخديوي إن كان قاصرًا، وحدد سن البلوغ بثمانية عشر [[تقويم إسلاميهجري|سنة هجرية]]؛ كذلك فقد مُنحت مصر حكم [[سواكن]] و[[مصوع]] على [[البحر الأحمر]]، ومنحت حكومتها حق إصدار القوانين واللوائح التنفيذية لها حسب حاجة البلاد،<ref name="فرمان"/> وكذلك صلاحية سن الضرائب وتحديد الرسوم الجمركية واحتكار بعض أوجه التجارة وعقد المعاهدات الداخلية والخارجية، وسائر أوجه المعاملات المالية.<ref>تاريخ الدولة العلية العثمانية، مرجع سابق، ص.556</ref> ومقابل ذلك، نصّ الفرمان أن الدولة العثمانية تحصل سنويًا على 150,000 كيس ليرات ذهبية، وفي عام [[1875]] منحت مصر أيضًا حكم زيلو.<ref name="ReferenceA">تاريخ الدولة العلية العثمانية، مرجع سابق، ص.559</ref>
 
وحين أراد الخديوي إسماعيل إبرام اتفاق شق [[قناة السويس]] بشروط مجحفة بحق المصريين - من ناحية أجور العمال وسيطرة الشركة على أراضي أطراف القناة وترعة مياه عذبة تشق من [[نهر النيل]] إلى القناة - رفض الباب العالي التصديق على الفرمان، وبعد أخذ ورد، اتفق على قبول مصر والشركة الفرنسية بشروط الباب العالي بشرط أن تدفع الحكومة المصرية 74 مليون فرنك للشركة المتعهدة تعويضًا عن خسائرها بتنفيذ شروط الباب العالي، وذلك بعد وساطة قام بها الإمبراطور [[نابليون الثالث]].<ref>تاريخ الدولة العلية العثمانية، مرجع سابق، ص.571</ref>
 
=== امتيازات الولاية التونسية ===
تمتعت [[تونس]] على الدوام بنوع من الاستقلال الذاتي بسبب بعدها عن الآستانة عاصمة الدولة، ومنذ أن احتلت [[فرنسا]] [[الجزائر]] عام [[1830]]، كانت تتوثب الفرصة لاحتلال تونس أيضًا. في سبيل ذلك اقترح الصدر الأعظم محمد أمين عالي باشا على السلطان إصدار فرمان يقنن [[فيدراليةفدرالية|الحكم الذاتي]] لتونس، ويضيف عليه امتيازات أخرى بهدف تقوية عرى العلاقة معها وقطعًا للطريق أمام [[فرنسا]]، فصدر الفرمان في [[24 أكتوبر]] [[1871]]،<ref name="ReferenceA"/> ومن أبرز الامتيازات التي تم منحها: حصر ولاية العهد بورثة باي البلاد، والسماح للباي باستحداث المناصب والهيئات المدنية والعسكرية وفضّها وإدارتها كما يراه مناسبًا، وإصدار القوانين والتشريعات في بلاده "طبقًا لقواعد العدل"، واحتفظ السلطان لنفسه بالخطبة والسكة وببقاء الأعلام والسناجق والمراتب الحربية كما هي في سائر أنحاء الدولة، فضلاً عن إلزامية إرسال الجيش التونسي أيام الحرب للمشاركة في الدفاع عن الدولة، ومبلغ مالي يقتطع سنويًا.<ref>تاريخ الدولة العلية العثمانية، مرجع سابق، ص.561</ref> وعمومًا فإن بعد هذه الامتيازات بعشر سنوات، تحديدًا في [[مايو]] [[1881]] احتلت فرنسا [[تونس]].
 
=== تعديل معاهدة باريس ===
في [[1870]] هزمت [[بروسيا]] و[[روسيا]] و[[ألمانيا]] [[فرنسا]]، وطالبت [[الإمبراطورية الروسية]] في أعقاب ذلك تعديل [[مؤتمر باريس (1856)|معاهدة باريس]] التي عقدت في أعقاب [[حرب القرم]] بحيث تزال الشروط التي اعتبرت مجحفة في حق روسيا،<ref name="تعديل">تاريخ الدولة العلية العثمانية، مرجع سابق، ص.566</ref> ولمناسبة ذلك انعقد الحلفاء في [[ألمانيا]] يوم [[13 مارس]] [[1871]] وأقرّوا منع السفن الحربية غير العثمانية من المرور من [[مضيقالبوسفور بوسفور(مضيق)|البوغاز]] مع وجود استثناء بحيث يمكن للسلطان تقديم رخصة للسفن الحربية في غير أحوال الحرب، كما سمحت التعديلات بملاحة السفن التجارية دون قيود في [[البحر الأسود]] ومضائق الدردنيل.<ref name="تعديل"/> وقد صدّق السلطان على أعمال هذا المؤتمر ومقرراته.
 
=== الإصلاحات القانونية ===
وفيرة هي القوانين الأخرى الإصلاحية التي صدرت بجهود السلطان عبد العزيز ومنذ بداية عهده، فقد أصدر في 4 فبراير 1862 قانون إنشاء البنك السلطاني العثماني، وفي 20 أغسطس نشر مجموعة من القوانين الناظمة للتجارة البحرية بعد أن كانت غير منظمة في السابق،<ref>الدولة العثمانية: قراءة جديدة لعوامل الانحطاط، مرجع سابق، ص.78</ref> وفي 1 أبريل 1864 أصدر [[قانون الأحوال الشخصية]] الخاص [[الديانة اليهوديةيهودية|بالطائفة اليهودية]] في الدولة العثمانية، ثم في 8 نوفمبر 1864 أصدر [[قانون الولايات العثمانية|قانون الولايات]] منح بموجبه مزيدًا من الصلاحيات على قاعدة [[فيدراليةفدرالية|اللامركزية الإدارية]] وحاول جاهدًا ضبط الفساد المستشري في أجهزة الحكم المحلية،<ref>الدولة العثمانية: قراءة جديدة لعوامل الانحطاط، مرجع سابق، ص.78-79</ref> وفي 16 يونيو 1867 أصدر القانون الناظم لتملك الأجانب للعقارات في الدولة العثمانية، وفي 2 أبريل 1868 أنشأ السلطان مجلس شورى الدولة "شوراي دولت" الذي تميز بطابع شبه دستوري، وشملت اختصاصاته إعداد مشاريع القوانين للدولة وإبداء الرأي للوزارات بالمسائل الخاصة بتطبيق القوانين، كما كان بمثابة محكمة ينظر بالقضايا الإدارية ويُحاكم الموظفين المتهمين بالانحراف.<ref>عبد العزيز محمد الشناوي: الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها – مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة – 1984م. الجزء الرابع، صفحة 1722</ref> وقد وُصف هذا المجلس بأنه بداية انطلاق ل[[مجلس أدنى|مجلس النواب]]، إلى جانب استحداث محكمة عثمانية عليا هي الأولى من نوعها. وفي 1 يونيو 1868 أصدر أول قانون ناظم للجنسية العثمانية منذ قيام الدولة؛ وفي 4 أبريل 1869 أصدر قانونًا ناظمًا لعمل المحاكم النظامية، كما أصدر عام 1875 قانونًا بإعادة تنظيم القضاء ونقل المحاكم التجارية إلى اختصاص وزارة العدل.<ref>الدولة العثمانية: قراءة جديدة لعوامل الانحطاط، مرجع سابق، ص.79</ref> يذكر أنه أراد إلغاء وزارة الأوقاف وأصدر فرمانًا بذلك في [[21 فبراير]] [[1871]] إلا أنه عاد وألغاه؛ ولعلّ أكبر حزمة قوانين إصلاحية صدرت عام 1874 وشكلت أساسًا للدستور العثماني الذي صدر لاحقًا خلال عهد عبد الحميد الثاني لفترة وجيزة ثم عطل، وقد نصّت قوانين عبد العزيز لعام 1874 على الفصل بين السلطة التنفيذية والقضائية واعتبار أموال جميع العثمانيين وناموسهم وأعراضهم مصونة، والتأكيد على المساواة بين جميع رعايا الدولة.<ref>الدولة العثمانية:قراءة جديدة لعوامل الانحطاط، مرجع سابق، ص.114</ref> كذلك فقد أنشأ أول سكة حديد في إسطنبول، وأدخل نظام [[طوابعطابع (توضيح)|الطوابع البريدية]]، بالإضافة إلى افتتاح مدرسة ثانوية جديدة عرفت باسم "[[مدرسة غلطة سراي|غلطة سراي]]" 1868 ضمت مختلف قوميات ومذاهب الدولة العثمانية. أما على الصعيد الحربي فقد اهتمّ عبد العزيز بتحديث الأسطول البحري على وجه الخصوص، وربما يعود السبب في ذلك لما رآه من نظام وانضباط في [[البحرية الملكية البريطانية|البحرية البريطانية]] خلال زيارته [[المملكة المتحدة|بريطانيا]]، حتى غدا الأسطول العثماني ثالث أكبر أسطول في العالم بعد الإنكليزي والفرنسي. وعلى صعيد الجيش، فقد اشترى أسلحة حديثة من أوروبا، وجدد دار المدفعية المعروفة باسم "الطوبخانة" وأدخل نظامات وتنسيقات عديدة في الجيش.
 
== ولاية العهد ==
=== علاقته بالأميرين مراد وعبد الحميد ===
[[ملف:1840 1904 5murat.jpg|يمين|150بك|تصغير|[[ولي العهد]] الأمير [[مراد الخامس|مراد أفندي]].]]
لم تكن علاقة السلطان عبد العزيز [[مراد الخامس|بالأمير مراد]] ولي عهده جيدة، صحيح أنه لم يقتل أولاد أخيه كما كانت عادة سلاطين آل عثمان الأوائل، بل اعتقلهم في [[قصر طولمة باغجة|قصر دولمة بهجة]] فقط،<ref name="ولاية">عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.82</ref> وشدد المراقبة عليهم. وفي زياراته الخارجية اصطحب معه ولي عهده الأمير مراد، الذي ذاع صيته في [[أوروبا]] لكونه متعلمًا يجيد [[لغة فرنسية|الفرنسية]] والعزف على الآلات الموسيقية، حتى أن [[نابليون الثالث]] والإمبراطور غليوم قد احتفوا به أشد احتفاء ما سبب اغتياظ السلطان.<ref name="ولاية"/> وبعد عودته إلى [[إسطنبول]] ضاعف التضييق على الأمير مراد وشدد مراقبته ومنعه من التجول خارج القصر سيرًا، وسمح له من حين إلى آخر بالتنزه في مركبة مغلقة لا يراه فيها الناس بشرط أن يستحصل على أمر منه في كل مرة يود الخروج فيها، ثم عمد إلى تخفيض نفقاته فاضطر الأمير للجوء إلى المرابين.<ref name="ولاية"/> وقد كتب لأحد أصدقاءه: ''"إن الجهل منتشر ويا للأسف بين نسائنا انتشارًا شنيعًا، وربما ترتاب في صحة قولي لو شرحت لك ما يعتيرني من الحزن والانقباض والكره في أثناء وجودي في دائرة الحريم، إن الأوقات التي أقضيها هناك هي عبارة عن عذاب أليم بالنسبة لي وضجر عظيم يكاد يقتل النفس."''<ref>عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.83</ref> على العكس من ذلك فإن علاقة السلطان [[عبد الحميد الثاني|بعبد الحميد]] كانت قوية للغاية وربما يعود السبب في ذلك لكون والدة السلطان عبد الحميد توفيت وهو صغير، فاعتنت به وربته والدة السلطان عبد العزيز بروتونيال خانم، ولذلك تمتع عبد الحميد بالحرية وبثقة السلطان، وظل يستقبله في قصره في أكثر الأوقات ويباحثه بمختلف شؤون الدولة.<ref>عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.94</ref>
 
=== محاولة تغيير قواعد ولاية العهد ===
بحسب التقاليد العثمانية التي لم تمس منذ نشوء الدولة عام [[1299]]، فإن العرش ينتقل إلى أكبر أفراد أسرة آل عثمان الذكور، ومنذ أن أصدر عبد العزيز الفرمان القاضي بتطبيق ولاية العهد بأكبر أولاد [[الخديوي إسماعيل]] وخلفاءه في [[مصر]] وحتى خلعه، وهو يحاول بدعم من صدره الأعظم محمود نديم باشا تحقيق القاعدة نفسها لتولية ابنه [[يوسف عز الدين]] الحكم، إلا أنّ الحركة قد ولدت معارضة قوية في أوساط علماء الدين وأيضًا أسرة آل عثمان، غير أن ما أعاق تطبيقها فعليًا هو الخلافات [[الإمبراطورية الروسية|الروسية]] - [[بريطانياالمملكة المتحدة|البريطانية]] حول القضية.<ref name="خلاف">عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.49</ref>
 
إذ كانت [[الإمبراطورية الروسية]] تعضد فكرة ولاية العهد [[يوسف عز الدين|ليوسف عز الدين]] أما [[المملكة المتحدة|بريطانيا]] فكانت تود المحافظة على قانون الوراثة كما هو، خصوصًا أن [[مراد الخامس|الأمير مراد]] مدعوم من قبل حركة "الأحرار العثمانيين" المطالبين بالإصلاح.<ref name="خلاف"/> وقد وصل التوتر لدرجة أن أرسلت بريطانيا أسطولها من [[البحر الأبيض المتوسط]] نحو [[دردنيل|الدردنيل]] بعد أن أشيع في الآستانة أن روسيا على وشك إرسال أربعين ألف جندي روسي من [[أوديسا]] لإرغام المعارضين على قبول ولاية العهد ليوسف عز الدين، وكان من بين مقدمات تولية [[يوسف عز الدين]] أنه ارتقى حتى رتبة مشير وهو لم يتجاوز العشرين من العمر.<ref name="خلاف"/> ويضع المؤرخون إصرار عبد العزيز على تعديل أصول الوراثة حتى أواخر أيام عهده سببًا رئيسيًا من أسباب خلعه.
 
== إفلاس الدولة ==
{{مفصلة|الدين العام العثماني}}
[[ملف:Ottoman Bank.jpg|يسار|230بك|تصغير|مقر البنك السلطاني العثماني.]]
مع انخفاض واردات [[الدولة العثمانية]] المالية،<ref>هناك عدة أسباب لذلك منها نفقات القصر السلطاني الباهظة، وتحول التجارة إلى البحار الشرقية، والامتيازات الأجنبية، وقد بدأت هذا الانخفاض منذ [[القرن 15|القرن الخامس عشر]]. انظر، الدولة العثمانية:قراءة جديدة لعوامل الانحطاط، مرجع سابق، ص.34</ref> وتزايد النفقات خاصة النفقات الحربية إبان الحروب مع [[محمد علي باشا]] في [[بلاد الشام]]، والحرب مع [[مملكة اليونان]] و[[حرب القرم]]، ومنذ عام [[1854]] وخلال عهد السلطان [[عبد المجيد الأول]]، أخذت الدولة العثمانية تقترض من الخارج، واستمرت في هذه السياسة خلال عهد السلطان عبد العزيز، تزامن ذلك مع انخفاض قيمة النقد العثماني وارتفاع عجز موازنة الدولة، حتى قدرت بخمسة وثلاثين مليون لدى بداية عبد العزيز لحكمه، حتى أخذت الدولة تعمد إلى الاستدانة لدفع أقساط قروضها السنوية.<ref>الدولة العثمانية: قراءة جديدة لعوامل الانحطاط، مرجع سابق، ص.71</ref>
 
حاول عبد العزيز إصلاح الوضع باختصار نفقات بلاطه، وألغى نظام الحريم إلا أن الشق كان أوسع من أن يستطيع رتقه.<ref name="إفلاس ثاني">الدولة العثمانية:قراءة جديدة لعوامل الانحطاط، مرجع سابق، ص.71-72</ref> ثم أصدر في [[21 يناير]] [[1862]] فرمانًا يقضي باستحداث موازنة سنوية للدولة وفق القواعد المحاسبية الحديثة لمقابلة المصروفات بالإيرادات، ثم أصدر فرمانًا آخر في [[17 يونيو]] [[1862]] يقضي بسحب سندات الديون ودفع 40% من قيمتها، وتوزيع سندات جديدة بقيمة 60% منها، وقد اقترضت الدولة العثمانية ثمانية ملايين [[جنيه إسترليني|جنيه استرليني]] لإتمام العملية، ثم اقترضت ثمانية ملايين أخرى من البنك العثماني بما يشبه الديون الداخلية لإتمام عملية الدفع.<ref name="إفلاس ثالث">الدولة العثمانية:قراءة جديدة لعوامل الانحطاط، مرجع سابق، ص.72</ref> شكلت عملية تخفيض قيمة السندات بنسبة 40% مع اقتصاد السلطان بنفقات القصر ما يكفي من الأموال لسداد الفوائد المرتبة على القروض وبالتالي نجاحًا نسبيًا في حل الأزمة، لكن في [[ديسمبر]] [[1865]] استحقت السندات ولم يكن لدى الخزينة ما يكفي من الأموال لسداد الفوائد المترتبة، وقد حاولت الدولة الاقتراض من الخارج ففشلت، فاقترضت من البنك العثماني مقابل ضمانات الضرائب، وقسطت عملية الدفع كل ثلاثة أشهر وبذلك استقرت مالية الدولة مؤقتًا.<ref>إفلاس ثالث</ref> غير أن الانتكاسة عادت مع استمرار الاقتراض، فمنذ [[حرب القرم]] وحتى إعلان الدولة لإفلاسها عام [[1875]]، كانت الدولة قد أبرمت أحد عشر قرضًا أغلبهم في عهد عبد العزيز ولذلك وصف من قبل المؤرخين بالمبذر،<ref name="إفلاس ثالث"/> وقد بلغت قيمة القروض 5300 مليون [[فرنك فرنسي]] لم تستلم الدولة منهم سوى 3012 مليون أي 57% من القيمة الاسمية، إذ حسمت البنوك الفرنسية والإنكليزية الفوائد سلفًا، لضعف الثقة بالاقتصاد العثماني.<ref>الدولة العثمانية:قراءة جديدة لعوامل الانحطاط، مرجع سابق، ص.73</ref> كما أن ما ساهم بتفاقم الأزمة رهن الدولة لإيراداتها الثابتة كضمان لسداد القروض فخصصت الأتاوة السنوية من [[مصر]] ضمانًا للقرض المبرم عام [[1854]] ومداخيل جمارك [[ولاية سوريا]] و[[إزمير|أزمير]] ضمانًا للقرض المبرم عام [[1855]]، وفي النهاية اعترف [[صدر أعظم|الصدر الأعظم]] محمود نديم باشا في [[5 نوفمبر]] [[1875]] بإفلاس الدولة مع عجزها عن سداد القروض، فمنحها الدائنون قرضًا جديدًا طويل الأجل مقابل ضمان الضرائب غير المباشرة وضرائب الأغنام وأتاوة مصر.<ref>عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.50</ref>
 
بلغ دخل الدولة مع نهاية عهد عبد العزيز عام [[1867]] 380 مليون فرنك، يتحتم اقتطاع مبلغ 300 مليون فرنك أقساطًا للضرائب، ليتبقى 80 مليون فقط لكافة مصاريف الدولة لعام كامل، لذلك كانت الدولة مضطرة للعودة إلى الاستدانة بعد حل قضية إفلاسها الأول، فقعدت قرضًا بفائدة 24% عام [[1876]] قيمته ثلاثين مليون ليرة، واستمرت في هذه السياسة خلال عهد [[عبد الحميد الثاني]]، فأبرمت اثني عشر قرضًا وأعلنت إفلاسها مرتين عام [[1879]] و[[1881]]، وهو ما دفع السلطان لإصدار "مرسوم محرم" الذي وحّد ديون الدولة ونقل إدارتها من وزارة المالية العثمانية، إلى [[إدارة الدين العام العثماني|مجلس إدارة الدين العام العثماني]] المكون من أصحاب السندات في مصارف [[أوروبا]].<ref>عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.266</ref>
 
== الزيارات الخارجية ==
درج سلاطين آل عثمان على قيادة الجيوش بأنفسهم، وظل معمولاً بهذا التقليد حتى عهد السلطان [[سليمان القانوني]] في [[القرن 16|القرن السادس عشر]]، ومنذ [[القرن 16|القرن السادس عشر]] حين أبطل [[سليم الثاني]] هذه العادة وحتى [[القرن 19|القرن التاسع عشر]] لم يغادر سلطان عثماني عاصمته الآستانة مطلقًا،<ref>عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.46</ref> باستثناء بعض السلاطين كمراد الرابع و<nowiki/>[[مصطفى الثاني]] الذين خرجوا في حملات أو السلاطين الذين سكنوا [[أدرنة]]. وفي عهد السلطان عبد العزيز كُسر التقليد، فزار السلطان [[مصر]] عام [[1863]] ثم زار [[أوروبا]] عام [[1867]]، وكان بذلك السلطان العثماني الوحيد الذي قام بجولات وزيارات خارجية ديبلوماسية.
 
عندما تولى [[الخديوي إسماعيل|إسماعيل باشا]] شؤون ولاية مصر سافر إلى [[إسطنبول]] شخصيًا وعمل على نسج علاقات طيبة مع السلطان عبد العزيز حين قدّم له فروض الطاعة شخصيًا واقترح عليها خلال الزيارة زيارة السلطان لمصر، وكان آخر سلطان عثماني قد زارها هو [[سليم الأول]] عام [[1517]]، فوعده السلطان بتحقيق طلبه. غادر السلطان [[إسطنبول]] عن طريق البحر في [[3 أبريل]] [[1863]] على متن اليخت السلطاني "فيض جهاد" بعد أن أناب صدره الأعظم محمد أمين عالي باشا إدارة البلاد خلال غيابه، واصطحب معه [[محمد فؤاد باشا|فؤاد باشا]] وابنه [[يوسف عز الدين]] وولي عهده [[مراد الخامس]] وأخيه [[عبد الحميد الثاني]].<ref>عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.46 - 47</ref> رست سفينة السلطان في [[الإسكندرية]] يوم [[7 أبريل]] حيث استقبله إسماعيل باشا على متن اليخت الملكي في ميناء [[الإسكندرية]]، وفي [[9 أبريل]] انتقل بالقطار قاطعًا [[دلتا النيل|دلتا النيل الخضراء]] حتى [[القاهرة]] حيث أقام في [[قصر الجوهرة]] داخل [[قلعة القاهرة (توضيح)|قلعة القاهرة]]، وقد أعجبه جدًا القطار كما أعجب بالمدن المصرية الغربية النسق، وعمومًا فإن [[مصر]] خلال عهد [[الخديوي إسماعيل]] كانت تحوي من المؤسسات الزراعية والصناعية والمؤسسات التجارية ومن وسائل النقل بما فيها القطار والطرقات المعبدة ما لم يكن موجودًا في [[إسطنبول]] نفسها، لذلك فقد كانت إحدى أهداف الزيارة محاولة الاقتباس من الإصلاح في [[مصر]] ومحاولة تطبيقه على سائر أنحاء الدولة.<ref name="زيارة">عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.47</ref> ومن الأمور التي زارها السلطان خلال إقامته [[حي شبرا|شبرا]] و[[الجيزة (توضيح)|الجيزة]] وقبر [[محمد علي باشا]] و[[أهرام الجيزة|الأهرام]] في [[14 أبريل]] وترأس حفل محمل الحج إلى [[مكة]] وختم الزيارة في [[16 أبريل]]، وقد خلع على [[الخديوي إسماعيل|إسماعيل باشا]] سيف الشرف العثماني وعلى أمه أكبر وسام عثماني فأصبح اسمها "الوالدة باشا"،<ref name="زيارة"/> وقد قامت صداقة متينة بين السلطان وإسماعيل باشا توجت بصدور مرسوم الخديوية المصرية عام [[1867]].
 
== الصدور العظام في عهده ==
{{مفصلة|الصدر الأعظم}}
[[ملف:Mehemet aali.jpg|يسار|180بك|تصغير|محمد أمين عالي باشا، مكث في منصب [[صدر أعظم|الصدر الأعظم]] أربع سنوات ونيّف بين [[1867]] و[[1871]] خلال عهد السلطان عبد العزيز.]]
تعاقب في عهد السلطان عبد العزيز الذي قارب الخمس عشر عامًا اثني عشر وزارة رأسها ثمانية صدور عظام،<ref>[http://www.hukam.net/family.php?fam=464 كبار الوزارة في الدولة العثمانية]، الأسر والسلالات الحاكمة، 31 آب 2011. {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20171003075334/http://www.hukam.net/family.php?fam=464 |date=03 أكتوبر 2017}}</ref> أولهم محمد أمين عالي باشا، الذي أبقاه في منصبه مع وزارته المشكلة في عهد سلفه [[عبد المجيد الأول]]، ثم أقاله في [[نوفمبر]] [[1861]] وعين [[محمد فؤاد باشا]] صدرًا أعظم للمرة الأولى ثم استبدل يوسف كميل باشا به في [[يناير (شهر)|يناير]] [[1863]]، ثم أعيد [[محمد فؤاد باشا]] مرة ثانية للصدارة العظمى في [[يونيو]] [[1863]]، وحاول العمل على إصلاح الدولة التي كانت على شفا [[إفلاس|الإفلاس]] لكنه فشل في ذلك واضطر للعودة إلى الاستدانة من بنوك الغرب.<ref>تاريخ الدولة العلية العثمانية، مرجع سابق، ص.540</ref> استمرّ محمد فؤاد باشا حتى [[يونيو]] [[1866]] حين وجه عبد العزيز منصب الصدارة إلى محمد رشدي باشا، وقد شهدت صدارته قلاقل [[الجبل الأسود]] و[[صربيا|الصرب]] وتوحيد الأفلاق والبغدان، وقد استقال بداعي السن في [[11 فبراير]] [[1867]] فعين محمد أمين عالي باشا للمرة الثانية، وقد قمعت في عهده ثورة كريت وسافر بنفسه من [[إسطنبول]] إليها ليساهم في رأب الصدع بعد قمع العثمانيين لأهالي الجزيرة، وكذلك أصدر [[مجلة الأحكام العدلية]] وامتيازات الخديوية في حكم [[مصر]]، وقد توفي محمد أمين عالي باشا في [[سبتمبر]] [[1871]] بعد صدارة طيلة دامت أربع سنوات،<ref>الدولة العلية العثمانية، مرجع سابق، ص.545</ref> فأعقبه فترة من الاضطرابات في إسناد المنصب فأسند أولاً إلى محمد نديم باشا، ثم أقيل عام [[1872]] وعين [[مدحت باشا]] لشهرين فقط بين [[يوليو]] و[[سبتمبر]] [[1872]] إذ كان السلطان معجبًا بقدرته على إدارة الأعمال، ولكن لما رآه شديد الاستقلال في رأيه ولا يقبل تدخلات [[قصر طوب قابي|الباب العالي]]، عزله ونفاه إلى [[سلانيك|سالونيك]] ووجه المنصب ثانية لمحمد رشدي باشا،<ref>عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.179</ref> وبعد أقل من ستة أشهر استبدل بأحمد أسعد باشا في [[فبراير]] [[1873]] إلا أنه أقيل سريعًا في [[مايو]] [[1873]]، وخلفه [[حسين عوني باشا]] ثم عاد محمود باشا ثانية في [[أغسطس]] [[1875]]،<ref>تاريخ الدولة العلية العثمانية، مرجع سابق، ص.567</ref> وفي عهده الثاني أشهرت الدولة [[إفلاس]]ها وثار طلاب المعاهد الدينية في [[إسطنبول]] ضده، فعزله السلطان وعينّ محمد رشدي باشا للمرة الرابعة في [[12 مايو]]، وهو آخر صدور عهد عبر العزيز، ففي [[30 مايو]] [[1867]] خلع السلطان.
 
== آثاره العمرانية ==
[[ملف:Bedroom of Sultan Abdulaziz Dolmabahce March 2008pano.jpg|تصغير|200بك|غرفة نوم السلطان عبد العزيز في [[قصر طولمة باغجة|قصر دولمة بهجة]]، مقرّه الرسمي.]]
رغم الضائقة المالية التي عاشتها [[الدولة العثمانية]] أيام عبد العزيز إلا أنه بنى عددًا من القصور والسرايات، فبنى سرايا بكلربكي على ضفة [[مضيقالبوسفور بوسفور(مضيق)|البوسفور]] في سفح تل بلفوري، وقد شيدت من [[رخام|الرخام الأبيض]] وكان لها رصيف على الشاطئ،<ref>عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.136</ref> وكذلك بنى قصر جراغان الكائن بين منطقة [[بشكطاش]] وأورفة كوري على شكل مستطيل قرب شاطئ البحر أيضًا وقد كلف إنشاؤه مليون ونصف مليون ليرة عثمانية، وقد تحولت إلى مقر لمجلسي الأعيان والمبعوثان العثماني وفيها قضى عبد العزيز و[[مراد الخامس]] و[[مصطفى كمال أتاتورك|كمال أتاتورك]] أيامهم الأخيرة.<ref name="عمران">عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.137</ref> كذلك فقد شيّد مسجد جامع في [[مالطا|مالطة]]،<ref>[http://www.google.com/url?sa=t&source=web&cd=1&ved=0CBgQFjAA&url=http://www.dr-mahmoud.com/content/view/246/40/&rct=j&q=مسجد%20مالطة%20السلطان%20العثماني%20عبد%20العزيز&ei=2_NgTs2aBo_0sgbh_ZToDQ&usg=AFQjCNFV6Z1Wgx4AoADj0mxJ7HO881Z51Q&cad=rja السلطان عبد العزيز ومسجد مالطة]، موقع محمود، 2 أيلول 2011.</ref> واستحدث توسيعات في مجمع [[قصر يلدز]] فاستحدث فيه قصر شيت وقصر الجادر وبيوك الما بين، ووصله بجسر مع قصر جراغان.<ref name="عمران"/>
 
رغم ذلك فإن المقر الدائم لحكم عبد العزيز كان [[قصر طولمة باغجة|قصر دولمة بهجة]] والذي اتخذه سلفه [[عبد المجيد الأول]] مقرًا أيضًا وهو مبني على طراز عربي فهم وذو أثاث مكلف فهو يحوي ثريات ذات 250 شمعة ومرايا بطول 30 مترًا وقد كلفت هذه السرايا ثمانية ملايين ليرة عثمانية.<ref>عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.135</ref> ولم يسكن عبد العزيز في [[البابقصر طوب العاليقابي|قصر الباب العالي]] إلا في الاستقبالات الخاصة بالأعياد وتكليف الوزراء وإذاعة القوانين التي كانت تتم من "غرفة الخرقة الشريفة" وسائر الاحتفالات الرسمية.<ref>عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.138</ref>
 
== نهاية السلطان ==
 
=== خلع السلطان ===
مساء الاثنين [[29 مايو]] [[1876]] توجه سليمان باشا رئيس المدرسة الحربية في الآستانة ومعه رديف باشا إلى ثكنات الجيش في كموش صوي وطاش قشلة كما توجه أحمد باشا إلى الأسطول العثماني، وأصدر سليمان باشا أمر احتلال طريق بشكطاش المؤدية والحدائق المحيطة [[قصر دولمةطولمة بهجةباغجة|بقصر دولمة بهجة]]،<ref name="خلع ثالث"/> وفي الوقت نفسه أغلق الأسطول حركة القوارب في البحر قطعًا للمواصلات بين القصر والبحر، وبعد اشتباكات خفيفة مع مخافر الحرس السلطاني سلّم هؤلاء سلاحهم، وربما كان التهديد بقصف القصر من البحر عاملاً أساسيًا في ذلك.<ref name="خلع ثالث"/> وعلى هذه الشاكلة غدا السلطان محاصرًا، ويذكر أن طلاب المدرسة الحربية الذي احتلوا الطريق إلى القصر وحدائقه لم يكونوا يعرفون ما يقومون بفعله إلى أن خطب فيهم سليمان باشا وبرر الفعل بتبذير السلطان وإطلاقه يد [[روسيا]] في شؤون الدولة.<ref name="خلع ثالث"/>
 
في الساعة الثالثة من فجر الثلاثاء، دخل سليمان باشا ومعه ثلة من الضباط إلى قصر جراغان حيث كان يقيم [[مراد الخامس|الأمير مراد]] ليخبروه بارتقائه العرش، ونقلوه إلى مبنى وزارة الحربية حيث كان الوزراء في انتظار "الخليفة الجديد"، وبعد وصوله وأمام الوزراء وكبار الضباط ونقيب الأشراف وشريف [[مكة]] قرأ [[شيخ الإسلام]] فتوى خلع السلطان،<ref name="خلع رابع">عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.65 - 67</ref> وبعد أن تمت قراءة الفتوى أطلقت المدفعية مائة طلقة وطلقة معروفة باسم "مدافع الجلوس" وسار المنادين في شوارع الآستانة يخبرون بحادثتي الخلع والارتقاء، وقيل أن سكان الآستانة قد ابتهجوا بهذا الانقلاب، ولم يأسف أحد على خلع السلطان لا في الداخل ولا في الخارج عدا قيصر روسيا وسفيره في الآستانة، وعمومًا فإن القول مبالغ فيه، إذ كان للسلطان أنصاره في الدولة.<ref name="خلع ثالث"/>
=== قتله أو انتحاره ===
[[ملف:Mausoleum of Sultan Mahmud II - sarcophagus of Sultan Adbulaziz - P1030837.JPG|يسار|240بك|تصغير|قبر السلطان عبد العزيز قرب قبر والده [[محمود الثاني]]، وقد دفنت بقربه أيضًا عدد من زوجاته.]]
قام رديف باشا بإبلاغ السلطان عبد العزيز نبأ خلعه بعد مبايعة [[مراد الخامس]]، وكان عبد العزيز قد استيقظ بعد أن سمع مدافع الجلوس، وقد اعتراه القلق لظلنه أن المدافع تطلق على "العدو" وأن حربًا قد نشبت في [[إسطنبول]]،<ref>تاريخ الدولة العلية العثمانية، مرجع سابق، ص.580</ref> ولم يبد عبد العزيز أي مقاومة بعد أن رأى الجند يحاصرون القصر، غير أن والدته قد انهلت على رديف باشا بقوارص الكلام.<ref name="خلع رابع"/> وقد غادر عبد العزيز القصر إلى [[البابقصر العاليطوب قابي|قصر الباب العالي]]، بزورق يرافقه اثنين من أولاده هما [[يوسف عز الدين]] ومحمود جلال الدين، وتبعته زوارق أخرى تحمل أمه ونساءه وجواريه وخدمه،<ref name="خلع رابع"/> وفي أعقاب مغادرته القصر اتجه موكب [[مراد الخامس]] من مبنى وزارة الحربية إلى [[قصر طولمة باغجة|قصر دولمة بهجة]].
 
قضى السلطان في [[البابقصر العاليطوب قابي|قصر الباب العالي]] ثلاثة أيام، ثم أرسل إلى [[مراد الخامس]] رسالة يطلب فيها نقله لقصر جراغان لكونه لا يحب قصر الباب العالي، فأجابه السلطان الجديد لطلبه.<ref name="خلع خامس">عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.68-69</ref> ويقول الكونت دي كيراتيري في كتابه "تاريخ السلطان مراد الخامس" أن السلطان قد منع من التجول خارج القصر الذي أحيط بثلاث صفوف من الجند، ولم يستطع النوم طوال الليلة الرابعة من بعد خلعه، فتلاشت قواه مع الفجر فأخذ يطيل التأمل والتفكير مع إطلاق شتائم بحق [[حسين عوني باشا]]، ثم غرق في النوم ولدى استيقاظه بدت علائم الارتياح على وجهه، وقد طلب قراءة الصحف التركية ثم طلب مقصًا ومرآة ليشذب لحيته كما كانت عادته، ثم طلب من الخدم ووالدته مغادرة الغرفة. وبحسب الرواية الأولى فإن السلطان إذاك قطع بالمقص عروق يده اليمنى فنزف الدم لمدة لا تقل عن عشرين دقيقة قبل أن يخرّ السلطان على الأرض، فأحدث انقلاب جسمه صوتًا سمعه من كان في الطابق السفلي، وعندما قدم الخدم وأمناء القصر شاهدوا السلطان يتخبط ولم يكن قد لفظ أنفاسه بعد، ولكن وقبل وصول الأطباء كان قد مات.<ref name="موت">عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.72</ref> ترأس حسين عوني باشا التحقيق، وعاونه تسعة عشر طبيبًا بينهم أطباء السلطان وأطباء السفراء والقناصل، وبعد ساعتين من التحقيق أصدروا بيانًا جاء فيه أن سبب الموت هو [[انتحار|الانتحار]].<ref name="موت"/> الرواية الثانية تقول أن حسين عوني باشا ورديف باشا تخوفا من عودة السلطان المخلوع، فأرسلا أربع رجال إلى القصر، وهو نائم فثبتوه في مكانه، ثم قام أحدهم بأخذ مقص كان بالقرب منه وقطع عروق السلطان، ثم اتهم [[مدحت باشا]] خلال عهد [[عبد الحميد الثاني]] بذلك، وأمر السلطان بقتله فقتل في [[الطائف]] عام [[1883]].<ref name="موت"/> على أن حسين عوني باشا ومحمد رشدي باشا قد لقيا مصرعهما في [[16 يونيو]] على يد أحد مرافقي الأمير [[يوسف عز الدين]] ابن السلطان المخلوع، بسبب تداول اسميهما في صحف الآستانة على أنهما متورطان في قتله، وقد دفن قرب والده السلطان [[محمود الثاني]].
 
إن حادثة موت السلطان عبد العزيز الأول تعد من النقاط الحاسمة في التاريخ العثماني، ولم يختلف المؤرخون في تفاصيل قضية كاختلافهم في دقائق وتفاصيل هذه الحادثة التي لا يزال تأكيدها بشكل قاطع غير ممكن، وحتى المؤلفات والوثائق التي نشرت بعد انهيار الدولة في ظل [[تركيا|الجمهورية التركية]] والتي كان يؤمل أن تكشف الستار عما خفي في هذه القضية من أسرار لم تأت بجديد، وإن كانت أغلب الروايات تميل إلى رواية الانتحار.<ref name="موت"/> حتى أهل الآستانة وضعوا أغان وقصائد حزينة لما بلغهم مصرع السلطان عبد العزيز وتعاطفوا معه،<ref name="موت ثاني">عصر السلطان عبد الحميد، مرجع سابق، ص.73</ref> ومن أبرز تلك القصائد التي تبنت رواية القتل، تلك التي نظمها كمال باشا ومطلعها:<ref name="موت ثاني"/>
{{بيت|''دين ودولت خائتي برقاج ملاعين يزيد''|''إيمشلر حضرت عبد العزيز خان شهيد''}}
{{نهاية قصيدة}}
وقد [[تعريب (لغة)|عرّبها]] [[أديب إسحاق]] مع الحفاظ على وزنها لأصلي فكانت:
{{بداية قصيدة}}
{{بيت|''خونة للدين والدنيا من قوم [[يزيد بن معاوية|يزيد]]''|''قتلوا عبد العزيز المرتضى فهو شهيد''}}
أما الذي اعتقدوا أنه مات منتحرًا فقد ألفوا أغنية على لسان عبد العزيز يقول مطلعها:<ref name="موت ثاني"/> "''محنتي دنيا جكلمزطو برجان إيجون''"، ومفادها: "''إن محن الدنيا، لا يجب أن يتحملها إنسان حرصًا على نفسه."''
 
المؤرخ والكاتب التركي "[[قادر مصر أوغلي|قدير مصراوغلو]]" ألف كتاباً بعنوان "سلطان عبد العزيز السلطان المظلوم" يدافع فيه عن سياسة السلطان في الحكم.<ref>[http://sebilyayinevi.com/index.php?route=product/product&filter_name=Sultan Abdülaziz &page=4&product_id=98صفحة الكتاب على الموقع] {{وصلة مكسورة|تاريخ= يونيو 2019 |bot=JarBot}}</ref>
 
==انظر أيضا==
[[تصنيف:وفيات في القسطنطينية]]
[[تصنيف:وفيات في إسطنبول]]
[[تصنيف:السلالة العثمانية]]