افتح القائمة الرئيسية

تغييرات

لا تغيير في الحجم، ‏ قبل 8 أشهر
{{رسالة توضيح|الصوفية|صوفية (توضيح)}}
{{رسالة توضيح|التصوف|تصوف (توضيح)}}
{{رسالة توضيح|الصوفي|صوفي (توضيح)}}{{حيادية}}{{تصوف}}
{{تصوف}}
'''الصوفية''' أو '''التصوف''' هو مذهب [[إسلامي]].<ref>[http://www.alarabiya.net/articles/2006/06/08/24494.html '''العربية نت:''' الداعية السعودي عبد الله فدعق: الصوفية الركن الثالث في الدين الإسلامي] تاريخ الوصول: 11 يونيو 2010 {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20170610101628/http://www.alarabiya.net:80/articles/2006/06/08/24494.html |date=10 يونيو 2017}}</ref> وهو منهج أو طريق يسلكه العبد للوصول إلى [[الله]]، أي الوصول إلى معرفته والعلم به<ref>قال ابن عطاء الله السكندري في [[الحكم العطائية]] : وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به، وإلا فجَلَّ ربُّنا أن يتصل به شيء، أو يتصل هو بشيء.</ref>، وذلك عن طريق الاجتهاد في العبادات واجتناب المنهيات، وتربية النفس وتطهير القلب من الأخلاق السيئة، وتحليته بالأخلاق الحسنة. وهذا المنهج يقولون أنه يستمد أصوله وفروعه من [[القرآن]] و[[حديث نبوي|السنة النبوية]] واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص، فهو علم كعلم الفقه له مذاهبه ومدارسه ومجتهدوه وأئمته الذين شيدوا أركانه وقواعده - كغيره من العلوم - جيلاً بعد جيل حتى جعلوه علما سموه '''[[علم التصوف]]'''، و'''علم التزكية'''، و'''[[علم الأخلاق]]'''، فألفوا فيه الكتب الكثيرة بينوا فيها أصوله وفروعه وقواعده، ومن أشهر هذه الكتب: [[الحكم العطائية|الحِكَم العطائية]] ل<nowiki/>[[ابن عطاء الله السكندري]]، و[[قواعد التصوف]] للشيخ [[أحمد زروق]]، و[[إحياء علوم الدين]] للإمام [[الغزالي]]، و[[الرسالة القشيرية]] للإمام [[القشيري]]، و[[من جوامع الكلم]] ل<nowiki/>[[محمد ماضي أبو العزائم]] وغيرها.
 
 
== تعريف التصوف ==
=== من حيث اللغة والعلم ===
تعددت الأقوال في الأصل اللغوي لكلمة الصوفية، فمنهم من قال أنها ليست عربية، ذكر القشيري في كتابه الرسالة: {{اقتباس مضمن|أنه ليس لهذا الاسم أصل في اللغة العربية}}، وقد أرجعها الباحثون والمؤرخون المختصين بعلوم الديانات القديمة، إلى أصل يوناني، هو كلمة: (سوفيا)، ومعناها الحكمة. وأول من عرف بهذا الرأي: البيروني<ref>البيروني، "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة"</ref> وذكر محمد جميل غازي، الذي قال: «الصوفية كما نعلم اسم يوناني قديم مأخوذ من الحكمة (صوفيا) وليس كما يقولون إنه مأخوذ من الصوف.<ref>غازي، محمد جميل، "الصوفية الوجه الآخر"، ص47</ref><ref>محيي الدين ابن عربي، الفتوحات المكية في معرفة الأسرار المالكية والملكية، 2/266</ref>.<ref>الرسالة القيشرية ص 12.</ref> وذكروا المستشرقون بأن أنَّ كلمة «الثيوصوفيا» -الكلمة اليونانيَّة- يقولون: <nowiki>''</nowiki> هذه هي الأصل كما ينقل كاتبها ماسينيون عن عدد المستشرقين؛ بأنَّ أصل التصوف: هو مشتق مِن الثيوصوفية <nowiki>''</nowiki> وهذه الثيوصوفية كما يذكر -أيضًاً- عبد الرحمن بدوي، وينقل عن مستشرق ألماني فول هومر قوله: <nowiki>''</nowiki> إن هناك علاقة بين الصوفية، وبين الحكماء العراة مِن الهنود <nowiki>''</nowiki> ويكتب باللغة الإنجليزية جانيوسوفستز و«سوفستز» يعني: الصوفيين، هؤلاء إذا ربطنا هذه مع الثيوصوفية -أي: الصوفية- التي نقول «الثيو» معناها في لغتهم: الله عز وجل، فمثلاً الحكم الثيوقراطي يعنى: الحكم الإلهي، والثيوصوفية أي: عشاق الله، أو محبو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الفيلسوفي هذا: عاشق الحكمة «فيلا» معناها: حكمة، أو محب الحكمة. وذكر [[أبو الريحان البيروني]] وهو أحد العلماء الذين ذهبوا للهند وكتبوا عن جغرافيتها وأدينها وعلومها، أن أصل الكلمة مؤؤخوذ من الهندية والهندية أخذتها من اليونانية فقد قال: {{اقتباس مضمن|ومنهم مَن كان يرى الوجودَ الحقيقي للعلة الأولى فقط، لاستغنائها بذاتها فيه، وحاجة غيرها إليه، وأنَّ ما هو مفتقر في الوجود إلى غيره، فوجوده كالخيال غير حقٍّ، والحقُّ هو الواحد الأول فقط، وهذا رأي السوفية - كتبها بالسين - وهم الحكماء، فإنَّ سوف باليونانية: [الحكمة] وبها سمي الفيلسوف: بيلاسوفا، أي: محب الحكمة، ولما ذهب في الإسلام قوم إلى قريبٍ مِن رأيهم -أي: رأي حكماء الهند -سُمُّوا باسمهم- أي: الصوفية- ولم يَعرف اللقبَ بعضُهم فنسبهم للتوكل إلى الصُفَّة وأنَّهم أصحابها في عصر النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثمَّ صُحِّفَ بعد ذلك، فصُيِّر مِن صوف التيوس...}}. وذكر أيضًا إن الصوفية هم حكماء الهند، وأنَّ اسمهم هو «السوفية»، وأنَّ ما يُطلق عليهم مِن الأسماء، أو ما حدث للاسم مِن التصحيف - فقيل: إنَّه مِن الصوف أو غير ذلك - هذا ليس له حقيقة.
كثرت الأقوال في اشتقاق التصوف عند المسلمين على عدة أقوال، أشهرها<ref>من كتاب حقائق عن التصوف، تأليف: عبد القادر عيسى، ص25.</ref>:
 
* أنه من '''الصوفة'''، لأن الصوفي مع الله كالصوفة المطروحة، لاستسلامه لله تعالى.
كثرتوقال الأقوالالبعض فيبأنها اشتقاقعربية التصوفالأصل عند المسلمينوهي على عدة أقوال، أشهرها:<ref>من كتاب حقائق عن التصوف، تأليف: عبد القادر عيسى، ص25.</ref>:
 
* أنه من '''الصوفة'''، لأن الصوفي مع الله كالصوفة المطروحة، لاستسلامه لله تعالى.
 
* أنه من '''الصِّفة'''، إذ أن التصوف هو اتصاف بمحاسن الأخلاق والصفات، وترك المذموم منها.
* أنه من '''الصُفَّة'''، لأن صاحبه تابعٌ لأهل الصُفَّة وهم مجموعة من المساكين الفقراء كانوا يقيمون في [[المسجد النبوي]] الشريف ويعطيهم رسول الله من الصدقات والزكاة طعامهم ولباسهم.
* أنه من '''الصف'''، فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم من حيث حضورهم مع الله؛ وتسابقهم في سائر الطاعات.
* أنه من '''الصوف'''، لأنهم كانوا يؤثرون لبس الصوف الخشن للتقشف والاخشيشان<ref name="تيمية" />.
* أنه من '''الصفاء'''، فلفظة "«صوفي"» على وزن "«عوفي"»، أي: عافاه الله فعوفي، وقال [[أبو الفتح البستي]]:
{{بداية قصيدة}}
{{بيت|تنازع الناس في الصوفي واختلفوا|وظنه البعض مشتقاً من الصوف}}
{{بيت|ولست أمنح هذا الاسم غيرَ فتىً|صفا فصوفي حتى سُمي الصوفي}}
{{نهاية قصيدة}}
وسُئل [[الشبلي]]: لم سميت الصوفية بهذا الاسم؟ فقال: هذا الاسم الذي أُطلق عليهم، اختُلِف في أصله وفي مصدر اشتقاقه، ولم ينته الرأي فيه إلى نتيجة حاسمة بعد.<ref>قضية التصوف المنقذ من الضلال، [[عبد الحليم محمود]]، ص: 29.</ref> ويقول [[القشيري]]: "«وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق والأظهر فيه أنه كاللقب"».<ref>الرسالة القشيرية، ص: 279.</ref> وقال [[ابن تيمية]] أنهم ينسبون في رواية إلى صوفة بن أدبن طابخة قبيلة من العرب كانوا يعرفون بالنسك<ref name="تيمية">{{Cite book|url=https://books.google.com/books?id=aDtqDwAAQBAJ&pg=PT9|title=الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان|publisher=دار الكتب العلمية|place=[[بيروت]]|ISBN=9782745111555|OCLC=957300141|year=2010|page=24|author=[[إبن تيمية]]}}</ref>.
وكرأي آخر، يقول الشيخ [[ابن الجوزي]] في محاولته التي اعتبرها علماء آخرون تقليلاً من شأن التصوف الإسلامي، ذكر في كتابه [[تلبيس إبليس (ابن الجوزي)|تلبيس إبليس]]: يُنسب الصوفيين إلى ([[صوفة بن مرة]]) والذي نذرت له والدته أن تعلقه بأستار الكعبة فأطلق اسم (صوفي) على كل من ينقطع عن الدنيا وينصرف إلى العبادة فقط.
 
وقال الشيخ [[محمد متولي الشعراوي]] أنّ الصوفيّة منْ أصل صافى وصوفِيَ إليه: أي بادله الإخاء والمودّة، وتكونُ بتقرّب العبْد لربّه بالحُب والطّاعة ويُصافيه الله بقرْبه وكرامته، فنقول:الذي صوفِي مِن الله ، جلّ جلاله.
 
ويقول الداعية [[محمد هداية]]: التصوف بمعناه اللغوي أي التزهد فنحن يجب أن نكون هكذا، أما التصوف بمعنى الشرك بالله وما يتبعه من مظاهر مثل مسح عتبات المساجد والصلاة في مساجد معينة فهو ليس من الإسلام في شىء.<ref>[http://www.youm7.com/story/2010/8/12/الداعية-محمد-هداية--أطفالنا-عرضة-للتنصير-وأحاول-أن-أحميهم-و«/265114 الداعية محمد هداية فى حوار لـ"اليوم السابع"]</ref>
 
وقد أرجع بعض الباحثين والمؤرخين المختصين بعلوم الديانات القديمة من غير المتصوفة، الكلمة إلى أصل يوناني، هو كلمة: (سوفيا)، ومعناها الحكمة. وأول من عرف بهذا الرأي: البيروني <ref>البيروني، "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة"</ref> ووافقه الدكتور محمد جميل غازي، الذي قال: "الصوفية كما نعلم اسم يوناني قديم مأخوذ من الحكمة (صوفيا) وليس كما يقولون إنه مأخوذ من الصوف"<ref>غازي، محمد جميل، "الصوفية الوجه الآخر"، ص47</ref><ref>محيي الدين ابن عربي، الفتوحات المكية في معرفة الأسرار المالكية والملكية، 2/266</ref>.
 
=== من حيث الاصطلاح ===
كثرت الأقوال أيضا في تعريف التصوف تعريفا اصطلاحيا على آراء متقاربة، كل منها يشير إلى جانب رئيسي في التصوف، والتي منها:
* قول [[زكريا الأنصاري]]: التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفوس، وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية<ref>على هامش [[الرسالة القشيرية]] ص7.</ref>.
* قول الشيخ [[أحمد زروق]]: '''التصوف''' علم قصد لإصلاح القلوب وإفرادها لله تعالى عما سواه. و'''[[الفقه]]''' لإصلاح العمل وحفظ النظام وظهور الحكمة بالأحكام. و'''الأصول''' "«<nowiki/>[[علم الكلام|علم التوحيد]]"» لتحقيق المقدمات بالبراهين وتحلية الإيمان بالإيقان.<ref>قواعد التصوف، تأليف: أحمد زروق، قاعدة 13 ص 6.</ref>.وقال أيضا: وقد حُدَّ التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين مرجع، كلها لصدق التوجه إلى الله، وإنما هي وجوه فيه<ref>قواعد التصوف، تأليف: أحمد زروق، ص2.</ref>.
* قول [[الجنيد]]: التصوف استعمال كل خلق سني، وترك كل خلق دني<ref>النصرة النبوية، تأليف: مصطفى المدني ص22.</ref>.
* قول [[أبو الحسن الشاذلي]]: التصوف تدريب النفس على العبودية، وردها لأحكام الربوبية<ref>نور التحقيق، تأليف: حامد صقر ص93.</ref>.
 
=== بداية ظهور اسم الصوفية ===
يقول [[أبو القاسم عبد الكريم بن هوزان القشيري|القشيري]]: «اعلموا أن المسلمين بعد [[محمد بن عبد الله|رسول الله]] صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يَتَسمَّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ لا أفضلية فوقها، فقيل لهم "«<nowiki/>[[الصحابة]]"»، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين "«الزهاد"» و"«العُبَّاد"»، ثم ظهرت [[البدعة]]، وحصل التداعي بين الفرق، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادًا، فانفرد خواص [[أهل السنة]] المراعون أنفسهم مع الله سبحانه وتعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم "«التصوف"»، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل [[200 هـ|المائتين من الهجرة]]»<ref>كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون، تأليف: حاجي خليفة، ج1، ص414.</ref>.
 
ويقول [[محمد صديق الغماري]]: «ويعضد ما ذكره [[ابن خلدون]] في تاريخ ظهور اسم التصوف ما ذكره الكِنْدي ـ وكان من أهل [[4 هـ|القرن الرابع]] ـ في كتاب "«ولاة مصر"» في حوادث سنة [[200 هـ|المائتين]]: "«إنه ظهر [[الإسكندرية|بالإسكندرية]] طائفة يسمَّوْن بالصوفية يأمرون بالمعروف"». وكذلك ما ذكره المسعودي في "«مروج الذهب"» حاكيًا عن يحيى بن أكثم فقال: "«إن [[المأمون]] يومًا لجالس، إذ دخل عليه علي بن صالح الحاجب، فقال: يا أمير المؤمنين! رجل واقفٌ بالباب، عليه ثياب بيض غلاظ، يطلب الدخول للمناظرة، فعلمت أنه بعض الصوفية"». فهاتان الحكايتان تشهدان لكلام ا[[بن خلدون]] في تاريخ نشأة التصوف. وذُكر في "«كشف الظنون"» أن أول من سمي بالصوفي "«أبو هاشم الصوفي"» المتوفى سنة [[150 هـ|خمسين ومئة]]»<ref>الانتصار لطريق الصوفية، تأليف: [[محمد صديق الغماري]]، ص17-18.</ref>.
 
=== ظهور التصوف كعلم ===
بعد عهد [[الصحابة]] و[[التابعين]]، دخل في دين [[الإسلام]] أُمم شتى وأجناس عديدة، واتسعت دائرة العلوم، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص؛ فقام كل فريق بتدوين الفن والعلم الذي يُجيده أكثر من غيره، فنشأ ـ بعد تدوين النحو في الصدر الأول ـ [[فقه إسلامي|علم الفقه]]، و[[علم الكلام|علم التوحيد]]، و[[علم الحديث|علوم الحديث]]، وأصول الدين، و[[التفسير]]، و[[المنطق]]، و[[مصطلح الحديث]]، وعلم الأصول، والفرائض "«الميراث"» وغيرها. وبعد هذه الفترة أن أخذ التأثير الروحي يتضاءل شيئاً فشيئاً، وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الرياضة والزهد إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التصوف، وإثبات شرفه وجلاله وفضله على سائر العلوم، من باب سد النقص، واستكمال حاجات الدين في جميع نواحي النشاط<ref>مجلة العشيرة المحمدية، عدد محرم 1376هـ، من بحث: التصوف من الوجهة التاريخية، للدكتور أحمد علوش.</ref>.
 
وكان من أوائل من كتب في التصوف من العلماء:
]]
 
'''الطريق''' لغة: هي "«'''السيرة'''"»، وطريقة الرجل: مذهبه، يقال: هو على طريقة حسنة وطريقة سيئة. واصطلاحاً: اسم لمنهج أحد العارفين في التزكية والتربية و[[ذكر (إسلام)|الأذكار]] و[[ورد (إسلام)|الأوراد]] أخذ بها نفسه حتى وصل إلى معرفة الله، فينسب هذا المنهج إليه ويعرف باسمه، فيقال [[الطريقة الشاذلية]] و[[الطريقة القادرية|القادرية]] و[[الطريقة الرفاعية|الرفاعية]] نسبة لرجالاتها. وقد أخذ اسم الطريقة من [[القرآن]]: '''{وألّو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً}'''.
 
تختلف الطرق التي يتبعها [[شيخ (صوفية)|مشايخ]] الطرق في تربية طلابهم و[[مريد]]يهم باختلاف مشاربهم وأذواقهم الروحية، وباختلاف البيئة الاجتماعية التي يظهرون فيها. فقد يسلك بعض ال[[شيخ (صوفية)|مشايخ]] طريق الشدة في تربية [[المريدين]] فيأخذونهم بالمجاهدات العنيفة ومنها كثرة الصيام والسهر وكثرة الخلوة والاعتزال عن الناس وكثرة [[ذكر (إسلام)|الذكر]] والفكر. وقد يسلك بعض ال[[شيخ (صوفية)|مشايخ]] طريقة اللين في تربية [[المريدين]] فيأمرونهم بممارسة شيء من الصيام وقيام مقدار من الليل وكثرة الذكر، ولكن لا يلزمونهم بالخلوة والابتعاد عن الناس إلا قليلاً.
== التصوف والجهاد ==
{{مفصلة| جهاد الصوفية}}
جهاد النفس هو أحد أدوات التصوف في صناعة الشخصية الإسلامية، ويسمونه "«الجهاد الأكبر"»، كما يسمون جهاد الأعداء بـ "«الجهاد الأصغر"»، وقد ظهر من الصوفية مجاهدون كثر عبر تاريخ المسلمين قديماً وحديثاً، وأكثر ما يكون ظهورهم في أوقات الإستعمار ونوازل الأمة الإسلامية<ref>أنظر "البطولة والفداء عند الصوفية" للباحث أسعد الخطيب</ref>.
 
== التصوف و[[علم الكلام]] ==
إذا نظرنا إلى طبيعة كل من علم الكلام وال[[تصوف]]، فإننا نجد أن طبيعة علم الكلام نظرية، إذ يبحث في الأصول الاعتقادية ك[[وجود الله]] تعالى ووحدانيته وإرساله الرسل واليوم الآخر، بينما طبيعة علم التصوف عملية، فإذا بحثنا عن طبيعة التصوف فإننا يمكن أن نستخلصها من تعريف التصوف، ونجد هناك عدة تعريفات للتصوف يمكن إيجازها فيما يلي:
 
* اتجاه أخلاقي يربط التصوف بال[[سلوك]] و[[الأخلاق]] فيقول البعض في تعريف التصوف: "«الدخول في كل خلق سني والخروج من كل خلق دني"» وأيضا "«التصوف خلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الصفاء"».<ref>أبو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية، ص: 551-554.</ref>
* اتجاه يربط بين التصوف و[[الزهد]] و[[العبادة]]، وهذا الاتجاه يهتم بالوسيلة التي يتخذها المتصوف، ولقد عرف بين الصوفية الزهاد و[[ناسك|النساك]]، يقول [[ابن خلدون]]: "«إن أصل طريقة المتصوفة لم تزل عند [[سلف (إسلام)|سلف الأمة]] وكبارها من ال[[صحابة]] و[[التابعين]] ومن بعدهم، طريقة الحق والهداية، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى [[الله]] تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة"».<ref>ابن خلدون، المقدمة، ص: 439.</ref>
* اتجاه ثالث يربط بين التصوف والمعرفة والمشاهدة ورؤية القلب وهو يعبر عن الاتجاه الروحي، والتجربة النفسية التي يحياها المتصوف، فالصوفي: "«من صفى ربه قلبه، فامتلأ قلبه نوراً، ومن دخل في عين اللذة ب[[ذكر (إسلام)|ذكر الله]]"».<ref>د. كمال جعفر، التصوف طريقاً وتجربة ومذهباً، ص: 7-8.</ref>
 
وعلى هذا يتبين أن طبيعة التصوف عملية تهتم بالأخلاق والسلوك، وبذلك تفترق عن المسلك النظري لعلم الكلام. وهناك فرق آخر بين العلمين، يتعلق بال[[علم]] وال[[معرفة]] وأداة المعرفة البشرية، فلقد فرق معظم الصوفية بين المعرفة والعلم، فالمعرفة تتطلب اتصالاً مباشراً، وهذا يعني أن معرفة الله معرفة مباشرة، العارف هو الإنسان والمعروف هو الله، وهذه المعرفة مباشرة دون واسطة إلا ذات المعروف نفسه وهو الله. أما لفظة العلم فلا يصح أن تكون مرادفة للفظ المعرفة عند الصوفية لأن العلم إنما يقوم على الحس أولاً، ثم يقوم على ال[[عقل]] ثانياً، فالمنهج في العلم حسي تجريبي عقلي، والتصوف لا يعول على الحس ولا يركن إلى العقل، إنما الصوفية أرباب أحوال وأصحاب أذواق وأحاسيس من قبيل الوجدانيات التي لا تعرف بعقل أو شيء من قبيل العقل إنما هي معرفة بال[[قلب]]، وهي لا تستمد من تجربة ولا معلم ولا كتاب، وإنما معرفة عن تجربة ذوقية باطنية، ومعرفة القلب الذي يعرف ويشاهد، لأنه هو الذي تذوق وهو الذي تحقق. والعلم بمعناه الصوفي الروحي يختلف عن علم الظاهر مثل علم الكلام وال[[فقه]] و[[النحو]] وغير ذلك من العلوم، إذ كل ذلك من قبيل الدراسة، بينما عند الصوفية هو معرفة، وليس علماً يتدراس بين الخلق، ولا علم تستمد عناصره من العالم الطبيعي المحسوس، إنما هو معرفة أو عرفان. وعلى هذا يمكن القول بأن معرفة الله عند الصوفية طريقها القلب، إذ أن الإنسان لا يستطيع أن ينال المعرفة الإلهية بواسطة حواسه، لأن الله ليس شيئاً مادياً يمكن إدراكه بالحواس، كما لا يمكن إدراك ذات الله تعالى بالعقل أيضاً، لأن الله وجوده غير محدود، ولا يدخل في الفهم والتصور ولا يستطيع [[منطق]] العقل البشري أن يتجاوز المحدود، فيذكر [[أبو بكر الكلاباذي]] قول الصوفية بأن السبيل معرفة الله هو الله، وأن العقل مُحدث، ولا يدل المحدث إلا على مُحدث مثله.<ref>الكلاباذي، التعرف لمذهب أهل التصوف، ص: 63 وما بعدها.</ref>
 
ويوضح [[الغزالي]] طريق الصوفية في المعرفة فيقول: "«فاعلم أن ميل أهل التصوف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون والبحث عن الأقاويل والأدلة المذكورة، بل قالوا: الطريق تقديم المجاهدة ومحو الصفات المذمومة وقطع العلائق كلها والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى، ومهما حصل ذلك كان الله هو المتولى لقلب عبده والمتكفل له بتنويره بأنواه العلم، وإذا تولى الله أمر القلب فاضت عليه الرحمة وأشرق النور في القلب، وانشرح الصدر وانكشف له سر الملكوت، وانقشع عن القلب حجاب الغرة بلطف الرحمة وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهية، فليس على العبد إلا بالاستعداد بالتصفية المجردة وإحضار الهمة مع الإرادة الصادقة والتعطش التام والترصد بدوام الانتظار لما يفتحه الله من الرحمة"».<ref>[http://www.islamport.com/w/akh/Web/2805/765.htm الغزالي، إحياء علوم الدين، ج2، ص: 19.] {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20160816145125/http://www.islamport.com/w/akh/Web/2805/765.htm |date=16 أغسطس 2016}}</ref>
 
ومن هذا النص يمكننا أن نستخلص سمة المعرفة، من حيث إنها تتصل بالتجربة وبالسلوك العلمي أكثر من اتصالها بالفكر والنظر إذ أنها تقوم على التجربة التي يخوضها الصوفي، ومعاناته لتلك التجربة، وهذا هو الدور الإيجابي للصوفي، ثم يحل عليه الفضل الإلهي ليريه الله ما شاء له أن يريه، وهذا المنهج يعرف عند الصوفية منهج الكشف والإلهام وهو منهج ذوقي، وإدراك مباشر يختلف عن الإدراك الحسي المباشر، والإدراك العقلي المباشر، والكشف هو بيان ما يستتر على الفهم فيكشف عنه للعبد كأنه رأي عين. ويصفه [[الغزالي]] بأنه نور يقذفه الله في القلب، وهو سبيل الوصول إلى ال[[يقين]]، فيقول مبيناً وصوله إلى اليقين بعد الشك: "«ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور يقذفه الله في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المجردة، فقد ضيق رحمة الله الواسعة"».<ref>الغزالي، المنقذ من الضلال، ص: 7.</ref> وهذا المنهج يقابل منهج النظر العقلي، الذي يقول به المتكلمون، وهو في رأي [[الغزالي]] يعد أعلى مرتبة وأرقى مناهج ال[[معرفة]]، فهناك الإنسان العامي الذي يقوم منهجه في المعرفة على ال[[تقليد]]، وهناك المتكلم الذي يقوم منهجه على [[الاستدلال]] العقلي، وهو في رأي الغزالي قريب من منهج العوام، وهناك العارف الصوفي الذي منهجه المشاهدة بنور اليقين، وعلى هذا فالمعرفة الصوفية في تدرج أنواع المعرفة تعد أعلاها، فهي تنطوي على معرفة العوام والمتكلمين وتتجاوزها.<ref>الغزالي، إحياء علوم الدين، ج2، ص: 13-14، وأيضا: د. أبو الوفا التفتازاني، مدخل إلى التصوف الإسلامي، ص: 171-176.</ref>
 
ويمكن القول بأن الصوفية يقولون بتدرج المعرفة وفقاً لموضوعات المعرفة، فمعرفة الله سبحانه هي أعلى المعارف وهي تدرك عندهم بالقلب، أما دون ذلك من المعارف فإدراكه بالحس وبالعقل وبالسمع، في حين يرفض المتكلمون تلك المعرفة الإلهامية لأنها ذاتية وليست موضوعية، وليست عامة مطلقة، وليست متيسرة لكل الناس، وعلى كل فإن منهج الصوفية في المعرفة وهو الإلهام مقابل لمنهج المتكلمين في المعرفة وهو النظر، ولقد عارض المتكلمون بشدة بعض أقوال الصوفية القائلين ب[[وحدة الوجود|الحلول والاتحاد]].<ref>انظر على سبيل المثال ما ذكره ابن خلدون في المقدمة، ص: 442 وما بعدها.</ref> وعلى الرغم من تباين طبيعة علم الكلام والتصوف، واختلاف أداة المعرفة بينهما، إلا أن ذلك لا يعني الانفصال التام بينهما، وذلك لاستناد التصوف على [[القرآن]] و[[سنة (إسلام)|السنة]]، وأنه لابد للصوفي الحقيقي من علم كامل بالكتاب والسنة الصحيحة لكي يصحح اعتقاداته، ويقول الإمام [[عبد الوهاب الشعراني]] في تعريفه لعلم التصوف أنه: "«علم انقدح في قلوب الأولياء حين استنارت بالعمل بالكتاب والسنة، والتصوف إنما هو زبدة عمل العبد بأحكام الشريعة"».<ref>الشعراني، الطبقات الكبرى، تحقيق: عبد الغني محمد علي الفاسي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2، 2006م، ص: 9.</ref> وعلم الكلام هو العلم الذي يبحث في أمور العقائد ويعتمد على الكتاب والسنة. ونجد لدى الصوفية كما يذكر عنهم [[أبو بكر الكلاباذي]] في كتابه "«<nowiki/>[[التعرف لمذهب أهل التصوف]]"» أقوال في موضوعات علم الكلام، فيذكر قولهم في التوحيد والصفات وال[[قدر]] وغير ذلك من الموضوعات التي خاص فيها المتكلمون، وطريقتهم في ذلك تجري في الغالب على طريقة متكلمي [[أهل السنة]] من [[ماتريدية]] و[[أشاعرة]].<ref>د. أبو الوفا التفتازاني، علم الكلام وبعض مشكلاته، ص: 5.</ref>
 
== اتباعهم للقرآن والسنة ==
واعترض أقوام على رجال التصوف واتهموهم بأنهم يُحَرِّمون ما أحل الله من أنواع اللذائذ والمتع، وقد قال الله: (قٌلْ مَنْ حرَّمَ زينة الله التي أخرجَ لعبادِهِ والطيبات من الرزق...) [الأعراف: 32]. ولكن رجال التصوف ردوا عليهم بقولهم أنهم لم يجعلوا الحلالَ حراماً، إذْ أسمى مقاصدهم هو التقيد بشرع الله، ولكنهم حين عرفوا أن تزكية النفس فرضُ عين، وأن للنفس أخلاقاً سيئة وتعلقات شهوانية، توصِل صاحبها إلى الردى، وتعيقه عن الترقي في مدراج الكمال، وجدوا لزاماً عليهم أن يهذبوا نفوسهم ويحرروها من سجن الهوى.
 
وبهذا المعنى يقول الصوفي [[الحكيم الترمذي]] رداً على هذه النقطة، وجواباً لمن احتج بالآية القرآنية: (قُلْ مَنْ حرَّمَ زينة الله) : "«فهذا الاحتجاج تعنيف، ومن القول تحريف لأنَّا لم نُرِدْ بهذا، التحريمَ، ولكنا أردنا تأديب النفس حتى تأخذ الأدب وتعلم كيف ينبغي أن تعمل في ذلك، ألا ترى إلى قوله جل وعلا: {إنّما حرّم ربيَ الفواحشَ ما ظهر منها وما بطنَ والإثمَ والبَغيَ بغيرِ الحقِّ} [الأعراف: 33]. فالبغيُ في الشيء الحلال حرامٌ، والفخرُ حرام، والمباهاةُ حرام، والرياء حرام، والسرف حرام، فإنما أُوتِيَتِ النفسُ هذا المنعَ من أجل أنها مالت إلى هذه الأشياء بقلبها، حتى فسد القلب. فلما رأيتُ النفس تتناول زينة الله والطيبات من الرزق تريد بذلك تغنياً أو مباهاة أو رياء علمتُ أنها خلطت حراماً بحلال فضيَّعَتِ الشكرَ، وإنما رُزِقَتْ لتشكُرَ لا لِتكْفرَ، فلما رأيتُ سوء أدبها منعتُها، حتى إذا ذلَّت وانقمعت، ورآني ربي مجاهداً في ذاته حق جهاده، هداني سبيله كما وعد الله: {والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سُبُلَنا وإنَّ اللهَ لَمَعَ المحسنين} [العنكبوت: 69] فصرتُ عنده بالمجاهدة محسناً فكان الله معي، ومن كان مع الله فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل، وقذفَ في القلب من النور نوراً عاجلاً في دار الدنيا حتى يوصله إلى ثواب الآجل"»<ref>كتاب الرياضة وأدب النفس للحكيم الترمذي ص124.</ref>.
 
=== ذكر الله ===
أما عن دليلها الذي يستدلون به من الكتاب والسنة، عديدة، منها:
* إلآية القرآنية الكريمة: (واذكرِ اسم ربِّكَ وتَبَتَّلْ إليه تبتيلاً) [المزمل: 8]. وقد قال العلامة أبو السعود مفسراً لهذه الآية: ودُم على ذكره تعالى ليلاً ونهاراً على أي وجه كان؛ من التسبيح والتهليل والتحميد... إلى أن قال: وانقطعَ إليه بمجامع الهمة واستغراق العزيمة في مراقبته، وحيث لم يكن ذلك إلا بتجريد نفسه عليه الصلاة والسلام عن العوائق الصادرة المانعة عن مراقبة الله، وقطع العلائق عما سواه<ref>تفسير العلامة أبي السعود على هامش تفسير فخر الدين الرازي ج8/ص338.</ref>.
* حديث عن [[عائشة]] أنها قالت: "«أولُ ما بُدِئَ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاءُ، وكان يخلو بغار حِراءَ؛ فيتَحَنَّثُ فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، ويتزود لمثلها، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء"»<ref>رواه البخاري في صحيحه باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله.</ref>. وقد قال [[ابن أبي جمرة]] في شرحه لهذا الحديث: "«في الحديث دليل على أن الخلوة عون للإنسان على تعبده وصلاح دينه، لأن النبي لما اعتزل عن الناس وخلا بنفسه، أتاه هذا الخير العظيم، وكل أحد امتثل ذلك أتاه الخير بحسب ما قسم له من مقامات الولاية. وفيه دليل على أن الأوْلى بأهل البداية الخلوة والاعتزال، لأن النبي كان في أول أمره يخلو بنفسه"»<ref>بهجة النفوس شرح مختصر البخاري للإمام الحافظ أبي محمد عبد الله بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي المتوفى 699هـ. ج1/ص10 - 11.</ref>. وقال [[القسطلاني]] في شرحه لحديث عائشة المذكور: "«وفيه تنبيه على فضل العزلة لأنها تريح القلب من أشغال الدنيا، وتفرغه لله تعالى، فتنفجر منه ينابيع الحكمة. والخلوة أن يخلو عن غيره، بل وعن نفسه بربه، وعند ذلك يصير خليقاً بأن يكون قالبه ممراً ل[[وارد (إسلام)|واردات]] علوم الغيب، وقلبه مقراً لها"»<ref>إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ج1/ص62 للقسطلاني المتوفى سنة 923هـ.</ref>.
 
ويذكر الإمام [[الغزالي]] طريقة الخلوة ومراحلها ومقاماتها، فيقول: "«أن [[شيخ (صوفية)|الشيخ]] يُلزِم [[المريد]] زاوية ينفرد بها، ويوكل به من يقوم له بقدر يسير من القوت الحلال - فإنَّ أصل الدين القوت الحلال - وعند ذلك يلقنه ذكراً من الأذكار، حتى يشغل به لسانه وقلبه، فيجلس ويقول مثلاً: الله، الله، أو سبحان الله، سبحان الله، أو ما يراه [[شيخ (صوفية)|الشيخ]] من الكلمات، فلا يزال يواظب عليه، حتى يسقط الأثر عن اللسان، وتبقى صورة اللفظ في القلب، ثم لا يزال كذلك حتى تُمحى من القلب حروف اللفظ وصورته، وتبقى حقيقة معناه لازمة للقلب، حاضرة معه، غالبة عليه، قد فرغ عن كل ما سواه، لأن القلب إذا اشتغل بشيء خلا عن غيره - أيَّ شيء كان - فإذا اشتغل بذكر الله وهو المقصود، خلا لا محالة من غيره. وعند ذلك يلزمه أن يراقب وساوس القلب، والخواطر التي تتعلق بالدنيا، وما يتذكر فيه مما قد مضى من أحواله وأحوال غيره، فإنه مهما اشتغل بشيء منه - ولو في لحظة - خلا قلبه عن الذكر في تلك اللحظة، وكان أيضاً نقصاناً. فليجتهد في دفع ذلك، ومهما دفع الوساوس كلها، وردَّ النفس إلى هذه الكلمة، جاءته الوساوس من هذه الكلمة، وإنها ما هي؟ وما معنى قولنا: الله؟ ولأي معنى كان إلهاً، وكان معبوداً؟ ويعتريه عند ذلك خواطر تفتح عليه باب الفكر، وربما يَرِدُ عليه من وساوس الشيطان ما هو كفر وبدعة، ومهما كان كارهاً لذلك، ومُتَشمِّراً لإماطته عن القلب لم يضره ذلك"»<ref>الإحياء للغزالي ج3/ص66.</ref>.
 
ويجعل الصوفية للخلوة نوعين، هما:
[[ملف:Sufis in Cairo, Egypt, photo by Zangaki in 1870.jpg|تصغير|موكب أحد الطرق الصوفية في [[القاهرة]] سنة [[1870]]]]
يعلن المتصوفة حاليا بمعظمهم اعتقادهم حسب مبادئ عقيدة [[أشعرية|أهل السنة الأشاعرة]] التي انتشرت وسادت كمذهب عقيدي رسمي لأهل السنة والجماعة، بل وتبناها جمهور علماء [[أهل السنة والجماعة]] من الإمام [[النووي]]، والإمام [[ابن حجر العسقلاني]]، والإمام [[السيوطي]]، وغيرهم الكثير. فبالتالي فإن كتب المتصوفة الحديثين لا تخرج عن عقيدة [[أهل السنة]] سواء كانت [[أشعرية]] أو[[ماتريدية]].
وذلك بالرغم أنهم يتبنون كتب [[ابن عربي]] و[[السهروردي]] التي تتهم من قبل الحركات [[السلفية]] وبعض الباحثين المعاصرين بأنها تتضمن ما يفيد بعقائد الحلول ووحدة الوجود، لكن المتصوفة يقولون أن هذه الكتب ليست في متناول العوام (والعوام في نظر المتصوفة هو كل من لم يتمرس بالصوفية وممارساتها) ،وأنه بالإمكان حمل كلام ابن عربي والسهروردي على محامل نابعة من الإسلام، فالعوام غير قادرين على تذوق المعاني التي لا تتجلى إلا لمن حصل على الكشف الإلهي، بالتالي فهم وحدهم من يمتلك حق التأويل لهذه الكتب والمقولات [[شيخ (صوفية)|للشيوخ]] الكبار مثل [[ابن عربي]] و[[السهروردي]]. ويرى [[الشيخ المسافر]] أن ابن عربي والسهروردي وابن سبعين، فضلا عن جلال مسيرتهم في التصوف، ينتمون إلى ميدان الحكمة الفلسفية، وان كثيرا من كتبهم فلسفية بامتياز، وإن لم تسم بذلك. ويشهد على ذلك إنتاج ذلك العدد الكبير من فلاسفة الغرب الذين اسسوا اطروحاتهم الفلسفية أو ضمنوها أجزاء من إنتاج ال[[شيخ (صوفية)|مشايخ]] الأولياء الثلاثة، أو كما يطلق عليهم البعض "«الفلاسفة العظام الثلاثة"».
 
* قال [[أبو القاسم القشيري]] في رسالته المشهورة ب[[الرسالة القشيرية]] عند ذكر عقيدة الصوفية ما نصه: {{اقتباس مضمن|وهذه فصول تشتمل على بيان عقائدهم في مسائل التوحيد ذكرناها على وجه الترتيب. قال [[شيخ (صوفية)|شيوخ]] هذه الطريقة على ما يدل عليه متفرقات كلامهم ومجموعاتها ومصنفاتهم في التوحيد: إن الحق سبحانه وتعالى موجود قديم لا يشبهه شيء من المخلوقات، ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، ولا صفاته أعراض، ولا يتصور في الأوهام، ولا يتقدر في العقول، ولا له جهة ولا مكان، ولا يجري عليه وقت وزمان.}}
** قصة الذي عنده علم من الكتاب في الآية القرآنية: (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك).
** قصة [[مريم بنت عمران]] حين قال لها النبي [[زكريا]]: (أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله).
* ومن أحاديث النبي [[محمد]]: "«أن رجلين خرجا من عند النبي في ليلة مظلمة، وإذا نور بين أيديهما حتى تفرقا، فتفرق النور معهما"».<ref name="صحيح البخاري"/>
* ومن قصص وقعت للصحابة: قصة الصحابي [[عمر بن الخطاب]]: عن ابن عمر قال: وجه عمر جيشا وولى عليهم رجلا يدعى سارية، فبينما عمر في [[المدينة المنورة|المدينة]] يخطب على المنبر جعل ينادي: يا سارية الجبل!! ثلاثا. ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنين هزمنا فبينما نحن كذلك إذ سمعنا صوتا ينادي يا سارية الجبل ثلاثا، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزمهم الله. قال: فقيل لعمر إنك كنت تصيح هكذا وهكذا.<ref>قال [[السيوطي]] في الدرر المنتثرة عن الحديث: ألف القطب الحلبي في صحته جزءا. وقال [[السخاوي]] في المقاصد: والقصة عند [[البيهقي]] في الدلائل واللألكائي في شرح السنة.</ref>.
 
* '''ركن الإِحسان''': وهو الجانب الروحي القلبي؛ وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإِن لم تكن تراه فإِنه يراك، وما ينتج عن ذلك من أحوال وأذواق وجدانية، ومقامات عرفانية، وعلوم وهبية، وقد اصطلح العلماء على تسميته بالحقيقة، واختص ببحثه الصوفية.
 
وللوصول إِلى هذا المقام، والإِيمان الكامل، لابد من سلوك '''الطريقة'''، وهي مجاهدة النفس، وتصعيد صفاتها الناقصة إِلى صفات كاملة، والترقي في مقامات الكمال بصحبة المرشدين، فهي الجسر الموصل من الشريعة إِلى الحقيقة. قال السيد في تعريفاته: "«الطريقة هي السيرة المختصة بالسالكين إِلى الله، من قطع المنازل والترقي في المقامات"».<ref>تعريفات السيد ص94.</ref>
 
ولتوضيح الصلة بين الشريعة والحقيقة يضربون لذلك مثلاً الصلاة، فالإِتيان بحركاتها وأعمالها الظاهرة، والتزام أركانها وشروطها، وغير ذلك مما ذكره علماء الفقه، يمثل جانب الشريعة، وهو جسد الصلاة. وحضور القلب مع الله في الصلاة يمثل جانب الحقيقة، وهو روح الصلاة. فأعمال الصلاة البدنية هي جسدها، والخشوع روحها. وما فائدة الجسد بلا روح؟! وكما أن الروح تحتاج إِلى جسد تقوم فيه، فكذلك الجسد يحتاج إِلى روح يقوم بها، ويستدلون على ذلك بالآية القرآنية: (أقيمُوا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ)<ref>سورة البقرة: 110</ref> ولا تكون الإِقامة إِلا بجسد وروح، ولذا لم يقل: أوجدوا الصلاة.
== موقف أئمة السنة من التصوف ==
هذه نبذة من الأقوال والشهادات عن التصوف والصوفية :
* ''' [[أبو حنيفة النعمان]] ''': قال الفقيه الحنفي الحصكفي في الدر المختار: "«قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته مع صلابته في مذهبه وتقدمه في هذه الطريقة: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: أنا أخذت هذه الطريقة من أبي القاسم النصراباذي. وقال أبو القاسم: أنا أخذتها من الشبلي، وهو أخذها من السري السقطي، وهو من معروف الكرخي، وهو من داود الطائي. وهو أخذ العلم والطريقة من أبي حنيفة، وكل منهم أثنى عليه وأقر بفضله. فعجبا لك يا أخي: ألم يكن لك أسوة حسنة في هؤلاء السادات الكبار؟ أكانوا متهمين في هذا الإقرار والافتخار، وهم أئمة هذه الطريقة، وأرباب الشريعة والحقيقة، ومن بعدهم في هذا الأمر فلهم تبع، وكل ما خالف ما اعتمدوه مردود ومبتدع"».
 
يقول ابن عابدين في حاشيته رد المحتار على الدر المختار متحدثاً عن أبي حنيفة، تعليقاً على كلام الحصكفي صاحب الدر الآنف الذكر: "«(قوله: من أبي حنيفة) هو فارس هذا الميدان، فإن مبنى علم الحقيقة على العلم والعمل وتصفية النفس، وقد وصفه بذلك عامة السلف، فقال أحمد بن حنبل في حقه إنه كان من العلم والورع والزهد وإيثار الآخرة بمحل لا يدركه أحد ، ولقد ضرب بالسياط ليلي القضاء فلم يفعل. وقال عبد الله بن المبارك: ليس أحد أحق من أن يقتدى به من أبي حنيفة، لأنه كان إماما تقيا نقيا ورعا عالما فقيها، كشف العلم كشفا لم يكشفه أحد ببصر وفهم وفطنة وتقى. وقال الثوري لمن قال له جئت من عند أبي حنيفة: لقد جئت من عند أعبد أهل الأرض، وأمثال ذلك مما نقله ابن حجر وغيره من العلماء الأثبات"».
 
ويستكمل شارحًا: "«(قوله: وهم أئمة هذه الطريقة إلخ) في رسالة الفتوحات للقاضي زكريا: الطريقة سلوك طريق الشريعة، والشريعة: أعمال شرعية محدودة، وهما والحقيقة ثلاثة متلازمة، لأن الطريق إليه تعالى ظاهر وباطن فظاهرها الطريقة والشريعة، وباطنها الحقيقة فبطون الحقيقة في الشريعة، والطريقة كبطون الزبد في لبنه، لا يظفر بزبده بدون مخضه، والمراد من الثلاثة إقامة العبودية على الوجه المراد من العبد اهـ ابن عبد الرزاق.
 
(قوله: ومن بعدهم) أي من أتى بعد هؤلاء الأئمة في الزمان سالكا في هذا الأمر وهو علم الشريعة والحقيقة فهو تابع لهم، إذ هم الأئمة فيه فيكون فخره باتصال سنده بهذا الإمام كما كان ذلك فخر الأئمة المذكورين الذين افتخروا بذلك وتبعوه في حقيقته ومشربه، واقتدى كثير منهم بطريقته ومذهبه"».<ref>[http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?bk_no=27&ID=6&idfrom=1&idto=48&bookid=27&startno=18 حاشية ابن عابدين الدر المختار (ج1/ص43).] {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20160305011237/http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?bk_no=27&ID=6&idfrom=1&idto=48&bookid=27&startno=18 |date=05 مارس 2016}}</ref>
* ''' [[مالك بن أنس]] ''': يقول الإمام مالك: "«من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق"».<ref>حاشية العلامة علي العدوي على شرح الإمام الزرقاني على متن العزية في الفقه المالكي 3/195، شرح عين العلم وزين الحلم للإمام مُلا علي القاري 1/33، نقلا عن كتاب حقائق عن التصوف، 361 ـ 362.</ref>
* '''[[محمد بن إدريس الشافعي]] ''': ويقول الإمام الشافعي:
{{بداية قصيدة}}
{{بيت| فذلك قـاس لم يذق قلبه تُقى|وهذا جهول، كيف ذو الجهل يصلحُ؟!<ref>ديوان الإمام الشافعي، 42-43.</ref>}}
{{نهاية قصيدة}}
فهذا الإمام الشافعي يحرص على الاقتداء بالصوفية ويستفيد منهم ويغترف من معينهم، وكان يقول رحمه الله: "«حُبب إليّ من دنياكم ثلاث: ترك التكلف، وعشرة الخلق بالتلطف، والاقتداء بطريق أهل التصوف"».<ref>كشف الخفا ومزيل الإلتباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس للإمام العجلوني،1/341.</ref>
يتأكد تعظيم واحترام الإمام الشافعي للصوفية من خلال القصة التالية: "«مر طائفة من المتصوفة على أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه في صحن المسجد، فقال الشافعي رضي الله عنه: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة ما على وجه الأرض في هذه الساعة قوم أكرم على الله عز وجل منهم"».<ref>التصوف في تراث ابن تيمية، 39.</ref>
كما أنه - رحمه الله - استفاد كثيرا من الصوفية، وكان يقول: "«صحبت الصوفية فلم استفد منهم سوى حرفين، وفي رواية سوى ثلاث كلمات قولهم: الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك، وقولهم: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وقولهم: العدم عصمة"».<ref>تأييد الحقيقة العلية، للسيوطي، 13.</ref>
* '''[[أحمد بن حنبل]] ''': وأما الإمام أحمد بن حنبل- رحمه الله - فكان يُعظم الصوفية ويرفع من قدرهم؛ لأنهم أئمة هدى وصلاح وخير لهذه الأمة. فقد نقل العلامة محمد السفاريني الحنبلي، رحمه الله، عن إبراهيم بن عبد الله القلانسي، رحمه الله تعالى؛ أن الإمام أحمد، قال عن الصوفية: "«لا أعلم أقواما أفضل منهم. قيل إنهم يستمعون ويتواجدون، قال: دعوهم يفرحوا مع الله ساعة"».<ref>غذاء اللباب شرح منظومة الآداب، 1/120، نقلا عن حقائق عن التصوف، 363.</ref>
 
وقد كان الإمام أحمد قبل ذلك يحذر ابنه عبد الله من صحبتهم فلما سبر مذهبهم، وعرف أحوالهم، ومنزلتهم أمره بملازمتهم والاقتداء بهم، وفيما يلي قصته مع ابنه: "«كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى قبل مصاحبته للصوفية يقول لولده عبد الله رحمه الله تعالى: "«يا ولدي عليك بالحديث، وإياك ومجالسة هؤلاء الذين سموا أنفسهم صوفية، فإنهم ربما كان أحدهم جاهلا بأحكام دينه، فلمــا صحــب أبـا حمزة البغدادي الصوفي، وعرف أحوال القوم، أصبح يقول لولده: يا ولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم، فإنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد وعلو الهمة"»،<ref>تنوير القلوب، أمين الكردي، 434.</ref> بل أكثر من هذا فالإمام أحمد يُعد في نظر الكثيرين، من كبار الصوفية، لأنه رحمه الله يعتبر من الأوائل الذين تكلموا بعلوم الصوفية كما صرح بذلك ابن تيمية في مجموع فتاويه بقوله: "«وقد نُقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة و[[شيخ (صوفية)|الشيوخ]]، كالإمام أحمد بن حنبل، وأبي سليمان الداراني، وغيرهما"».<ref>مجموعة الفتاوى، لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحراني، 11/5.</ref>
وهذا ما يفسر إدراج الصوفية الإمام أحمد ضمن تراجمهم وطبقاتهم مثل: "«حلية الأولياء"» لأبي نعيم، و"«الطبقات الكبرى"» للشعراني، و"«الكواكب الدرية"» للمناوي، و"«التذكرة"» لفريد الدين العطار.
* '''[[الغزالي|أبو حامد الغزالي]] ''': بقدر اشتهار الغزالي بأشعريته، اشتهر بتصوفه، ولذلك فهو يمثل مرحلة خطيرة من مراحل امتزاج التصوف بالمذهب الأشعري حتى كاد أن يكون جزءاً منه، ولكن ما نوعية التصوف الذي اعتنقه الغزالي بقوة حتى قال فيه في المنقذ - بعد شرح مطول لمحنته ورحلته وعزلته -: "«ودمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به: إني علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطريق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به"» ثم يشرح ويوضح فيقول: "«وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقة طهارتها - وهي أول شروطها - تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة، استغراق القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله؟ وهذا آخرها، بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها، وهي على التحقيق أول الطريقة، وما قبل ذلك إلا كالدهليز للسالك إليه"«.<ref>المنقذ من الضلال والمفصح بالأحوال، 378.</ref>
* '''[[العز بن عبد السلام]] الملقب بسلطان العلماء ''': وقد أخذ التصوف عن [[شهاب الدين عمر السهروردي]]، وسلك على يد الشيخ [[أبي الحسن الشاذلي]]، قال: "«قعد القوم من الصوفية على قواعد الشريعة التي لا تنهدم دنيا وأخرى، وقعد غيرهم على الرسوم، ومما يدلك على ذلك، ما يقع على يد القوم من الكرامات وخوارق العادات، فإِنه فرع عن قربات الحق لهم، ورضاه عنهم، فلو كان العلم من غير عمل، يُرضي الحق تعالى كل الرضا، لأجرى الكرامات على أيدي أصحابهم، ولو لم يعملوا بعلمهم، هيهات هيهات"»<ref>نور التحقيق، تأليف: الشيخ حامد صقر، ص96.</ref>.
* '''[[النووي]] ''': قال في رسالته المقاصد: أصول طريق التصوف خمسة: تقوى الله في السر والعلانية، واتباع السنة في الأقوال والأفعال، الإِعراض عن الخلق في الإِقبال والإِدبار، الرضى عن الله في القليل والكثير، والرجوع إِلى الله في السراء والضراء<ref>مقاصد الإِمام [[النووي]] في التوحيد والعبادة وأصول التصوف، ص20.</ref>.ولكن التصوف عند الامام النووي شيخ مذهب ائمة الشافعية بمعني تزكية النفس لا غير فقد قال النووي أصول الدِّين أربعة : الكتابُ والسنُّة والإجماع والقياس المعتبران . وما خالف هذه الأربعة فهو بدعةُ ومرتكبُه مُبتدع ، يتَعَيَّنُ اجتنابه وزجرهُ . ومن المطلوب اعتقاد من علم وعمل ولازم أدب الشريعة ، وصحب الصّالحين . وأمّا من كان مسلوباً عقلهُ أو مغلوباً عليه ، كالمجاذيب ، فنسلّم لهم ونفوّض إلى الله شأنهم ، مع وجوب إنكار ما يقع منهم مخالفا لظاهر الأمر ، حفظاً لقوانين الشَّرع<ref>كتاب المقاصد في بيان العقائد وأصول الأحكام للإمام النووي (ص92</ref>
* '''[[ابن تيمية]] ''': تحدث ابن تيمية عن التصوف في مجموع فتاويه فقال: "«وقد نُقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة و[[شيخ (صوفية)|الشيوخ]]، كالإمام أحمد بن حنبل، وأبي سليمان الداراني، وغيرهما"».<ref>مجموع فتاوى ابن تيمية، 11/5.</ref>
 
وقال: "«وأما جمهور الأمة وأهل الحديث والفقه والتصوف فعلى ما جاءت به الرسل وما جاء عنهم من الكتب والأثارة من العلم وهم المتبعون للرسالة اتباعا محضا"».<ref>مجموع فتاوى ابن تيمية، جزء 12 صفحة 26.</ref>
ولم يثبت عنه أنه انتمى إلى التصوف مع أنه امتدح بعض المتصوفة، وخلاصة رأيه في التصوف ومن انتمى إليه تتلخص في قوله: وأولياء الله هم المؤمنون المتقون، سواء سمى أحدهم فقيراً أو صوفياً أو فقيهاً أو عالماً أو تاجراً أو صانعاً أو أميراً أو حاكماً أو غير ذلك، قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ . انتهى.
وفي المقابل فقد ذم آخرين من الذين يدعون الانتماء إليهم كالحلاج وابن عربي وغيرهما، ولذلك قال في الفتاوى: وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة، ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم: كالحلاج مثلاً. انتهى.<ref>[http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=31031 موقف ابن تيمية من التصوف - إسلام ويب - مركز الفتوى<!-- عنوان مولد بالبوت -->] {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20171128010413/http://fatwa.islamweb.net:80/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=31031 |date=28 نوفمبر 2017}}</ref>
* '''[[تاج الدين السبكي]] ''': قال في كتابه "«معيد النعم ومبيد النقم"»، تحت عنوان الصوفية: حياهم الله وبيَّأهم وجمعنا في الجنة نحن وإِياهم. وقد تشعبت الأقوال فيهم تشعباً ناشئاً عن الجهل بحقيقتهم لكثرة المُتلبِّسين بها، بحيث قال الشيخ أبو محمد الجويني: لا يصح الوقف عليهم لأنه لا حدَّ لهم. والصحيح صحته، وأنهم المعرضون عن الدنيا المشتغلون في أغلب الأوقات بالعبادة.. ثم تحدث عن تعاريف التصوف إِلى أن قال: والحاصل أنهم أهل الله وخاصته الذين ترتجى الرحمة بذكرهم، ويُستنزل الغيث بدعائهم، فوعنَّا بهم<ref>كتاب معيد النعم ومبيد النقم، تأليف: [[تاج الدين السبكي]]، ص119</ref>.
* '''[[جلال الدين السيوطي]] ''': قال: إن التصوف في نفسه علم شريف، وإِن مداره على اتباع السنة وترك البدع، والتبرِّي من النفس وعوائدها وحظوظها وأغراضها ومراداتها واختياراتها، والتسليمِ لله، والرضى به وبقضائه، وطلبِ محبته، واحتقارِ ما سواه.. وعلمتُ أيضاً أنه قد كثر فيه الدخيل من قوم تشبهوا بأهله وليسوا منهم، فأدخلوا فيه ما ليس منه، فأدى ذلك إِلى إِساءة الظن بالجميع، فوجَّه أهلُ العلم للتمييز بين الصنفين ليُعلمَ أهل الحق من أهل الباطل، وقد تأملتُ الأمور التي أنكرها أئمة الشرع على الصوفية فلم أرَ صوفياً محقِّقَاً يقول بشيء منها، وإِنما يقول بها أهل البدع والغلاةُ الذين ادَّعَوْا أنهم صوفية وليسوا منهم<ref>تأييد الحقيقة العلية، تأليف: [[السيوطي]] ص57.</ref>.
* '''[[ابن عابدين]] ''': وقد تحدَّثَ عن البدع الدخيلة على الدين مما يجري في المآتم والختمات من قِبل أشخاص تزيَّوْا بزِي العلم، وانتحلوا اسم الصوفية، ثم استدرك الكلام عن الصوفية الصادقين حتى لا يُظن أنه يتكلم عنهم عامة فقال: ولا كلام لنا مع الصُدَّقِ من ساداتنا الصوفية المبرئين عن كل خصلة رديَّة، فقد سُئل إِمامُ الطائفتين [[الجنيد]]: إِن أقواماً يتواجدون ويتمايلون؟ فقال: دعوهم مع الله يفرحون، فإِنهم قوم قطَّعت الطريقُ أكبادَهم، ومزَّق النصبُ فؤادَهم، وضاقوا ذرعاً فلا حرج عليهم إِذا تنفسوا مداواةً لحالهم، ولو ذُقْتَ مذاقهم عذرتهم في صياحهم<ref>الرسالة السابعة، شفاء العليل وبل الغليل في حكم الوصية بالختمات والتهاليل، لإمام ابن عابدين، ص172 -173</ref>.
* '''[[إبراهيم بن موسى الشاطبي|الإمام الشاطبي]] ''': حيث عقد العزم على التأليف في التصوف ثم أعجلته المنية قبل تحقيق المراد، يقول رحمه الله: "«وفي غرضي إن فسح الله في المدة وأعانني بفضله ويسر لي الأسباب أن ألخص في طريقة القوم أنموذجا يستدل به على صحتها وجريانها على الطريقة المثلى، وأنه إنما داخلتها المفاسد وتطرقت إليها البدع من جهة قوم تأخرت أزمانهم عن عهد ذلك السلف الصالح، وادعوا الدخول فيها من غير سلوك شرعي ولا فهم لمقاصد أهلها، وتقوَّلوا عليهم ما لم يقولوا به، حتى صارت في هذا الزمان الأخير كأنها شريعة أخرى غير ما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم، وأعظم من ذلك أنهم يتساهلون في اتباع السنة، ويرون اختراع العبادات طريقا للتعبد صحيحا، وطريقة القوم بريئة من هذا الخباط بحمد الله"».<ref>الاعتصام، 1/90.</ref>
 
ويشيد رحمه الله بمذهب الصوفية بقوله: "«وقد بنوا نحلتهم على اتباع السنة، وهم باتفاق أهل السنة، صفوة الله من الخليقة"».<ref>الموافقات، 4/239.</ref>
* '''[[ابن خلدون|العلامة ابن خلدون]] ''': يقول ابن خلدون: "«هذا العلم ـ يعني التصوف ـ من علوم الشريعة الحادثة في الملَّة؛ وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم طريقة الحق والهداية، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق، والخلوة للعبادة، وكان ذلك عامَّاً في الصحابة والسلف. فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة"».<ref>مقدمة ابن خلدون، 3/989.</ref>
 
== من مشاهير الصوفية من أهل السنة ==