أهل السنة والجماعة: الفرق بين النسختين

تم إضافة 3٬040 بايت ، ‏ قبل سنتين
(←‏الكلام في الصفات ومسائل الاعتقاد: إضافة تاريخ الحقبة لتدوين الكتاب)
ذكر ابن خلدون في تاريخه: أنه لما كثر تدوين العلوم وألف المتكلمون في التنزيه حدثت بدعة المعتزلة، واستحدثوا فتنة القول بأن القرآن مخلوق، وهو بدعة صرح السلف بخلافها وعظم ضرر هذه البدعة ولقنها بعض الخلفاء عن أئمتهم فحمل الناس عليها وخالفهم أئمة السلف، فاستحل لخلافهم إيسار كثير منهم ودماؤهم. ثم قال: {{اقتباس مضمن|وكان ذلك سببا لانتهاض أهل السنة بالأدلة العقلية على هذه العقائد دفعا في صدور هذه البدع وقام بذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري إمام المتكلمين فتوسط بين الطرق ونفى التشبيه وأثبت الصفات المعنوية وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف وشهدت له الأدلة المخصصة لعمومه، فأثبت الصفات الأربع المعنوية والسمع والبصر والكلام القائم بالنفس بطريق النقل والعقل ورد على المبتدعة في ذلك كله، وتكلم معهم فيما مهدوه لهذه البدع من القول بالصلاح والأصلح والتحسين والتقبيح وكمل العقائد في البعثة وأحوال الجنة والنار والثواب والعقاب}}.<ref name="تاريخ ابن خلدون"/> وقال: {{اقتباس مضمن|وألحق بذلك الكلام في الإمامة لما ظهر حينئذ من بدعة الإمامية من قولهم إنها من عقائد الإيمان وإنه يجب على النبي تعيينها والخروج عن العهدة في ذلك لمن هي له وكذلك على الأمة وقصارى أمر الإمامة أنها قضية مصلحية إجماعية ولا تلحق بالعقائد فلذلك ألحقوها بمسائل هذا الفن وسموا مجموعة علم الكلام}}.<ref name="تاريخ ابن خلدون"/> وقال ابن خلدون: {{اقتباس مضمن|وكثر أتباع الشيخ أبي الحسن الأشعري واقتفى طريقته من بعده تلاميذه كابن مجاهد وغيره وأخذ عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني فتصدر للإمامة في طريقتهم وهذبها ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار}}.<ref name="تاريخ ابن خلدون"/> وقال: {{اقتباس مضمن|وبالجملة فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك والشبه عن تلك العقائد}}.<ref name="تاريخ ابن خلدون"/>
 
== التعريف بأهل السنة والجماعة ==
أهل السنة والجماعة لقب جرى تداوله منذ فترات سابقة في تاريخ الإسلام بسبب الفرق التي ظهر معظمها في عصور السلف، ثم صارت هذه التسمية تمييزا لهم عن الفرق المخالفة لهم، وأصل التسمية عند أئمة أهل السنة والجماعة يرجع إلى معنى الاتباع، فالسنة المتبعة هي الطريقة المسلوكة في الدين، والجماعة أهل الاتباع هم الخلفاء الراشدون والأئمة المجتهدون من الصحابة والتابعين والفقهاء من أهل الرأي وأهل الحديث ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم وأخذ عنهم طريقتهم بالنقل والإسناد المتصل، وقد انتقل فقه الصحابة إلى التابعين فمن بعدهم من الأئمة، وكان لهم اجتهادات في [[فروع الفقه|الفروع]] والتي نتج عنها ظهور المذاهب الفقهية، واشتهر منها طريقتان للمنهج الفقهي [[ابن خلدون]] هما: منهج فقهاء [[أهل الرأي]] في العراق ومقدم جماعتهم الذي استقر المذهب فيه وفي أصحابه [[أبو حنيفة النعمان|أبو حنيفة]]، ومنهج فقهاء [[أهل الحديث]] في الحجاز وإمامهم [[مالك بن أنس]] [[محمد بن إدريس الشافعي|والشافعي]] من بعده.<ref name="ابن خلدون°"/>
أهل السنة والجماعة اشتهر هذا المصطلح بسبب ظهور الفرق، ولا تختص هذه التسمية بطائفة معينة في مقابل أخرى، فالمسلمون كلهم أمة واحدة، وإنما ظهرت التسمية بسبب استحداث الفرق المنشقة عن جماعة المسلمين في العصور الإسلامية الأولى، ثم صارت هذه التسمية تمييزا لهم عن الفرق المنشقة عنهم، ومبدء التسمية من مفهوم اتباع السنة الذي دلت عليه النصوص النقلية مثل حديث: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» والمعنى: إلزموا طريقتي وطريقة الخلفاء الراشدين المشهود لهم بالرشاد فهم متبعون للسنة النبوية، والخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون هم سلف الأمة الإسلامية ومنهم أئمة المسلمين وهم الذين اتبعوا السنة وكانوا قدوة لمن بعدهم من الخلف من أئمة المسلمين ورواة الحديث وأعلام التفسير والحديث والفقهاء والخلفاء وولاة الأمر وعلماء الدين وعلماء اللغة والعلماء في مختلف التخصصات في علوم الشريعة الإسلامية والقواد والعامة. وتختص التسمية بالأئمة في الدين الإسلامي وهم علماء الدين المجتهدون من أهل الحديث وأهل التفسير وأهل الفقه في الدين والأئمة المجتهدون الذين اختص منهم [[فقهاء الصحابة]] ثم الذين أخذوا عنهم ونقلوا طريقتهم من [[فقهاء التابعين]] وتابعيهم، وأخذ عنهم الفقهاء المجتهدون الذين كانت لهم مذاهب فقهية، واشتهر منها في المرحلة الأولى فقه أهل الرأي والقياس وإمامهم أبو حنيفة وأصحابه من بعده، ومدرسة أهل الحديث وإمامهم [[مالك بن أنس]]، وفي المرحلة الثانية اشتهرت ثلاث مدارس فقهية مدرسة أهل الرأي ومدرسة أهل الحديث وإمامهم مالك بن أنس ثم الشافعي من بعده ومدرسة الظاهرية، وفي المرحلة الثالثة استقر عمل الناس بالمذاهب الفقهية الكبرى وهي [[المذاهب الأربعة]].
 
بعد ظهور [[المعتزلة]] وخصوصا بعد تغلبهم على الحكم بواسطة الخليفة المأمون العباسي ثم من بعده المعتصم ثم الواثق، وبحسب ما ذكر ابن خلدون وغيره أن المعتزلة بالغوا في التنزيه فأنكروا صفات دلت النصوص عليها، وظهر جماعة من السلف بالغوا في إثبات الصفات فوقعوا في التجسيم الصريح المناقض لآي التنزيه، وأما أهل السنة حينها فكان منهم جماعة مثل: [[أحمد بن حنبل]] و[[داود بن علي الأصفهاني]] وآخرون أخذوا بمنهج المتقدمين عليهم من أصحاب الحديث ك[[مالك بن أنس]] وغيره فقالوا في النصوص المتشابهة: نؤمن بها كما هي ولا نتعرض لتأويلها، وكان جماعة من أهل السنة في عصر السلف أيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية، ثم جاء من بعدهم [[أبو الحسن الأشعري]] و[[أبو منصور الماتريدي]] فأيدا عقائد أهل السنة والجماعة بمناهج كلامية والأخذ بالأدلة النقلية والعقلية.<ref>الملل والنحل للشهرستاني، ج1 ص93.</ref><ref name="تاريخ ابن خلدون"/> فكان من ذلك تمايز الفرق التي ظهرت في تلك العصور، وكتب عنها العلماء في "كتب الفرق" معظمها في القرن الرابع الهجري، ومنهم [[عبد القاهر البغدادي]] من فقهاء [[المذهب الشافعي]] في كتابه: "[[الفرق بين الفرق (كتاب)|الفَرق بين الفِرق]]"، وضح فيه أسماء الفِرق وصفاتها ومقولاتها التي افترقت بسببها عن بعضها ومخالفاتها لأهل السنة، وأن أهل السنة والجماعة هي الفرقة الثالثة والسبعون وأنهم جماعة واحدة من أهل الرأي وأهل الحديث، وكلهم متفقون على قول واحد في أصول الدين، وأئمتهم المتقدمون قد اتفقوا عليها وبينوها ودونوها وأخذها عنهم المتأخرون، وإن اختلفوا في [[فروع الفقه|فروع الأحكام]] فذلك لا يلحق بسببه تفسيق ولا تبديع ولا تكفير، وكانت التسمية تطلق على أهل السنة والجماعة تمييزا لهم عن الخوارج والمعتزلة والمجسمة وفرق التشيع وغيرها من الفرق المخالفة لهم.<ref name="الفرق2"/>
ومذهب أهل السنة والجماعة في العقيدة لم يخرج عن مدارس الفقه بمعنى أن أئمة أهل السنة والجماعة في العقيدة هم أئمة المذاهب الفقهية، وإنما يظهر الفرق في سبب تأسيس قواعد علم التوحيد ومنهج أئمته في الاستدلال. وعقيدة أهل السنة والجماعة مأخوذة أصلا من الصحابة باعتبار أنهم هم الذين تلقوا عقيدة الإسلام من مصدرها الأول، وتلقاها عنهم من بعدهم، وقد كان للثقافات الدخيلة على الإسلام أثر في نشأة الفرق المخالفة لمذهب الحق، وكانت هناك ضرورة للرد على الشبهات التي أثارها أهل الأهواء وأصحاب الفرق الضالة. ويتفق جمهور أهل السنة والجماعة على عدم جواز الخوض في المتشابهات من مسائل الاعتقاد إلا عند الضرورة لبيان الحق، وهذا هو مذهب سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الفقهية والتي اشتهر منها المذاهب الأربعة ومن سار على نهجهم، وجمهور أهل السنة والجماعة من بعدهم متابعون لهم ومتفقون فيما بينهم في أصول الدين، وبسبب توسع البلاد الإسلامية وتجدد ظهور أهل البدع والأهواء تطلب الأمر فهم منابع هذه الفتن للتمكن من الرد عليها وإبطالها بطريقة علمية صحيحة، وكانت هناك طريقتان في الاستدلال أحدهما: طريقة أهل الحديث وتعتمد في الاستدلال على الأدلة السمعية أي: النقلية من الكتاب والسنة والإجماع فيما يكون منها دليلا تقوم به حجة لإثبات الحكم. وثانيهما: طريقة أهل النظر والصناعة النظرية، وتعتمد في الاستدلال على الأدلية السمعية والنظرية باعتبار أن الأدلة السمعية هي الأصل، والأدلة العقلية خادمة لها.
 
فالتعريف الذي يميز أهل السنة والجماعة عن غيرهم من المخالفين لهم إنما يقوم على أساس الاتفاق على قول واحد في الأصول التي اجتمعت عليها جماعة أهل السنة، في المنهج المتبع والطريقة المسلوكة، وإلى هذا أشار [[عبد القاهر البغدادي]] في موضع آخر من هذا الكتاب حيث قال: {{مض|قد اتفق جمهور اهل السنة والجماعة على أصول من أركان الدين كل ركن منها يجب على كل عاقل بالغ معرفة حقيقته ولكل ركن منها شعب وفي شعبها مسائل اتفق اهل السنة فيها على قول واحد وضللوا من خالفهم فيها..}}، وقد بين هذه الأصول ثم قال: {{مض|فهذه أصول اتفق أهل السنة على قواعدها وضللوا من خالفهم فيها وفى كل ركن منها مسائل أصول ومسائل فروع وهم يجمعون على أصولها وربما اختلفوا فى بعض فروعها اختلافا لا يوجب تضليلا ولا تفسيقا}}.<ref name="الفرق•">{{مرجع ويب|المؤلف=عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي أبو منصور|وصلة المؤلف= عبد القاهر البغدادي |المسار=https://ar.m.wikisource.org/wiki/الفرق_بين_الفرق|العنوان=الفرق بين الفرق الفصل الثالث من فصول هذا الباب في بيان الأصول التى اجتمعت عليها أهل السنة- ويكي مصدر|الموقع= ar.wikisource.org|اللغة=العربية| تاريخ الوصول= 2018-09-09م}}</ref>
 
ومذهب أهل السنة والجماعة في العقيدة لم يخرج عن مدارس الفقه بمعنى أن أئمة أهل السنة والجماعة في العقيدة هم أئمة المذاهب الفقهية،الفقهية من أهل الرأي وأهل الحديث، وإنما يظهر الفرق في سبب تأسيس قواعد علم التوحيد ومنهج أئمته في الاستدلال.الاستدلال، وعقيدة أهل السنة والجماعة مأخوذة أصلا من الصحابة باعتبار أنهم هم الذين تلقوا عقيدة الإسلام من مصدرها الأول، وتلقاها عنهم من بعدهم، وقد كان للثقافات الدخيلة على الإسلام أثر في نشأة الفرق المخالفة لمذهب الحق، وكانت هناك ضرورة للرد على الشبهات التي أثارها أهل الأهواء وأصحاب الفرق الضالة. ويتفق جمهور أهل السنة والجماعة على عدم جواز الخوض في المتشابهات من مسائل الاعتقاد إلا عند الضرورة لبيان الحق، وهذا هو مذهب سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الفقهية والتي اشتهر منها المذاهب الأربعة ومن سار على نهجهم، وجمهور أهل السنة والجماعة من بعدهم متابعون لهم ومتفقون فيما بينهم في أصول الدين، وبسبب توسع البلاد الإسلامية وتجدد ظهور أهل البدع والأهواء تطلب الأمر فهم منابع هذه الفتن للتمكن من الرد عليها وإبطالها بطريقة علمية صحيحة، وكانت هناك طريقتان في الاستدلال أحدهما: طريقة أهل الحديث وتعتمد في الاستدلال على الأدلة السمعية أي: النقلية من الكتاب والسنة والإجماع فيما يكون منها دليلا تقوم به حجة لإثبات الحكم. وثانيهما: طريقة أهل النظر والصناعة النظرية، وتعتمد في الاستدلال على الأدلية السمعية والنظرية باعتبار أن الأدلة السمعية هي الأصل، والأدلة العقلية خادمة لها.
بعد ذهاب عصر السلف انتقل مذهب أهل السنة والجماعة إلى من بعدهم، واشتهر مذهب أهل السنة والجماعة على طريقة أبي الحسن الأشعري في العراق وخراسان والشام والمغرب والأندلس وغيرها، واشتهر مذهب أهل السنة والجماعة على طريقة أبي منصور الماتريدي في ما وراء النهر وغيرها، واختص جماعة من أهل الحديث بنقل معتقد أهل السنة والجماعة على طريقة الأثرية من أهل الحديث، ثم أصبح لقب أهل السنة والجماعة يطلق على الأشعرية والماتريدية والأثرية من أهل الحديث، باعتبار أن أهل السنة والجماعة من أصحاب الصناعة النظرية هم الأشعرية والماتريدية، حيث قرروا عقيدة أهل السنة والجماعة بطريقة الصناعة النظرية، وأما الأثرية فلم يكونوا أصحاب صناعة نظرية، بل اقتصروا في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة على الطريقة السمعية (الكتاب والسنة والإجماع)، وربما أخذ بعضهم بطريقة المتكلمين من أهل النظر، فأهل السنة والجماعة على اختلاف طرقهم في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة هم مكون واحد متفقون على قول واحد في أصول الدين، وماوربما وقعاختلفوا منفى اختلافبعض فلافروعها يؤثراختلافا فيلا أصوليوجب الاعتقادتضليلا ولا تفسيقا.<ref name="الفرق•"/>
 
هناك تسميات متعددة ذكرها العلماء للتعريف بأهل السنة والجماعة، ومهما اختلفت صياغتها في استعمالات العلماء من أهل السنة والجماعة فمردها واحد، والاختلاف في صياغتها خلاف شكلي لا أكثر، ففي عصر السلف كان يعرف أهل السنة والجماعة بأنهم أهل الحديث، وفي حديث: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». قال الإمام أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. كما أن أئمة السلف كلهم أهل الحديث، وبعد ظهور أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي اشتهر لقب أهل السنة والجماعة على الأشعرية والماتريدية أكثر، قال [[ابن عابدين]] في تقرير اعتقاد أهل السنة والجماعة: مما يجب اعتقاده على كل مكلف بلا تقليد لأحد وهو ما عليه أهل السنة والجماعة وهم الأشاعرة والماتريدية، وهم متوافقون إلا في مسائل يسيرة أرجعها بعضهم إلى الخلاف اللفظي كما بين في محله.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد أمين بن عمر المعروف بـ«ابن عابدين»|العنوان=حاشية ابن عابدين المسمى بـ«رد المحتار على الدر المختار» المقدمة، ج1|الصفحة=48 وما بعدها|الناشر=دار الكتب العلمية|السنة=1412 هـ/ 1992م|الإصدار=د.ط}}</ref> وذكر غيره مثل هذا، ووجه ذلك: أن الأشعرية والماتريدية عملوا على إثبات عقيدة أئمة السلف، وهي أمور قطعية لا خلاف عليها بين أهل السنة والجماعة،بالمناهج الكلامية، وإنما كان اشتهار هذه التسمية باعتبار أن أصحاب الصناعة النظرية من أهل السنة والجماعة دونوا وحققوا أكثر من غيرهم، إذ أن الأثرية لم يكونوا أهل صناعة نظرية، وكان أول من وضع قواعد علم التوحيد على مذهب أهل السنة والجماعة أبو الحسن الأشعري ومن تبعه من بعده، وأبو منصور الماتريدي ومن تبعه من بعده. فلو قلنا مثلا: أجمع جمهور أهل السنة والجماعة على تقديم الشرع على العقل، ومقابل هذا أن المعتزلة بالغوا في تقديس العقل فقدموه على نصوص الشرع بدليل أن بعض المعتزلة كالخوارج أنكروا حد الرجم بحجة أنه مستقبح عقلا، وأنكروا نصوص السنة الثابتة في الرجم، وقام أبو الحسن الأشعري باستخدام البراهين العقلية والحجج الكلامية لإثبات قول أهل السنة والجماعة في مسألة تقديم أدلة الشرع على العقل، والماتريدية فعلوا كذلك، وعلى كل الأحوال فإن الأشعرية والماتريدية والأثرية كلهم متفقون على القول بتقديم الشرع على العقل.
 
وأهل السنة والجماعة متفقون على قول واحد في أصول الاعتقاد؛ لأن أصول الدين ثابتة ومقررة بالنقل ولا مجال فيها للاجتهاد، ولأن الحق واحد لا يتعدد، كما أنهم ذكروا الفرق الإسلامية وجعلوا منها أهل السنة والجماعة فرقة واحدة، وإنما يكون الخلاف بين أهل السنة والجماعة في الفروع، ومهما كان اختلافهم في فروع الأحكام فلا يحكم بعضهم على بعض بالكفر ولا يصفه بالابتداع، وما قد يقع من خلاف في مسائل العقيدة فهو خلاف شكلي قد يلتبس على العوام، بسبب الحكم على الأشياء من غير استبيان، أو المبالغة في الحكم من غير علم، ومن انتسب إلى أهل السنة والجماعة وخالف إجماعهم فقوله منسوب إليه ومحسوب عليه وحده ومردود عليه، فأهل السنة والجماعة في أصول الاعتقاد مذهب واحد.
هناك تسميات متعددة ذكرها العلماء للتعريف بأهل السنة والجماعة، ومهما اختلفت صياغتها في استعمالات العلماء من أهل السنة والجماعة فمردها واحد، والاختلاف في صياغتها خلاف شكلي لا أكثر، ففي عصر السلف كان يعرف أهل السنة والجماعة بأنهم أهل الحديث، وفي حديث: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». قال الإمام أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. كما أن أئمة السلف كلهم أهل الحديث، وبعد ظهور أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي اشتهر لقب أهل السنة والجماعة على الأشعرية والماتريدية أكثر، قال [[ابن عابدين]] في تقرير اعتقاد أهل السنة والجماعة: مما يجب اعتقاده على كل مكلف بلا تقليد لأحد وهو ما عليه أهل السنة والجماعة وهم الأشاعرة والماتريدية، وهم متوافقون إلا في مسائل يسيرة أرجعها بعضهم إلى الخلاف اللفظي كما بين في محله.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد أمين بن عمر المعروف بـ«ابن عابدين»|العنوان=حاشية ابن عابدين المسمى بـ«رد المحتار على الدر المختار» المقدمة، ج1|الصفحة=48 وما بعدها|الناشر=دار الكتب العلمية|السنة=1412 هـ/ 1992م|الإصدار=د.ط}}</ref> وذكر غيره مثل هذا، ووجه ذلك: أن الأشعرية والماتريدية عملوا على إثبات عقيدة أئمة السلف، وهي أمور قطعية لا خلاف عليها بين أهل السنة والجماعة، وإنما كان اشتهار هذه التسمية باعتبار أن أصحاب الصناعة النظرية من أهل السنة والجماعة دونوا وحققوا أكثر من غيرهم، إذ أن الأثرية لم يكونوا أهل صناعة نظرية، وكان أول من وضع قواعد علم التوحيد على مذهب أهل السنة والجماعة أبو الحسن الأشعري ومن تبعه من بعده، وأبو منصور الماتريدي ومن تبعه من بعده. فلو قلنا مثلا: أجمع جمهور أهل السنة والجماعة على تقديم الشرع على العقل، ومقابل هذا أن المعتزلة بالغوا في تقديس العقل فقدموه على نصوص الشرع بدليل أن بعض المعتزلة كالخوارج أنكروا حد الرجم بحجة أنه مستقبح عقلا، وأنكروا نصوص السنة الثابتة في الرجم، وقام أبو الحسن الأشعري باستخدام البراهين العقلية والحجج الكلامية لإثبات قول أهل السنة والجماعة في مسألة تقديم أدلة الشرع على العقل، والماتريدية فعلوا كذلك، وعلى كل الأحوال فإن الأشعرية والماتريدية والأثرية كلهم متفقون على القول بتقديم الشرع على العقل.
وأهل السنة والجماعة متفقون على قول واحد في أصول الاعتقاد؛ لأن أصول الدين ثابتة ومقررة بالنقل ولا مجال فيها للاجتهاد، ولأن الحق واحد لا يتعدد، كما أنهم ذكروا الفرق الإسلامية وجعلوا منها أهل السنة والجماعة فرقة واحدة، وإنما يكون الخلاف بين أهل السنة والجماعة في الفروع، ومهما كان اختلافهم في فروع الأحكام فلا يحكم بعضهم على بعض بالكفر ولا يصفه بالابتداع، وما قد يقع من خلاف في مسائل العقيدة فهو خلاف شكلي قد يلتبس على العوام، بسبب الحكم على الأشياء من غير استبيان، أو المبالغة في الحكم من غير علم، ومن انتسب إلى أهل السنة والجماعة وخالف إجماعهم فقوله منسوب إليه ومحسوب عليه وحده ومردود عليه، فأهل السنة والجماعة في أصول الاعتقاد مذهب واحد.
 
قال [[تاج الدين السبكي]] في شرح عقيدة ابن الحاجب: "اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل، وإن اختلفوا في الطرق والمبادي الموصلة لذلك، أو في لِمِّية ما هنالك. وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف الأول: [[أهل الحديث]] ومعتمد مباديهم: الأدلة السمعية أعني: [[القرآن|الكتاب]]، و[[حديث نبوي|السنة]]، و[[الإجماع]]. الثانية: أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية وهم: [[الأشعرية]]، وال[[حنفية]]. وشيخ الأشعرية: [[أبو الحسن الأشعري]]، وشيخ الحنفية: [[أبو منصور الماتريدي]]، وهم متفقون في المبادي العقلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه، وفي المبادي السمعية فيما يدرك العقل جوازه فقط، والعقلية والسمعية في غيرها، واتفقوا في جميع المطالب الاعتقادية إلا في مسألة التكوين ومسألة التقليد. الثالثة: أهل الوجدان والكشف؛ وهم ال[[صوفية]]، ومباديهم مبادي أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية".<ref>نقلا عن: إتحاف السادة المتقين للزبيدي 2/ 6-7.</ref>
 
وقد قام الإمام [[عبد القاهر البغدادي]] في كتابه [[الفرق بين الفرق]] بإحصاء الفرق والطوائف المخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة التي ظهرت في تاريخ المسلمين، والتي عاصرها وهي تشتمل على اثنتين وسبعين فرقة منها: ال[[روافض]]، وال[[خوارج]]، وال[[قدرية]]، وال[[مرجئة]]، وال[[نجارية]]، وال[[بكرية]]، وال[[ضرارية]]، وال[[جهمية]]، و[[الكرامية]]، ثم قال: "فأما الفرقة الثالثة والسبعون فهي أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث دون من يشتري لهو الحديث، وفقهاء هذين الفريقين وقراؤهم ومحدثوهم ومتكلمو أهل الحديث منهم، كلهم متفقون على مقالة واحدة في توحيد الصانع وصفاته، وعدله وحكمته، وفي أسمائه وصفاته، وفي أبواب [[النبوة]] و[[الإمامة]]، وفي أحكام العقبى، وفي سائر [[أصول الدين]]. وإنما يختلفون في الحلال والحرام من فروع الأحكام، وليس بينهم فيما اختلفوا فيه منها تضليل ولا تفسيق وهم [[الفرقة الناجية]]، ويجمعها الإقرار بتوحيد الصانع وقدم صفاته الأزلية، وإجازة رؤيته من غير [[مشبهة|تشبيه]] ولا تعطيل، مع الإقرار بكتب الله ورسله وبتأييد شريعة [[الإسلام]]، وإباحة ما أباحه [[القرآن]] وتحريم ما حرمه القرآن، مع قيود ما صح من سنة رسول الله، واعتقاد الحشر والنشر، وسؤال الملكين في القبر، والإقرار بالحوض والميزان. فمن قال بهذه الجهة التي ذكرناها ولم يخلط إيمانه بشيء من بدع ال[[خوارج]] وال[[روافض]] وال[[قدرية]] وسائر أهل الأهواء فهو من جملة الفرقة الناجية -إن ختم الله له بها- ودخل في هذه الجملة جمهور الأمة وسوادها الأعظم من أصحاب مالك و[[الشافعي]] وأبي حنيفة و[[الأوزاعي]] و[[الثوري]] وأهل الظاهر..."<ref>[http://www.islamport.com/w/aqd/Web/2591/18.htm{{مرجع كتاب|المؤلف=عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي أبو منصور|العنوان=الفرق بين الفرقالفِرق وبيان الفرقة الناجية، ص: 19.] {{Webarchiveالناجية|urlالمسار=http://web.archive.org/web/20161026163941/http://www.islamport.com/w/aqd/Web/2591/18.htm|الصفخة=19 وما بعدها|dateالناشر=26دار أكتوبرالآفاق 2016الجديدة|المكان= بيروت|الطبعة=الثانية|السنة=1977م}}</ref>
 
وذكر [[محمد بن أحمد السفاريني|السفاريني]] {{اقتباس مضمن|أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية: وإمامهم أحمد بن حنبل، والأشعرية: وإمامهم أبو الحسن الأشعري. والماتريدية: وإمامهم أبو منصور الماتريدي، وأما فرق الضلال فكثيرة جدا}}.<ref>لوامع الأنوار البهية للسفاريني ج1 ص73</ref> وقال في كتاب العين والأثر: أهل السنة والجماعة ثلاث طوائف هم الأشاعرة والحنابلة والماتريدية.<ref>العين والأثر في عقائد أهل الأثر، ج1 ص53 المؤلف: عبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر بن عبد الباقي بن إبراهيم، الناشر: دار المأمون للتراث، دمشق، الطبعة الأولى، 1987. تحقيق: عصام رواس قلعجي.</ref>
 
=== طريقة أهل النظر ===
الطريقة النظرية يقصد بها طريقة أصحاب الصناعة النظرية في الأحكام العلمية على وجه مخصوص، وأهل السنة والجماعة كلهم من أهل الحديث، وإنما اختص منهم أهل النظر بهذه التسمية لاشتهارهم بها أكثر من غيرهم، ومن ثم فقد عُرف أبو حنيفة وأصحابة بـ«أهل الرأي والقياس» حيث أنهم اشتهروا بهذه الطريقة وتوسعوا فيها أكثر من غيرهم، في مقابل أهل الحديث من الفقهاء وإمامهم مالك بن أنس ثم الشافعي من بعدهبعده، ثمحيث أحمد بن حنبل، وذكرذكر [[ابن خلدون]] وغيره: أن الشافعي أول من دون في علم أصول الفقه في كتابه:«الرسالة»، وجمع بين طريقة أهل الرأي وطريقة أهل الحديث، ودون العلماء من بعده وكان ذلك علما قائما برأسه أُطلق عليه: «[[علم أصول الفقه]]»، وهو منهج بقوانين الاستدلال الفقهي، يتضمن قواعد استنباط [[فروع الفقه]]، وقد استفاد منه العلماء في أخذ الطرق المناسبة للاستدلال على صحة معتقدات أهل السنة والجماعة، وإنما فعلوا ذلك بسبب تمادي أهل الأهواء في التضليل على الناس في مسائل العقيدة، وقد كانت القدرية التي تفرعت من الخوارج وحملت بعد ذلك اسم المعتزلة أول من تكلم فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه من مسائل العقيدة، وتكلم بعد ذلك أصحاب الفِرق الأخرى، ثم أُطلق عليهم أصحاب الكلام، وأما البرهنة العقلية في مسائل العقيدة فقد ثبتت في نصوص الشرع، ففي مواضع كثيرة من القرآن يُذكر الاستدلال بالعقل، ومن ذلك خطاب عَبَدة الأوثان ومنكري البعث وغيرهم بعبارات ترشدهم للتفكر في بطلان ما اعتقدوه، والحال أنهم لما كانوا لا يؤمنون بنصوص الشرع ذكر لهم في أدلة عقلية في سياق النص الشرعي، ولا خلاف أئمة السلف استخدموا البرهنة العقلية بالطرق المتعارف عليها، ومن أمثلة ذلك ما ذكره أبو عبد الرحمن الأذرمي في مجلس الواثق، إلا أنهم لم يجعلوا ذلك بابا مفتوحا لما قد يؤدي إلى الخوض فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه، حتى ظهر في عصر السلف جماعة أيدوا عقائد أهل السنة والجماعة بحجج كلامية وبراهين أصولية ودونوا في ذلك، قال الشهرستاني: «حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسعد المحاسبي وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية».<ref>الملل والنحل للشهرستاني، مقدمة الكتاب</ref>
 
ثم تصدر أبو الحسن للدفاع عن عقائد أهل السنة والجماعة، والرد على المعتزلة والمجسمة وفرق التشيع، ومثله أبو منصور الماتريدي، وصارت سمة أهل النظر والصناعة النظرية عند أهل السنة والجماعة تُطلق على [[الأشعرية|الأشاعرة]] نسبة إلى إمامهم أبي الحسن الأشعري، و[[الماتريدية]] نسبة إلى إمامهم أبي منصور الماتريدي، وقد عمل هذان الإمامان وأصحابهما من بعدهما على صياغة منهج أصول الاعتقاد لإثبات عقائد السلف الصالح بالطرق السمعية والنظرية معا، أي: بالأدلة النقلية والعقلية. واستخدام الطرق الكلامية عند أهل السنة والجماعة لا يعد مذموما لذاته إذ أنه طريقة استدلالية، وإنما قد يكون مذموما لاعتبارات أخرى، وذلك أن ما يُؤْثَر عن السلف من ذم الكلام فيما سكت عنه الصحابة، وفيما يستخدم منه للجدل والمراء، فأهل السنة والجماعة إنما استخدموه عند انتشار أهل الأهواء من أجل إِبطال شُبههم وبيان الحق لا ليعد مهنة للجدل والتشويش على العامة، وقد انقرضت تلك الفرق فلا حاجة للكلام فيما هو غائب عن أذهان الناس، لكن أهل الأهواء يظهرون عند انتشار الجهل في الدين، كما أنه لا يلزم كل فرد تعلم علم الكلام بل هو مخصوص بأهل العلم في الدين، ويكفي ولو واحدا في كل زمان للرد على أهل الأهواء، شرط أن يكون له علم بالفقه والحديث والتفسير واللغة، فالمتكلم الذي لا علم له في الدين واقع في الخطأ لا محالة، ولو قرأنا تاريخ أهل السنة والجماعة لوجدنا المتكلمين منهم علماء في الدين من أهل الحديث والفقه، لأنهم أصلا كذلك، وأيضا نجد بعضهم اشتهر بالكلام وبعضهم لم يشتهر به، وسبب ذلك يرجع إلى قاعدة عندهم فسرها [[أبو حامد الغزالي]] بالقول: أن مثل علم الكلام مثل الدواء الخطر الذي يحتاج لطبيب ماهر، لا يُستخدم إلا عند الحاجة، أي: أن الصحيح لا حاجة له إلى الدواء، بل ربما يضره تناول الدواء، وشبَّهه في موضع آخر بالسلاح فلا يُستخدم إلا عند الحاجة.<ref>[https://ar.m.wikisource.org/wiki/إحياء_علوم_الدين/كتاب_قواعد_العقائد/الفصل_الثاني إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزَّالي كتاب قواعد العقائد الفصل الثاني ويكي مصدر]</ref>