أهل السنة والجماعة: الفرق بين النسختين

تم إضافة 650 بايت ، ‏ قبل سنتين
 
=== أول بِدعة في الإسلام ===
كانت أول فتنةبِدعة ظهرتوقعت في الإسلام بدعةفتنة الخوارج، وقد كانوكان خروجهم عن الحق بدافعبسبب ديني،الدنيا، بالإضافةوهو إلىما الدوافعذكره الاقتصادية[[ابن والسياسيةكثير التيالدمشقي]] بدأت في[[774 ظاهرةهـ]]) الخروجفي علىتفسيره ولاة الأمر وشق عصا الطاعة.حيث قال [[ابن كثير]]: {{مض|فإن أول بدعةبِدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجئوه بهذه المقالة، فقال قائلهم -وهو ذو الخويصرة -بقر الله خاصرته- اعدل فإنك لم تعدل، فقال له رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}}: {{حديث|لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني}}، فلما قفا الرجل استأذن [[عمر بن الخطاب]] -وفي رواية: [[خالد بن الوليد]]- (ولا بعد في الجمع)- رسول الله في قتله، فقال: {{حديث|دعه فإنه يخرج من ضئضئ هذا -أي: من جنسه- قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم}}»..}}.<ref name="ابن كثير"/> وهذا الحديث في [[الصحيحين]] وغيرهما بروايات صحيحة ومنها في صحيح مسلم: {{حديث|عن [[جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام|جابر بن عبد الله]] قال أتى رجل رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} ب[[الجعرانة]] -منصرفه من [[غزوة حنين|حنين]]- وفي ثوب [[بلال بن رباح|بلال]]: [[فضة]]، ورسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} يقبض منها يعطي الناس، فقال: يا محمد اعدل، قال: «ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل» فقال [[عمر بن الخطاب]] رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: «معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية»}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=يحيي بن شرف أبو زكريا النووي|وصلة المؤلف=الإمام النووي|العنوان=شرح النووي على صحيح مسلم، كتاب الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم حديث رقم: (1063)|الصفحة=130 و131|الإصدار=دار الخير|السنة= 1416 هـ/ 1996م}}</ref>
 
وظاهروفي كلام ابن كثير يدل على أن ذا الخويصرة رأس الخوارج وهوفإنه وإناستحدث لمشبهة يكنالخروج هناكعلى ما يسمى بـالخوارج في ذلك الحين لكنالحق، دلويدل عليه قوله: «{{حديث|يخرج من ضئضئ هذا..»}} أي: من جنسة، ومثل هذا حصولاستحداث [[فتنة مقتل عثمان|الفتنة]] في زمن [[عثمان بن عفان]] والخروج عليه وقتله، والفتن التي حصلت بعد ذلك، كله يدل علىإلا أن الخوارج هم الذين كانوا وراء كلخروجهم ذلك،عن لكنهمالحق لم يكونوا أعلنوا خروجهميكن تحت مسمى فرقة خاصة إلا في زمن الخليفة [[علي بن أبي طالب]]، حينما أعلنوا انشقاقهم عنه بعد وقعة صفين فكانوا أول فرقة ظهرت في الإسلام، فقد انضموا في بداية الأمر إلى صف علي بن أبي طالب، فلما قبل بالتحكيم أعلنوا خروجهم وصاحوا قائلين: «لا حكم إلا لله»، فرد عليهم علي بن أبي طالب بقوله: «{{مض|كلمة حق يراد من ورائها باطل»}}، حيث كان خروجهم لسبب دنيوي تحت مسمى ديني، وقد استشار الصحابة بشأنهم وحاورهم [[ابن عباس]] وغيره من الصحابة، ثم اتفقت أقوال الصحابة على وجوب قتالهم بما لديهم من نصوص الأحاديث الدالة على ذلك،قتالهم إذا أعلنوا خروجهم، وقتلهم علي بن أبي طالب بالنهروان. قال ابن كثير: {{مض|ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب، وقتلهم بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة، ثم نبعت القدرية، ثم المعتزلة ثم الجهمية وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق في قوله: {{حديث|وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة}} قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: {{حديث|من كان على ما أنا عليه وأصحابي}}..}}.<ref name="ابن كثير"/><ref>أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة.</ref> وفي رواية عن حذيفة: {{حديث|إن في أمتي قوما يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على غير تأويله}}.<ref name="ابن كثير"/> عن ابن العاص عن رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} قال: {{حديث|إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به}}.<ref name="ابن كثير"/> قال [[النووي]]: {{اقتباس مضمن|قوله {{صلى الله عليه وسلم}}: {{حديث|يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم}}، قال القاضي: فيه تأويلان: أحدهما: معناه: لا تفقهه قلوبهم ولا ينتفعون بما تلوا منه، ولا لهم حظ سوى تلاوة الفم والحنجرة والحلق إذ بهما تقطيع الحروف، الثاني: معناه: لا يصعد لهم عمل ولا تلاوة ولا يتقبل}}. وقد جاء في الحديث: {{حديث|يمرقون من الدين}} وفي رواية مسلم: {{حديث|يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية}}، أي: من الدين، والمراد به هنا: دين الإسلام، كما في الرواية الأخرى بلفظ: {{حديث|يمرقون من الإسلام}}، كما يدل عليه قول الله تعالى: {{قرآن|إن الدين عند الله الإسلام}}. قال القاضي: معناه: يخرجون منه خروج السهم إذا نفذ الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق به شيء منه، والرمية هي الصيد المرمي. وقال الخطابي: هو الطاعة أي: من طاعة الإمام. انتهى ملخصا من كلام النووي. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما الكثير من الأحاديث الصحيحة في نعت الخوارج بأنهم: {{حديث|يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان}}، وجاء في وصفهم حديث: {{حديث|يحسنون القيل ويسيؤون الفعل}}. وجاء في حديث ذي الخويصرة في صحيح مسلم بلفظ: {{حديث|فقال رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}}: إن من ضئضئ هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=يحيي بن شرف أبو زكريا النووي|وصلة المؤلف=الإمام النووي|العنوان=شرح النووي على صحيح مسلم، كتاب الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم حديث رقم: (1064)|الصفحة=131 وما بعدها|الإصدار=دار الخير|السنة= 1416 هـ/ 1996م}}</ref>
 
استحدث الخوارج أول بدعة في الإسلام تتضمن مقولات متشددة ومبالغ فيها، واتخذوا من مبدأ التكفير سببا للخروج على ولاة أمر المسلمين، وبما أن علي بن أبي طالب كان صارما في التعامل معهم وبما لديه من الفقه في الدين، فقد حاورهم وحاول أن يستعيدهم للصواب فرجع منهم من رجع وبقي منهم من بقي، وبعد وقعة النهروان لم يبق منهم إلا عدد قليل تفرقوا في البلدان. ذكر ابن بطال في حديث عن علي بن أبي طالب أنه قال في أثناء خطبته: {{اقتباس مضمن|مايمنع أشقاكم أن يخضبها بدم}} وأشار إلى لحيته‏.‏<ref>[http://www.al-eman.com/الكتب/شرح%20صحيح%20البخاري%20لابن%20بطال%20***/باب%20شدة%20المرض/i306&d221079&c&p1 شرح صحيح البخاري لابن بطال كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت]</ref><ref group="°">نص الحديث: عن معمر عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال‏:‏ سمعت عليًا يخطب فقال‏:‏ ‏(‏اللهم إني قد سئمتهم وسئموني فارحمني منهم وارحمهم مني، «مايمنع أشقاكم أن يخضبها بدم» وأشار إلى لحيته‏)‏‏.</ref> وقد توجه من الخوارج عبد الرحمن بن ملجم لقتل علي بن أبي طالب فقتله في المسجد [[يوم الجمعة]] قبل [[صلاة الفجر]].
 
=== الكلام في الصفات ومسائل الاعتقاد (تم)===
بعد ظهور الخوارج وانشقاقهم عن جماعة الصحابة تفرعت منهم فرق كثيرة، وقد وصفهم أهل السنة بأنهم أهل الأهواء المضلة الذين استحدثوا بأهوائهم ما لا أصل له في الشريعة وتكلموا فيما نهى الله ورسوله عن البحث فيه فاختلفت أهواؤهم وافترقت آرآؤهم وتحولت شبهاتهم إلى معتقدات صاروا بسببها جماعات متفرقة،
بدأ الكلام في مسائل العقيدة في عصر السلف، وأصول العقيدة الإسلامية أحكام قطعية معلومة بطريق الوحي، ولا سبيل للعلم بعد عصر النبوة إلا عن الصحابة فإنهم كانوا مجتمعين على السُّنة، وخالفهم أهل الأهواء الذين خاضوا في المتشابهات فتحولت شبهاتهم إلى معتقدات خرجوا بها عن الحق، وتفرقوا بسببها عن جماعة المسلمين، وكانت أول فتنة في الإسلام بدعة الخوارج، ثم تفرعت من مقولاتهم بدع شتى من صنوف الفتن في الدين، وكل هذه البدع المضلة تشترك في معنى الخروج عن الحق في أصول الاعتقاد والتفرق في الدين، ويكون مصدرها الاستبداد بالرأي في مقابلة النص، واختيار الهوى في معارضة الأمر، والاستكبار والإعجاب بالرأي، وكان أئمة السلف من أهل السنة والجماعة يكتفون بما علموه، ويفوضون فيما تشابه عليهم.
وكان أئمة أهل السنة من متقدمي عصر السلف يكتفون بإضاح القول فيما يحتاج إلى إيضاح ولا يتكلمون فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه، ويتركون الخصام والجدال والمراء فيه، قال [[ابن خلدون]] في تاريخه المدون في القرن الثامن الهجري: {{مض|وأمهات العقائد الإيمانية معللة بأدلتها العقلية، وأدلتها من الكتاب والسنة كثير وهي معلومة ومقررة، وما وقع من الخلاف في العقائد أكثره من اتباع المتشابه}}.<ref name="تاريخ ابن خلدون"/>
وجاء في كلامه أنه لما كان وجوب التنزيه لله تعالى في وصفه بالكمال المطلق، ودلت عليه النصوص كقوله تعالى: {{قرآن|ليس كمثله شيء}} فقد بالغت القدرية (المعتزلة) في التنزيه مما أدى إلى استحداث بدعة القول بإنكار صفات ثابتة بالنص، وبالمقابل فقد ظهر في عصر السلف مبتدعة بالغوا في إثبات الصفات، اتبعوا المتشابهات من النصوص وفسروها بحسب الظاهر، فوقعوا في التجسيم المناقض لآيات التنزيه الصريح، وذكر [[أبو الفتح الشهرستاني]] في كتابه: «[[الملل والنحل]]»
 
أن المعتزلة لما بالغوا في التنزيه فأنكروا صفات ثابتة بالنص أطلقوا عليهم معطلة، وأن السلف لما كانوا من مثبتي الصفات كانوا يسمونهم الصفاتية، وأن بعض السلف بالغوا في إثبات الصفات فوقعوا في التجسيم، وذكر منها بدعة محمد بن كرام السجستاني،<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=الذهبي|العنوان=سير أعلام النبلاء ج11|الصفحة=523 و524|المسار=http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?ID=2107&bk_no=60&flag=1}}</ref> في القول بالتجسيم وتنسب إليه الكرامية، وقد نصرهم محمود بن سبكتكين السلطان، (وكان من الكرامية).<ref>الملل والنحل، محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني، المقدمة الرابعة: في بيان أول شبهة وقعت في الملة الإسلامية وكيفية انشعابها ومن مصدرها ومن مظهرها، ج1 ص20 وما بعدها، دار المعرفة - بيروت، 1404 هـ</ref>
 
استُحدِث في عصر السلف بدعة الكلام في المتشابهات والقول فيها بالرأي حتى تحول ذلك اعتقادا مخالفا للحق، ولما كان وجوب التنزيه لله تعالى في وصفه بالكمال المطلق، ودلت عليه النصوص كقوله تعالى: {{قرآن|ليس كمثله شيء}} فقد بالغت القدرية (المعتزلة) في التنزيه مما أدى إلى استحداث بدعة القول بإنكار صفات ثابتة بالنص، وظهرت بدعة القول بالقدر، [[محنة خلق القرآن|وفتنة القول بخلق القرآن]]، ومن ثم أطلقوا على المعتزلة معطلة، وبالمقابل فقد ظهر في عصر السلف مبتدعة بالغوا في إثبات الصفات، اتبعوا المتشابهات من النصوص وفسروها بحسب الظاهر، فوقعوا في التجسيم المناقض لآيات التنزيه الصريح، ومنها بدعة محمد بن كرام السجستاني،<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=الذهبي|العنوان=سير أعلام النبلاء ج11|الصفحة=523 و524|المسار=http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?ID=2107&bk_no=60&flag=1}}</ref> في القول بالتجسيم وتنسب إليه الكرامية، وقد نصرهم محمود بن سبكتكين السلطان، (وكان من الكرامية).<ref>الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص20</ref> قال ابن خلدون: {{اقتباس مضمن|ولم يبق في هذه الظواهر إلا اعتقادات السلف ومذاهبهم والإيمان بها كما هي لئلا يكون النفي على معانيها بنفيها مع أنها صحيحة ثابتة من القرآن}}.<ref name="ابن خلدون2">{{مرجع كتاب|المؤلف1=ابن خلدون|وصلة المؤلف1=ابن خلدون|العنوان=تاريخ ابن خلدون ج1|الصفحة=463 و464|تاريخ الوصول= 07 ربيع الثاني/ 1436 هـ|اللغة= العربية}}</ref>
 
اتفق أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا على أن النصوص الموهمة بظاهرها للتشبيه بالحوادث هي من المتشابهات التي لا يجوز الخوض فيها، وقد نهى الله عن الخوض فيها؛ لأنه من صفات أهل الزيغ والضلال حيث أنهم تكلموا فيما لم يأذن به الله مما ليس لهم به علم وفسروا المتشابهات وفق أهوائهم، وقد ورد ذلك في القرآن في قوله تعالى: {{قرآن|فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ..}}.<ref group="°">قال الله تعالى: {{قرآن|هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}}. (آل عمران: 7).</ref>
روى [[ابن كثير الدمشقي|ابن كثير]]: {{اقتباس مضمن|عن ابن عباس أنه قال: التفسير على أربعة أنحاء: فتفسير لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل. ويروى هذا القول عن عائشة وعروة وأبي الشعثاء وأبي نهيك وغيرهم}}.<ref name="تفسير ابن كثير">{{مرجع كتاب|المؤلف=إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي|العنوان=تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة آل عمران، تفسير قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءآيات محكمات الجزء الثاني|الصفحات=10 وما بعدها|الناشر=دار طيبة|السنة=1422 هـ}}</ref>
 
هناك مذهبان مرويان عن الصحابة ذكرهما المفسرون في قوله تعالى: {{قرآن|وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ..}}، وقد ذكر ابن جرير الطبري القول في تأويل الآية: أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، قال: {{اقتباس مضمن|وأما الراسخون في العلم فيقولون: {{قرآن|ءامنا به كل من عند ربنا}}، لا يعلمون ذلك، ولكن فضل علمهم في ذلك على غيرهم العلم بأن الله هو العالم بذلك دون من سواه من خلقه}}.<ref name="أبو جعفر">تفسير الطبري، محمد بن جرير الطبري، دار المعارف، تفسير سورة آل عمران، القول في تأويل قوله تعالى: {{قرآن|وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا}}. الجزء السادس، ص201، 206</ref> ثم ذكر اختلاف أهل التأويل في تأويل ذلك وهل {{قرآن|الراسخون}} يعلمون بتأويل المتشابه، أم أنهم يقولون: ءامنا بالمتشابه وصدقنا أن علم ذلك لا يعلمه إلا الله؟
فقال بعضهم: معنى ذلك: وما يعلم تأويل ذلك إلا الله وحده منفردا بعلمه، وأما الراسخون في العلم فيؤمنون به ولا يعلمون تأويله، عن عائشة قالت: {{اقتباس مضمن|كان من رسوخهم في العلم أن آمنوا بمحكمه ومتشابهه، ولم يعلموا تأويله}}. وروى هذا عن ابن عباس وعروة وأبي نهيك الأسدي وعمر بن عبد العزيز ومالك.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: {{قرآن|وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم}}، وهم مع علمهم بذلك ورسوخهم في العلم يقولون: {{قرآن|ءامنا به كل من عند ربنا}}. وروى عن ابن عباس أنه قال: {{اقتباس مضمن|أنا ممن يعلم تأويله}}. وعن مجاهد: {{قرآن|والراسخون في العلم}}: يعلمون تأويله ويقولون: {{قرآن|ءامنا به}}.
قال أبو جعفر: وأما معنى التأويل في كلام العرب فإنه التفسير والمرجع والمصير. ورجح ابن جرير الطبري (وهو من أئمة السلف): القول الأول وهو: أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، قال: وأما {{قرآن|الراسخون في العلم}} فلا يعلمون تأويل المتشابه، يقولون: ءامنا بالمتشابه وصدقنا أن علم ذلك لا يعلمه إلا الله.<ref name="أبو جعفر"/>
 
وهذا المذهبان المرويان عن السلف حكاهما [[ابن كثير الدمشقي|ابن كثير]] (وهو من علماء القرن الثامن الهجري) أولهما: أنه لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله، وهو ما رواه ابن جرير على قراءة ابن عباس وابن مسعود وأبي ابن كعب، وكذا رواه ابن جرير عن عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس: أنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله، واختار ابن جرير هذا القول. وهذا هو مذهب التسليم أو التفويض لأنهم يفوضون علم ذلك لله ولا يأولون المتشابه بل يؤمنون به ويقولون: لا يعلم تأويله إلا الله، وهذا القول مروي عن أئمة السلف.<ref>فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، كتاب التوحيد، ص427</ref>
وثانيهما: لا يعلم تأويل المتشابه الذي أراد ما أراد {{قرآن|إلا الله والراسخون في العلم}} يعلمون تأويله {{قرآن|يقولون ءامنا به}}، ثم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكمات التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتسق بقولهم الكتاب، وصدق بعضه بعضا فنفذت الحجة وظهر به العذر وزاح به الباطل ودفع به الكفر، ويسمى مذهب التأويل وهو مروي عن بعض أئمة السلف،
قال ابن كثير: {{اقتباس مضمن|وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول وقالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد، وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال: {{اقتباس مضمن|أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله}}. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون: آمنا به. وكذا قال الربيع بن أنس. وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير: {{قرآن|وما يعلم تأويله}} الذي أراد ما أراد {{قرآن|إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به}} ثم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتسق بقولهم الكتاب، وصدق بعضه بعضا فنفذت الحجة وظهر به العذر وزاح به الباطل ودفع به الكفر، وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس فقال: {{حديث|اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل}}}}.<ref name="تفسير ابن كثير"/>