أهل السنة والجماعة: الفرق بين النسختين

تم إزالة 869 بايت ، ‏ قبل سنتين
(←‏الأقوال المأثورة في معنى الجماعة: محتوى مكرر تم دمجه سابقا)
 
=== مفهوم الوسطية ===
مفهوم الوسطية في الإسلام عدم الإفراط ولا التفريط، بل وسطا بين ذلك قواما،قواما ودينا قيما،قيما فالوسطيةلا هي:غلو عدمفيه المغالاةولا فيتقصير، الأمورفالمغالاة بمعنى:في عدمالدين تجاوزبتجاوز الحد في الدين، وهوفيه منهي عنهعنها في الدين الإسلامي، فقدوالوسطية ذكرفيه اللهمطلوب فيديني القرآنلا ابتداعيختص الرهبانيةبمجموعة فيمن قولهالمسلمين تعالى:دون {{قرآن|ورهبانيةأخرى، ابتدعوها..}}وقد وهناكجاء فرقعن بينأئمة الالتزامأهل والمحافظة،السنة وبينوالجماعة المغالاةوعلمائهم المنهيأنهم عنهايعتبرون التيالتوسط هيفي بمعنىالدين المبالغةمنهجا فيدينيا عاما على اختلاف المسارات الاعتقادية والعملية والأخلاقية، ويعتبرون الغلو الشيءأو التقصير في والتشددأصول فيه،الاعتقاد وهوأنه من سمات فرق الضلال الذينكالخوارج غالواومن فيتبعهم الدينفقد حتى وقعواذكروا في الضلال،وصفهم وقدما جاءرواه البخاري في الحديثصحيحه في صفةالحديث الخوارجبلفظ: «{{حديث|يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ..}} الحديث.<ref>صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، الجزء الثالث، ص1321، حديث رقم: (3414). انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، ص715.</ref> وذلك أنهم بالغوا في التعبد حتى وصفوا المقصرين والعصاة بالكفر، وهذا مخالف لوسطية الإسلام، ومن جهة أخرى فإنهم بالغوا في القول: أن المعصية كفر، وغالوا في تفسير آيات الوعيد حتى كفروا كل من يرتكب إثما وقالوا: أن العاصي مخلد في النار، ومنعوا بذلك رحمة الله عن الناس، ولكنومن أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه، وأن الأمور الأخروية بمشيئة الله ولا شأن للمخلوقين بتقرير ذلك.<ref>[http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?bk_no=52&ID=3824&idfrom=12690&idto=12695&bookid=52&startno=0 فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ص296 وما بعدها، حديث رقم: (6531)]، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم وقول الله تعالى: {{قرآن|وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون}}، وكان [[ابن عمر]] يراهم شرار خلق الله وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين. {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20180419053320/http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?bk_no=52&ID=3824&idfrom=12690&idto=12695&bookid=52&startno=0 |date=19 أبريل 2018}}</ref><ref>[http://library.islamweb.net/Newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=6&ID=18949 مسند أحمد] {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20171215053701/http://library.islamweb.net/Newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=6&ID=18949 |date=15 ديسمبر 2017}}</ref> ومن أمثلة الغلو في الدين ما ذكر في القرآن من وصف النصارى لعيسى ابن مريم بصفات الألوهية، قال الله تعالى: {{قرآن|ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}} فالأنبياء والعلماء والصالحون لهم مكانة واحترام وهم أولى بالتعظيم، والمنهي عنه في الإسلام إنما هو الإطراء بمعنى: المبالغة في تعظيم المخلوق ووصفه بما لا يستحق، فالألوهية لله وحده لا شريك له.<ref>تفسير القرطبي، سورة النساء، ج5 ص211 وما بعدها.</ref>
 
ومن أمثلة الغلو في الدين ما ذكر في القرآن من وصف النصارى لعيسى ابن مريم بصفات الألوهية، قال الله تعالى: {{قرآن|ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}} فالأنبياء والعلماء والصالحون لهم مكانة واحترام وهم أولى بالتعظيم، والمنهي عنه في الإسلام إنما هو الإطراء بمعنى: المبالغة في تعظيم المخلوق ووصفه بما لا يستحق، فالألوهية لله وحده لا شريك له.<ref>تفسير القرطبي، سورة النساء، ج5 ص211 وما بعدها.</ref>
 
وقد جاء في القرآن التأكيد على أن الله جعل الأمة المحمدية أمة وسطا في قوله تعالى {{قرآن|وكذلك جعلناكم أمة وسطا}} أي: خيارا عدولا،<ref name="الرازي">{{مرجع كتاب|المؤلف1=فخر الدين الرازي|وصلة المؤلف1=الفخر الرازي|العنوان=تفسير الرازي سورة البقرة قول الله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا..|الناشر=العلمية|الصفحة=88}}</ref> أي: جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم. والوسط: العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها. وروى الترمذي: {{حديث|عن أبي سعيد الخدري عن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} في قوله تعالى: {{قرآن|وكذلك جعلناكم أمة وسطا}} قال: عدلا}}. قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي [[القرآن الكريم|التنزيل]]: {{قرآن|قال أوسطهم}}،<ref>[[سورة القلم]] آية: 28</ref> أي: أعدلهم وخيرهم. وقال زهير:
{{بيتقصيدة|هم وسط يرضى الأنام بحكمهم|إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم}}
{{بداية قصيدة}}
{{بيت|هم وسط يرضى الأنام بحكمهم|إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم}}
{{نهاية قصيدة}}
وقال آخر:
{{بيتقصيدة|أنتم أوسط حي علموا|بصغير الأمر أو إحدى الكبر}}
{{بداية قصيدة}}
{{بيت|أنتم أوسط حي علموا|بصغير الأمر أو إحدى الكبر}}
{{نهاية قصيدة}}
وقال آخر:
{{بيتقصيدة|لا تذهبن في الأمور فرطا|لا تسألن إن سألت شططا}}
{{بداية قصيدة}}
{{بيتقصيدة|--|وكن من الناس جميعا وسطا}}
{{بيت|لا تذهبن في الأمور فرطا|لا تسألن إن سألت شططا}}
 
{{بيت|--|وكن من الناس جميعا وسطا}}
{{نهاية قصيدة}}
ووسط الوادي: خير موضع فيه وأكثره كلأ وماء. ولما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير كان محمودا، أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم. وفي الحديث: «خير الأمور أوسطها»، وفيه عن علي رضي الله عنه: «عليكم بالنمط الأوسط، فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النازل».<ref>[https://ar.m.wikisource.org/wiki/الجامع_لأحكام_القرآن/سورة_البقرة/الآية_رقم_143 تفسير القرطبي ويكي مصدر]</ref>
 
قال [[إبراهيم بن موسى الشاطبي|الشاطبي]] في معنى قول الله تعالى: {{قرآن|وأنوَأَنَّ هذاهَذَا صراطيصِرَاطِي مستقيمامُسْتَقِيمًا فاتبعوهفَاتَّبِعُوهُ ولاوَلَا تتبعواتَتَّبِعُوا السبلالسُّبُلَ فتفرقفَتَفَرَّقَ بكمبِكُمْ عنعَنْ سبيلهسَبِيلِهِ ذلكمذَلِكُمْ وصاكموَصَّاكُمْ بهبِهِ لعلكملَعَلَّكُمْ تتقونتَتَّقُونَ}}: فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه، وهو السنة، والسبل هي سبل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم وهم أهل البدع، وليس المراد سبل المعاصي؛ لأن المعاصي من حيث هي معاص لم يضعها أحد طريقا تسلك دائما على مضاهاة التشريع، وإنما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات. وعن مجاهد في قوله: {{قرآن|ولا تتبعوا السبل}}، قال: البدع والشبهات. وسئل مالك عن السنة؟ فقال: هي ما لا اسم له غير السنة، وتلا: {{قرآن|وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}}. فهذا التفسير يدل على شمول الآية لجميع طرق البدع، لا تختص ببدعة دون أخرى. ومن الآيات قول الله تعالى: {{قرآن|وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين}}. فالسبيل القصد هو طريق الحق، وما سواه جائر عن الحق أي: عادل عنه وهي طرق البدع والضلالات.<ref name="الشاطبي.">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي|العنوان=الاعتصام للإمام الشاطبي، الباب الثاني في ذم البدع وسوء منقلب أصحابها، فصل الأدلة من النقل على ذم البدع، ما جاء في القرآن في ذم البدع وأهلها، ج1|الصفحات=71 وما بعدها|الناشر=دار ابن عفان|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
والبدعة بمعناها الشرعي ورد في الشرع ذمها ووصفها بالضلالة التي ينشأ عنها التفرق والاختلاف في الدين، وكونها ضلالة؛ لكونها تمثل خروجا عن طريق الهداية، بالخروج عن المسار الصحيح بالتدخل فيما لا يعني والإعراض عن الهدف المقصود، والخروج عن الصراط المستقيم هو الضلال باختلاف أصنافه، وهو إما خروج عن الملة مثل تكذيب الرسل وعبادة الأحجار والنجوم وغيرها، وإما أن يكون مما لا يخرج بسببه عن الملة كالفرق الإسلامية التي لم تخرج ببدعتها عن الملة، فالخوض في المتشابهات خروج عن الحق وتجاوز الصراط المستقيم ووقوع في الضلالة، وفي الحديث: «عن أبي هريرة عن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} قال: "دعوني ما تركتكم إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"».<ref name="ابن حجر1">{{مرجع كتاب|المؤلف1=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|وصلة المؤلف1=ابن حجر العسقلاني|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الإقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث رقم: (6858)|الصفحة=256 وما بعدها|السنة=1407 هـ/ 1986م|الناشر=دار الريان للتراث|المسار=|تاريخ الوصول= 07 ربيع الثاني/ 1436 هـ|اللغة= العربية|العنوان بالعربي=فتح الباري شرح صحيح البخاري}}</ref> ولمسلم بلفظ: «ذروني» وهي بمعنى دعوني وذكر مسلم سبب هذا الحديث من رواية محمد بن زياد فقال: «عن أبي هريرة خطبنا رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} فقال: يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال ذروني ما تركتكم..».<ref>الحديث وأخرجه الدارقطني مختصرا وزاد فيه فنزلت: {{قرآن|يا أيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم}} وله شاهد عن ابن عباس عند الطبري في التفسير وفيه: لو قلت نعم، لوجبت ولو وجبت لما استطعتم فاتركوني ما تركتكم الحديث وفيه فأنزل الله: {{قرآن|يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم..}}الآية.</ref> قال ابن حجر: والمراد بهذا الأمر ترك السؤال عن شيء لم يقع خشية أن ينزل به وجوبه أو تحريمه، والنهي عن كثرة السؤال لما فيه غالبا من التعنت، وخشية أن تقع الإجابة بأمر يستثقل، فقد يؤدي لترك الامتثال فتقع المخالفة.
 
والصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه هو سبيل الله الذي دعا إليه، ومهمة الأنبياء والرسل هداية الناس إلى صراط الله المستقيم هداية دلالة وإرشاد، والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد، والضلال والضلالة: ضد الهدي والهدى، وهو الخروج عن الطريق، فالضال يلتبس عليه الأمر حيث لم يكن له هاد يهديه، وهو الدليل، فصاحب البدعة لما غلب الهوى مع الجهل بطريق السنة توهم أن ما ظهر له بعقله هو الطريق القويم دون غيره، فمضى عليه، فحاد بسببه عن الطريق المستقيم، فهو ضال وإن كان بزعمه يتحرى قصدها. فالمبتدع من هذه الأمة، إنما ضل في أدلتها، حيث أخذها مأخذ الهوى والشهوة لا مأخذ الانقياد تحت أحكام الله، وهذا هو الفرق بين المبتدع وغيره؛ لأن المبتدع جعل الهوى أول مطالبه، وأخذ الأدلة بالتبع.<ref>الاعتصام للشاطبي، الفرق بين البدعة والمعصية، ص175</ref>
قال ابن فرج: معنى قوله ذروني ما تركتكم لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تكون مفيدة لوجه ما ظهر ولو كانت صالحة لغيره، والنهي عن التنقيب عن ذلك لأنه قد يفضي إلى مثل ما وقع لبني إسرائيل، إذ أمروا أن يذبحوا البقرة فلو ذبحوا أي بقرة كانت لامتثلوا ولكنهم شددوا فشدد عليهم.<ref name="ابن حجر1"/> وفيه دليل النهي عن كثرة المسائل والمغالاة في ذلك، قال البغوي في شرح السنة: المسائل على وجهين أحدهما: ما كان على وجه التعليم لما يحتاج إليه من أمر الدين فهو جائز بل مأمور به لقوله تعالى فاسألوا أهل الذكر الآية، وعلى ذلك تتنزل أسئلة الصحابة عن الأنفال والكلالة وغيرهما. ثانيهما: ما كان على وجه التعنت والتكلف، وهو المراد في هذا الحديث والله أعلم، ويؤيده ورود الزجر في الحديث عن ذلك وذم السلف، فعند أحمد من حديث معاوية أن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} نهى عن الأغلوطات قال الأوزاعي: هي شداد المسائل، وقال الأوزاعي أيضا: «إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقل الناس علما» وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: «المراء في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل»<ref name="ابن حجر1"/> وقال ابن العربي: «كان النهي عن السؤال في العهد النبوي خشية أن ينزل ما يشق عليهم ، فأما بعد فقد أمن ذلك لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة الكلام في المسائل التي لم تقع» قال: «وإنه لمكروه إن لم يكن حراما إلا للعلماء فإنهم فرعوا ومهدوا فنفع الله من بعدهم بذلك، ولا سيما مع ذهاب العلماء ودروس العلم» انتهى. ملخصا.<ref name="ابن حجر1"/>
 
قال [[إبراهيم بن موسى الشاطبي|الشاطبي]] في معنى قول الله تعالى: {{قرآن|وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون}}: فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه، وهو السنة، والسبل هي سبل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم وهم أهل البدع، وليس المراد سبل المعاصي؛ لأن المعاصي من حيث هي معاص لم يضعها أحد طريقا تسلك دائما على مضاهاة التشريع، وإنما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات. وعن مجاهد في قوله: {{قرآن|ولا تتبعوا السبل}}، قال: البدع والشبهات. وسئل مالك عن السنة؟ فقال: هي ما لا اسم له غير السنة، وتلا: {{قرآن|وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}}. فهذا التفسير يدل على شمول الآية لجميع طرق البدع، لا تختص ببدعة دون أخرى. ومن الآيات قول الله تعالى: {{قرآن|وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين}}. فالسبيل القصد هو طريق الحق، وما سواه جائر عن الحق أي: عادل عنه وهي طرق البدع والضلالات.<ref name="الشاطبي.">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي|العنوان=الاعتصام للإمام الشاطبي، الباب الثاني في ذم البدع وسوء منقلب أصحابها، فصل الأدلة من النقل على ذم البدع، ما جاء في القرآن في ذم البدع وأهلها، ج1|الصفحات=71 وما بعدها|الناشر=دار ابن عفان|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
 
وقد جاء النهي عن كثرة السؤال والمغالات فيه لقوله تعالى: {{قرآن|يا أيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم}}
والصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه هو سبيل الله الذي دعا إليه، ومهمة الأنبياء والرسل هداية الناس إلى صراط الله المستقيم هداية دلالة وإرشاد، والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد، والضلال والضلالة: ضد الهدي والهدى، وهو الخروج عن الطريق، فالضال يلتبس عليه الأمر حيث لم يكن له هاد يهديه، وهو الدليل، فصاحب البدعة لما غلب الهوى مع الجهل بطريق السنة توهم أن ما ظهر له بعقله هو الطريق القويم دون غيره، فمضى عليه، فحاد بسببه عن الطريق المستقيم، فهو ضال وإن كان بزعمه يتحرى قصدها. فالمبتدع من هذه الأمة، إنما ضل في أدلتها، حيث أخذها مأخذ الهوى والشهوة لا مأخذ الانقياد تحت أحكام الله، وهذا هو الفرق بين المبتدع وغيره؛ لأن المبتدع جعل الهوى أول مطالبه، وأخذ الأدلة بالتبع.<ref>الاعتصام للشاطبي، الفرق بين البدعة والمعصية، ص175</ref>
والبدعة بمعناها الشرعي ورد في الشرع ذمها ووصفها بالضلالة التي ينشأ عنها التفرق والاختلاف في الدين، وكونها ضلالة؛ لكونها تمثل خروجا عن طريق الهداية، بالخروج عن المسار الصحيح بالتدخل فيما لا يعني والإعراض عن الهدف المقصود، والخروج عن الصراط المستقيم هو الضلال باختلاف أصنافه، وهو إما خروج عن الملة مثل تكذيب الرسل وعبادة الأحجار والنجوم وغيرها، وإما أن يكون مما لا يخرج بسببه عن الملة كالفرق الإسلامية التي لم تخرج ببدعتها عن الملة، فالخوض في المتشابهات خروج عن الحق وتجاوز الصراط المستقيم ووقوع في الضلالة، وفي الحديث: «عن أبي هريرة عن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} قال: "دعوني ما تركتكم إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"».<ref name="ابن حجر1">{{مرجع كتاب|المؤلف1=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|وصلة المؤلف1=ابن حجر العسقلاني|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الإقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث رقم: (6858)|الصفحة=256 وما بعدها|السنة=1407 هـ/ 1986م|الناشر=دار الريان للتراث|المسار=|تاريخ الوصول= 07 ربيع الثاني/ 1436 هـ|اللغة= العربية|العنوان بالعربي=فتح الباري شرح صحيح البخاري}}</ref> ولمسلم بلفظ: «ذروني» وهي بمعنى دعوني وذكر مسلم سبب هذا الحديث من رواية محمد بن زياد فقال: «عن أبي هريرة خطبنا رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} فقال: يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال ذروني ما تركتكم..».<ref>الحديث وأخرجه الدارقطني مختصرا وزاد فيه فنزلت: {{قرآن|يا أيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم}} وله شاهد عن ابن عباس عند الطبري في التفسير وفيه: لو قلت نعم، لوجبت ولو وجبت لما استطعتم فاتركوني ما تركتكم الحديث وفيه فأنزل الله: {{قرآن|يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم..}}الآية.</ref> قال ابن حجر: والمراد بهذا الأمر ترك السؤال عن شيء لم يقع خشية أن ينزل به وجوبه أو تحريمه، والنهي عن كثرة السؤال لما فيه غالبا من التعنت، وخشية أن تقع الإجابة بأمر يستثقل، فقد يؤدي لترك الامتثال فتقع المخالفة.
 
قال ابن فرج: معنى قوله ذروني ما تركتكم لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تكون مفيدة لوجه ما ظهر ولو كانت صالحة لغيره، والنهي عن التنقيب عن ذلك لأنه قد يفضي إلى مثل ما وقع لبني إسرائيل، إذ أمروا أن يذبحوا البقرة فلو ذبحوا أي بقرة كانت لامتثلوا ولكنهم شددوا فشدد عليهم.<ref name="ابن حجر1"/> وفيه دليل النهي عن كثرة المسائل والمغالاة في ذلك، قال البغوي في شرح السنة: المسائل على وجهين أحدهما: ما كان على وجه التعليم لما يحتاج إليه من أمر الدين فهو جائز بل مأمور به لقوله تعالى فاسألوا أهل الذكر الآية، وعلى ذلك تتنزل أسئلة الصحابة عن الأنفال والكلالة وغيرهما. ثانيهما: ما كان على وجه التعنت والتكلف، وهو المراد في هذا الحديث والله أعلم، ويؤيده ورود الزجر في الحديث عن ذلك وذم السلف، فعند أحمد من حديث معاوية أن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} نهى عن الأغلوطات قال الأوزاعي: هي شداد المسائل، وقال الأوزاعي أيضا: «إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقل الناس علما» وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: «المراء في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل»<ref name="ابن حجر1"/> وقال ابن العربي: «كان النهي عن السؤال في العهد النبوي خشية أن ينزل ما يشق عليهم ، فأما بعد فقد أمن ذلك لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة الكلام في المسائل التي لم تقع» قال: «وإنه لمكروه إن لم يكن حراما إلا للعلماء فإنهم فرعوا ومهدوا فنفع الله من بعدهم بذلك، ولا سيما مع ذهاب العلماء ودروس العلم» انتهى. ملخصا.<ref name="ابن حجر1"/>
 
وفي الحديث: {{حديث|إنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم}}.<ref>أخرجه البخاري في باب الاعتصام حديث رقم:( 6858) ومسلم حديث رقم: (1337)، انظر أيضا: جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي ج1 ص238، الحديث التاسع.</ref>
 
قال الشاطبي: فمن نصوص القرآن الدالة على ذم البدعة: قول الله تعالى: {{قرآن|هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله..[[قالب:قرآن-سورة 3 آية 7|الآية]]}}، فالمحكمات بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد من الناس،<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد بن جرير الطبري|العنوان=تفسير سورة آل عمران|الصفحات=147 وما بعدها}}</ref> والمتشابهات تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد.<ref name="ابن كثير">{{مرجع كتاب|المؤلف=إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي|العنوان=تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة آل عمران، تفسير قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات الجزء الثاني|الصفحات=7 وما بعدها|الناشر=دار طيبة|السنة=1422 هـ/ 2002م|العنوان بالعربي=تفسير ابن كثير}}</ref> وفي رواية للبخاري بلفظ: {{حديث|فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم}}. وفي رواية: {{حديث|إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم}}. وفي رواية: {{حديث|قد حذركم الله فإذا رأيتموهم فاعرفوهم}}.<ref>ورواه ابن مردويه من طريق أخرى عن القاسم عن عائشة به.</ref><ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=الحسين بن مسعود البغوي|العنوان=تفسير البغوي، سورة آل عمران، تفسير قوله تعالى: «هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب» الجزء الثاني|الصفحة=8 و9|الناشر=دار طيبة}}</ref><ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد بن جرير الطبري|العنوان=تفسير سورة آل عمران القول في تأويل قوله تعالى: «فأما الذين في قلوبهم زيغ...»|الصفحات=195 و196}}</ref> روى ابن كثير عن الإمام أحمد: في قوله: {{قرآن|فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه}} قال: "هم الخوارج"، وفي قوله: {{قرآن|يوم تبيض وجوه وتسود وجوه}}،<ref>[[سورة آل عمران]] آية: (106)</ref> قال: {{اقتباس مضمنمض|هم الخوارج}}.<ref name="ابن كثير"/> ورجح [[الطبري]] أنه وإن كان نزول الآية في نصارى نجران إلا أنه يشمل جميع أصناف المبتدعة كان من النصرانية أو اليهودية أو المجوسية أو كان سبئيا أو حروريا أو قدريا أو جهميا وغيرهم ممن يجادلون فيه.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد بن جرير الطبري|العنوان=تفسير الطبري، تفسير سورة آل عمران، القول في تأويل قوله تعالى: «ابتغاء الفتنة»، الجزء السادس، حديث رقم: (6622)|الصفحات=196 وما بعدها|الناشر=دار المعارف}}</ref>
 
وهذا بخلاف استخدام العقل وسيلة للتفكر في المخلوقات المؤدي إلى الإيمان، حيث دلت نصوص الشريعة على استخدام البرهنة العقلية في إثبات العقائد،<ref group="°">عقيدة التوحيد تقوم على أساس توحيد الله ونفي الشريك عنه والعلم أن مسبب الأسباب وموجدها المتصف بالكمال المطلق هو الله الواحد الذي لا شريك له، والذي دلنا على ذلك هو الشرع وليس العقل، أي: أن الله أرسل الرسل وأوحى إليهم بأنه هو الله الخالق وحده لا شريك له، فإذا تحقق العلم بوجود الله وحصل الإيمان به فذلك هو التوحيد، وكل ما يقع في النفس من تصورات أو تخيلات فهو الذي يجب الانصراف عنه؛ لأنه من دواعي الضلال، وعندما قال مشركوا مكة: يا محمد صف لنا ربك، قايسوا بما اعتادوا عليه من عبادة الأصنام المجسمة حسب أفهامهم فأنزل الله: {{قرآن|إن في خلق السموات والأرض..}} الآية فبين الله أن حصول الإيمان بالله إنما يكون في النظر والتدبر في المخلوقات، وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، وترك الإدراك إدراك.</ref> قال ابن خلدون: {{اقتباس مضمنمض|وأمهات العقائد الإيمانية معللة بأدلتها العقلية وأدلتها من الكتاب والسنة كثير وهي معلومة ومقررة، وما وقع من الخلاف في العقائد أكثره من اتباع المتشابه}}.<ref name="تاريخ ابن خلدون">{{مرجع كتاب|المؤلف1=ابن خلدون|وصلة المؤلف1=ابن خلدون|العنوان=تاريخ ابن خلدون الفصل العاشر في «علم الكلام هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد». ج1|الصفحة=458 وما بعدها|تاريخ الوصول= 07 ربيع الثاني/ 1436 هـ|اللغة= العربية}}</ref>
 
الجدول التالي يعرض وجهة النظر السنية من ناحية أن أهل السنة والجماعة هم أهل الوسطية في المعتقدات.