أهل السنة والجماعة: الفرق بين النسختين

تم إزالة 32٬411 بايت ، ‏ قبل سنتين
←‏مفهوم لفظ الجماعة: صياغة + تلخيص ودمج لبعض الأقسام
(←‏الاجتماع في الدين: تعديل الصياغة)
(←‏مفهوم لفظ الجماعة: صياغة + تلخيص ودمج لبعض الأقسام)
== مفهوم لفظ الجماعة ==
=== تعريف ===
الجَماعة في اللغة المجتمعون على الشيء، وجمع الشيء عن تفرقة،<ref>لسان العرب لابن منظور، ج٣ ص١٩٦</ref> وأصل الكلمة لإفادة معنى الاجتماع في مقابل الافتراق، وقد جاء في نصوص القرآن والحديث استعمال كلمة الجَماعة ضد الفُرقة والاجتماع ضد الافتراق، فلا تقتصر كلمة الجماعة على فرقة في مقابل أخرى، فالمسلمون كلهم كالجسد الواحد، ربهم واحد ونبيهم واحد ودينهم واحد، والمسلمون جميعا أمة واحدة وجماعة واحدة تجمعهم كلمة الإسلام، واجتماع أهل الإسلام جماعة واحدة وعدم تفرقهم هو المطلوب في الشرع الإسلامي،
الجَماعة في اللغة المجتمعون على الشيء، وجمع الشيء عن تفرقة،<ref>لسان العرب لابن منظور، ج٣ ص١٩٦</ref> يقال: جمع جمعا واجتماعا، وتفيد معنى الاجتماع على أمر واحد، والإجماع أي: الاتفاق، فالجماعة ضد الفرقة والاجتماع ضد الافتراق، وقد جاء استعمال كلمة الجَماعة في نصوص الشرع الإسلامي للدلالة معنى الاجتماع الحاصل من عدة وجوه منها الاجتماع على الحق والهدى والملة البيضاء ومنهاج النبوة واتفاق الأمة واجتماع الكلمة عموما، وأصل الكلمة لإفادة معنى الاجتماع في مقابل الافتراق، فلا تقتصر كلمة الجماعة على فرقة في مقابل أخرى، فالمسلمون كلهم كالجسد الواحد، ربهم واحد ونبيهم واحد ودينهم واحد، والمسلمون جميعا أمة واحدة وجماعة واحدة، وقد جاء في نصوص الشرع الإسلامي الدلالة على أمر المسلمين عموما بالاجتماع على ملة الإسلام ومنهاج النبوة، في مقابل النهي عن التفرق في الدين المؤدي إلى التنازع والتخاصم والعداوة والبغضاء وافتراق الناس بسببه إلى أحزاب وجماعات متفرقة لا ينتظم شملهم بالإسلام وإن كانوا من أهله وحكم لهم بحكمه، وجاء في نصوص الشريعة الأمر بلزوم الجماعة والنهي عن الافتراق في الدين، وقد أمر الله جميع المسلمين أن يكونوا أمة واحدة مجتمعين على الملة البيضاء،<ref name="ابن كثير2">{{مرجع كتاب|المؤلف=إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي|العنوان= تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة آل عمران، تفسير قوله تعالى «يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته» الجزء الثاني|الصفحات=86 وما بعدها|الناشر=دار طيبة|السنة=1422 هـ/ 2002م|العنوان بالعربي=تفسير ابن كثير}}</ref> فقال تعالى: {{قرآن|وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تفرقوا ..[[قالب:قرآن-سورة 3 آية 103|الآية]]}}، قال [[ابن عباس]]: معناه تمسكوا بدين الله، وقال [[ابن مسعود]]: هو الجماعة، وقال: {{اقتباس مضمن|عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر الله به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة}}. وقال مجاهد وعطاء: بعهد الله، وقال قتادة والسدي: هو القرآن، وقال مقاتل بن حيان: بحبل الله: أي بأمر الله وطاعته. وقال العيني: الكتاب والسنة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=بدر الدين العيني|العنوان=عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج23|الصفحة=25|الناشر=دار إحياء التراث العربي|المكان=بيروت- لبنان|المسار=http://shamela.ws/browse.php/book-5756/page-7423|اللغة=العربية}}</ref> {{قرآن|ولا تفرقوا}} قال البغوي: أي: لا تتفرقوا كما تفرق اليهود والنصارى.<ref name="البغوي2">{{مرجع كتاب|المؤلف1=الحسين بن مسعود البغوي|وصلة المؤلف1=البغوي|العنوان= تفسير البغوي، سورة آل عمران، تفسير قوله تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا»، الجزء الثاني|الصفحة=78 وما بعدها}}</ref>
وقد أمر الله جميع المسلمين أن يكونوا جماعة واحدة مجتمعين غير متفرقين،<ref name="ابن كثير2">{{مرجع كتاب|المؤلف=إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي|العنوان= تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة آل عمران، تفسير قوله تعالى «يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته» الجزء الثاني|الصفحات=86 وما بعدها|الناشر=دار طيبة|السنة=1422 هـ/ 2002م|العنوان بالعربي=تفسير ابن كثير}}</ref>
فقال تعالى: {{قرآن|وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جميعاً ولا تفرقوا ..[[قالب:قرآن-سورة 3 آية 103|الآية]]}}، قال [[ابن عباس]]: معناه تمسكوا بدين الله، وقال [[ابن مسعود]]: هو الجماعة، وقال: {{مض|عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر الله به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة}}. وقال مجاهد وعطاء: بعهد الله، وقال قتادة والسدي: هو القرآن، وقال مقاتل بن حيان: بحبل الله: أي بأمر الله وطاعته. وقال العيني: الكتاب والسنة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=بدر الدين العيني|العنوان=عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج23|الصفحة=25|الناشر=دار إحياء التراث العربي|المكان=بيروت- لبنان|المسار=http://shamela.ws/browse.php/book-5756/page-7423|اللغة=العربية}}</ref> {{قرآن|ولا تفرقوا}} قال البغوي: أي: لا تتفرقوا كما تفرق اليهود والنصارى.<ref name="البغوي2">{{مرجع كتاب|المؤلف1=الحسين بن مسعود البغوي|وصلة المؤلف1=البغوي|العنوان= تفسير البغوي، سورة آل عمران، تفسير قوله تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا»، الجزء الثاني|الصفحة=78 وما بعدها}}</ref>
وقال تعالى: {{قرآن|وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}}.<ref group="°">[[سورة الأنفال]] آية: 46.</ref>
فالتنازع يؤدي إلى الخذلان وذهاب القوة، والفُرقة الم[[نهي]] عنها في الشرع الإسلامي هي التي تكون مضادة للجماعة بمخالفة جماعة أهل الإسلام فيما اجتمعوا عليه التي تُصيِّر الأمة شيعا وأحزابا متفرقين وجماعات متعددة، وهو غير الخلاف المعتبر في مسائل [[فروع الفقه|الفروع]]، فلا يدخل في معنى التفرق في الدين، فاجتهاد الخلفاء الراشدين وأئمة الصحابة ومن تبعهم من أهل الاجتهاد المعتبر لا يدخل في هذا بالإجماع، فهو لا يؤدي إلى التنازع وتفريق الدين بل هو الذي رحمة ولا يفسد للودِّ قضية.<ref name="الفتوى">{{مرجع كتاب|المؤلف1=لجنة الإفتاء الأردنية|العنوان=أهل السنة والجماعة هم السواد الأعظم من الأمة، رقم الفتوى : 2801، التصنيف: الفرق والأديان، نوع الفتوى: بحثية، السؤال: ما المراد بـ(الفرقة الناجية) الوارد ذِكْرُها في حديث الافتراق المشهور، وكيف يتعرف المسلم على مواصفات تلك الفرقة؟|الناشر=|تاريخ=30/ 04/ 2013م|المسار=http://aliftaa.jo/Question.aspx?QuestionId=2801#.WKqA6HNjhAg|تاريخ الوصول=3/ [[ربيع الثاني]]/ [[1438 هـ]]}}</ref>
 
الجماعة من حيث هي في الشريعة الإسلامية جماعة المسلمين عموما، وجماعة المسلمين بوجه عام يشمل عامة الناس وخاصتهم، إلا أن الجماعة التي نهى الشرع عن مفارقتها لا تتمثل بكثرة العدد وإنما تكون في الخاصة وهي جماعة الأئمة والأمراء، فالأئمة أي: في الدين، والأمراء هم ولاة الأمور، والفرقة المنهي عنها تكون بمعنى مفارقة جماعة الأئمة والأمراء، وتكون كذلك بمعنى الافتراق في الآراء والأديان، وهذا التفصيل ذكر [[أبو سليمان الخطابي]] في كتاب: «العزلة» في القرن الرابع الهجري فقال: {{مض|الفرقة فرقتان فرقة الآراء والأديان وفرقة الأشخاص والأبدان، والجماعة جماعتان: جماعة هي الأئمة والأمراء وجماعة هي العامة والدهماء}}، وفي كلامه بيان المقصود من هذا التقسيم وهو أن الجماعة المنهي عن مفارقتها إنما هي جماعة الأئمة والأمراء، أما جماعة عامة الناس فليست هي المقصودة من هذا النهي، كما أن فرقة الأبدان والأشخاص ليست هي المقصودة من هذا النهي أيضا، وإنما المقصود فرقة الآراء والأديان.<ref name="الخطابي">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو سليمان الخطابي|العنوان=العزلة للخطابي|الصفحة=7}}</ref>
ونهى الله المسلمين عن الفُرقة والتنازع لما يترتب على ذلك من الخذلان وذهاب القوة، قال الله تعالى: {{قرآن|وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}}.<ref group="°">[[سورة الأنفال]] آية: 46.</ref> فالتنازع والافتراق في الدين يُصيِّر الأمة شيعا وأحزابا متفرقين، قال تعالى: {{قرآن|إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}}،<ref group="°">[[سورة الأنعام]] آية: 159.</ref> وقال تعالى: {{قرآن|مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}}.<ref group="°">[[سورة الروم]] آية: 32.</ref> وهذا هو التنازع المذموم الذي يكون سببا في تفريق كلمة الأمة الإسلامية، وخلق الافتراق بين المسلمين، وقطع الصلة فيما بينهم، وهو غير الخلاف المعتبر في مسائل [[فروع الفقه|الفروع]]، فلا يدخل في معنى التفرق في الدين، فاجتهاد الخلفاء الراشدين وأئمة الصحابة ومن تبعهم من أهل الاجتهاد المعتبر لا يدخل في هذا بالإجماع، فهو لا يؤدي إلى التنازع وتفريق الدين بل هو الذي رحمة ولا يفسد للودِّ قضية.<ref name="الفتوى">{{مرجع كتاب|المؤلف1=لجنة الإفتاء الأردنية|العنوان=أهل السنة والجماعة هم السواد الأعظم من الأمة، رقم الفتوى : 2801، التصنيف: الفرق والأديان، نوع الفتوى: بحثية، السؤال: ما المراد بـ(الفرقة الناجية) الوارد ذِكْرُها في حديث الافتراق المشهور، وكيف يتعرف المسلم على مواصفات تلك الفرقة؟|الناشر=|تاريخ=30/ 04/ 2013م|المسار=http://aliftaa.jo/Question.aspx?QuestionId=2801#.WKqA6HNjhAg|تاريخ الوصول=3/ [[ربيع الثاني]]/ [[1438 هـ]]}}</ref><ref group="°">جاء في فتاوى الأردن: «وما زال السواد الأعظم من أمة محمد {{صلى الله عليه وسلم}} عبر التاريخ الإسلامي كله متمسكين بمنهج أهل السنة والجماعة، لم يحد منهم إلا فرق عقائدية كثيرة الأسماء، ولكنها قليلة الأعداد، لم تخرج من الملة، ولكنها مالت نحو الغلو أو الهوى في تفسير الإسلام وتناول قضاياه».
وجاء في كلامه: أن الافتراق المنهي عنه في الشرع هو الافتراق في الآراء والأديان، وقد بين ذلك بقوله: {{مض|فأما الافتراق في الآراء والأديان فإنه محظور في العقول محرم في قضايا الأصول لأنه داعية الضلال وسبب التعطيل والإهمال، ولو ترك الناس متفرقين لتفرقت الآراء والنحل ولكثرت الأديان والملل ولم تكن فائدة في بعثة الرسل وهذا هو الذي عابه الله عز وجل من التفريق في كتابه وذمه في الآي التي تقدم ذكرها}}.
وفي الحديث: «إن أهل الكتابينِ افترقوا فِي دينهم على ثنتينِ وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني الأهواء- كُلُّها فِي النَّارِ إلا واحدة، وهي الجماعة». رواه أحمد والحاكم وابن ماجه وغيرهم. وفي لفظ عند البيهقي وغيره: «كلها في النار إلا السواد الأعظم». وفي لفظ آخر: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي».
وقال: {{مض|وعلى هذه الوتيرة نجري الأمر أيضا في الافتراق على الأئمة والأمراء فإن في مفارقتهم مفارقة الألفة وزوال العصمة والخروج من كنف الطاعة وظل الأمنة وهو الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه وأراده بقوله: «من فارق الجماعة فمات فميتته جاهلية»، وذلك أن أهل الجاهلية لم يكن لهم إمام يجمعهم على دين ويتألفهم على رأي واحد بل كانوا طوائف شتى وفرقا مختلفين آراؤهم متناقضة وأديانهم متباينة وذلك الذي دعا كثيرا منهم إلى عبادة الأصنام وطاعة الأزلام رأيا فاسدا اعتقدوه في أن عندها خيرا وأنها تملك لهم نفعا أو تدفع عنهم ضرا}}.<ref name="الخطابي"/>
 
====تفسير معنى الجماعة====
وجاء عن لجنة الإفتاء الأردنية أيضا: «فإن قوله: «كلها في النار» لا يعني تكفيرها، بدليل وصفه لها بأنها «من أمته»، وإنما دليل على خطئها ومخالفتها الإسلام الوسطي المعتدل؛ فلا يجوز تكفيرها ما لم تناقض عقائد الإسلام القطعية، بل تُحاوَر بالعلم والعقل، وتُعامَل بالحسنى التي أمر الله بها.
الجماعة من حيث هي بالمعنى الشرعي تشير عموما إلى جماعة المسلمين، لكن الجماعة التي يحرم في الشرع مفارقتها هي جماعة الأئمة والأمراء، والجماعة من حيث أنها تفيد معنى الاجتماع تدل على المجتمعين على أمر خالفهم فيه غيرهم، وقد جاء عن أئمة أهل السنة والجماعة تفسيرات لمعنى الجماعة المذكورة في الأحاديث المأثورة في أقول منقولة عن أئمتهم من متقدمي السلف، وهي تفسيرات لتحديد الجماعة لاعتبارات مخصوصة في الجماعة وصفات المجتمعين وفيما اجتمعوا عليه، وقد جمع [[ابن جرير الطبري]] (ت [[318 هـ]]) أقوال الأئمة ونقلها عنه العلماء من بعده، ويرجع الفرق بين هذه الأقوال إلى اختلاف صفات الاجتماع بحسب ما يراد منه في معنى المخالفة، وهذه الأقوال نقلها عنه [[الشاطبي]] في كتاب: الاعتصام وذكرها في خمسة أقول باختصار هي: {{مض|السواد الأعظم، الأئمة المجتهدون، الصحابة، أهل الإسلام إذا اجتمعوا على أمر، جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير}}.
كما أن كثرة عدد تلك الفرق لا يعني أغلبيتها في الأمة، بل الأغلبية -وهم السواد الأعظم من العلماء. وعامة المسلمين متمسكون بما كان عليه النبي {{صلى الله عليه وسلم}} وأصحابه في أصول الاعتقاد والعمل.»</ref>
 
القول الأول: أن الجماعة هي السواد الأعظم من أهل الإسلامالإسلام، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، ومن خالفهم مات ميتة جاهلية، سواء خالفهم في شيء من الشريعة أو في إمامهم وسلطانهم، فهو مخالف للحق، وهم الذين إذا اجتمعوا على الرضى بتقديم أمير كان المفارق لهم ميتا ميتة جاهلية، وهم معظم الناس وكافتهم من أهل العلم والدين وغيرهم، المجتمعون على ما كان عليه أهل الهدي الأول، فيدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها، ومن سواهم داخلون في حكمهم، لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، وممن قال بهذا [[أبو مسعود الأنصاري]] و[[ابن مسعود]]، وهذه هي الجماعة التي وصفها أبو مسعود الأنصاري فيما روى الطبري أنه لما قتل الخليفة [[عثمان بن عفان]] سئل أبو مسعود الأنصاري عن الفتنة فأوصى بالجماعة وقال: إن الأمة لا تجتمع على ضلال، ووصف الفرقة بأنها هي الضلال، فكل من خرج عن جماعتهم فهم الذين شذواشذوا، ويدخل في هؤلاء جميع أهل البدع لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة، لم يدخلوا في سوادهم بحال، سواء كان المخالف لهم في أمر من الدين أو خالفهم في أميرهم.<ref name="الاعتصام">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي|العنوان=كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي، ج2، الباب التاسع في السبب الذي لأجله افترقت فرق المبتدعة عن جماعة المسلمين المسألة السادسة عشرة|الصفحات=٧٦٨ وما بعدها|الناشر=دار ابن عفان|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
====معنى الجماعة====
الجماعة عند أئمة أهل السنة والجماعة تفيد معنى الاجتماع الحاصل من عدة وجوه كلها ترجع إلى معنى الاجتماع على الهدى، وهو الاجتماع على السنة بمعنى الطريقة التي كان عليها الخلفاء الراشدون وأئمة الصحابة من الهدى والعلم والعمل والاعتقاد، وهو عندهم في مقابل افتراق أهل الأهواء المضلة من [[أهل السنة والجماعة#في مقابل البدعة|أصحاب الفرق]] المنشقة عن جماعة المسلمين، فالاجتماع على هذه الطريقة يستلزم الاجتماع على أمير فيشمل ولاة الأمر، والاجتماع على إمام في الدين فيشمل الأئمة المجتهدون وعلماء الشريعة، وعامة الناس تبع لهم إن وافقوهم، والاجتماع على الهدى هو الاتفاق على قول واحد في أصول الدين، وينتقل هذا الاجتماع بانتقال هذه الطريقة بالتعاقب فيحمل هذا العلم من كل خلف عدوله،
 
* أحدها: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، ومن خالفهم مات ميتة جاهلية، سواء خالفهم في شيء من الشريعة أو في إمامهم وسلطانهم، فهو مخالف للحق، وممن قال بهذا [[أبو مسعود الأنصاري]] و[[ابن مسعود]]، فروى أنه لما قتل عثمان سئل أبو مسعود الأنصاري عن الفتنة فقال: {{اقتباس مضمنمض|عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد {{صلى الله عليه وسلم}} على ضلالة، واصبر حتى تستريح أو يستراح من فاجر}}، وقال: {{اقتباس مضمنمض|إياك والفرقة فإن الفرقة هي الضلالة}}، وقال ابن مسعود: {{اقتباس مضمنمض|عليكم بالسمع والطاعة فإنها حبل الله الذي أمر به}}، ثم قبض يده وقال: {{اقتباس مضمنمض|إن الذي تكرهون في الجماعة خير من الذين تحبون في الفرقة}}، وعن الحسين قيل له: أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: {{اقتباس مضمنمض|أي والذي لا إله إلا هو، ما كان الله ليجمع أمة محمد على ضلالة}}. فعلى هذا القول يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها، ومن سواهم داخلون في حكمهم، لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم، فكل من خرج عن جماعتهم فهم الذين شذوا وهم نهبة الشيطان ويدخل في هؤلاء جميع أهل البدع لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة، لم يدخلوا في سوادهم بحال.<ref name="الاعتصام"/>
فالجماعة من حيث هي بمعنى الاجتماع والاتفاق في مقابل التفرق والاختلاف، وهذا الاجتماع والاتفاق عند أئمة أهل السنة الأوائل كان يتمثل فيما كان عليه اجتماع الخلفاء الراشدين وأئمة الصحابة فإنهم كانوا على الحق والهدى، والذين عارضوهم بما استحدثوه من الأهواء المضلة هم الذين انشقوا بسبب تلك الأهواء عن جماعة المسلمين.
 
الثاني: أن الجماعة هي جماعة أئمة العلماء المجتهدين، فمن خرج مما عليه علماء الأمة مات ميتة جاهلية، وممن قال بهذا [[عبد الله بن المبارك]]، و[[إسحاق بن راهويه]]، وجماعة من السلف وهو رأي الأصوليين، وذلك[[أهل إنالسنة والجماعة#الأئمة المجتهدينالمجتهدون|فالأئمة المجتهدون]] مرجع الأمة والاجتماع على الحق والهدى لا يتحقق إلا بهم.
ذكر [[أبو سليمان الخطابي]] في كتاب: «العزلة» أن الجماعة في مقابل الفرقة فقال:
قال الشيخ أبو سليمان فأقول: {{اقتباس مضمن|الفرقة فرقتان فرقة الآراء والأديان وفرقة الأشخاص والأبدان، والجماعة جماعتان: جماعة هي الأئمة والأمراء وجماعة هي العامة والدهماء}}، وفي كلامه بيان المقصود من هذا التفصيل وهو أن الجماعة التي أمر الشرع بلزومها ونهى عن مفارقتها إنما هي جماعة الأئمة والأمراء، أما جماعة عامة الناس فليست هي المقصودة من ذلك، وأن الافتراق المنهي عنه في الشرع هو الافتراق في أصول الدين، وقد بين ذلك بقوله: {{اقتباس مضمن|فأما الافتراق في الآراء والأديان فإنه محظور في العقول محرم في قضايا الأصول لأنه داعية الضلال وسبب التعطيل والإهمال، ولو ترك الناس متفرقين لتفرقت الآراء والنحل ولكثرت الأديان والملل ولم تكن فائدة في بعثة الرسل وهذا هو الذي عابه الله عز وجل من التفريق في كتابه وذمه في الآي التي تقدم ذكرها، وعلى هذه الوتيرة نجري الأمر أيضا في الافتراق على الأئمة والأمراء فإن في مفارقتهم مفارقة الألفة وزوال العصمة والخروج من كنف الطاعة وظل الأمنة وهو الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه وأراده بقوله: «من فارق الجماعة فمات فميتته جاهلية»، وذلك أن أهل الجاهلية لم يكن لهم إمام يجمعهم على دين ويتألفهم على رأي واحد بل كانوا طوائف شتى وفرقا مختلفين آراؤهم متناقضة وأديانهم متباينة وذلك الذي دعا كثيرا منهم إلى عبادة الأصنام وطاعة الأزلام رأيا فاسدا اعتقدوه في أن عندها خيرا وأنها تملك لهم نفعا أو تدفع عنهم ضرا}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو سليمان الخطابي|العنوان=العزلة للخطابي|الصفحة=7}}</ref>
 
قال أبو سعيد الخادمي: {{اقتباس مضمن|أهل السنة أي: أصحاب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: التمسك بها. والجماعة أي: جماعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الأصحاب والتابعون}}.<ref>البريقة المحمودية في شرح الطريقة المحمدية والشريعة النبوية في السيرة الأحمدية المؤلف: محمد بن محمد بن مصطفى بن عثمان، أبو سعيد الخادمى الحنفي (المتوفى: 1156هـ) الباب الثاني في الأمور المهمة في الشريعة المحمدية، الفصل الأول في تصحيح الاعتقاد، الجزء الأول ص١٥٥ و١٥٦، الناشر: مطبعة الحلبي، 1348هـ.</ref>
 
=== بالمعنى الشرعي ===
الجماعة التي دلت نصوص الشريعة على لزومها وتحريم مفارقتها عند أئمة أهل السنة والجماعة تتمثل في جماعة الأئمة والأمراء، فالأئمة في أمور الدين يراد بهم عند أئمة أهل السنة والجماعة أهل العلم حملة الشريعة المجتمعون على الهدى وهو الاجتماع على السنة بمعنى الطريقة المتبوعة في الدين التي كان عليها الخلفاء الراشدون وأئمة الصحابة علماء الدين والشريعة من الهدى والعلم والعمل والاعتقاد، فالسنة بهذا المعنى هي الطريق الموصل إلى الملة، والاجتماع على هذه السنة هو الجماعة، فالطريقة التي كان عليها الخلفاء الراشدون وأئمة الصحابة هي المثال المتبع في الدين، واتباع طريقتهم التي كانوا عليها والتأسي والاقتداء بهم فيما اجتمعوا عليه هو طريق الحق والهدى، وطريقتهم هي السُنَّة بالمعنى المتكامل، والاجتماع على الطريقة التي كانوا عليها هو الجماعة، وأما الأمراء فهم ولاة الأمر الذين لهم ولاية عامة أو خاصة، فالولاية العامة يقصد بها الخلافة، والولاية الخاصة يقصد بها ولاية الأمراء فيما دون منصب الخليفة والولاة التابعون لولايتهم.
 
فأما الأئمة في الدين الموصوفون بما ذكر فلزوم جماعتهم يرجع إلى معنى الاقتداء بهم وأخذ العلم عنهم واتباعهم في مسلك الهدى، وأما ولاة الأمر فلزوم جماعتهم بالسمع والطاعة وعدم الخروج عليهم ما لم يأتوا بكفر بواح، فإذا اجتمع الأئمة في الدين ومن دخل في جماعتهم على خليفة واحد للمسلمين فهذا هو المطلوب في تحصيل معنى الجماعة، كما كان عليه جماعة المسلمين قبل أحداث مقتل الخليفة عثمان بن عفان، وهذا هو تفسير الجماعة بمعناها المتكامل، فالجماعة بهذه الطريقة عند أئمة أهل السنة والجماعة هم الذين اجتمعوا على هذه السنة أي: الطريقة المسلوكة بمعناها المتكامل، فيلزم أن يكون فيهم الأئمة المجتهدون وعلماء الشريعة ودخل فيهم سوادهم الأعظم، وعامة الناس الموافقون لهم تبع لهم، واجتماعهم على هذه الطريقة يستلزم اجتماعهم على أمير،
قال الشاطبي:
ومعنى الجماعة راجع إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة، والاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكور في الأحاديث الدالة على لزوم الجماعة.<ref name="الاعتصام">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي|العنوان=كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي، ج2، الباب التاسع في السبب الذي لأجله افترقت فرق المبتدعة عن جماعة المسلمين المسألة السادسة عشرة|الصفحات=٧٦٨ وما بعدها|الناشر=دار ابن عفان|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
 
جاء عن أئمة أهل السنة والجماعة تفسير معنى الجماعة التي ثبت في الشرع وجوب لزومها وتحريم مفارقتها في خمسة أقوال متقاربة تدل بمجموعها على المعنى المقصود، وقد جمع [[ابن جرير الطبري]] أقوال الأئمة الأوائل ونقلها عنه العلماء من بعده، وكلهم متفقون على اعتبار معنى الاجتماع على الحق في مسلك الهدى الذي كان عليه أئمة الصحابة والخلفاء الراشدون ومن تبعهم بإحسان، كما اتفق الجميع على اعتبار أهل العلم والاجتهاد، وأن الاعتبار إنما هو بالسواد الأعظم من العلماء المعتبر اجتهادهم، وأما جماعة العوام فإنهم تبع لأئمتهم إن وافقوهم، ويرجع الفرق بين هذه الأقوال إلى اختلاف صفات الاجتماع بحسب ما يراد منه في معنى المخالفة، وهذه الأقوال الخمسة باختصار هي: {{اقتباس مضمن|السواد الأعظم، الأئمة المجتهدون، الصحابة، أهل الإسلام إذا اجتمعوا على أمر، جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير}}،
 
فالأمة لا تجتمع كلها على ضلال، فأهل الحق لا يزالون على الحق باقون إلى قيام الساعة وإن قلوا وكثر أهل الباطل فلا يمكن إضلال الحق، فاجتماع السواد الأعظم على الحق إنما ينطبق على الجماعة الأولى ومن وافقها في السير على نهجها من غير مخالفتها في الأمور المتفق عليها، وهذا لا يتحقق في سائر العصور بل في بعضها أو معظمها، فالكثرة ليست معيارا للجماعة في كل عصر؛ لإمكان وقوع اجتماع أكثر الناس على غير هدى، ومن ثم فإن أهل السنة والجماعة الذين يفسرون الجماعة بأنها هي السواد الأعظم إنما يراد بذلك عند استيفاء جميع صفات الاجتماع المعتبرة عندهم.
 
القول الأول: أن الجماعة هي السواد الأعظم من أهل الإسلام الذين إذا اجتمعوا على الرضى بتقديم أمير كان المفارق لهم ميتا ميتة جاهلية، وهم معظم الناس وكافتهم من أهل العلم والدين وغيرهم، المجتمعون على ما كان عليه أهل الهدي الأول، فيدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها، ومن سواهم داخلون في حكمهم، لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، وممن قال بهذا [[أبو مسعود الأنصاري]] و[[ابن مسعود]]، وهذه هي الجماعة التي وصفها أبو مسعود الأنصاري فيما روى الطبري أنه لما قتل الخليفة [[عثمان بن عفان]] سئل أبو مسعود الأنصاري عن الفتنة فأوصى بالجماعة وقال إن الأمة لا تجتمع على ضلال، ووصف الفرقة بأنها هي الضلال، فكل من خرج عن جماعتهم فهم الذين شذوا ويدخل في هؤلاء جميع أهل البدع لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة، لم يدخلوا في سوادهم بحال، سواء كان المخالف لهم في أمر من الدين أو خالفهم في .<ref name="الاعتصام"/>
 
الثاني: أن الجماعة هي جماعة أئمة العلماء المجتهدين، وممن قال بهذا [[عبد الله بن المبارك]]، و[[إسحاق بن راهويه]]، وجماعة من السلف وهو رأي الأصوليين، وذلك إن الأئمة المجتهدين مرجع الأمة والاجتماع على الحق والهدى لا يتحقق إلا بهم.
 
الثالث: أن الجماعة هي الصحابة على الخصوص، لأن جماعتهم هي الأصل فإنهم مجتمعون على الهدى، ولا يتحقق الاجتماع على على الهدى إلا باتباعهم فيما اجتمعوا عليه من الحق، وممن قال بهذا القول [[عمر بن عبد العزيز]].
* والثالث: أن الجماعة هي الصحابة على الخصوص، فإنهم الذين أقاموا عماد الدين وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلا، وقد يمكن فيمن سواهم ذلك، وممن قال بهذا القول [[عمر بن عبد العزيز]]، فروى ابن وهب عن مالك قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول: «{{مض|سن رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيها، من اهتدى بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خافها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا»}}، فقال [[مالك بن أنس|مالك]]: فأعجبني عزم عمر على ذلك. وعلى هذا القول فلفظ الجماعة مطابق للرواية الأخرى في قوله عليه الصلاة والسلام: {{حديث|ما أنا عليه وأصحابي}} فكأنه راجع إلى ما قالوه وما سنوه، وما اجتهدوا فيه حجة على الإطلاق، وبشهادة رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} لهم بذلك خصوصا في قوله: {{حديث|فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين}} وأشباهه، أو لأنهم المتقلدون لكلام النبوة، المهتدون للشريعة، الذين فهموا أمر دين الله بالتلقي من نبيه مشافهة، على علم وبصيرة بمواطن التشريع وقرائن الأحوال، بخلاف غيرهم فإذاً كل ما سنوه فهو سنة من غير نظير فيه، بخلاف غيرهم، فإن فيه لأهل الاجتهاد مجالا للنظر ردا وقبولا، فأهل البدع إذاً غير داخلين في الجماعة قطعا على هذا القول.
 
الرابعوالرابع: أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام، إذا أجمعوا على أمر فواجب على غيرهم من أهل الملل اتباعهم، وهذاوهم الذين ضمن الله لنبيه عليه الصلاة والسلام أن لا يجمعهم على ضلالة، فإن وقع بينهم اختلاف فواجب تعرف الصواب فيما اختلفوا فيه، قال [[الشافعي]]: {{مض|الجماعة لا تكون فيها غفلة عن معنى كتاب الله، ولا سنة ولا قياس، وإنما تكون الغفلة في الفرقة}}. وكأن هذا القول راجعيرجع إلى الثاني وهو يقتضي أيضا ما يقتضيه، أو يرجع إلى القول الأول وهو الأظهر.<ref name="الاعتصام"/>
 
* والخامس: ما اختاره [[الطبري]] الإمام من أن الجماعة جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، فأمر عليه الصلاة والسلام بلزومه ونهى عن فراق الأمة فيما اجتمعوا عليه من تقديمه عليهم، لأن فراقهم لا يعدو إحدى حالتين، إما للنكير عليهم في طاعة أميرهم والطعن عليه في سيرته المرضية لغير موجب، بل بالتأويل في إحداث بدعة في الدين، كالحرورية التي أمرت الأمة بقتالها وسماها النبي {{صلى الله عليه وسلم}} مارقة من الدين، وإما لطلب إمارة من انعقاد البيعة لأمير الجماعة، فإنه نكث عهد ونقض عهد بعد وجوبه. وقد قال {{صلى الله عليه وسلم}}: {{حديث|من جاء إلى أمتي ليفرق جماعتهم فاضربوا عنقه كائنا من كان}}. قال الطبري: فهذا معنى الأمر بلزوم الجماعة، قال: وأما الجماعة التي إذا اجتمعت على الرضى بتقديم أمير كان المفارق لها ميتا ميتة جاهلية، فهي الجماعة التي وصفها أبو مسعود الأنصاري، وهم معظم الناس وكافتهم من أهل العلم والدين وغيرهم، وهم السواد الأعظم. قال: وقد بين ذلك عمر بن الخطاب {{رضي الله عنه}}، فروي عن عمر بن ميمون الأودي قال: قال عمر حين طعن لصهيب: «صل بالناس ثلاثا وليدخل علي عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، وليدخل ابن عمر في جانب البيت وليس له من الأمر شيء، فقم يا صهيب على رؤوسهم بالسيف فإن بايع خمسة ونكص واحد فاجلد رأسه بالسيف، وإن بايع أربعة ونكص رجلان فاجلد رأسيهما حتى يستوثقوا على رجل»، قال: فالجماعة التي أمر رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} بلزومها وسمى المنفرد عنها مفارقا لها نظير الجماعة التي أوجب عمر الخلافة لمن اجتمعت عليه، وأمر صهيبا بضرب رأس المنفرد عنهم بالسيف، فهم في معنى كثرة العدد المجتمع على بيعته وقلة العدد المنفرد عنهم، قال: وأما الخبر الذي ذكر فيه أن لا تجتمع الأمة على ضلالة فمعناه: أن لا يجمعهم على إضلال الحق فيما نابهم من أمر دينهم حتى يضل جميعهم عن العلم ويخطئوه، وذلك لا يكون في الأمة. هذا تمام كلامه وهو منقول بالمعنى وتحر في أكثر اللفظ. وحاصله: أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكور في الأحاديث المذكورة، كالخوارج ومن جرى مجراهم.<ref name="الاعتصام"/>
الخامس: أن الجماعة جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير واختاره [[ابن جرير]] ورجحه.
فهذه خمسة أقوال مذكورة عند أئمة أهل السنة والجماعة، وقد اتفق الجميع على اعتبار أهل العلم والاجتهاد، وعلى أن يكون اجتماعهم على أمير،
فهذه الأقوال يرجع بعضها إلى بعض، فالقول الأول أي: السواد الأعظم هو تفسير للجماعة بمعناها المتكامل فتدخل فيه الأقوال الأخرى فلا عبرة باجتماع السواد الأعظم إلا إذا كان فيهم الأئمة المجتهدون، وكان اجتماعهم موافقا لطريقة الهدى التي اجتمع عليها الصحابة، وكانوا جماعة واحدة مجتمعين على أمر واحد وعلى خليفة واحد.
 
=== الأقوال المأثورة في معنى الجماعة ===
الجماعة عند أئمة أهل السنة من السلف الصالح ترجع إلى معنى الاجتماع الذي كان عليه أئمة الصحابة والخلفاء الراشدون فيما اجتمعوا عليه من الهدى والعلم والعمل والاعتقاد، وجاء عنهم تفسير معنى الجماعة التي ثبت في الشرع وجوب لزومها وتحريم مفارقتها في خمسة أقوال متقاربة للحصول منها بمجموعها على المعنى المقصود، وقد جمع [[ابن جرير الطبري]] أقوال الأئمة المتقدمين ونقلها عنه العلماء من بعده، وقد ذكرها [[الشاطبي]]، وكلها متقاربة للتوصل منها بمجموعها على المعنى المراد فقال:
* أحدها: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، ومن خالفهم مات ميتة جاهلية، سواء خالفهم في شيء من الشريعة أو في إمامهم وسلطانهم، فهو مخالف للحق، وممن قال بهذا [[أبو مسعود الأنصاري]] و[[ابن مسعود]]، فروى أنه لما قتل عثمان سئل أبو مسعود الأنصاري عن الفتنة فقال: {{اقتباس مضمن|عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد {{صلى الله عليه وسلم}} على ضلالة، واصبر حتى تستريح أو يستراح من فاجر}}، وقال: {{اقتباس مضمن|إياك والفرقة فإن الفرقة هي الضلالة}}، وقال ابن مسعود: {{اقتباس مضمن|عليكم بالسمع والطاعة فإنها حبل الله الذي أمر به}}، ثم قبض يده وقال: {{اقتباس مضمن|إن الذي تكرهون في الجماعة خير من الذين تحبون في الفرقة}}، وعن الحسين قيل له: أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: {{اقتباس مضمن|أي والذي لا إله إلا هو، ما كان الله ليجمع أمة محمد على ضلالة}}. فعلى هذا القول يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها، ومن سواهم داخلون في حكمهم، لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم، فكل من خرج عن جماعتهم فهم الذين شذوا وهم نهبة الشيطان ويدخل في هؤلاء جميع أهل البدع لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة، لم يدخلوا في سوادهم بحال.<ref name="الاعتصام"/>
* والثاني: أنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين، فمن خرج مما عليه علماء الأمة مات ميتة جاهلية، لأن جماعة الله العلماء، جعلهم الله حجة على العالمين، وهم المعنيون بقوله عليه الصلاة والسلام: {{حديث|إن الله لن يجمع أمتي على ضلالة}}، وذلك أن العامة عنها تأخذ دينها، وإليها تفزع من النوازل، وهي تبع لها. فمعنى قوله: لن تجتمع أمتي لن يجتمع علماء أمتي على ضلالة، وممن قال بهذا [[عبد الله بن المبارك]]، و[[إسحاق بن راهويه]]، وجماعة من السلف وهو رأي الأصوليين، فقيل لـ [[عبد الله بن المبارك]]: من الجماعة الذين ينبغي أن يقتدى بهم؟ قال: أبو بكر وعمر -فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين ابن واقد- فقيل: هؤلاء ماتوا: فمِن الأحياء؟ قال: [[أبو حمزة السكري]]، وعن المسيب بن رافع قال: كانوا إذا جاءهم شيء من القضاء ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله سموه ‹صوافي الأمراء› فجمعوا له أهل العلم، فما أجمع رأيهم عليه فهو الحق، وعن إسحاق بن راهويه نحو مما قال ابن المبارك. فعلى هذا القول لا مدخل في السؤال لمن ليس بعالم مجتهد، لأنه داخل في أهل التقليد، فمن عمل منهم بما يخالفهم فهو صاحب الميتة الجاهلية.<ref name="الاعتصام"/>
* والثالث: أن الجماعة هي الصحابة على الخصوص، فإنهم الذين أقاموا عماد الدين وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلا، وقد يمكن فيمن سواهم ذلك، وممن قال بهذا القول [[عمر بن عبد العزيز]]، فروى ابن وهب عن مالك قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول: «سن رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيها، من اهتدى بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خافها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا» فقال مالك: فأعجبني عزم عمر على ذلك. وعلى هذا القول فلفظ الجماعة مطابق للرواية الأخرى في قوله عليه الصلاة والسلام: {{حديث|ما أنا عليه وأصحابي}} فكأنه راجع إلى ما قالوه وما سنوه، وما اجتهدوا فيه حجة على الإطلاق، وبشهادة رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} لهم بذلك خصوصا في قوله: {{حديث|فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين}} وأشباهه، أو لأنهم المتقلدون لكلام النبوة، المهتدون للشريعة، الذين فهموا أمر دين الله بالتلقي من نبيه مشافهة، على علم وبصيرة بمواطن التشريع وقرائن الأحوال، بخلاف غيرهم فإذاً كل ما سنوه فهو سنة من غير نظير فيه، بخلاف غيرهم، فإن فيه لأهل الاجتهاد مجالا للنظر ردا وقبولا، فأهل البدع إذاً غير داخلين في الجماعة قطعا على هذا القول.
* والرابع: أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام، إذا أجمعوا على أمر فواجب على غيرهم من أهل الملل اتباعهم، وهم الذين ضمن الله لنبيه عليه الصلاة والسلام أن لا يجمعهم على ضلالة، فإن وقع بينهم اختلاف فواجب تعرف الصواب فيما اختلفوا فيه، قال [[الشافعي]]: «الجماعة لا تكون فيها غفلة عن معنى كتاب الله، ولا سنة ولا قياس، وإنما تكون الغفلة في الفرقة». وكأن هذا القول يرجع إلى الثاني وهو يقتضي أيضا ما يقتضيه، أو يرجع إلى القول الأول وهو الأظهر، وفيه من المعنى ما في الأول من أنه لابد من كون المجتهدين فيهم، وعند ذلك لا يكون مع اجتماعهم على هذا القول بدعة أصلا، فهم إذاً الفرقة الناجية.<ref name="الاعتصام"/>
* والخامس: ما اختاره الطبري الإمام من أن الجماعة جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، فأمر عليه الصلاة والسلام بلزومه ونهى عن فراق الأمة فيما اجتمعوا عليه من تقديمه عليهم، لأن فراقهم لا يعدو إحدى حالتين، إما للنكير عليهم في طاعة أميرهم والطعن عليه في سيرته المرضية لغير موجب، بل بالتأويل في إحداث بدعة في الدين، كالحرورية التي أمرت الأمة بقتالها وسماها النبي {{صلى الله عليه وسلم}} مارقة من الدين، وإما لطلب إمارة من انعقاد البيعة لأمير الجماعة، فإنه نكث عهد ونقض عهد بعد وجوبه. وقد قال {{صلى الله عليه وسلم}}: {{حديث|من جاء إلى أمتي ليفرق جماعتهم فاضربوا عنقه كائنا من كان}}. قال الطبري: فهذا معنى الأمر بلزوم الجماعة، قال: وأما الجماعة التي إذا اجتمعت على الرضى بتقديم أمير كان المفارق لها ميتا ميتة جاهلية، فهي الجماعة التي وصفها أبو مسعود الأنصاري، وهم معظم الناس وكافتهم من أهل العلم والدين وغيرهم، وهم السواد الأعظم. قال: وقد بين ذلك عمر بن الخطاب {{رضي الله عنه}}، فروي عن عمر بن ميمون الأودي قال: قال عمر حين طعن لصهيب: «صل بالناس ثلاثا وليدخل علي عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، وليدخل ابن عمر في جانب البيت وليس له من الأمر شيء، فقم يا صهيب على رؤوسهم بالسيف فإن بايع خمسة ونكص واحد فاجلد رأسه بالسيف، وإن بايع أربعة ونكص رجلان فاجلد رأسيهما حتى يستوثقوا على رجل»، قال: فالجماعة التي أمر رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} بلزومها وسمى المنفرد عنها مفارقا لها نظير الجماعة التي أوجب عمر الخلافة لمن اجتمعت عليه، وأمر صهيبا بضرب رأس المنفرد عنهم بالسيف، فهم في معنى كثرة العدد المجتمع على بيعته وقلة العدد المنفرد عنهم، قال: وأما الخبر الذي ذكر فيه أن لا تجتمع الأمة على ضلالة فمعناه: أن لا يجمعهم على إضلال الحق فيما نابهم من أمر دينهم حتى يضل جميعهم عن العلم ويخطئوه، وذلك لا يكون في الأمة. هذا تمام كلامه وهو منقول بالمعنى وتحر في أكثر اللفظ. وحاصله: أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكور في الأحاديث المذكورة، كالخوارج ومن جرى مجراهم.<ref name="الاعتصام"/>
 
=== أهلالأئمة العلمالمجتهدون ===
*كان الصحابة يختارون الخليفة على أساس أن يكون إماما مجتهدا من أفقههم في الدين وأعلمهم بالشريعة يأتم به الناس وتجتمع عليه الأمة، وكان خلفاؤهم يختارون الولاة على أساس أن يكونوا من أئمة الدين وعلماء الشريعة، وذلك أن معنى الجماعة عندهم لا يتحقق إلا باجتماع الأئمة المجتهدين من أهل العلم، وجاء عن أئمة أهل السنة من متقدمي السلف تفسيرات لمعنى الجماعة التي دلت الأحاديث عليها، وقد ذكر [[ابن جرير الطبري]] أقوالهم في تفسير الجماعة، ونقلها عنه علماء أهل السنة والجماعة ومنهم الشاطبي فقال: {{مض|والثاني: أنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين، فمن خرج مما عليه علماء الأمة مات ميتة جاهلية، لأن جماعة الله العلماء، جعلهم الله حجة على العالمين، وهم المعنيون بقوله عليه الصلاة والسلام: {{حديث|إن الله لن يجمع أمتي على ضلالة}}، وذلك أن العامة عنها تأخذ دينها، وإليها تفزع من النوازل، وهي تبع لها. فمعنى قوله: لن تجتمع أمتي لن يجتمع علماء أمتي على ضلالة، وممن قال بهذا [[عبد الله بن المبارك]]، و[[إسحاق بن راهويه]]، وجماعة من السلف وهو رأي الأصوليين، فقيل لـ [[عبد الله بن المبارك]]: من الجماعة الذين ينبغي أن يقتدى بهم؟ قال: أبو بكر وعمر -فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين ابن واقد- فقيل: هؤلاء ماتوا: فمِن الأحياء؟ قال: [[أبو حمزة السكري]]،السكري، وعن المسيب بن رافع قال: كانوا إذا جاءهم شيء من القضاء ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله سموه ‹صوافي الأمراء› فجمعوا له أهل العلم، فما أجمع رأيهم عليه فهو الحق، وعن إسحاق بن راهويه نحو مما قال ابن المبارك. فعلى هذا القول لا مدخل في السؤال لمن ليس بعالم مجتهد، لأنه داخل في أهل التقليد، فمن عمل منهم بما يخالفهم فهو صاحب الميتة الجاهلية}}.<ref name="الاعتصام"/>
اتفق أئمة أهل السنة والجماعة على أن معنى الجماعة التي جاء في نصوص الشريعة الأمر بلزومها وتحريم مفارقتها لا يتحقق إلا باجتماع الأئمة في الدين أهل العلم الذين يقتدى بهم، والمقصود بهم الأئمة المجتهدون وعلماء الدين من بعدهم، وقد ذكر [[ابن جرير الطبري]] أقوالا في تفسير الجماعة، وقد اتفق الجميع على اعتبار أهل العلم والاجتهاد، وأن الاعتبار إنما هو بالسواد الأعظم من العلماء المعتبر اجتهادهم فمن شذ عنهم فمات فميتته جاهلية، وأما جماعة العوام فإنهم تبع لأئمتهم؛ لأنهم غير عارفين بالشريعة فلا بد من رجوعهم في دينهم إلى العلماء، فإنهم لو اجتمعوا على مخالفة العلماء لكانوا هم السواد الأعظم لقلة العلماء وكثرة الجهال، لكن العبرة ليست بالكثرة، فلا يكون اجتماع العوام حجة ولا مرجعا في الدين وإن كانوا هم الأكثر عددا، فإنهم قد يجتمعون على ضلال، فلا يقول أحد: إن اتباع جماعة العوام هو المطلوب وإن العلماء هم المفارقون للجماعة والمذمومون في الحديث، بل الأمر بالعكس وأن العلماء هم السواد الأعظم وإن قلوا والعوام هو المفارقون للجماعة إن خالفوا فإن وافقوا فهو الواجب عليهم، فلا يمكن أن يقال أن العوام هم الجماعة المأمور باتباعها، وإن خلا الزمان عن مجتهد فلا يمكن اتباع العوام لأمثالهم،
 
بل يتنزل النقل عن المجتهدين منزلة وجود المجتهدين فالذي يلزم العوام مع وجود المجتهدين هو الذي يلزم أهل الزمان المفروض الخالي عن المجتهد، فالأئمة المجتهدون في العصور المتقدمة فيما اجتمعوا عليه حجة على من بعدهم، وقد سئل ابن المبارك عن الجماعة الذين يقتدى بهم أجاب بأن قال: أبو بكر وعمر.. قال: فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين ابن واقد قيل: فهؤلاء ماتوا، فمن الأحياء؟ قال: [[أبو حمزة السكري]]، وهو محمد بن ميمون المروزي.
اتفق أئمة أهل السنة والجماعة على أن معنى الجماعة التي جاء في نصوص الشريعة الأمر بلزومها وتحريم مفارقتها لا يتحقق إلا باجتماع الأئمة في الدين أهل العلم الذين يقتدى بهم، والمقصود بهم الأئمة المجتهدون وعلماء الدين من بعدهم، وقد ذكر [[ابن جرير الطبري]] أقوالا في تفسير الجماعة، وقد اتفق الجميع على اعتبار أهل العلم والاجتهاد، وأن الاعتبار في الجماعة المفسرة بالسواد الأعظم إنما هو بالسواد الأعظم من العلماء المعتبر اجتهادهم فمن شذ عنهم فمات فميتته جاهلية، وأما جماعة العوام فإنهم تبع لأئمتهم؛ لأنهم غير عارفين بالشريعة فلا بد من رجوعهم في دينهم إلى العلماء، فإنهم لو اجتمعوا على مخالفة العلماء لكانوا هم السواد الأعظم لقلة العلماء وكثرة الجهال، لكن العبرة ليست بالكثرة، فلا يكون اجتماع العوام حجة ولا مرجعا في الدين وإن كانوا هم الأكثر عددا، فإنهم قد يجتمعون على ضلال، فلا يقول أحد: إن اتباع جماعة العوام هو المطلوب وإن العلماء هم المفارقون للجماعة والمذمومون في الحديث، بل الأمر بالعكس وأن العلماء هم السواد الأعظم وإن قلوا والعوام هو المفارقون للجماعة إن خالفوا فإن وافقوا فهو الواجب عليهم، فلا يمكن أن يقال أن العوام هم الجماعة المأمور باتباعها، وإن خلا الزمان عن مجتهد فلا يمكن اتباع العوام لأمثالهم،
بل يتنزل النقل عن المجتهدين منزلة وجود المجتهدين فالذي يلزم العوام مع وجود المجتهدين هو الذي يلزم أهل الزمان المفروض الخالي عن المجتهد، فالأئمة المجتهدون في العصور المتقدمة فيما اجتمعوا عليه حجة على من بعدهم،بعدهم. وقد سئل ابن المبارك عن الجماعة الذين يقتدى بهم أجاب بأن قال: أبو بكر وعمر.. قال: فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين ابن واقد قيل: فهؤلاء ماتوا، فمن الأحياء؟ قال: [[أبو حمزة السكري]]، وهو محمد بن ميمون المروزي.
 
قال الشاطبي: فاتباع نظر من لا نظر له واجتهاد من لا اجتهاد له محض ضلالة ورمي في عماية وهو مقتضى الحديث الصحيح: {{حديث|إن الله لا يقبض العلم انتزاعا..}} الحديث.
روى أبو نعيم عن محمد بن القاسم الطوسي قال: سمعت [[إسحاق بن راهوية]] وذكر في حديث رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: {{حديث|إن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم}} فقال رجل يا أبا يعقوب من السواد الأعظم؟ فقال محمد بن أسلم وأصحابه ومن تبعهم ثم قال: سأل رجل ابن المبارك: من السواد الأعظم؟ قال: [[أبو حمزة السكري]] ثم قال إسحاق: في ذلك الزمان (يعني أبا حمزة) وفي زماننا محمد بن أسلم ومن تبعه ثم قال إسحاق: لو سألت الجهال عن السواد الأعظم لقالوا: جماعة الناس ولا يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم وطريقه فمن كان معه وتبعه فهو الجماعة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=الشاطبي|العنوان=الاعتصام فصل حديث تفرق الأمة، المسألة السابعة عشرة أن الجميع اتفقوا على اعتبار أهل العلم والاجتهاد سواء ضموا إليهم العوام أم لا، ج1|الصفحة=482}}</ref>
وقد جاء عن البخاري وغيره تفسير الجماعة بأنها: جماعة أهل العلم، وهم الأئمة المجتهدون وسائر علماء الشريعة التابعون لهم بإحسان،
وقال [[بدر الدين العيني]] في بيان المراد بـ«الجماعة» في لفظالمذكورة في الحديث: {{اقتباس مضمنمض|الجماعة التي أمر الشارع بلزومها هي جماعة العلماء؛ لأن الله عزّ وجل جعلهم حجة على خلقه، وإليهم تفزع العامة في دينها، وهم تبع لها، وهم المعنيون بقوله: {{حديث|إن الله لن يجمع أمتي على ضلالة}}}}.<ref>عمدة القاري شرح صحيح البخاري، لبدر الدين العيني، (35/ 147).</ref>
 
ثبت في الحديث الصحيح إخبار الصحابة بأن من يعش منهم فسيدرك زمنا يكون فيه الاختلاف الكثير وأمورا ينكرونها، فأوصاهم بأن من أدرك شيئا من ذلك فعليه بالهدي الأول أي طريقته التي كان عليها هو وأصحابه وطريقة الخلفاء الراشدين من بعده، وهذا هو الاجتماع على الحق والهدى في أمور الدين الذي كان عليه أئمة الصحابة ومن تبعهم بإحسان، وهي مبنية على الاتفاق في أصول الدين، وأما الاختلاف في فروع الأحكام فقد حصل في زمن الصحابة ومن بعدهم من الأئمة المجتهدين في حوادث الأمور التي ليس في الشرع نص يدل عليها بخصوصها، وفق شروط ذكرها العلماء في [[علم أصول الفقه]]، وقد كان هذا الاجتهاد المخصوص بالأئمة المجتهدين في غالب الأحيان ينتهي بالإجماع، وإجماع الأئمة المجتهدين من الصحابة فمن بعدهم حجة على أهل ذلك العصر فمن بعدهم، وقد انتقلت مذاهب [[فقهاء الصحابة]] إلى [[فقهاء التابعين]] فمن بعدهم من أئمة المذاهب الفقهية، واشتهر منها عند أهل السنة والجماعة مذاهب فقهاء أهل الرأي وفقهاء أهل الحديث، فأخذوا مذاهب الصحابة فمن تبعهم من الأئمة واجتهدوا في المسائل التي بقيت محل اختلاف فانتهوا في كثير منها إلى الإجماع، وهذه المذاهب نقلها أئمتهم واجتهد أصحاب كل مذهب في المسائل التي لم يرد فيها نص عن إمام مذهبه ووقع الاختلاف في فروع من كل مذهب، ثم جاء أهل الترجيح من أصحاب كل مذهب فرجحوا قولا واحدا من الأقوال التي وقع فيها الخلاف، والمذاهب الفقهية المعتبرة عند أهل السنة والجماعة التي استقر عليها العمل عندهم في عصر المتأخرين هي [[المذاهب الأربعة]]، ويكون العمل بمذهب واحد منها في التعليم والإفتاء والقضاء عند علماء كل مذهب بما ترجح في مذهبه، وقد ذكر ابن خلدون أنه وقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة، وسد الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد، ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه، فصرحوا بالعجز والإعواز. وعمل كل مقلد بمذهب من قلده منهم بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية، لا مجرد النقل من الكتب. وقال ابن خلدون: {{اقتباس مضمنمض|ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه مهجور تقليده. وقد صار أهل الاسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة}}.<ref>تاريخ ابن خلدون، ج1 ص448.</ref>
وقد جاء عن البخاري تفسير الجماعة بأنها: جماعة أهل العلم.
وقال [[بدر الدين العيني]] في بيان المراد بـ«الجماعة» في لفظ الحديث: {{اقتباس مضمن|الجماعة التي أمر الشارع بلزومها هي جماعة العلماء؛ لأن الله عزّ وجل جعلهم حجة على خلقه، وإليهم تفزع العامة في دينها، وهم تبع لها، وهم المعنيون بقوله: {{حديث|إن الله لن يجمع أمتي على ضلالة}}}}.<ref>عمدة القاري شرح صحيح البخاري، لبدر الدين العيني، (35/ 147).</ref>
 
ثبت في الحديث الصحيح إخبار الصحابة بأن من يعش منهم فسيدرك زمنا يكون فيه الاختلاف الكثير وأمورا ينكرونها، فأوصاهم بأن من أدرك شيئا من ذلك فعليه بالهدي الأول أي طريقته التي كان عليها هو وأصحابه وطريقة الخلفاء الراشدين من بعده، وهذا هو الاجتماع على الحق والهدى في أمور الدين الذي كان عليه أئمة الصحابة ومن تبعهم بإحسان، وهي مبنية على الاتفاق في أصول الدين، وأما الاختلاف في فروع الأحكام فقد حصل في زمن الصحابة ومن بعدهم من الأئمة المجتهدين في حوادث الأمور التي ليس في الشرع نص يدل عليها بخصوصها، وفق شروط ذكرها العلماء في [[علم أصول الفقه]]، وقد كان هذا الاجتهاد المخصوص بالأئمة المجتهدين في غالب الأحيان ينتهي بالإجماع، وإجماع الأئمة المجتهدين من الصحابة فمن بعدهم حجة على أهل ذلك العصر فمن بعدهم، وقد انتقلت مذاهب [[فقهاء الصحابة]] إلى [[فقهاء التابعين]] فمن بعدهم من أئمة المذاهب الفقهية، واشتهر منها عند أهل السنة والجماعة مذاهب فقهاء أهل الرأي وفقهاء أهل الحديث، فأخذوا مذاهب الصحابة فمن تبعهم من الأئمة واجتهدوا في المسائل التي بقيت محل اختلاف فانتهوا في كثير منها إلى الإجماع، وهذه المذاهب نقلها أئمتهم واجتهد أصحاب كل مذهب في المسائل التي لم يرد فيها نص عن إمام مذهبه ووقع الاختلاف في فروع من كل مذهب، ثم جاء أهل الترجيح من أصحاب كل مذهب فرجحوا قولا واحدا من الأقوال التي وقع فيها الخلاف، والمذاهب الفقهية المعتبرة عند أهل السنة والجماعة التي استقر عليها العمل عندهم في عصر المتأخرين هي [[المذاهب الأربعة]]، ويكون العمل بمذهب واحد منها في التعليم والإفتاء والقضاء عند علماء كل مذهب بما ترجح في مذهبه، وقد ذكر ابن خلدون أنه وقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة، وسد الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد، ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه، فصرحوا بالعجز والإعواز. وعمل كل مقلد بمذهب من قلده منهم بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية، لا مجرد النقل من الكتب. وقال ابن خلدون: {{اقتباس مضمن|ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه مهجور تقليده. وقد صار أهل الاسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة}}.<ref>تاريخ ابن خلدون، ج1 ص448.</ref>
 
===الجماعة في مقابل الفُرقة (تم)===
تستعمل كلمة: الجماعة بمعناها في الشرع الإسلامي في مقابل الفُرقة والاجتماع في مقابل الافتراق، فالجماعة المأمور بها في مقابل الفُرقة المنهي عنها في الشرع الإسلامي، والفُرقة بمعناها الشرعي هي التي تكون مضادة للجماعة، والافتراق عن الجماعة يكون بمعنى مفارقتها ومخالفتها ومعارضتها فيما اجتمعت عليه وهو الشذوذ عن الجماعة والانشقاق عنها بما يؤدي إلى تعدد الجماعة الواحدة إلى فِرق متعددة، وفي تقسيم ذكره [[أبو سليمان الخطابي]] في كتاب: «العزلة» بقوله: {{مض| الفُرقة فرقتان فُرقة الآراء والأديان وفُرقة الأشخاص والأبدان، والجماعة جماعتان: جماعة هي الأئمة والأمراء وجماعة هي العامة والدهماء}}، ومعنى هذا التفصيل أن الجماعة التي نهى الشرع عن مفارقتها هي جماعة الأئمة والأمراء، أي: الأئمة في الدين وولاة الأمور، والفرقة المنهي عنها تكون بمعنى مفارقة جماعة الأئمة والأمراء، وتكون كذلك بمعنى الافتراق في الآراء والأديان، أما جماعة عامة الناس فليست هي المقصودة من هذا النهي عن مفارقة الجماعة، كما أن فُرقة الأبدان والأشخاص ليست هي المقصودة من الفُرقة المنهي، وإنما المقصود فرقة الآراء والأديان.<ref name="الخطابي"/> حيث قال: {{مض|فأما الافتراق في الآراء والأديان فإنه محظور في العقول محرم في قضايا الأصول لأنه داعية الضلال وسبب التعطيل والإهمال، ولو ترك الناس متفرقين لتفرقت الآراء والنحل ولكثرت الأديان والملل ولم تكن فائدة في بعثة الرسل وهذا هو الذي عابه الله عز وجل من التفريق في كتابه وذمه في الآي التي تقدم ذكرها}}.
 
وقال: {{مض|وعلى هذه الوتيرة نجري الأمر أيضا في الافتراق على الأئمة والأمراء فإن في مفارقتهم مفارقة الألفة وزوال العصمة والخروج من كنف الطاعة وظل الأمنة وهو الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه وأراده بقوله: «من فارق الجماعة فمات فميتته جاهلية»، وذلك أن أهل الجاهلية لم يكن لهم إمام يجمعهم على دين ويتألفهم على رأي واحد بل كانوا طوائف شتى وفرقا مختلفين آراؤهم متناقضة وأديانهم متباينة وذلك الذي دعا كثيرا منهم إلى عبادة الأصنام وطاعة الأزلام رأيا فاسدا اعتقدوه في أن عندها خيرا وأنها تملك لهم نفعا أو تدفع عنهم ضرا}}.<ref name="الخطابي"/>
وقد جاء في [[القرآن الكريم|القرآن]] النهي عن الافتراق إلى شيع وأحزاب متفرقة وجماعات متعددة في قول الله تعالى: {{قرآن|إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}}،<ref group="°">[[سورة الأنعام]] آية: 159.</ref> وقوله تعالى: {{قرآن|ولا تكونوا من المشركين مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}}،<ref group="°">[[سورة الروم]] آية: 32.</ref> وقوله تعالى: {{قرآن|وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}}.<ref group="°">[[سورة الأنعام]] آية: 153.</ref> إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وصف التفرق.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي|العنوان=كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي، ج2، الباب التاسع في السبب الذي لأجله افترقت فرق المبتدعة عن جماعة المسلمين|الصفحات=669 وما بعدها|الناشر=دار ابن عفان|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
 
 
وتوصف هذه الفرقة بأنها خروج عن الجماعة ومفارقتها، وترجع هذه الفرقة إلى أمرين أحدهما: الافتراق عن جماعة أهل الإسلام إذا اجتمعوا على أمير وخالفهم غيرهم في أميرهم الذي اجتمعوا عليه، ثانيهما: الافتراق عن الجماعة بسبب أمر ديني، وهو الافتراق عن جماعة أهل العلم المعتبر اجتماعهم فيما اجتمعوا عليه، وأهل العلم عند أهل السنة والجماعة هم الأئمة المجتهدون من الصحابة والتابعين ومن تبعهم ويدخل في جماعتهم علماء الشريعة السائرون على طريقتهم، وجماعة الصحابة والخلفاء الراشدون كانوا مجتمعين على الهدى، وطريقتهم التي كانوا عليها في الهدى والعلم والعمل والاعتقاد هي الطريقة المسلوكة والمثال المتبع في الدين عند أئمة أهل السنة والجماعة، وهي الطريقة التي اجتمع عليها الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان، وهذه الطريقة المتبوعة في الدين هي السُنَّة، والاجتماع على هذه الطريقة هو الاجتماع على السُنَّة، فالسنة بهذا المعنى هي الطريق الموصل إلى الملة، والاتفاق على هذه السُنَّة هو الجماعة، واجتماع هذه الجماعة على هذه الطريقة هو تحديد للصفات التي تميزها عن مخالفيها.
 
 
روى [[الترمذي]] في سننه حديث العرباض بن سارية وفيه: «..فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله قال: {{حديث|أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم؛ ير اختلافا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة [[الخلفاء الراشدين]] المهديين عضوا عليها بالنواجذ}}».<ref name="الترمذي1"/> ورواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح، وخرجه الإمام أحمد، وأخرجه الحاكم: {{حديث|عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي..}}.<ref name="المستدرك"/>
وابن ماجه وزاد في حديثه: {{مض|فقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك}}.
 
وهذا الحديث من دلائل صدق النبوة بما تضمن من إخبار الصحابة بما سيكون وأن من يعش منهم فسيرى اختلافا كثيرا، وأوصى من أدرك ذلك منهم بالسمع والطاعة لولاة الأمور وعدم الخروج عليهم، ثم أوصاهم بلزوم سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده وهي الطريقة المسلوكة في الدين التي كان عليها هو وأصحابه وخلفاؤه الراشدون من بعده في الهدى والعلم والعمل والاعتقاد، ونهى عن المحدثات في الدين التي لا أصل لها في الشريعة ووصفها بالضلالة، وقد فسرها أئمة أهل السنة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان بأنها [[أهل السنة والجماعة#في مقابل البدعة|الأهواء المضلة]] التي استحدثتها الفرق التي ظهرت في العصور الإسلامية السابقة التي تفرقت بسببها عن جماعة المسلمين، وقد أشار إليها [[الحسن البصري]] بقوله: {{مض|اتقوا هذه الأهواء فإن جماعها الضلالة وميعادها النار}}.<ref name="الملل٢">
 
وبعد تمايز تلك الفرق كتب العلماء عنها في كتب الفرق وبينوا مقولاتها ومخالفاتها، فكتب [[عبد القاهر البغدادي]] (توفي عام 1037م) المحسوب على فقهاء [[المذهب الشافعي]] كتاب "[[الفرق بين الفرق (كتاب)|الفَرق بين الفِرق]]" ذهب فيه إلى تحديد تلك الفرق التي ظهرت في تلك العصور المتقدمة، وختم الكتاب باستنتاجه أن الفرقة الثالثة والسبعون هي "'''أهل السنة والجماعة'''"، وهي مبنية على الاتفاق في أصول الدين، وهي مكونة من فريقي الرأي والحديث، واستند إلى الأحاديث التي ورد فيها ذكر افتراق الأمة ومفادها أن جميع هذه الفِرق واقعة في الضلال إلا فرقة واحدة، وتحديد هذه الفِرق عند أئمة أهل السنة والجماعة يرجع إلى الوصف الذي يحصل به معرفتها، فتعيين هذه الفِرقة من بين تلك الفِرق إنما يكون بالوصف، ويدل على تعيين هذه الفرقة بالوصف ما جاء مذكورا في الحديث بقوله: قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: {{حديث|ما أنا عليه وأصحابي}}، وفي سنن أبي داود: {{حديث|وهي الجماعة}} وفي بعض الروايات: {{حديث|وأنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله}}.<ref name="الشاطبي°">{{مرجع كتاب|المؤلف=الشاطبي|العنوان=الاعتصام فصل حديث تفرق الأمة، ج1|الصفحة=430}}</ref> وذلك أنهم لما سألوه عن هذه الفِرقة التي يكون غيرها على غير هدى فبين لهم وصفا جامعا لها وهو ما كان عليه هو وأصحابه بمعنى الطريقة المسلوكة في الدين التي كان عليها هو وصحابته في الهدى والعلم والعمل والاعتقاد، قال الشاطبي: {{مض|وجواب النبي صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية فيه انصراف القصد إلى تعيين الوصف الضابط للجميع وهو ما كان عليه هو وأصحابه}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=الشاطبي|العنوان=الاعتصام ج2|الصفحة=698|المسار=http://library.islamweb.net/Newlibrary/display_book.php?idfrom=114&idto=139&bk_no=109&ID=13}}</ref>
واتباع هذه الطريقة هو المعيار الأساسي لتعيين هذه الفرقة عندهم في مقابل الفِرق الأخرى التي خالفت هذه الطريقة بما استحدثت في الدين من أمورا جديدة لا أصل لها في الشريعة فوقعوا في الضلال وتفرقوا بسببها، ومن الصفات التي تعرف بها اتباع الأهواء ويدل عليه حديث: {{حديث|وأنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله}}.<ref name="الشاطبي°"/>
 
 
وجاء تعيين الفرق كالخوارج ومن سلك سبيلهم ممن ظهر فيهم الوصف المذكور في الحديث من أنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، وأنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، ذكره الشاطبي ثم قال في وصفهم: فإنهم أخذوا أنفسهم بقراءة القرآن وإقرائه حتى ابتدعوا فيه ثم لم يتفقهوا فيه ولا عرفوا مقاصده ولذلك طرحوا كتب العلماء وسموها كتب الرأي وخرقوها ومزقوا أدمها مع أن الفقهاء هم الذين بينوا في كتبهم معاني الكتاب والسنة على الوجه الذي ينبغي.<ref name="الشاطبي°"/>
 
وسبيل دين الله واحد لا يتعدد ويتميز عن سائر السبل بالاستقامة والاعتدال والوسطية، قال تعالى: {{قرآن|وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}}.<ref group="°">[[سورة الأنعام]] آية: 153.</ref> قال [[الملا علي القاري]]: {{مض|سبيل الله وسط، ليس فيه تفريط ولا إفراط، بل فيه التوحيد والاستقامة ومراعاة الجانبين في الجادة، وسبل أهل البدع مائلة إلى الجوانب، وفيها تقصير وغلوٌّ وميل وانحراف وتعدد واختلاف}}.<ref name="الفتوى"/><ref>مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري (2/ 50).</ref>
 
جاء في كلام الشاطبي أن حقيقة هذا الافتراق المذكور في الحديث هو الافتراق بسبب البدع المضلة واختلاف الأهواء، أما الاختلاف المعتبر في مسائل الفروع الاجتهادية؛ فهو غير داخل في هذا الافتراق الذي دل عليه الحديث بالإجماع، وأنه إنما يراد افتراق مقيد وهو التفريق الذي يصير به في الأمة شيعا متفرقة كما جاء وصفه في القرآن، أي: جماعات بعضهم قد فارق البعض، ليسوا على تآلف ولا تعاضد ولا تناصر، بل على ضد ذلك، فإن الإسلام واحد وأمره واحد، فاقتضى أن يكون حكمه على الائتلاف التام لا على الاختلاف، وهذه الفرقة مشعرة بتفرق القلوب المشعر بالعداوة والبغضاء، ولذلك قال: {{قرآن|واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}}، فبين أن التأليف إنما يحصل عند الائتلاف على التعلق بمعنى واحد، وأما إذا تعلقت كل شيعة بحبل غير ما تعلقت به الأخرى فلا بد من التفرق، وهو معنى قوله تعالى: {{قرآن|وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}}.<ref group="°">[[سورة الأنعام]] آية: 153.</ref> <ref name="الشاطبي">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي|العنوان=الاعتصام للإمام الشاطبي، الباب الثاني في ذم البدع وسوء منقلب أصحابها، فصل الأدلة من النقل على ذم البدع، ما جاء في القرآن في ذم البدع وأهلها، حديث تفرق الأمة، المسألة الأولى، ج2|الصفحات=697 وما بعدها|الناشر=دار ابن عفان|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
 
وجاء في كلامه أيضا: هذه الفرق افترقت بسبب موقع في العدواة والبغضاء، ولا يرجع التفرق إلى أمر هو معصية غير بدعة، بل يرجع إلى أمر هو بدعة، كما افترق الخوارج من الأمة ببدعهم التي بنوا عليها في الفرقة، وهذا هو الذي تشير إليه الآيات والأحاديث، لمطابقتها لمعنى الحديث. فالافتراق المذكور إنما يكون بسبب بدعة لا بسبب أمر دنيوي، وإن أمكن ذلك.<ref name="الشاطبي1">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي|العنوان=الاعتصام للإمام الشاطبي، الباب الثاني في ذم البدع وسوء منقلب أصحابها، فصل الأدلة من النقل على ذم البدع، ما جاء في القرآن في ذم البدع وأهلها، حديث تفرق الأمة، المسألة الثانية، ج2|الصفحات=702 وما بعدها|الناشر=دار ابن عفان|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
 
والتفرق عن الجماعة معارض للشرع الإسلامي وتعاليمه التي تدعو إلى التراحم والتآخي، وفي الحديث: عن شقيق قال: "قال [[ابن مسعود|عبد الله]]: قال النبي {{صلى الله عليه وسلم}}: {{حديث|سباب المسلم فسوق وقتاله كفر}}".<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|الناشر=دارالريان للتراث|السنة= 1407 هـ/ 1986م|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي {{صلى الله عليه وسلم}} لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، حديث رقم: (6665)|الصفحة=29 وما بعدها}}</ref>
و"عن [[ابن عمر]] أنه سمع النبي {{صلى الله عليه وسلم}} يقول: {{حديث|لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض}}".<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|الناشر=دارالريان للتراث|السنة= 1407 هـ/ 1986م|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي {{صلى الله عليه وسلم}} لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، حديث رقم: (6666)|الصفحة=30 وما بعدها}}</ref>
فكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، وفي الحديث: «عن أبي بكرة أن رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} خطب الناس فقال: ألا تدرون أي يوم هذا قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: أليس بيوم النحر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: أي بلد هذا أليست بالبلدة الحرام؟ قلنا: بلى يا رسول الله قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت قلنا نعم قال اللهم اشهد فليبلغ الشاهد الغائب فإنه رب مبلغ يبلغه لمن هو أوعى له فكان كذلك قال: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. فلما كان يوم حرق ابن الحضرمي حين حرقه جارية بن قدامة قال أشرفوا على أبي بكرة فقالوا: هذا أبو بكرة يراك قال عبد الرحمن فحدثتني أمي عن أبي بكرة أنه قال لو دخلوا علي ما بهشت بقصبة».<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|الناشر=دارالريان للتراث|السنة= 1407 هـ/ 1986م|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي {{صلى الله عليه وسلم}} لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، حديث رقم: (6667)|الصفحة=30 وما بعدها}}</ref> و«عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} قال من حمل علينا السلاح فليس منا».<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|الناشر=دارالريان للتراث|السنة= 1407 هـ/ 1986م|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي {{صلى الله عليه وسلم}} من حمل علينا السلاح فليس منا، حديث رقم: (6659)|الصفحة=27 وما بعدها}}</ref>
 
=== لزوم جماعة المسلمين ===
لزوم جماعة المسلمين جماعة المسلمين مطلوب في سائر الأحوال، إلا أنه اختص على وجه التأكيد في حال الافتراق، ولزوم الجماعة يكون فيه معنى الاتباع والاقتداء بالأئمة في الدين والسمع والطاعة لولاة الأمر في غير معصية الله،الأمر، وقد جاء في الحديث الأمر بلزوم جماعة المسلمين فيما اجتمعوا عليه من الحق عموما، ورجح [[ابن جرير الطبري]] أن المراد: لزوم جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، قال: {{مض|فأمر عليه الصلاة والسلام بلزومه ونهى عن فراق الأمة فيما اجتمعوا عليه من تقديمه عليهم،عليهم}}، قال [[ابن حجر العسقلاني]]: قال الطبري: اختلف في هذا الأمر وفي الجماعة، فقال قوم: هو للوجوب والجماعة السواد الأعظم، ثم ساق عن محمد بن سيرين عن أبي مسعود أنه وصى من سأله لما قتل عثمان: {{اقتباس مضمنمض|عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة}}. وقال قوم: المراد بالجماعة الصحابة دون من بعدهم، وقال قوم: المراد بهم أهل العلم لأن الله جعلهم حجة على الخلق والناس تبع لهم في أمر الدين. قال الطبري: والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة، قال: وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابا فلا يتبع أحدا في الفرقة ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر، وعلى ذلك يتنزل ما جاء في سائر الأحاديث، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف منها، ويؤيده رواية عبد الرحمن بن قرط المتقدم ذكرها.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، حديث رقم: (6673)|الصفحات=39 وما بعدها|الناشر=دارالريان للتراث|السنة=1407 هـ/ 1986م}}</ref>
 
وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابا فلا يتبع أحدا في الفرقة ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر، وهو ما يدل عليه: «عن [[حذيفة بن اليمان]] يقول كان الناس يسألون رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم وفيه دخن»، قلت وما دخنه؟ قال: «قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر» قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر قال: «نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها» قلت يا رسول الله صفهم لنا قال: «هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا» قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك قال «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك»».<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، حديث رقم: (6673)|الصفحة=39|الناشر=دارالريان للتراث|السنة=1407 هـ/ 1986م}}</ref>
والخير سبيل هدى الإسلام وهو الطريقة التي كان عليها أئمة الصحابة والخلفاء الراشدون ومن تبعهم بإحسان في الهدى والعلم والعمل والاعتقاد، والمخالفون لهذه الطريقة هم الذين وصفهم بأنهم يهدون بغير هدي النبوة، وجاء عن أهل السنة والجماعة تفسير الدعاة على أبواب جهنم بأنهم الذين خرجوا في طلب الملك كالخوارج وغيرهم فإنهم ضلوا عن سبيل الهدى، فأوصاه بأن لا يتبع تلك الفرق المنشقة عن جماعة المسلمين، وأن يلزم الجماعة وإمامهم وهو الخليفة، فلزوم الجماعة راجع إلى الاجتماع على خليفة، فإن كان اجتماعهم موافقا لما اجتمع عليه أئمة الصحابة والخلفاء الراشدون فلزوم الجماعة معناه اتباعهم والاقتداء بهم والسمع والطاعة لأميرهم، وإن كان الخليفة عاصيا أو فاسقا أو من أصحاب الفرق المخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة كما هو الحال في تغلب المعتزلة في زمن المأمون وأخويه من بعده فلا يتبعهم فيما استحدثوه من الأهواء، ورغم ذلك فإن أهل السنة حينها لم يخرجوا على الخليفة، والمراد بالدعاة على أبواب جهنم من قام في طلب الملك من الخوارج وغيرهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله: {{حديث|الزم جماعة المسلمين وإمامهم}}، يعني ولو جار، ويوضح ذلك رواية أبي الأسود: {{حديث|ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك}}. ومعنى: {{حديث|تلزم جماعة المسلمين وإمامهم}} أي: ولي الأمر، زاد في رواية أبي الأسود: {{حديث|تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك}}، وكذا في رواية خالد بن سبيع عند الطبراني: {{حديث|فإن رأيت خليفة فالزمه وإن ضرب ظهرك، فإن لم يكن خليفة فالهرب}}. وقوله: {{حديث|ولو أن تعض بأصل شجرة..}} هو كناية عن لزوم جماعة المسلمين وطاعة سلاطينهم ولو عصوا، وفي رواية عبد الرحمن بن قرط عن حذيفة عند ابن ماجه: {{حديث|فلأن تموت وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم}} أي: لا تتبع أحدا من أهل الأهواء الخارجين عن جماعة المسلمين وإمامهم. والجذل بكسر الجيم وسكون المعجمة بعدها لام عود ينصب لتحتك به الإبل. قال البيضاوي: المعنى إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة الزمان، وعض أصل الشجرة كناية عن مكابدة المشقة كقولهم فلان يعض الحجارة من شدة الألم، أو المراد اللزوم كقوله في الحديث الآخر: {{حديث|عضوا عليها بالنواجذ}}. ويؤيد الأول قوله في الحديث الآخر: {{حديث|فإن مت وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم}}. وقال ابن بطال: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور، لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم: {{حديث|دعاة على أبواب جهنم}} ولم يقل فيهم: تعرف وتنكر كما قال في الأولين، وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق، وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة.
 
تدل النصوص الشرعية على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر؛ لأن فيه اجتماع الكلمة وفي الحديث: «عن ابن عباس عن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} قال: "من كره من أميره شيئا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية"». وفي رواية: «فليصبر عليه». وقوله: فإنه من خرج من السلطان أي: من طاعة السلطان وفي الرواية الثانية «من فارق الجماعة»، وقوله «شبرا»: كناية عن معصية السلطان ومحاربته. قال ابن أبي جمرة: المراد بالمفارقة السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكني عنها بمقدار الشبر لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق. وفي الرواية الأخرى: «فمات إلا مات ميتة جاهلية» وفي رواية لمسلم: «فميتته ميتة جاهلية»، وعنده في حديث ابن عمر رفعه: «من خلع يدا من طاعة لقي الله ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» أي: حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع؛ لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافرا بل يموت عاصيا، والمقصود الزجر والتنفير وظاهره غير مراد، قال ابن بطال: في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء.<ref name="فتح.">{{مرجع كتاب|المؤلف=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، حديث رقم: (6645)|الصفحة=9|الناشر=دارالريان للتراث|السنة=1407 هـ/ 1986م}}</ref>
 
والأدلة على لزوم الجماعة كثيرة ومنها: ما أخرج [[الترمذي]]: «عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يحدث عن أبيه عن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} قال: نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة أئمة المسلمين ولزوم جماعتهم فإن الدعوة تحيط من ورائهم».<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1=محمد بن عيسى بن سورة الترمذي|وصلة المؤلف=الترمذي|العنوان=سنن الترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، الجزء الخامس حديث رقم: (2658)|الناشر=دار الكتب العلمية|الصفحة=34}}</ref> ورواة [[الشافعي]] و[[البيهقي]] في المدخل.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1=علي بن سلطان محمد القاري|وصلة المؤلف1=ملا علي القاري|العنوان=مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح كتاب العلم حديث رقم: (208)|الناشر=دار الفكر|السنة= 1422 هـ/ 2002م|الصفحة=306 و307}}</ref>
 
وعن ابن أبي مليكة قال: قالت أسماء: "عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {{حديث|أنا على حوضي أنتظر من يرد علي فيؤخذ بناس من دوني فأقول أمتي فيقال لا تدري مشوا على القهقرى}}" قال ابن أبي مليكة اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن.
 
اتفق جمهور أهل السنة والجماعة على وجوب طاعة ولاة الأمر لما فيه من اجتماع كلمة المسلمين، فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم؛ لقوله تعالى: {{قرآن|أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}} وقال النووي: {{اقتباس مضمنمض|قال العلماء: المراد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل: هم العلماء وقيل: الأمراء والعلماء، وأما من قال: الصحابة خاصة فقط فقد أخطأ}}.<ref name="النواوي">{{مرجع كتاب|المؤلف=يحيي بن شرف أبو زكريا النووي|العنوان=شرح النووي على صحيح مسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، حديث رقم: (1834)|الصفحة=536|الناشر=دار الخير|السنة=1416 هـ/ 1996م}}</ref>
 
روى مسلم في صحيحه: "عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {{حديث|من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني}}.
قال النووي: {{اقتباس مضمنمض|لأن الله تعالى أمر بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر هو صلى الله عليه وسلم بطاعة الأمير، فتلازمت الطاعة}}.<ref>شرح النووي على صحيح مسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، حديث رقم: (1835)، ص536، و537.</ref>
 
وفي رواية لمسلم: "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {{حديث|عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك}}".<ref group="°">صحيح مسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، حديث رقم: (1836)</ref>
 
قال النووي: {{اقتباس مضمنمض|ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحق حيث ما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين}}.<ref>شرح النووي على صحيح مسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، حديث رقم: (1840)، ص539 و540.</ref>
قال: وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحكي عن المعتزلة أيضا فغلط من قائله مخالف للإجماع.
 
وقال أيضا: {{اقتباس مضمنمض|قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه}}.
 
{{اقتباس مضمنمض|وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه؛ للأحاديث الواردة في ذلك}}.<ref name="النواوي.">{{مرجع كتاب|المؤلف=يحيي بن شرف أبو زكريا النووي|العنوان=شرح النووي على صحيح مسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، حديث رقم: (1840)|الصفحة=539 و540|الناشر=دار الخير|السنة=1416 هـ/ 1996م}}</ref>
 
=== مسألة الإمامة ===