أهل السنة والجماعة: الفرق بين النسختين

تم إضافة 3٬575 بايت ، ‏ قبل سنتين
←‏الاجتماع في الدين: تعديل الصياغة
(←‏الاجتماع في الدين: تعديل الصياغة)
ثبت في الحديث الصحيح إخبار الصحابة بأن من يعش منهم فسيدرك زمنا يكون فيه الاختلاف الكثير وأمورا ينكرونها، فأوصاهم بأن من أدرك شيئا من ذلك فعليه بالهدي الأول أي طريقته التي كان عليها هو وأصحابه وطريقة الخلفاء الراشدين من بعده، وهذا هو الاجتماع على الحق والهدى في أمور الدين الذي كان عليه أئمة الصحابة ومن تبعهم بإحسان، وهي مبنية على الاتفاق في أصول الدين، وأما الاختلاف في فروع الأحكام فقد حصل في زمن الصحابة ومن بعدهم من الأئمة المجتهدين في حوادث الأمور التي ليس في الشرع نص يدل عليها بخصوصها، وفق شروط ذكرها العلماء في [[علم أصول الفقه]]، وقد كان هذا الاجتهاد المخصوص بالأئمة المجتهدين في غالب الأحيان ينتهي بالإجماع، وإجماع الأئمة المجتهدين من الصحابة فمن بعدهم حجة على أهل ذلك العصر فمن بعدهم، وقد انتقلت مذاهب [[فقهاء الصحابة]] إلى [[فقهاء التابعين]] فمن بعدهم من أئمة المذاهب الفقهية، واشتهر منها عند أهل السنة والجماعة مذاهب فقهاء أهل الرأي وفقهاء أهل الحديث، فأخذوا مذاهب الصحابة فمن تبعهم من الأئمة واجتهدوا في المسائل التي بقيت محل اختلاف فانتهوا في كثير منها إلى الإجماع، وهذه المذاهب نقلها أئمتهم واجتهد أصحاب كل مذهب في المسائل التي لم يرد فيها نص عن إمام مذهبه ووقع الاختلاف في فروع من كل مذهب، ثم جاء أهل الترجيح من أصحاب كل مذهب فرجحوا قولا واحدا من الأقوال التي وقع فيها الخلاف، والمذاهب الفقهية المعتبرة عند أهل السنة والجماعة التي استقر عليها العمل عندهم في عصر المتأخرين هي [[المذاهب الأربعة]]، ويكون العمل بمذهب واحد منها في التعليم والإفتاء والقضاء عند علماء كل مذهب بما ترجح في مذهبه، وقد ذكر ابن خلدون أنه وقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة، وسد الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد، ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه، فصرحوا بالعجز والإعواز. وعمل كل مقلد بمذهب من قلده منهم بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية، لا مجرد النقل من الكتب. وقال ابن خلدون: {{اقتباس مضمن|ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه مهجور تقليده. وقد صار أهل الاسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة}}.<ref>تاريخ ابن خلدون، ج1 ص448.</ref>
 
===الجماعة في مقابل الفُرقة (تم)===
===الاجتماع في الدين===
تستعمل كلمة: الجماعة بمعناها في الشرع الإسلامي في مقابل الفُرقة والاجتماع في مقابل الافتراق، فالجماعة المأمور بها في مقابل الفُرقة المنهي عنها في الشرع الإسلامي، والفُرقة بمعناها الشرعي هي التي تكون مضادة للجماعة، والافتراق عن الجماعة يكون بمعنى مفارقتها ومخالفتها ومعارضتها فيما اجتمعت عليه وهو الشذوذ عن الجماعة والانشقاق عنها بما يؤدي إلى تعدد الجماعة الواحدة إلى فِرق متعددة، وفي تقسيم ذكره [[أبو سليمان الخطابي]] في كتاب: «العزلة» بقوله: {{مض| الفُرقة فرقتان فُرقة الآراء والأديان وفُرقة الأشخاص والأبدان، والجماعة جماعتان: جماعة هي الأئمة والأمراء وجماعة هي العامة والدهماء}}، ومعنى هذا التفصيل أن الجماعة التي نهى الشرع عن مفارقتها هي جماعة الأئمة والأمراء، أي: الأئمة في الدين وولاة الأمور، والفرقة المنهي عنها تكون بمعنى مفارقة جماعة الأئمة والأمراء، وتكون كذلك بمعنى الافتراق في الآراء والأديان، أما جماعة عامة الناس فليست هي المقصودة من هذا النهي عن مفارقة الجماعة، كما أن فُرقة الأبدان والأشخاص ليست هي المقصودة من الفُرقة المنهي، وإنما المقصود فرقة الآراء والأديان.<ref name="الخطابي"/> حيث قال: {{مض|فأما الافتراق في الآراء والأديان فإنه محظور في العقول محرم في قضايا الأصول لأنه داعية الضلال وسبب التعطيل والإهمال، ولو ترك الناس متفرقين لتفرقت الآراء والنحل ولكثرت الأديان والملل ولم تكن فائدة في بعثة الرسل وهذا هو الذي عابه الله عز وجل من التفريق في كتابه وذمه في الآي التي تقدم ذكرها}}.
يؤمن المسلمون بأن الله أمرهم أن يجتمعوا في الدين ولا يتفرقوا فيه كما تفرق الذين من قبلهم، فالتفرق في أصول الملة يجعل المسلمين أحزابا وشيعا متفرقة وجماعات متعددة، ويجعل من الملة الواحدة مللا متباينة، وهذا التفرق الذي نهى الله عنه، فلا يجوز اختلاف الآراء في أصول الدين والخوض في المتشابهات بغير علم، حسب الآية: {{قرآن|فأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}}،<ref>[http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=49&ID=237 تفسير ابن كثير، تفسير سورة آل عمران، تفسير قوله تعالى "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات"، جـ2، صـ 7، دار طيبة 2002م]</ref> والحق في أصل الدين واحد لا يقبل التعدد، وقد جاء عن أئمة أهل السنة من السلف الأوائل أن السنة هي علم الدين والشريعة بعمومه المأخوذ عن أئمة الصحابة ومن تبعهم بإحسان، وهو تفسير للسنة بمعناها المتكامل بمعنى: الطريقة المسلوكة في الدين والسيرة والمنهج والسلوك، وهي الطريقة المتبوعة التي كان عليها أئمة الصحابة والخلفاء الراشدون في الهدى والعلم والعمل والاعتقاد، والاجتماع على هذه السنة بهذا المعنى هو تفسير لمعنى الجماعة، وكانوا يجعلون هذه السنة في مقابل البدعة الشاملة لجميع الأهواء المضلة من بدع الخوارج والفرق الأخرى، ويجعلون هذه الجماعة في مقابل تلك الفرق الأخرى التي ظهرت في تلك الفترات السابقة، ويستندون في ذلك إلى نصوص مثل حديث يذكر تفرق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة (المشهور بحديث [[الفرقة الناجية]]) ووصف تلك الفرق كلها بأنها على غير هدى إلا فرقة واحدة، وتعيين هذه الفرقة عندهم راجع إلى أصل الهدي الأول والجماعة الأولى جماعة أئمة الصحابة والخلفاء الراشدون فإنهم كانوا مجتمعين على الهدى والرشاد، وأن جميع الفرق التي ظهرت في تلك العصور القديمة من تاريخ الإسلام هم الذين انشقوا عن هذه الجماعة بسبب استحداث معتقدات مضادة لجماعة المسلمين، وكان انشقاق الخوارج يمثل صورة أولية للخروج عن الجماعة بسبب المخالفة في أصول الدين، وبعد تمايز تلك الفرق كتب العلماء عنها في كتب الفرق وبينوا مقولاتها ومخالفاتها، فكتب [[عبد القاهر البغدادي]] (توفي عام 1037م) المحسوب على فقهاء [[المذهب الشافعي]] كتاب "[[الفرق بين الفرق (كتاب)|الفَرق بين الفِرق]]" ذهب فيه إلى تحديد تلك الفرق وختم الكتاب باستنتاجه أن الفرقة الثالثة والسبعون هي "'''أهل السنة والجماعة'''"، وهي مبنية على الاتفاق في أصول الدين، وأما تحديد الفرقة الناجية من بين هذه الفرق عند أئمة أهل السنة والجماعة المتقدمين فهو راجع إلى التحديد بالوصف لا بالاسم، وتعيين هذه الفرقة عندهم راجع إلى أصل الهدي الأول، فالجماعة الأولى هي الأصل قبل ظهور الفرق في تلك العصور، وأئمة أهل السنة والجماعة بعد ظهور الفرق وتمايزها من فقهاء أهل الرأي وفقهاء أهل الحديث حملوا سمة الجماعة تبعا لأئمتهم السابقين بناء على أن اتباع الهدى راجع إلى الوصف لا إلى هذه التسمية، بمعنى: أن الطريقة المسلوكة التي اجتمع عليها أئمة الصحابة والخلفاء الراشدون قد انتقلت إلى أئمة التابعين ومن بعدهم من الأئمة، فكانت هذه الطريقة بمفهومها المتكامل مثالا متبوعا ينتقل من طبقة إلى أخرى بالأخذ والإسناد المتصل جيلا بعد جيل، وهذا الاتباع على هذا النحو هو المقصود من تعيين الفرقة الناجية بالوصف وهو اتباع هذه الطريقة التي كان عليها أئمتهم الأوائل وعدم مخالفتهم فيما اجتمعوا عليه، ويدل على هذا التعيين بالوصف الذي جاء في الحديث: قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: {{حديث|ما أنا عليه وأصحابي}}، وفي سنن أبي داود: {{حديث|وهي الجماعة}} وفي بعض الروايات: {{حديث|وأنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله}}.<ref name="مولد تلقائيا1">{{مرجع كتاب|المؤلف=الشاطبي|العنوان=الاعتصام فصل حديث تفرق الأمة، ج1|الصفحة=430}}</ref> وفي الحديث: الإِخبار بما سيكون من الافتراق بسبب اتباع الأهواء المضلة حتى تصير معتقدا مضادا للجماعة، وفتنة في الدين تُفرق جماعة المسلمين، ويُرى متبعها كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أُشرب في هواه. قال الشاطبي: {{اقتباس مضمن|وجواب النبي صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية فيه انصراف القصد إلى تعيين الوصف الضابط للجميع وهو ما كان عليه هو وأصحابه}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=الشاطبي|العنوان=الاعتصام ج2|الصفحة=698|المسار=http://library.islamweb.net/Newlibrary/display_book.php?idfrom=114&idto=139&bk_no=109&ID=13}}</ref>
 
وقال: {{مض|وعلى هذه الوتيرة نجري الأمر أيضا في الافتراق على الأئمة والأمراء فإن في مفارقتهم مفارقة الألفة وزوال العصمة والخروج من كنف الطاعة وظل الأمنة وهو الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه وأراده بقوله: «من فارق الجماعة فمات فميتته جاهلية»، وذلك أن أهل الجاهلية لم يكن لهم إمام يجمعهم على دين ويتألفهم على رأي واحد بل كانوا طوائف شتى وفرقا مختلفين آراؤهم متناقضة وأديانهم متباينة وذلك الذي دعا كثيرا منهم إلى عبادة الأصنام وطاعة الأزلام رأيا فاسدا اعتقدوه في أن عندها خيرا وأنها تملك لهم نفعا أو تدفع عنهم ضرا}}.<ref name="الخطابي"/>
وجاء في نصوص الشريعة وصف تلك الفرق بصفات تعرف بها منها التفرق بسبب الاعتقاد المخالف لأصول الدين، وجاء تعيين الفرق كالخوارج ومن سلك سبيلهم ممن ظهر فيهم الوصف المذكور في الحديث من أنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، وأنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، ذكره الشاطبي ثم قال في وصفهم: فإنهم أخذوا أنفسهم بقراءة القرآن وإقرائه حتى ابتدعوا فيه ثم لم يتفقهوا فيه ولا عرفوا مقاصده ولذلك طرحوا كتب العلماء وسموها كتب الرأي وخرقوها ومزقوا أدمها مع أن الفقهاء هم الذين بينوا في كتبهم معاني الكتاب والسنة على الوجه الذي ينبغي.<ref name="مولد تلقائيا1" />
ودلتوقد النصوص الشرعية على ذم البدعةجاء في الدين،[[القرآن والتيالكريم|القرآن]] ينشأالنهي عنهاعن الافتراق والخروجإلى عنشيع جماعةوأحزاب المسلمينمتفرقة حتىوجماعات يكونونمتعددة بسببهافي شيعاقول متفرقةالله لاتعالى: ينتظم{{قرآن|إِنَّ شملهمالَّذِينَ بالإسلامفَرَّقُوا وإندِينَهُمْ كانواوَكَانُوا منشِيَعًا أهلهلَسْتَ وحكممِنْهُمْ لهمفِي بحكمه،شَيْءٍ لقولهإِنَّمَا تعالى:أَمْرُهُمْ {{قرآن|إنإِلَى الذيناللَّهِ فرقواثُمَّ دينهميُنَبِّئُهُمْ وكانوابِمَا شيعاكَانُوا لستيَفْعَلُونَ}}،<ref منهمgroup="°">[[سورة فيالأنعام]] شيء}}آية: 159.</ref> وقوله تعالى: {{قرآن|ولا تكونوا من المشركين منمِنَ الذينالَّذِينَ فرقوافَرَّقُوا دينهمدِينَهُمْ وكانواوَكَانُوا شيعاشِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}}،<ref الآية،group="°">[[سورة الروم]] آية: 32.</ref> وقوله تعالى: {{قرآن|وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}}.<ref group="°">[[سورة الأنعام]] آية: 153.</ref> إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وصف التفرق.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي|العنوان=كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي، ج2، الباب التاسع في السبب الذي لأجله افترقت فرق المبتدعة عن جماعة المسلمين|الصفحات=669 وما بعدها|الناشر=دار ابن عفان|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
 
وسبيل دين الله واحد لا يتعدد ويتميز عن سائر السبل بالاستقامة والاعتدال والوسطية، قال تعالى: {{قرآن|وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}}.<ref group="°">[[سورة الأنعام]] آية: 153.</ref> قال [[الملا علي القاري]]: {{اقتباس مضمن|سبيل الله وسط، ليس فيه تفريط ولا إفراط، بل فيه التوحيد والاستقامة ومراعاة الجانبين في الجادة، وسبل أهل البدع مائلة إلى الجوانب، وفيها تقصير وغلوٌّ وميل وانحراف وتعدد واختلاف}}.<ref name="الفتوى"/><ref>مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري (2/ 50).</ref>
 
وتوصف هذه الفرقة بأنها خروج عن الجماعة ومفارقتها، وترجع هذه الفرقة إلى أمرين أحدهما: الافتراق عن جماعة أهل الإسلام إذا اجتمعوا على أمير وخالفهم غيرهم في أميرهم الذي اجتمعوا عليه، ثانيهما: الافتراق عن الجماعة بسبب أمر ديني، وهو الافتراق عن جماعة أهل العلم المعتبر اجتماعهم فيما اجتمعوا عليه، وأهل العلم عند أهل السنة والجماعة هم الأئمة المجتهدون من الصحابة والتابعين ومن تبعهم ويدخل في جماعتهم علماء الشريعة السائرون على طريقتهم، وجماعة الصحابة والخلفاء الراشدون كانوا مجتمعين على الهدى، وطريقتهم التي كانوا عليها في الهدى والعلم والعمل والاعتقاد هي الطريقة المسلوكة والمثال المتبع في الدين عند أئمة أهل السنة والجماعة، وهي الطريقة التي اجتمع عليها الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان، وهذه الطريقة المتبوعة في الدين هي السُنَّة، والاجتماع على هذه الطريقة هو الاجتماع على السُنَّة، فالسنة بهذا المعنى هي الطريق الموصل إلى الملة، والاتفاق على هذه السُنَّة هو الجماعة، واجتماع هذه الجماعة على هذه الطريقة هو تحديد للصفات التي تميزها عن مخالفيها.
ثبت في الحديث الصحيح: عن أبي هريرة {{رضي الله عنه}} أن رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} قال: {{حديث|تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة}}.<ref>خرجه الترمذي هكذا.</ref> وفي بعض الروايات لأبي داود: وأنه {{حديث|سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله}}.
 
جاء في كلام الشاطبي حول هذا الحديث أن حقيقة هذا الافتراق المعارض للجماعة هو الافتراق في الدين بسبب البدع المضلة واختلاف الأهواء، أما الاختلاف المعتبر في مسائل الفروع الاجتهادية؛ فهو غير داخل في هذا الافتراق الذي دل عليه الحديث بالإجماع، وأنه إنما يراد افتراق مقيد وهو تفريق الدين الذي يصير به في الأمة شيعا متفرقة كما جاء وصفه في القرآن، أي: جماعات بعضهم قد فارق البعض، ليسوا على تآلف ولا تعاضد ولا تناصر، بل على ضد ذلك، فإن الإسلام واحد وأمره واحد، فاقتضى أن يكون حكمه على الائتلاف التام لا على الاختلاف، وهذه الفرقة مشعرة بتفرق القلوب المشعر بالعداوة والبغضاء، ولذلك قال: {{قرآن|واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}}، فبين أن التأليف إنما يحصل عند الائتلاف على التعلق بمعنى واحد، وأما إذا تعلقت كل شيعة بحبل غير ما تعلقت به الأخرى فلا بد من التفرق، وهو معنى قوله تعالى: {{قرآن|وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}}.<ref group="°">[[سورة الأنعام]] آية: 153.</ref><ref name="الشاطبي">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي|العنوان=الاعتصام للإمام الشاطبي، الباب الثاني في ذم البدع وسوء منقلب أصحابها، فصل الأدلة من النقل على ذم البدع، ما جاء في القرآن في ذم البدع وأهلها، حديث تفرق الأمة، المسألة الأولى، ج2|الصفحات=697 وما بعدها|الناشر=دار ابن عفان|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
 
روى [[الترمذي]] في سننه حديث العرباض بن سارية وفيه: «..فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله قال: {{حديث|أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم؛ ير اختلافا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة [[الخلفاء الراشدين]] المهديين عضوا عليها بالنواجذ}}».<ref name="الترمذي1"/> ورواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح، وخرجه الإمام أحمد، وأخرجه الحاكم: {{حديث|عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي..}}.<ref name="المستدرك"/>
وجاء في كلامه أيضا: هذه الفرق افترقت بسبب موقع في العدواة والبغضاء، ولا يرجع التفرق إلى أمر هو معصية غير بدعة، بل يرجع إلى أمر هو بدعة، كما افترق الخوارج من الأمة ببدعهم التي بنوا عليها في الفرقة، وهذا هو الذي تشير إليه الآيات والأحاديث، لمطابقتها لمعنى الحديث. فالافتراق المذكور إنما يكون بسبب بدعة لا بسبب أمر دنيوي، وإن أمكن ذلك.<ref name="الشاطبي1">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي|العنوان=الاعتصام للإمام الشاطبي، الباب الثاني في ذم البدع وسوء منقلب أصحابها، فصل الأدلة من النقل على ذم البدع ، ما جاء في القرآن في ذم البدع وأهلها، حديث تفرق الأمة، المسألة الثانية، ج2|الصفحات=702 وما بعدها|الناشر=دار ابن عفان|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
وابن ماجه وزاد في حديثه: {{مض|فقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك}}.
 
وهذا الحديث من دلائل صدق النبوة بما تضمن من إخبار الصحابة بما سيكون وأن من يعش منهم فسيرى اختلافا كثيرا، وأوصى من أدرك ذلك منهم بالسمع والطاعة لولاة الأمور وعدم الخروج عليهم، ثم أوصاهم بلزوم سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده وهي الطريقة المسلوكة في الدين التي كان عليها هو وأصحابه وخلفاؤه الراشدون من بعده في الهدى والعلم والعمل والاعتقاد، ونهى عن المحدثات في الدين التي لا أصل لها في الشريعة ووصفها بالضلالة، وقد فسرها أئمة أهل السنة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان بأنها [[أهل السنة والجماعة#في مقابل البدعة|الأهواء المضلة]] التي استحدثتها الفرق التي ظهرت في العصور الإسلامية السابقة التي تفرقت بسببها عن جماعة المسلمين، وقد أشار إليها [[الحسن البصري]] بقوله: {{مض|اتقوا هذه الأهواء فإن جماعها الضلالة وميعادها النار}}.<ref name="الملل٢">
ودلت النصوص الشرعية على ذم البدعة في الدين، والتي ينشأ عنها الافتراق والخروج عن جماعة المسلمين حتى يكونون بسببها شيعا متفرقة لا ينتظم شملهم بالإسلام وإن كانوا من أهله وحكم لهم بحكمه، لقوله تعالى: {{قرآن|إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء}} وقوله تعالى: {{قرآن|ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا}} الآية، وقوله: {{قرآن|وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}}.<ref group="°">[[سورة الأنعام]] آية: 153.</ref> إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وصف التفرق.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي|العنوان=كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي، ج2، الباب التاسع في السبب الذي لأجله افترقت فرق المبتدعة عن جماعة المسلمين|الصفحات=669 وما بعدها|الناشر=دار ابن عفان|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
 
وبعد تمايز تلك الفرق كتب العلماء عنها في كتب الفرق وبينوا مقولاتها ومخالفاتها، فكتب [[عبد القاهر البغدادي]] (توفي عام 1037م) المحسوب على فقهاء [[المذهب الشافعي]] كتاب "[[الفرق بين الفرق (كتاب)|الفَرق بين الفِرق]]" ذهب فيه إلى تحديد تلك الفرق التي ظهرت في تلك العصور المتقدمة، وختم الكتاب باستنتاجه أن الفرقة الثالثة والسبعون هي "'''أهل السنة والجماعة'''"، وهي مبنية على الاتفاق في أصول الدين، وهي مكونة من فريقي الرأي والحديث، واستند إلى الأحاديث التي ورد فيها ذكر افتراق الأمة ومفادها أن جميع هذه الفِرق واقعة في الضلال إلا فرقة واحدة، وتحديد هذه الفِرق عند أئمة أهل السنة والجماعة يرجع إلى الوصف الذي يحصل به معرفتها، فتعيين هذه الفِرقة من بين تلك الفِرق إنما يكون بالوصف، ويدل على تعيين هذه الفرقة بالوصف ما جاء مذكورا في الحديث بقوله: قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: {{حديث|ما أنا عليه وأصحابي}}، وفي سنن أبي داود: {{حديث|وهي الجماعة}} وفي بعض الروايات: {{حديث|وأنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله}}.<ref name="الشاطبي°">{{مرجع كتاب|المؤلف=الشاطبي|العنوان=الاعتصام فصل حديث تفرق الأمة، ج1|الصفحة=430}}</ref> وذلك أنهم لما سألوه عن هذه الفِرقة التي يكون غيرها على غير هدى فبين لهم وصفا جامعا لها وهو ما كان عليه هو وأصحابه بمعنى الطريقة المسلوكة في الدين التي كان عليها هو وصحابته في الهدى والعلم والعمل والاعتقاد، قال الشاطبي: {{مض|وجواب النبي صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية فيه انصراف القصد إلى تعيين الوصف الضابط للجميع وهو ما كان عليه هو وأصحابه}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=الشاطبي|العنوان=الاعتصام ج2|الصفحة=698|المسار=http://library.islamweb.net/Newlibrary/display_book.php?idfrom=114&idto=139&bk_no=109&ID=13}}</ref>
واتباع هذه الطريقة هو المعيار الأساسي لتعيين هذه الفرقة عندهم في مقابل الفِرق الأخرى التي خالفت هذه الطريقة بما استحدثت في الدين من أمورا جديدة لا أصل لها في الشريعة فوقعوا في الضلال وتفرقوا بسببها، ومن الصفات التي تعرف بها اتباع الأهواء ويدل عليه حديث: {{حديث|وأنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله}}.<ref name="الشاطبي°"/>
 
 
وجاء في نصوص الشريعة وصف تلك الفرق بصفات تعرف بها منها التفرق بسبب الاعتقاد المخالف لأصول الدين، وجاء تعيين الفرق كالخوارج ومن سلك سبيلهم ممن ظهر فيهم الوصف المذكور في الحديث من أنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، وأنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، ذكره الشاطبي ثم قال في وصفهم: فإنهم أخذوا أنفسهم بقراءة القرآن وإقرائه حتى ابتدعوا فيه ثم لم يتفقهوا فيه ولا عرفوا مقاصده ولذلك طرحوا كتب العلماء وسموها كتب الرأي وخرقوها ومزقوا أدمها مع أن الفقهاء هم الذين بينوا في كتبهم معاني الكتاب والسنة على الوجه الذي ينبغي.<ref name="مولد تلقائيا1الشاطبي°" />
 
وسبيل دين الله واحد لا يتعدد ويتميز عن سائر السبل بالاستقامة والاعتدال والوسطية، قال تعالى: {{قرآن|وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}}.<ref group="°">[[سورة الأنعام]] آية: 153.</ref> قال [[الملا علي القاري]]: {{اقتباس مضمنمض|سبيل الله وسط، ليس فيه تفريط ولا إفراط، بل فيه التوحيد والاستقامة ومراعاة الجانبين في الجادة، وسبل أهل البدع مائلة إلى الجوانب، وفيها تقصير وغلوٌّ وميل وانحراف وتعدد واختلاف}}.<ref name="الفتوى"/><ref>مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري (2/ 50).</ref>
 
جاء في كلام الشاطبي حول هذا الحديث أن حقيقة هذا الافتراق المعارضالمذكور للجماعةفي الحديث هو الافتراق في الدين بسبب البدع المضلة واختلاف الأهواء، أما الاختلاف المعتبر في مسائل الفروع الاجتهادية؛ فهو غير داخل في هذا الافتراق الذي دل عليه الحديث بالإجماع، وأنه إنما يراد افتراق مقيد وهو تفريق الدينالتفريق الذي يصير به في الأمة شيعا متفرقة كما جاء وصفه في القرآن، أي: جماعات بعضهم قد فارق البعض، ليسوا على تآلف ولا تعاضد ولا تناصر، بل على ضد ذلك، فإن الإسلام واحد وأمره واحد، فاقتضى أن يكون حكمه على الائتلاف التام لا على الاختلاف، وهذه الفرقة مشعرة بتفرق القلوب المشعر بالعداوة والبغضاء، ولذلك قال: {{قرآن|واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}}، فبين أن التأليف إنما يحصل عند الائتلاف على التعلق بمعنى واحد، وأما إذا تعلقت كل شيعة بحبل غير ما تعلقت به الأخرى فلا بد من التفرق، وهو معنى قوله تعالى: {{قرآن|وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}}.<ref group="°">[[سورة الأنعام]] آية: 153.</ref> <ref name="الشاطبي">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي|العنوان=الاعتصام للإمام الشاطبي، الباب الثاني في ذم البدع وسوء منقلب أصحابها، فصل الأدلة من النقل على ذم البدع، ما جاء في القرآن في ذم البدع وأهلها، حديث تفرق الأمة، المسألة الأولى، ج2|الصفحات=697 وما بعدها|الناشر=دار ابن عفان|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
 
وجاء في كلامه أيضا: هذه الفرق افترقت بسبب موقع في العدواة والبغضاء، ولا يرجع التفرق إلى أمر هو معصية غير بدعة، بل يرجع إلى أمر هو بدعة، كما افترق الخوارج من الأمة ببدعهم التي بنوا عليها في الفرقة، وهذا هو الذي تشير إليه الآيات والأحاديث، لمطابقتها لمعنى الحديث. فالافتراق المذكور إنما يكون بسبب بدعة لا بسبب أمر دنيوي، وإن أمكن ذلك.<ref name="الشاطبي1">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي|العنوان=الاعتصام للإمام الشاطبي، الباب الثاني في ذم البدع وسوء منقلب أصحابها، فصل الأدلة من النقل على ذم البدع ،البدع، ما جاء في القرآن في ذم البدع وأهلها، حديث تفرق الأمة، المسألة الثانية، ج2|الصفحات=702 وما بعدها|الناشر=دار ابن عفان|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
 
والتفرق عن الجماعة معارض للشرع الإسلامي وتعاليمه التي تدعو إلى التراحم والتآخي، وفي الحديث: عن شقيق قال: "قال [[ابن مسعود|عبد الله]]: قال النبي {{صلى الله عليه وسلم}}: {{حديث|سباب المسلم فسوق وقتاله كفر}}".<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|الناشر=دارالريان للتراث|السنة= 1407 هـ/ 1986م|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي {{صلى الله عليه وسلم}} لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، حديث رقم: (6665)|الصفحة=29 وما بعدها}}</ref>