أهل السنة والجماعة: الفرق بين النسختين

تم إزالة 8٬085 بايت ، ‏ قبل سنتين
 
== مفهوم كلمة السنة ==
السُّنة [[تعريف لغوي|لغةً]] الطريقة والسيرة،<ref name="الصحاح">{{مرجع كتاب|المؤلف=|العنوان=مختار الصحاح حرف السين (سنن)|المسار=http://library.islamweb.net/NewLibrary/display_book.php?idfrom=1511&idto=1511&bk_no=125&ID=1506}}</ref> وتكون بمعنى [[المندوب|المستحب]] أو بمعنى: الحديث النبوي،<ref name="ابن منظور">{{مرجع كتاب|المؤلف1=أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور|وصلة المؤلف1=ابن منظور|العنوان=لسان العرب، ج7 حرف السين (سنن)|الناشر=دار صادر|السنة=2003م|الصفحة=280 و281|تاريخ الوصول=3/ [[ربيع الثاني]]/ [[1438 هـ]]}}</ref><ref group="°">قال [[ابن منظور]]: {{اقتباس مضمن|وإذا أطلقت في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي {{صلى الله عليه وسلم}}، ونهى عنه وندب إليه قولا وفعلا مما لم ينطق به [[القرآن الكريم|الكتاب العزيز]]؛ ولهذا يقال: في أدلة الشرع: الكتاب والسنة أي: القرآن والحديث}}. قال الشاطبي: {{اقتباس مضمن|يطلق لفظ السنة على ما جاء منقولا عن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} على الخصوص، مما لم ينص عليه في الكتاب العزيز، بل إنما نص عليه من جهته عليه الصلاة والسلام، كان بيانا لما في الكتاب أو لا}}،</ref> أو في مقابل البدعة،<ref name="الموافقات">{{مرجع كتاب|المؤلف=الشاطبي|العنوان=الموافقات، الدليل الثاني: (السنة)، ج4|الصفحات=289 وما بعدها|الناشر=|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
والمقصود بالسنة التي دلت نصوص الشرع على لزومها ووجوب اتباعها هي السنة النبوية المشار إليها في النصوص إشارة نوعية لا شخصية،<ref name="ابن حجر">{{مرجع كتاب|المؤلف=أحمد بن حجر العسقلاني|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم: ٦٨٤٧|الصفحة=٢٦٣ وما بعدها}}</ref> قال العيني: السُّنَّة: {{اقتباس مضمن|طريقة النبي صلى الله عليه وسلم}}<ref name="العيني">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين العنتابي الحنفي بدر الدين العينى|وصلة المؤلف1=بدر الدين العيني|العنوان=عمدة القاري شرح صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث رقم: (6847)، ج25|الصفحات=39 و40|الناشر=دار الكتب العلمية|المكان=بيروت لبنان|المسار=https://books.google.com/books?id=KMlHCwAAQBAJ&pg=PT36&lpg=PT36&dq=هذه+السنة+إشارة+إلى+طريقة+النبي+إشارة+نوعية&source=bl&ots=MH8U6yVFlY&sig=AI-pNgh0VWEOu0dHOgDkzoAMiOE&hl=ar&sa=X&ved=0ahUKEwiFuuW6g5XUAhUBPRoKHZYBBqQQ6AEITjAM#v=onepage&q=%D9%87%D8%B0%D9%87%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9%20%D8%A5%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%A9%20%D8%A5%D9%84%D9%89%20%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D9%8A%20%D8%A5%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%A9%20%D9%86%D9%88%D8%B9%D9%8A%D8%A9&f=false|تاريخ الوصول=15/ [[شعبان]]/ [[1439 هـ]]}}</ref><ref name="عون*">{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد شمس الحق العظيم آبادي|العنوان=عون المعبود، كتاب السنة، باب لزوم السنة حديث رقم: (٤٦12)|الصفحات=286|الناشر=دار الفكر|السنة=١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥م}}</ref> وطريقته سبيله إلى الله التي دعى إليها، ومنهجه وهديه الذي كان عليه هو [[الصحابة|وأصحابه]]، وبيانه للدين وحكمه بين الناس فيما اختلط عليهم من الأمور، وما سنه لأمته وعلمهم إياه وأرشدهم إليه فهو إمام الأمة وأولى الناس بأمته ومعلمهم الأول وهاديهم إلى الصراط المستقيم، وسنته منهج للمسلمين جميعا وليست حكرا على مجموعة دون أخرى، بل على المسلمين جميعا أن يستنوا بسنته، وتشمل السنة أيضا سنة [[الخلفاء الراشدين]] الذين هم أئمة الدين من الصحابة؛ لكونه اتباعا لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا، أو اجتهادا مجتمعا عليه منهم أو من خلفائهم؛ فإن إجماعهم إجماع.<ref name="الموافقات"/>
 
ويستدل علماء أهل السنة والجماعة على ذلك بأدلة منها حديث: {{حديث|فعليكم بِسنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي..}}.<ref name="المستدرك"/><ref name="ابن رجب"/> قال الله تعالى: {{قرآن|من يطع الرسول فقد أطاع الله..[[قالب:قرآن-سورة 4 آية 80|الآية]]}} وقال تعالى: {{قرآن|يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم..[[قالب:قرآن-سورة 4 آية 59|الآية]]}}.
فالسنة عند أئمة أهل السنة والجماعة هي الطريقة الموصلة إلى ملة [[الإسلام]] ونهجه القويم وصراطه المستقيم، وسبيل الاهتداء إلى الله ودليل المعرفة بنهج صراطه المستقيم، الذي دعى إليه وأمر باتباعه وهو الملة الحنيفية السمحة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1=محمد بن جرير الطبري|وصلة المؤلف1=أبو جعفر الطبري|العنوان=تفسير ابن جرير الطبري، سورة الأنعام آية: (153)، القول في تأويل قوله تعالى: {{قرآن|وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله.}}|الناشر=دار المعارف|الصفحات=128 وما بعدها|تاريخ الوصول=27/ [[رجب]]/ [[1439 هـ]]}}</ref> والاتفاق على هذه السنة هو الجماعة وهم أهل العلم الشرعي.<ref name="ابن الملقن">التوضيح لشرح الجامع الصحيح، ل[[ابن الملقن]]، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول الله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا ج33، ص126 و127.</ref> وقد أمر الله بلزوم الجماعة ونهى عن التنازع والاختلاف المؤدي إلى التفرق في الدين، وثبت في الحديث أنه سيكون في الأمة اختلاف وتفرق في الدين بسبب اتباع الأهواء المضلة، وأن من أدرك منهم شيئا من ذلك فعليه بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم، ولزوم [[أهل السنة والجماعة#السنة المأمور بلزومها|السنة]].
 
=== التعريف اللغوي ===
السُنَّة في [[تعريف لغوي|اللغة]] الطريقة المسلوكة والمثال المتبع الذي يقتدى به والسيرة المتبعة‏، والعادة المستمرة الدائمة، وعرفها ابن جرير الطبري بمعنى: {{اقتباس مضمنمض|المثال المتبع والإمام المؤتم به}}. قال لبيد:
{{بيتقصيدة|من معشر سنت لهم آباؤهم|ولكل قوم سنة وإمامها.<ref>تفسير ابن جرير الطبري، ج4 ص65</ref>}}
{{بداية قصيدة}}
{{بيت|من معشر سنت لهم آباؤهم|ولكل قوم سنة وإمامها.<ref>تفسير ابن جرير الطبري، ج4 ص65</ref>}}
{{نهاية قصيدة}}
وسَنَّة الله: أحكامه وأمره ونهيه، وسننها الله للناس: بينها. وسن الله سنة أي: بين طريقا قويما،<ref name="ابن منظور"/> والسُنَّة أيضا بمعنى: السيرة، حسنة كانت أو قبيحة، ويقال: سننتها سننَّا، وسننتها بمعنى: سرتها، وسنة الأولين سيرتهم، ويقال: سننت لكم سنة فاتبعوها أي: سيروا عليها، وفي الحديث: {{حديث|من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ومن سن سنة سيئة..}} يريد من عملها ليقتدى به فيها، وكل من ابتدأ أمرا عمل به قوم بعده، قيل: هو الذي سنه، قال نصيب:
{{بيتقصيدة|كأني سننت الحب أول عاشق|من الناس إذ أحببت من بينهم وحدي}}
{{بداية قصيدة}}
 
{{بيت|كأني سننت الحب أول عاشق|من الناس إذ أحببت من بينهم وحدي}}
{{نهاية قصيدة}}
وقد تكرر في [[الحديث]] ذكر كلمة: «السُنَّة» وما تصرف منها، والأصل فيه أنها بمعنى: الطريقة والسيرة، وقال [[ابن منظور]]: «وإذا أطلقت في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي {{صلى الله عليه وسلم}}، ونهى عنه وندب إليه قولا وفعلا مما لم ينطق به [[القرآن الكريم|الكتاب العزيز]]؛ ولهذا يقال: في أدلة الشرع: الكتاب والسنة أي: القرآن والحديث».<ref name="ابن منظور"/> ومما يدل على هذا حديث: «إنما أنسى لأسن» أي: إنما أدفع إلى النسيان لأسوق الناس بالهداية إلى الطريق المستقيم، وأبين لهم ما يحتاجون أن يفعلوا إذا عرض لهم النسيان، قال: ويجوز أن يكون من سننت [[جمل|الإبل]] إذا أحسنت رعيتها والقيام عليها، وفي الحديث: «أنه نزل المحصب ولم يسنه» أي: لم يجعله سنة يعمل بها. قال في التهذيب: السنة الطريقة المحمودة المستقيمة، ولذلك قيل: فلان من أهل السنة، معناه: من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة، وهي مأخوذة من السنن وهو الطريق. قال أبو عبيد: سنن الطريق وسننه محجته، وتنح عن سنن الجبل أي عن وجهه، وقال الجوهري: السنن الطريقة يقال: استقام فلان على سنن واحد.<ref name="ابن منظور"/>
 
قال الآمدي: السنة في اللغة: الطريقة، فسنة كل أحد ما عهدت منه المحافظة عليه والإكثار منه، سواء كان ذلك من الأمور الحميدة أو غيرها.<ref name="الإحكام">{{مرجع كتاب|المؤلف=سيف الدين الآمدي|العنوان=كتاب الإحكام في أصول الأحكام القاعدة الثانية في بيان الدليل الشرعي وأقسامه وما يتعلق به من أحكامه القسم الأول فيما يجب العمل به مما يسمى دليلا شرعيا، الأصل الثاني في السنة، الجزء الأول|الصفحة=169}}</ref> قال في شرح الكوكب المنير: {{اقتباس مضمنمض|ومنه قوله {{صلى الله عليه وسلم}}: {{حديث|من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها..}} الحديث}}. وتسمى بها أيضا: العادة والسيرة، قال في البدر المنير: السنة السيرة حميدة كانت أو ذميمة، وقال في القاموس: السنة السيرة، ومن الله تعالى حكمه وأمره ونهيه.<ref name="الفتوحي">{{مرجع كتاب|المؤلف1=تقي الدين أبو البقاء الفتوحي|العنوان=شرح الكوكب المنير، باب في السنة|الناشر=مطبعة السنة المحمدية|الإصدار=د.ط د.ت|الصفحة=210 إلى 212|تاريخ الوصول=27/ [[المحرم]]/ 1437 هـ}}</ref>
 
=== بالمعنى الشرعي ===
تستعمل كلمة: «السُنَّة» وما تصرف منها بالمعنى الشرعي لمعان متعددة عند علماء الشريعة الإسلامية على اختلاف مجالات العلوم الشرعية بحسب المقصود منها في كل علم، قال الشافعي: {{اقتباس مضمنمض|إطلاق السنة يتناول سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم}}.<ref>أصول السرخسي ص113 و114.</ref>
 
فتطلق السُنَّة عند علماء الفقه على: «ما كان من العبادات نافلة منقولة عن النبي عليه السلام»، وتطلق تارة على [[المندوب]] أو المستحب الذي يقابل [[الفرض]] وغيره من الأحكام الخمسة.
 
السنة عند المحدثين هي: {{اقتباس مضمنمض|ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خُلقية سواء كان قبل البعثة أو بعدها}}.<ref>شرح مختصر ابن الحاجب، عضد الدين الأيجي، ج2 ص290</ref> فهو بمعنى: نقل ورواية ما أثر من الأقوال والأفعال والإقرار والرواية حقيقة أو حكما‏، ويشمل سيرته وصفاتة‏‏ الخلقية والخلقية وحركاته وسكناته في اليقظة وفي المنام‏ قبل البعثة وبعدها‏.
 
السنة عند علماء [[أصول الفقه]] هي: {{اقتباس مضمنمض|قول النبي {{صلى الله عليه وسلم}} وفعله وإقراره}}، قال تقي الدين الفتوحي في تعريف السنة في اصطلاح علماء [[أصول الفقه]] هي: {{اقتباس مضمنمض|قول النبي {{صلى الله عليه وسلم}} غير الوحي أي: غير القرآن}}.<ref name="الفتوحي"/> أو: {{اقتباس مضمنمض|ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من الأدلة الشرعية مما ليس بمتلو، ولا هو معجز ولا داخل في المعجز}}، وهذا النوع هو المقصود بالبيان في [[علم أصول الفقه]]. قال سيف الدين الآمدي: {{اقتباس مضمنمض|ويدخل في ذلك أقوال النبي عليه السلام، وأفعاله وتقاريره}}. والأقوال تشمل ال[[أمر]] وال[[نهي]] والتخيير والخبر وجهات دلالتها ضمن الأدلة المنقولة الشرعية.<ref name="الإحكام"/>
 
قال تقي الدين الفتوحي: {{اقتباس مضمنمض|السنة شرعا واصطلاحا: «قول النبي {{صلى الله عليه وسلم}} وفعله وإقراره على الشيء»، يقال أو يفعل، فإذا سمع النبي {{صلى الله عليه وسلم}} إنسانا يقول شيئا، أو رآه يفعل شيئا فأقره عليه فهو من السنة قطعا}}، وقال أيضا: {{اقتباس مضمنمض|والمراد من أقوال النبي {{صلى الله عليه وسلم}} وأفعاله: ما لم يكن على وجه الإعجاز}}.<ref name="الفتوحي"/>
 
وتطلق السنة عند علماء العقيدة علي {{اقتباس مضمنمض|هدي النبي صلي الله عليه وسلم في أصول الدين‏ وما كان عليه من العلم والعمل والهدي}}.
 
وتطلق السنة في العرف الشرعي العام على كل ما هو منقول من السنة النبوية أو عن الصحابة والتابعين، قال تقي الدين الفتوحي: «واحترز بقوله: «اصطلاحا» من السنة في العرف الشرعي العام، فإنها تطلق على ما هو أعم من المنقول عن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} وعن [[الصحابة]] والتابعين؛ لأنها في اصطلاح علماء الأصول: {{اقتباس مضمنمض|قول النبي {{صلى الله عليه وسلم}} غير الوحي أي: غير القرآن}}.<ref name="الفتوحي"/>
 
تستعمل كلمة: «السنة» في العرف الشرعي العام بمعنى الطريقة، قال [[ابن حجر العسقلاني|ابن حجر]]: «قوله ‹هذه السنة‏›:‏ أشار إلى طريقة النبي {{صلى الله عليه وسلم}}
إشارة نوعية لا شخصية».<ref name="ابن حجر"/><ref name="العيني"/> وهذا تعريف للسنة بمعناها الأعم الذي لا يقتصر على الحديث النبوي، فهو بمعنى: الطريقة النبوية والهدي النبوي بعمومه، وما يدخل ضمن ذلك من سنة الخلفاء الراشدين والأئمة المجتهدين.
وقد تستعمل في العرف الشرعي العام بمعنى الدين كله باعتبار أنه مبلغ الدين عن الله وكل ما جاء بطريق الوحي لا يعلم إلا من جهته، فسنته هديه وطريقته وسبيله إلى الله وهي دعوتة التي دعى إليها والطريقة التي كان عليها من الدعاء إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته وترك معصيته.<ref>تفسير ابن جرير الطبري، تفسير سورة يوسف، آية: 108، القول في تأويل قوله تعالى: {{قرآن|قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}}. (108)، ج16 ص291 و292.</ref>
 
والسنة عند أئمة السلف الصالح هي العلم في الدين، قال ابن حجر العسقلاني: قال [[الأوزاعي]]: «العلم ما جاء عن أصحاب رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} وما لم يجئ عنهم فليس بعلم». وأخرج أبو عبيد ويعقوب بن شيبة عن [[ابن مسعود]] قال: «لا يزال الناس مشتملين بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد {{صلى الله عليه وسلم}} وأكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواؤهم هلكوا». وقال أبو عبيدة معناه أن كل ما جاء عن الصحابة وكبار التابعين لهم بإحسان هو العلم الموروث، وما أحدثه من جاء بعدهم هو المذموم، وكان السلف يفرقون بين العلم والرأي فيقولون للسنة علم ولما عداها رأي. وعن أحمد: «يؤخذ العلم عن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} ثم عن الصحابة، فإن لم يكن فهو في التابعين مخير». وعنه: «ما جاء عن الخلفاء الراشدين فهو من السنة وما جاء عن غيرهم من الصحابة ممن قال إنه سنة لم أدفعه». وعن [[ابن المبارك]]: «ليكن المعتمد عليه الأثر وخذوا من الرأي ما يفسر لكم الخبر». قال ابن حجر: والحاصل أن الرأي إن كان مستندا للنقل من الكتاب أو السنة فهو محمود وإن تجرد عن علم فهو مذموم، وعليه يدل حديث عبد الله بن عمرو المذكور، فإنه ذكر بعد فقد العلم أن الجهال يفتون برأيهم.<ref name="العسقلاني">{{مرجع كتاب|المؤلف=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما كان النبي {{صلى الله عليه وسلم}} يسأل مما لم ينزل عليه الوحي فيقول لا أدري. حديث رقم: (6879)|الناشر=دارالريان للتراث|السنة= 1407 هـ/ 1986م}}</ref>
 
 
=== السنة المأمور باتباعها ===
السنة التي دلت نصوص الشرع على الأمر باتباعها هي الطريقة النبوية بمفهومها الأعم عند علماء أهل السنة والجماعة فيدخل فيها سنة أئمة الدين من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، وفسرها أئمة أهل السنة من السلف المتقدمين بمعنى: علم الدين والشريعة المنقول عن أئمة الصحابة وعلمائهم وأئمة التابعين لهم بإحسان، وكانوا يفسرون السنة‏ التي دلت نصوص الشرع على لزوم اتباعها بأنها:‏ {{اقتباس مضمنمض|طريقة النبي صلى الله عليه وسلم}}.<ref name="ابن حجر"/><ref name="العيني"/> أي: هديه ومنهجه وما كان عليه هو وأصحابه من الهدى والعلم والعمل والاعتقاد، بمعنى: الطريقة المسلوكة في الدين التي كان عليها هو وأصحابه وخلفائه الراشدون من بعده ومن تبعهم من أئمة الدين، وهو تفسير للسنة بتمام معناها المتكامل، والكثير من علماء أهل السنة والجماعة المتأخرين يفسرون السنة التي دلت النصوص على الأمر بلزومها بأنها مخصوصة في الاعتقادات من حيث أن الابتداع المخالف فيها على خطر عظيم.<ref name="جامع العلوم">جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم، الحديث الثامن والعشرون أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، الجزء الثاني، ص120، مؤسسة الرسالة، سنة النشر: 1422 هـ/ 2001م</ref> وقد كان أئمتهم المتقدمون يقصدون منها علم الدين المنقول بعمومه عن أئمة الصحابة وعلمائهم، فإنهم هم الذين حملوا علم الدين والشريعة وتعلموه وبينوه للناس،
فهو إمامهم ومعلمهم الأول وأولى الناس بإمته، وسنته طريقته في الدين ومنهجه وعلمه وهديه وبيانه للناس وحكمه بينهم فيما اختلط عليهم من الأمور، والصحابة لم يكونوا كلهم أصحاب فتيا، وإنما اختص منهم الذين تعلموا منه وكان منهم أئمة الدين وعلماء الشريعة، فإنهم أخذوا عنه العلم في الدين والأمور التي علمهم إياها وفهموها منه بالمجالسة والصحبة ومعايشة الوقائع، وكل هذا هو المقصود من لفظ السنة التي لا تقتصر على نقل النصوص، وعلمهم يشمل الذي تعلموه وما يضاف إلى ذلك من الأحكام التي فهموها أو بينوها أو استنبطوها أو اجتمعوا عليها،
وقد كان أهل السنة في عصر السلف المتقدمين يفسرون السنة التي دلت نصوص الشرع على الأمر باتباعها بمعنى الفقه في الدين وهو علم الشريعة بعمومه المأخوذ عن أئمة الدين من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، ويجعلون السنة بهذا المعنى في مقابل البدعة المخالفة لأصول الدين وقواعده من بدع الخوارج والقدرية والفرق المتفرعة منهم، ويسمون مقولات هذه الفرق أهواء مضلة، ويقصدون بذلك الذين قالوا في الدين بغير علم وفسروا الدين بأهوائهم وتكلموا فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه ولم يأخذوا العلم من أئمة الدين حملة الشريعة.
وتفسيرهم السنة بمعناها المتكامل بمعنى علم الشريعة بعمومه المأخوذ عن أئمة الصحابة ومن تبعهم بإحسان باعتبار أن أئمة الصحابة كانوا مجتمعين على الهدى، وسنتهم داخلة في السنة النبوية ضمنا، وكان علمهم بالسنة مشتملا على خصائص العلم بالشريعة من جميع الوجوه، فكانوا أعلم الناس باللغة العربية التي تفسر لهم نصوص الشرع، فإنهم لم يكونوا يسئلون عن تفسير الكثير من القرآن؛ لأنه نزل بلغتهم، فلم يكونوا بحاجة إلى من يفسر لهم معاني ألفاظ نصوص القرآن والحديث؛ لأنهم أصحاب اللغة أصلا، وأئمة الصحابة لم يكونوا بحاجة إلى علم قواعد تفسير القرآن والحديث وأصول التفسير ومناهج الاستدلال الفقهي وأصول الفقه وغير ذلك؛ لأن هذه الأمور كانت قريحة وملكة راسخة في أذهانهم، وأهل العلم الذين وضعوا علم التفسير وعلم الفقه وأصول الفقه وغيرها من علوم الشريعة إنما وضعوها نتيجة أخذ علم الصحابة، والمذاهب الفقهية إنما هي محصلة مذاهب فقهاء الصحابة، وأئمة الدين من بعدهم كلهم عالة عليهم في العلم المنقول عنهم.
 
قال تعالى: {{قرآن|لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ..[[قالب:قرآن-سورة 33 آية 21|الآية]]}}. أي: أن تتأسوا به وتكونوا معه حيث كان، ولا تتخلفوا عنه. قال ابن جرير: {{اقتباس مضمن|وهذا عتاب من الله للمتخلفين عن رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} وعسكره بالمدينة من المؤمنين به، فإن من يرجو ثواب الله ورحمته في الآخرة لا يرغب بنفسه ولا عن مكان هو به، ولكنه تكون له به أسوة في أن يكون معه حيث يكون هو}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد بن جرير الطبري|وصلة المؤلف=ابن جرير الطبري|العنوان= تفسير الطبري تفسير سورة الأحزاب، آية: (21) القول في تأويل قوله تعالى: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» الجزء العشرون|الصفحة=235 و236|الإصدار=دار المعارف}}</ref>
 
قال تعالى: {{قرآن|لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ..[[قالب:قرآن-سورة 33 آية 21|الآية]]}}. أي: أن تتأسوا به وتكونوا معه حيث كان، ولا تتخلفوا عنه. قال ابن جرير: {{اقتباس مضمنمض|وهذا عتاب من الله للمتخلفين عن رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} وعسكره بالمدينة من المؤمنين به، فإن من يرجو ثواب الله ورحمته في الآخرة لا يرغب بنفسه ولا عن مكان هو به، ولكنه تكون له به أسوة في أن يكون معه حيث يكون هو}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد بن جرير الطبري|وصلة المؤلف=ابن جرير الطبري|العنوان= تفسير الطبري تفسير سورة الأحزاب، آية: (21) القول في تأويل قوله تعالى: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» الجزء العشرون|الصفحة=235 و236|الإصدار=دار المعارف}}</ref>
قال [[عمر بن عبد العزيز]] لما سئل عن القدر: {{اقتباس مضمن|فعليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة}}.
 
قال [[عمر بن عبد العزيز]] لما سئل عن القدر: {{اقتباس مضمنمض|فعليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة}}.
 
===السنة في مقابل البدعة===
قد تطلق السنة شرعا على ما يقابل البدعة، وقد جاء في نصوص الشرع الأمر باتباع السنة ولزومها في مقابل النهي عن الابتداع والتحذير من البدع، والسنة المتبعة في مقابل البدع المستحدثة والهدى في مقابل الضلال، وقد كان أئمة السنة من السلف المتقدمين يفسرون السنة [[أهل السنة والجماعة#السنة المأمور باتباعها|بمعناها المتكامل]]، ويجعلونها في مقابل البدعة بمعناها الشرعي وهي: البدعة المستحدثة في الدين المعارضة للسنة والمضادة للشريعة التي تخالف أصول الدين وقواعدة وليس لها أصل في الشريعة وليست من الدين أصلا والموصوف صاحبها بالضلال عن الصراط المستقيم الموعود عليها بالعقوبة في الآخرة، وهي عند أهل السنة والجماعة شاملة لجميع صنوف البدع والأهواء المضلة التي استحدثتها الفرق التي ظهرت في العصور المتقدمة من تاريخ الإسلام والتي كان أولها بدع الخوارج والفرق المتفرعة منها كالقدرية وغيرها، ويستندون في هذا إلى النصوص الشرعية المنقولة في تفرق الأمة وصفات الخوارج ووقوع الفتن.
 
أخرج [[الترمذي]] في سننه: «عن العرباض بن سارية قال وعظنا رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} يوما بعد [[صلاة الفجر|صلاة الغداة]] موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله! قال: {{حديث|أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم؛ ير اختلافا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة [[الخلفاء الراشدين]] المهديين عضوا عليها بالنواجذ}}».<ref name="الترمذي1">{{مرجع كتاب|المؤلف1=محمد بن عيسى بن سورة الترمذي|وصلة المؤلف1=الترمذي|العنوان=سنن الترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، الجزء الخامس حديث رقم: (2676)|الناشر= دار الكتب العلمية|الصفحة=43، 44|تاريخ الوصول=3/ [[ربيع الثاني]]/ [[1438 هـ]]}}</ref> وأخرجه الحاكم: {{حديث|عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي..}}.<ref name="المستدرك"/><ref>ورواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح، وخرجه الإمام أحمد وابن ماجه، وزاد في حديثه: {{اقتباس مضمنمض|فقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك}}.</ref> وفي هذا الحديث دلالة على خصائص النبوة بما تضمن من جوامع الكلم، وفيه معجزة دالة على صدق النبوة في الإخبار بما سيكون من الابتداع في الدين المؤدي إلى الاختلاف والتنازع والتفرق، وإخبار الصحابة بأن من يعش منهم؛ فسيرى اختلافا كثيرا في الدين بظهور المحدثات المخالفة لأصول الدين وقواعده وليس لها أصل في الشريعة،
 
وأئمة أهل السنة في عصر السلف المتقدمين يقصدون بهذه البدعة التي دلت على ذمها نصوص الشرع بأنها جميع ما استحدثته الفرق التي ظهرت في سالف العصور الإسلامية من الخوض في المتشابهات التي يحدث بسببها العداوة بين المسلمين والتفرق عن جماعة المسلمين والخروج على الحكام، والاستبداد بالرأي في معارضة النص، والاستئثار باتباع الهوى واختلاف الأهواء المضلة التي يكون الناس بسببها شيعا متفرقة لا ينتظم شملهم بالإسلام، وقد أشار إليها [[الحسن البصري|الحسن]] فقال: {{اقتباس مضمنمض|اتقوا هذه الأهواء فإن جماعها الضلالة وميعادها النار}}.<ref name="الملل٢">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو الفتح الشهرستاني|العنوان=الملل والنحل|الصفحات=34|المسار=https://books.google.com/books?id=2yscDgAAQBAJ&pg=PA15&lpg=PA15&dq=اتقوا+هذه+الأهواء+التي+جماعها+الضلالة&source=bl&ots=0BbBuPxC_c&sig=YYV1upkhRlWDMv66w3rrapddb7g&hl=ar&sa=X&ved=0ahUKEwji4-Pwq4nTAhUsBMAKHUWSCJQQ6AEIIzAD#v=onepage&q=%D8%A7%D8%AA%D9%82%D9%88%D8%A7%20%D9%87%D8%B0%D9%87%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%88%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A%20%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%87%D8%A7%20%D8%A7%D9%84%D8%B6%D9%84%D8%A7%D9%84%D8%A9&f=false|تاريخ الوصول=5 يونيو 2017م}}</ref>
وقد تضمن الحديث جملة من التعاليم الدينية منها: الوصية بتقوى الله، والسمع والطاعة لولاة الأمور وعدم الخروج عليهم ما لم يأتوا بكفر بواح،عليهم،
وفي الصحيحين عن [[ابن مسعود]] قال: {{حديث|إن رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} كان يتخولنا بالموعظة كراهة السآمة علينا}}.<ref name="ابن رجب">{{مرجع كتاب|المؤلف1=ابن رجب الحنبلي|وصلة المؤلف1=ابن رجب الحنبلي|العنوان=جامع العلوم والحكم ج2 الحديث رقم: (28)|الناشر=مؤسسة الرسالة|الصفحة=109 إلى 112|السنة=1422 هـ/ 2001م|تاريخ الوصول=3/ [[ربيع الثاني]]/ [[1438 هـ]]}}</ref>
 
فإن ما عملوا فيه بالرأي هو من سنته، وقد حث على اتباعهم؛ تأكيدا لمن بعدهم لئلا يتوهم أحد أنهم مخالفون لهديه، وسنة الخلفاء الراشدين هي نفس السنة النبوية ولا تخرج عنها.<ref name="الأحوذي">{{مرجع كتاب|المؤلف1=محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري|وصلة المؤلف1=|العنوان=تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، حديث رقم: (2676)|الناشر=دار الكتب العلمية|الصفحة=366 وما بعدها|تاريخ الوصول=3/ [[ربيع الثاني]]/ [[1438 هـ]]}}</ref>
 
قال [[ابن حجر العسقلاني]]: والمحدثات بفتح الدال جمع محدثة والمراد بها ما أحدث، وليس له أصل في الشرع ويسمى في عرف الشرع: «بدعة» وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة سواء كان محمودا أو مذموما، وكذا القول في المحدثة وفي الأمر المحدث الذي ورد في حديث عائشة: {{حديث|من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد}}.<ref name="الفتح">{{مرجع كتاب|المؤلف1=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|وصلة المؤلف1=ابن حجر العسقلاني|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث رقم: (6849)|الناشر=دار الريان للتراث|الصفحة=266 وما بعدها|السنة= 1407 هـ/ 1986م|تاريخ الوصول=3/ [[ربيع الثاني]]/ [[1438 هـ]]}}</ref> وحديث العرباض في المعنى قريب من حديث [[عائشة]] المشار إليه وهو من جوامع الكلم. يدل على أن المحدث يسمى بدعة، والمراد بقوله: «كل بدعة ضلالة» ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام.<ref name="الفتح"/> وقال ابن حجر أيضا: وقسم بعض العلماء البدعة إلى الأحكام الخمسة وهو واضح، وثبت عن [[ابن مسعود]] أنه قال: {{اقتباس مضمنمض|قد أصبحتم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول}}.<ref name="الفتح"/> قال الشافعي: {{اقتباس مضمنمض|البدعة بدعتان: محمودة ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم}}.<ref name="الفتح"/><ref group="°">أخرجه أبو نعيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عن الشافعي، انظر فتح الباري حديث رقم: (6849).</ref> وقال الشافعي أيضا: {{اقتباس مضمنمض|المحدثات ضربان: ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة}}.<ref name="الفتح"/><ref group="°">أخرجه البيهقي في مناقب الشافعي نقلا عن الشافعي، انظر فتح الباري حديث رقم: (6849).</ref> فمما حدث تدوين الحديث ثم تفسير القرآن ثم تدوين المسائل الفقهية المولدة عن الرأي المحض ثم تدوين ما يتعلق بأعمال القلوب. ومما حدث الخوض في المتشابهات والأغاليط في مسائل العقيدة، وقد اشتد إنكار السلف على ذلك، قال [[ابن حجر العسقلاني]]: {{اقتباس مضمنمض|وثبت عن مالك: أنه لم يكن في عهد النبي {{صلى الله عليه وسلم}} وأبي بكر وعمر شيء من الأهواء -يعني بدع الخوارج والروافض والقدرية-}}، وقال أيضا: {{اقتباس مضمنمض|واشتد إنكار السلف لذلك كأبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي، وكلامهم في ذم أهل الكلام مشهور، وسببه أنهم تكلموا فيما سكت عنه النبي {{صلى الله عليه وسلم}} وأصحابه}}.<ref name="الفتح"/> وقسم [[العز بن عبد السلام]] البدعة خمسة أقسام: واجبة ومحرمة ومندوبة ومباحة ومكروهة.<ref name="الفتح"/>
 
والبدعة التي توصف بكونها ضلالة عند علماء أهل السنة والجماعة هي التي تكون في الدين باستحداث ما ليس منه مثل: ابتداع الخوارج القول بتكفير أهل المعاصي، ومثل: ابتداع المجسمة فتنة التجسيم وغيرها من البدع الموعود مبتدعها بالنار وإن لم يخرج ببدعته عن الملة إذ المقصود العقوبة على البدعة. أما ما كان له أصل من الدين أو ما هو من السنة الحسنة؛ فلا يكون من البدع المنهي عنها فقد ورد في الحديث: {{حديث|من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء}}.<ref name="النووي">{{مرجع كتاب|المؤلف1=يحيى بن شرف أبو زكريا النووي|وصلة المؤلف1=الإمام النووي|العنوان=شرح النووي على صحيح مسلم، كتاب العلم باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة حديث رقم: (1017)|الصفحة=172|الناشر=دار الخير|السنة=1416هـ/ 1996م}}</ref> وفي رواية أخرى لمسلم بلفظ: و«من دعا إلى الهدى..» و«من دعا إلى الضلالة..». قال النووي: هذان الحديثان صريحان في الحث على استحباب سن الأمور الحسنة، وتحريم سن الأمور السيئة. وقال [[النووي]]: {{اقتباس مضمنمض|قوله {{صلى الله عليه وسلم}}: {{حديث|فعمل بها بعده}} معناه: إن سنها سواء كان العمل في حياته أو بعد موته. والله أعلم}}.<ref name="النووي"/>
 
=== اتباع سنة الخلفاء الراشدين ===
[[ملف:93nowy meczet1.jpg|تصغير|أسماء الخلفاء الأربع مكتوبة على سقف [[يني جامع]] في إسطنبول.]]
الخلفاء الراشدون بالمعنى العام هم أئمة المسلمين في الدين أهل الهدى والرشاد، أو من كان منهم خليفة للمسلمين وهم عند أهل السنة والجماعة الخلفاء الأربعة اتفاقا، ونص كثير من الأئمة على أن عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين،<ref name="جامع العلوم"/>
لأنهم جمعوا بين إمامة الدين والدنيا، وكانت لهم ولاية قائمة على منهاج النبوة، وأهل السنة والجماعة متفقون وجوب اتباع سنة الخلفاء، وأنها من السنة التي أمر الشرع باتباعها وأنهم كانوا مجتمعين على الهدى، ويستدلون على ذلك بأدلة منها حديث: {{حديث|عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي}} ومعناه إلزموا طريقتي أي: التي كان عليها هو وأصحابه من العلم والعمل والاعتقاد والهدى، والزموا طريقة الخلفاء الراشدين المشهود لهم بالهدى والرشاد، وهم المقتفون لأثره المتبعون لسنتة المهتدون بهديه، وذلك أنه لما كان رسولا للعالمين وخاتما للأنبياء والمرسلين كان الأئمة في الدين هم المستخلفون من بعده الحاملون لشريعته المبلغون عنه لرسالته الداعون بدعوته الهادون بهديه الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر الوارثون لعلم النبوة من بعده في أخذ العلم عنهم، وفي الحديث: {{حديث|كان بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي قام بعده نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فيكثرون}}.<ref>فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، كتاب الفتن، حديث رقم: (6644)</ref>
 
والمقصود بـالخلفاء في هذا الحديث الأئمة المجتهدون الفقهاء في الدين، الذين اختصوا بعلم الكتاب والسنة رواية ودراية، وهم الخلفاء الأربعة الأوائل [[أبو بكر الصديق]] و[[عمر بن الخطاب]] و[[عثمان بن عفان]] و[[علي بن أبي طالب]]، ويتضمن الأمر باتباع سنة الخلفاء اتباع أئمة الفقهاء في الدين علماء الشريعة من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، فإنهم ورثة علم النبوة.
 
{{حديث|عن يحيى بن أبي المطاع قال سمعت العرباض بن سارية يقول: قام فينا رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} ذات يوم فوعظنا موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقيل يا رسول الله وعظتنا موعظة مودع فاعهد إلينا بعهد فقال: «عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا، وسترون من بعدي اختلافا شديدا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات فإن كل بدعة ضلالة.»}} في الحديث: الأمر بالسمع والطاعة لولاة الأمور وإن كان المولى عليهم عبد حبشي مبالغة في وجوب لزوم الطاعة، وعدم جواز الخروج على ولاة الأمر ما لم يأمروكم بكفر بواح عندكم فيه من الله برهان. وقوله: {{حديث|وسترون من بعدي اختلافا..}} بمنزلة التعليل للوصية بذلك أي: والسمع والطاعة مما يدفع الخلاف الشديد فهو خير وعند ذلك: {{حديث|عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي}} قيل هم الخلفاء الأربعة، وقيل: هم أهل العلم بالكتاب والسنة ومما يدل عليه حديث: «وعن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال: قال رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}}: {{حديث|يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين}}». رواه البيهقي.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=علي بن سلطان محمد القاري|العنوان=مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح كتاب العلم حديث رقم: (248)|الصفحة=322 وما بعدها|الناشر=دار الفكر|السنة=1422 هـ/ 2002م}}</ref> قال السندي: قوله: {{حديث|وسنة الخلفاء إلخ}} قيل: هم الأربعة رضي الله عنهم وقيل: بل هم ومن سار سيرتهم من أئمة الإسلام المجتهدين في الأحكام فإنهم خلفاء الرسول عليه الصلاة والسلام في إعلاء الحق وإحياء الدين وإرشاد الخلق إلى الصراط المستقيم. وقوله: {{حديث|عضوا عليها بالنواجذ}}: بالذال المعجمة وهي الأضراس قيل: أراد به الجد في لزوم السنة كفعل من أمسك الشيء بين أضراسه وعض عليه منعا من أن ينتزع أو الصبر على ما يصيب من التعب في ذات الله كما يفعل المتألم بالوجع يصيبه قوله: {{حديث|والأمور المحدثات}} قيل: أريد بها ما ليس له أصل في الدين، قال السندي: {{اقتباس مضمنمض|وأما الأمور الموافقة لأصول الدين فغير داخلة فيها، وإن أحدثت بعده {{صلى الله عليه وسلم}} قلت: هو الموافق لقوله: {{حديث|وسنة الخلفاء}} فليتأمل}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو الحسن الحنفي الشهير بالسندي|العنوان=حاشية السندي على سنن ابن ماجه كتاب المقدمة باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، باب من حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا وهو يرى أنه كذب. رقم الحديث: (42)|الناشر=دار الجيل|الصفحات=19 وما بعدها}}</ref>
 
والراشدون جمع راشد وهو الذي عرف الحق وعمل به،
روى أبو نعيم من حديث عرزب الكندي: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {{حديث|إنه سيحدث بعدي أشياء فأحبها إلي أن تلزموا ما أحدث عمر}}".<ref name="جامع العلوم"/>
 
وقال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: {{اقتباس مضمنمض|سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله، وليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر في أمر خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا}}.<ref name="جامع العلوم"/>
 
وقال خلف بن خليفة: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو خليفة فقال في خطبته: {{اقتباس مضمنمض|ألا إن ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه فهو وظيفة دين، نأخذ به وننتهي إليه}}.<ref name="جامع العلوم"/>
 
وسنة الخلفاء التي وقع الاجتماع عليها تشمل الأحكام الصادرة عنهم في مستجدات ليس فيها نص شرعي يدل عليها بخصوصها، كقضاء عمر الذي جمع عليه الصحابة في العول وفي مسألتي الغراوين ومثل ما جمع عليه الناس في الطلاق الثلاث، وفي تحريم متعة النساء، وغير ذلك.<ref name="جامع العلوم"/>
وكل ما قضى به أئمة الصحابة أو خلفائهم وحصل الاجتماع عليه فهو عند أهل السنة والجماعة حجة معتبرة وإجماعهم إجماع، أما ما لم يجتمعوا عليه من فروع الأحكام فلا تكون حجة بل هي مذاهب فقهية.
 
قال وكيع: {{اقتباس مضمنمض|إذا اجتمع عمر وعلي على شيء فهو الأمر}}.<ref name="جامع العلوم"/>
 
عن [[ابن مسعود]] أنه كان يحلف بالله: إن الصراط المستقيم هو الذي ثبت عليه عمر حتى دخل الجنة.<ref name="جامع العلوم"/>
 
وكان علي يتبع أحكامه وقضاياه، ويقول: {{اقتباس مضمنمض|إن عمر كان رشيد الأمر}}.<ref name="جامع العلوم"/>
 
وروى أشعث عن الشعبي قال: {{اقتباس مضمنمض|إذا اختلف الناس في شيء فانظر كيف قضى فيه عمر فإنه لم يكن يقضي عمر في أمر لم يقض فيه قبله حتى يشاور}}.<ref name="جامع العلوم"/>
 
وقال مجاهد: {{اقتباس مضمنمض|إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما صنع عمر فخذوا به}}.<ref name="جامع العلوم"/>
 
وقال أيوب عن الشعبي: {{اقتباس مضمنمض|انظروا ما اجتمعت عليه أمة محمد، فإن الله لم يكن ليجمعها على ضلالة، فإذا اختلفت فانظروا ما صنع عمر ابن الخطاب فخذوا به}}.
 
وسئل عكرمة عن أم الولد فقال: تعتق بموت سيدها، فقيل له: بأي شيء تقول؟ قال: بالقرآن قال: بأي القرآن؟ قال: {{قرآن|أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}} (النساء: 59)، وعمر من أولي الأمر.<ref name="جامع العلوم"/>