مستخدم:منصورالواقدي/ملعب: الفرق بين النسختين

تم إزالة 333٬694 بايت ، ‏ قبل سنتين
إزالة محتوى نسخة سابقة أهل السنة والجماعة = (مسودة).
(إزالة محتوى نسخة سابقة أهل السنة والجماعة = (مسودة).)
 
وعن [[ابن مسعود]] قال: «لا يزال الناس مشتملين بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد {{صلى الله عليه وسلم}} وأكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواؤهم هلكوا». وقال أبو عبيدة معناه: أن كل ما جاء عن [[الصحابة]] وكبار التابعين لهم بإحسان هو العلم الموروث، وما أحدثه من جاء بعدهم هو المذموم، وكان السلف يفرقون بين العلم والرأي فيقولون للسنة علم ولما عداها رأي. وعن أحمد: «يؤخذ العلم عن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} ثم عن الصحابة، فإن لم يكن فهو في التابعين مخير». وعنه: «ما جاء عن الخلفاء الراشدين فهو من السنة وما جاء عن غيرهم من الصحابة ممن قال إنه سنة لم أدفعه». وعن ابن المبارك: «ليكن المعتمد عليه الأثر، وخذوا من الرأي ما يفسر لكم الخبر». قال [[ابن حجر العسقلاني]]: والحاصل: أن الرأي إن كان مستندا للنقل من الكتاب أو السنة فهو محمود، وإن تجرد عن علم فهو مذموم، وعليه يدل حديث عبد الله بن عمرو المذكور، فإنه ذكر بعد فقد العلم أن الجهال يفتون برأيهم.<ref name="العسقلاني"/>
 
=[[أهل السنة والجماعة|○]] [[نقاش:أهل السنة والجماعة|ن]]=
{{ترشيح مقالة مختارة|9 مايو 2018}}
{{عقيدة دينية
| عقيدة = أهل السنة والجماعة
| صورة =رسم تعبيري للفظ الجلالة ومن يجلهم أهل السنة.png
| تعليق = رسم تعبيري للفظ الجلالة ومن يجلهم أهل السنة والجماعة
| دين = [[إسلام|الإسلام]]
| زعيم = [[محمد]] رسول الله
| تاريخ ظهور =
| مكان ظهور =
| مميزات =
| تفرعت =
| تفرع = '''عقائدياً''': [[أهل الحديث]] (الأثرية)، [[أشعرية|أشاعرة]]، [[ماتريدية]].
'''فقهياً''': [[حنفية]]، [[مالكية]]، [[شافعية]]، [[حنابلة]].
| منطقة = {{العالم الإسلامي}}
|تعداد = 87-90% من المسلمين، 1،4 مليار (تقدير [[2009]])<ref name=PEW2009>{{مرجع ويب|العنوان=Mapping the Global Muslim Population|المسار=http://www.pewforum.org/2009/10/07/mapping-the-global-muslim-population/|تاريخ الوصول=10 December 2014}}</ref><ref>[http://www.bbc.com/news/world-middle-east-25434060 Sunnis and Shia in the Middle East] {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20170725193623/http://www.bbc.com:80/news/world-middle-east-25434060 |date=25 يوليو 2017}}</ref>
| مؤسس =
| معالم = [[المسجد الحرام]]، [[المسجد النبوي]]، [[المسجد الأقصى]].
| تقارب =
}}
'''أهل السُّنَّة والجماعة''' هم أكبر مجموعة دينية في تاريخ [[الإسلام]]، وينتسب إليهم غالبية المسلمين، ويعرف بهم علماؤهم أنهم هم المجتمعون على منهج السنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين وأئمة الدين من الصحابة والتابعين وأصحاب المذاهب الفقهية المعتبرة من فقهاء أهل الرأي وأهل الحديث، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم وأخذ عنهم طريقتهم بالنقل والإسناد المتصل. ولم تكن هذه التسمية مصطلحا متعارفا عليه في بداية [[التاريخ الإسلامي]] حيث لم يكن هناك انقسام ولا تفرق، وإنما ظهرت هذه التسمية تدريجياً بسبب ظهور الفرق المنشقة عن جماعة المسلمين تحت مسميات مختلفة، وكان لقب أهل السنة يطلق على أهل العلم من أئمة [[الصحابة]] ومن تبع طريقتهم، حيث ورد في مقدمة [[صحيح مسلم]] عن [[ابن سيرين]] أنه لما وقعت [[فتنة مقتل عثمان|أحداث مقتل الخليفة عثمان بن عفان]]، والتي يشير إليها بإسم "الفتنة" أنه قال {{اقتباس مضمن|لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم}}،<ref>{{مرجع ويب
| url = https://ar.wikisource.org/wiki/%D8%B5%D8%AD%D9%8A%D8%AD_%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%AF%D9%85%D8%A9#%D8%A8%D8%A7%D8%A8%20%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D9%86%20%D8%A3%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%86%D8%A7%D8%AF%20%D9%85%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%20%D9%88%D8%A3%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9%20%D9%84%D8%A7%20%D8%AA%D9%83%D9%88%D9%86%20%D8%A5%D9%84%D8%A7%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D8%AA
| title = صحيح مسلم/المقدمة - ويكي مصدر
| website = ar.wikisource.org
| language = ar
| accessdate = 2018-05-27
}}</ref> حيث جعل السنة في مقابل البدعة، وأهل السنة في مقابل أهل البدعة الذين وصفهم أئمة أهل السنة في ذلك العصر المتقدم بأنهم أهل الأهواء المضلة الذين ابتدعوا في الدين ما ليس منه مما يخالف أصوله وقواعده وخالفوا السنة وتفرقوا ببدعتهم عن جماعة المسلمين.<ref>مقدمة كتاب شرح النووي على مسلم</ref>
وكان اهتمام أئمة أهل السنة منذ وقت مبكر بنقل علم الصحابة والتابعين ورواية الحديث عنهم، ولم تكن مباحثهم في مسائل العقيدة، وإنما كان لهم اجتهادات في [[فروع الفقه|الفروع]] والتي نتج عنها ظهور المذاهب الفقهية، واشتهر منها بحسب [[ابن خلدون]] طريقتان للمنهج الفقهي هما: منهج فقهاء [[أهل الرأي]] ونسب إليها [[أبو حنيفة النعمان|أبو حنيفة]] ومنهج فقهاء [[أهل الحديث]] ونسب إليها [[مالك بن أنس]] [[محمد بن إدريس الشافعي|والشافعي]].<ref>{{مرجع ويب
| url = https://ar.wikisource.org/wiki/%D9%85%D9%82%D8%AF%D9%85%D8%A9_%D8%A7%D8%A8%D9%86_%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%86_-_%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1_%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%85%D8%B3#%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B5%D9%84_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D8%B9_%D9%81%D9%8A_%D8%B9%D9%84%D9%85_%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D9%87_%D9%88_%D9%85%D8%A7_%D9%8A%D8%AA%D8%A8%D8%B9%D9%87_%D9%85%D9%86_%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D8%B6
| title = مقدمة ابن خلدون - الجزء الخامس - ويكي مصدر
| website = ar.wikisource.org
| language = ar
| accessdate = 2018-05-27
}}</ref>
 
 
 
بعد ظهور [[المعتزلة]] وتغلبهم على الحكم بواسطة الخليفة المأمون العباسي ثم من بعده المعتصم ثم الواثق، وبحسب ما ذكر ابن خلدون وغيره أن المعتزلة توغلوا في مسائل الصفات وتكلموا في النصوص المتشابهة مما أدى إلى ظهور المشبهة الذين صرحوا بالحلول والتجسيم، وأما أهل السنة حينها فكان منهم جماعة مثل: [[أحمد بن حنبل]] و[[داود بن علي الأصفهاني]] وآخرون أخذوا بمنهج المتقدمين عليهم من أصحاب الحديث ك[[مالك بن أنس]] وغيره فقالوا في النصوص المتشابهة: نؤمن بها كما هي ولا نتعرض لتأويلها، وكان جماعة من أهل السنة في عصر السلف أيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية، ثم جاء من بعدهم [[أبو الحسن الأشعري]] و[[أبو منصور الماتريدي]] فأيدا عقائد أهل السنة والجماعة بالأدلة النقلية والعقلية.<ref>الملل والنحل للشهرستاني، ج1 ص93.</ref><ref name="تاريخ ابن خلدون" /> وكان من خلال هذا تمايز الفرق التي ظهرت في تاريخ الإسلام وكشف مقولاتها وجمع العلماء مخالفاتهم ومسمياتهم في كتب الفرق، فكان تصديقا للحديث المأثور في افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وجاء في كتاب: الفرق بين الفرق أن أهل السنة والجماعة هم الفرقة الثالثة والسبعون، وهم جماعة واحدة من فقهاء أهل الحديث وفقهاء أهل الرأي، وكلهم متفقون على قول واحد في أصول الدين، وأئمتهم المتقدمون قد اتفقوا عليها وبينوها ودونوها وأخذها عنهم المتأخرون، وإن اختلفوا في [[فروع الفقه|فروع الأحكام]] فذلك لا يفسد للود قضية، ولا يلحق بسببه تفسيق ولا تبديع ولا تكفير، وكانت التسمية تطلق على أهل السنة والجماعة تمييزا لهم عن الخوارج والمعتزلة والمجسمة وفرق التشيع وغيرها من الفرق المخالفة لهم في أصول الدين.<ref name="الفرق2">{{مرجع كتاب|المؤلف1=عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي أبو منصور|وصلة المؤلف1=عبد القاهر البغدادي|العنوان=الفرق بين الفرق الباب الثاني من أبواب هذا الكتاب في كيفية افتراق الأمة ثلاثا وسبعين، الفصل الأول: في بيان المعنى الجامع للفرق المختلفة في اسم ملة الإسلام على الجملة|الناشر=دار الآفاق الجديدة|المكان=بيروت|السنة=1977م|الصفحات=19 و20|تاريخ الوصول=27/ [[رجب]]/ [[1439 هـ]]}}</ref>
 
والسُّنة [[تعريف لغوي|لغةً]] الطريقة والسيرة،<ref name="الصحاح">{{مرجع كتاب|المؤلف=|العنوان=مختار الصحاح حرف السين (سنن)|المسار=http://library.islamweb.net/NewLibrary/display_book.php?idfrom=1511&idto=1511&bk_no=125&ID=1506}}</ref> وتكون بمعنى [[المندوب|المستحب]] أو بمعنى: الحديث النبوي،<ref name="ابن منظور">{{مرجع كتاب|المؤلف1=أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور|وصلة المؤلف1=ابن منظور|العنوان=لسان العرب، ج7 حرف السين (سنن)|الناشر=دار صادر|السنة=2003م|الصفحة=280 و281|تاريخ الوصول=3/ [[ربيع الثاني]]/ [[1438 هـ]]}}</ref><ref group="°">قال [[ابن منظور]]: {{مض|وإذا أطلقت في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي {{صلى الله عليه وسلم}}، ونهى عنه وندب إليه قولا وفعلا مما لم ينطق به [[القرآن الكريم|الكتاب العزيز]]؛ ولهذا يقال: في أدلة الشرع: الكتاب والسنة أي: القرآن والحديث}}. قال الشاطبي: {{مض|يطلق لفظ السنة على ما جاء منقولا عن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} على الخصوص، مما لم ينص عليه في الكتاب العزيز، بل إنما نص عليه من جهته عليه الصلاة والسلام، كان بيانا لما في الكتاب أو لا}}،</ref> أو في مقابل البدعة،<ref name="الموافقات">{{مرجع كتاب|المؤلف=الشاطبي|العنوان=الموافقات، الدليل الثاني: (السنة)، ج4|الصفحات=289 وما بعدها|الناشر=|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
والمقصود بالسنة التي دلت نصوص الشرع على لزومها ووجوب اتباعها هي السنة النبوية المشار إليها في النصوص إشارة نوعية لا شخصية،<ref name="ابن حجر">{{مرجع كتاب|المؤلف=أحمد بن حجر العسقلاني|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم: ٦٨٤٧|الصفحة=٢٦٣ وما بعدها}}</ref> قال العيني: السُّنَّة: {{مض|طريقة النبي صلى الله عليه وسلم}}<ref name="العيني">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى بدر الدين العينى|وصلة المؤلف1=بدر الدين العيني|العنوان=عمدة القاري شرح صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث رقم: (6847)، ج25|الصفحات=39 و40|الناشر=دار الكتب العلمية|مكان=بيروت لبنان|المسار=https://books.google.com/books?id=KMlHCwAAQBAJ&pg=PT36&lpg=PT36&dq=هذه+السنة+إشارة+إلى+طريقة+النبي+إشارة+نوعية&source=bl&ots=MH8U6yVFlY&sig=AI-pNgh0VWEOu0dHOgDkzoAMiOE&hl=ar&sa=X&ved=0ahUKEwiFuuW6g5XUAhUBPRoKHZYBBqQQ6AEITjAM#v=onepage&q=%D9%87%D8%B0%D9%87%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9%20%D8%A5%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%A9%20%D8%A5%D9%84%D9%89%20%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D9%8A%20%D8%A5%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%A9%20%D9%86%D9%88%D8%B9%D9%8A%D8%A9&f=false|تاريخ الوصول=15/ [[شعبان]]/ [[1439 هـ]]}}</ref><ref name="عون*">{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد شمس الحق العظيم آبادي|العنوان=عون المعبود، كتاب السنة، باب لزوم السنة حديث رقم: (٤٦12)|الصفحات=286|الناشر=دار الفكر|السنة=١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥م}}</ref> وطريقته سبيله إلى الله التي دعى إليها، ومنهجه وهديه الذي كان عليه هو [[الصحابة|وأصحابه]]، وبيانه للدين وحكمه بين الناس فيما اختلط عليهم من الأمور، وما سنه لأمته وعلمهم إياه وأرشدهم إليه فهو إمام الأمة وأولى الناس بأمته ومعلمهم الأول وهاديهم إلى الصراط المستقيم، وسنته منهج للمسلمين جميعا وليست حكرا على مجموعة دون أخرى، بل على المسلمين جميعا أن يستنوا بسنته، وقد كان أئمة الصحابة يفسرون السنة بأنها علم الشريعة والفقه في الدين، وأهل السنة والجماعة يأخذون بالسنة ويفسرها علماؤهم بأنها الطريقة النبوية والمنهج النبوي وما جاء منقولا عن أئمة الصحابة فإنهم أخذوا عنه علم الدين واستنوا بسنته واهتدوا بهديه، وأنهم حملة علم الشريعة وأهل الفقه في الدين، وتشمل السنة أيضا سنة [[الخلفاء الراشدين]] الذين هم أئمة الدين من الصحابة؛ لكونه اتباعا لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا، أو اجتهادا مجتمعا عليه منهم أو من خلفائهم؛ فإن إجماعهم إجماع.<ref name="الموافقات"/>
 
ويستدل علماء أهل السنة والجماعة على ذلك بأدلة منها حديث: {{حديث|فعليكم بِسنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين..}} أي: الزموا طريقتي وطريقة الخلفاء الراشدين مِن بعدي، واتبعوا نهجهم واسمعوا لهم وأطيعوا فذلك من سُنَّتي، فهم قدوة الأمة المبلغون عنه والحاملون لسنته وهديه، ولا سبيل للوصول إلى الحق إلا باتباع طريقتهم، واتباع سنتهم هو اتباع للسنة النبوية، قال الله تعالى: {{قرآن|من يطع الرسول فقد أطاع الله..[[قالب:قرآن-سورة 4 آية 80|الآية]]}} وقال تعالى: {{قرآن|يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم..[[قالب:قرآن-سورة 4 آية 59|الآية]]}}.
فالسنة عند أئمة أهل السنة والجماعة هي الطريقة الموصلة إلى ملة [[الإسلام]] ونهجه القويم وصراطه المستقيم، وسبيل الاهتداء إلى الله ودليل المعرفة بنهج صراطه المستقيم، الذي دعى إليه وأمر باتباعه وهو الملة الحنيفية السمحة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1=محمد بن جرير الطبري|وصلة المؤلف1=أبو جعفر الطبري|العنوان=تفسير ابن جرير الطبري، سورة الأنعام آية: (153)، القول في تأويل قوله تعالى: {{قرآن|وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله.}}|الناشر=دار المعارف|الصفحات=128 وما بعدها|تاريخ الوصول=27/ [[رجب]]/ [[1439 هـ]]}}</ref> والاتفاق على هذه السنة هو الجماعة.
وقد أمر الله بلزوم الجماعة ونهى عن التنازع والاختلاف المؤدي إلى التفرق في الدين، وثبت في الحديث أنه سيكون في الأمة اختلاف وتفرق في الدين بسبب اتباع الأهواء المضلة، وأن من أدرك شيئا من ذلك فعليه بلزوم الجماعة وإمامهم، ولزوم السنة.
 
والجماعة في هذه التسمة تشير إلى جماعة أهل السنة والجماعة من معنى الاجتماع على هذه السنة، وتطلق السنة على ما يقابل البدعة كقولهم: فلان من أهل السنة.<ref name="الشوكاني">{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد بن علي بن محمد الشوكاني|العنوان=إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، المقصد الثاني في السنة، البحث الأول: معنى السنة لغة وشرعا، ج1|الصفحة=128 وما بعدها}}</ref>
وقد جاء في الحديث الأمر باتباع السنة واجتناب البدعة، وأهل السنة والجماعة يفسرون البدعة بمعناها الشرعي وهي البدعة في الدين المخالفة لقواعده وأصوله، وهي التي ورد في الشرع ذمها ووصف صاحبها بالضلال عن الصراط المستقيم والموعود عليها بالنار،<ref>سنن الترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، ج5 حديث رقم: (2676)</ref> والتي هي استبداد بالرأي في مقابل النص، واتباع الهوى في معارضة الأمر، حتى تصير معتقدا مضادا للجماعة، ومضاهيا للسنة ومعارضا لها، كما أن أهل السنة والجماعة يفسرون البدعة بأنها هي صنوف البدع التي استحدثتها الفرق التي ظهرت في العصور المتقدمة من التاريخ الإسلامي التي ثبت وصفها في حديث تفرق الأمة، الذين تكلموا فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فية، وتحولت أهواؤهم إلى معتقدات كانوا بسببها شِيعا متفرقة لا ينتظم شملهم بالإسلام وإن كانوا من أهله، مثل: بدع الخوارج ومن تبعهم في القول بتكفير الصحابة والطعن فيهم ومنابذتهم والخروج على جماعتهم، ومثل القدرية والمجسمة وغيرهم، وقد بينوا مسميات هذه الفرق ومقولاتها ووجوه المخالفة، وكانت أول [[بدعة]] ظهرت في [[الإسلام]] فتنة الخوارج الذين انشقوا عن جماعة المسلمين وأعلنوا خروجهم عن [[علي بن أبي طالب]]، وغالوا في الوعيد فقالوا بتكفير العصاة وتخليدهم في النار، واتخذوا من تكفير المسلمين مبررا للخروج على ولاة الأمر واستباحوا بذلك دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم بغير حق، وقصروا الإيمان على جماعتهم، وتشعبت منهم فرق كثيرة.
وأهل السنة والجماعة هم السواد الأعظم من أصحاب المذاهب الفقهية عبر التاريخ الإسلامي، وينتمي إليهم الغالبية العظمى من [[المسلمين]]، واستقر عمل الناس في مختلف الأقطار على الأخذ بواحد من [[المذاهب الأربعة]]، وأئمتهم المتقدمون قد اتفقوا على قول واحد في أصول الاعتقاد، وعلى صحة خلافة الخلفاء الأربعة الأوائل: [[أبو بكر الصديق|أبو بكر]] [[عمر بن الخطاب|وعمر]] [[عثمان بن عفان|وعثمان]] [[علي بن أبي طالب|وعلي]]، ويؤمنون بعدالة كل ال[[صحابة]]، وبوجوب السكوت عما جرى بين الصحابة، وإثبات أجر الاجتهاد لهم، ولا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه، واتفقوا على عدم جواز الخروج على الحاكم ولو عاصيا، ووجوب طاعة ولاة الأمر ما لم يأمروكم بكفر بواح عندكم من الله فيه برهان.<ref>صحيح البخاري، كتاب الفتن، حديث رقم: (6647)</ref>
 
== التسمية ==
[[ملف:Allah-green.svg|تصغير|يسار|رسم '''لفظ الجلالة'''|مركز]]
أهل السنة والجماعة يدل بعمومه على معنى الاجتماع على السنة، وأصل التسمية قبل أن تكون لقبا متعارفا عليه قد جاءت مرتبطة ب[[الإسلام]] منذ نشأته، على اعتبار أن الله أرسل رسوله بدين الإسلام وأمر بطاعته واتباعه، وكان تبليغه للدعوة وإرشاده وتعليمه للناس وحكمه بينهم فيما اختلط عليهم من الأمور وبيان القرآن وتفصيل مجمله ورعاية مصالح الأمة وغير ذلك مما هو منقول عنه على الخصوص ولم ينص عليه [[القرآن الكريم|الكتاب العزيز]] هو السنة،<ref name="ابن منظور"/><ref name="الموافقات"/> وكان أئمة الدين هم خلفاؤه من بعده في نقل سنته والقيام بأمر الدين وتعليمه والحكم به بين الناس وهدايتهم إلى الله ورعاية مصالحهم وكانوا مرجعا للأمة، ولم يكن لقب أهل السنة والجماعة اصطلاحا متعارفا عليه في بداية [[التاريخ الإسلامي]]، حيث لم يكن هناك تفرق ولا اختلاف في أصول الدين، وكان يطلق على عموم المؤمنين بدين الإسلام اسم: «[[مسلمون|المسلمين]]» أو أهل الإسلام، وكان يطلق على الأئمة منهم أهل العلم أو القراء أي: المتعلمون أو الفقهاء بمعنى علماء الدين، وإنما بدأت التسمية تظهر تدريجيا بسبب ظهور الفرق المنشقة عن جماعة المسلمين، فالأمة الإسلامية أمة واحدة منذ نشأتها وهذا ما أكده الله في القرآن بقوله: {{قرآن|وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون}}،<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1=القرطبي|العنوان=تفسير القرطبي، سورة المؤمنون، آية: (52)، قوله تعالى: وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون|المسار=http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/qortobi/sura23-aya52.html|تاريخ الوصول=سبتمبر 2017}}</ref> وقوله تعالى: {{قرآن|وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}}. وصراط الله المستقيم طريق دين الإسلام الذي لا اعوجاج فيه، والسبل المتفرقة طرق الضلال.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1=محمد بن جرير الطبري|العنوان=تفسير الطبري سورة الأنعام آية: (153)|المسار=http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/katheer/sura6-aya153.html|تاريخ الوصول=أكتوبر 2017}}</ref> وقوله: {{قرآن|اهدنا الصراط المستقيم..}} وهو تعليم للمسلمين أن يطلبوا من الله الهداية باستمرار، ومعالم الإسلام واضحة ومكتملة، وكان الفارق بين الحق والباطل والهدى والضلال إنما هو بين العلم بالدين والجهل به، وتؤكد نصوص القرآن أن الدين كله لله وأن الناس لم يؤمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، وأن الضلال الذي وقعت فيه الأمم واتباع الأهواء المضلة كان بسبب مخالفة منهاج الأنبياء وأئمة الدين الذين يهدون الناس إلى الله بأمره، وفيه تحذير للأمة من الوقوع فيما وقعت فيه الأمم السابقة، فالسنة عند علماء أهل السنة والجماعة هي ميراث النبوة يحملها من كل خلف عدوله، وهي علم الدين الذي يشمل السنة النبوية وسنة [[الخلفاء الراشدين]] وأئمة الدين الفقهاء، والسنة المشتملة على جميع هذه المعاني هي سبيل الاهتداء إلى الله، والاتفاق على هذه السنة هو الجماعة.
 
جاء عن علماء أهل السنة والجماعة أن المسلمين في العصر النبوي وفي زمن خلافة [[أبي بكر الصديق]] و[[عمر بن الخطاب]] وقبل أحداث مقتل الخليفة [[عثمان بن عفان]] كانوا أمة واحدة فلم يكونوا بحاجة لتسمية تميزهم حيث لم يكونوا متفرقين ولا مختلفين في أصول الدين وكلياته، وإن وقع بينهم اختلاف في غير ذلك من المسائل فهو أمر طبيعي غالبا ما كان ينتهي بالإجماع، وكلهم مجتمعون على السنة، ومن خلال هذه الفترات كانت هناك تسميات لها علاقة مباشرة بكلمة السنة، وذلك أن [[الصحابة]] لم يكونوا كلهم أهل فتيا، بل كان مختصا بعلماء الشريعة منهم الذين تخصصوا منذ عصر النبوة للعلم في الدين، وكان يطلق عليهم في صدر الإسلام لقب: القراء أي: المتعلمين، وكان المتعلم منهم يقال له قارئ، وبعد انتشار التعليم أصبح يطلق عليهم: الفقهاء أي: أئمة الدين وعلماء الشريعة، وكانوا يستعملون كلمة: السنة بمعنى العلم في الدين أيضا، فيقولون مثلا: فلان أعلمهم بالسنة، والمقصود من هذا هو العلم بالشريعة، فلم يكن علمهم مقصورا على نقل نصوص القرآن والحديث؛ لأنهم كانوا أهل اللغة أصلا فلم يكونوا بحاجة لمن يفسر لهم هذه النصوص.
 
لما وقعت الفتنة التي ظهرت أحداثها بالخروج على الخليفة [[عثمان بن عفان]] ثالث الخلفاء وأدت إلى مقتله بدء ظهور استعمال تسمية أهل السنة في تلك الفترة، وبحسب ما جاء عن [[ابن سيرين]] أن لقب أهل السنة يراد به أئمة علماء الدين وحملة الشريعة، تمييزا لهم عن المخالفين لهم، وكان سبب ذلك أن وقوع تلك الفتنة المشار إليها حمل ظواهر غريبة تمثلت فيمن انتسب إلى علم الشريعة من غير أهلها، وجرى استنكار ذلك ووضع شروط معينة لنقل ورواية الحديث من أهمها الإسناد والعدالة، ففي صحيح مسلم: عن محمد بن سيرين قال: {{مض|إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم}}
عن [[ابن سيرين]] قال: {{مض|لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم}}.<ref>شرح النووي على مسلم، يحيي بن شرف أبو زكريا النووي، مقدمة الكتاب، باب بيان أن الإسناد من الدين وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقات وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز بل واجب وأنه ليس من الغيبة المحرمة بل من الذب عن الشريعة المكرمة،
ج1 ص84، دار الخير، سنة: 1416 هـ/ 1996م.، سنن الدارمي ج1 ص112.</ref><ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1=شهاب الدين أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني|المؤلف2=أبو زكريا يحيى بن شرف النووي|وصلة المؤلف1=شهاب الدين القسطلاني|وصلة المؤلف2=|العنوان=إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ج1، بحاشيته كتاب شرح النووي على صحيح مسلم|الصفحة=ص112|المسار=https://books.google.com/books?id=AgNLCwAAQBAJ&pg=PT93&dq=ابن+سيرين+لم+يكونوا+يسألون+عن+الإسناد+شرح+النووي+على+مسلم&hl=ar&sa=X&ved=0ahUKEwjatZOSgfzaAhWQa1AKHXpPAdkQ6AEINDAF#v=onepage&q=%D8%A7%D8%A8%D9%86%20%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D9%86%20%D9%84%D9%85%20%D9%8A%D9%83%D9%88%D9%86%D9%88%D8%A7%20%D9%8A%D8%B3%D8%A3%D9%84%D9%88%D9%86%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%86%D8%A7%D8%AF%20%D8%B4%D8%B1%D8%AD%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D9%88%D9%8A%20%D8%B9%D9%84%D9%89%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85&f=false|الطبعة=السابعة|الناشر=المطبعة الأميرية الكبرى|المكان=ببولاق مصر المحمية|السنة=1323 هجرية}}</ref>
وفي رواية للترمذي في العلل:
عن ابن سيرين قال: {{مض|كان في الزمان الأول لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد، لكي يأخذوا حديث أهل السنة، ويدعوا حديث أهل البدع}}.<ref>شرح علل الترمذي، لابن رجب الحنبلي، بدء التفتيش عن الإسناد، ج1 ص122.</ref> روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة يقول: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {{حديث|يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم}}".<ref>شرح النووي على مسلم، يحيي بن شرف أبو زكريا النووي، مقدمة، باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها، الحديث رقم: (7)، ج1، ص76، دار الخير، سنة النشر: 1416 هـ/ 1996م.</ref> فالسنة التي جاءت في كلامه هي العلم في الدين رواية ودراية، فالرواية نقل نصوص القرآن والحديث وأقوال الأئمة، والدرية العلم في الدين، فأهل السنة يراد بهم أهل العلم المشتمل على الرواية والدراية معا، وقد ذكر ابن سيرين أهل السنة في مقابل أهل البدعة، وأهل السنة كانوا في حينها يفسرون أهل البدعة بأنه يشمل جميع أهل الزيغ والأهواء الذين ابتدعوا في الدين ما ليس منه وخالفوا بذلك السنة، كالخوارج والقدرية وغيرهم، فإنهم أعرضوا عن السنة وطعنوا في الصحابة ولم يتعلموا منهم الشرع بل اتبعوا الأهواء. فالخوارج مثلا بالغوا في المحافظة على الدين والتمسك به، مما أدى إلى إنكار السنة وتكفير مخالفيهم، وتحقير العلماء والصالحين، كما أنهم اتخذوا من مبدأ التكفير وسيلة للخروج على حكام الدول الإسلامية، واستباحوا دماء مخالفيهم. كما ذكر أهل السنة أن الخوارج ومن وافقهم ابتدعوا في الدين طريقة الخروج على ولاة الأمر بناء على معتقد تكفير المسلمين واستباحة دمائهم وأعراضهم، وأن هذا كان هذا يمثل صورة واضحة للخروج عن جماعة المسلمين وإمامهم، ومن جهة ثانية فإنهم كانوا يسمون أنفسهم: «أهل القرآن» بدلالة واضحة على إنكار الحديث النبوي وإن اختلفوا في كيفية إنكاره.
 
من المهم جدا معرفة الألفاظ المستعملة عند أئمة السلف، ففي عبارة ابن سيرين عند قوله: {{مض|حديث أهل السنة}} تفيد أن رواية الحديث لم تكن مقصورة على أهل السنة، بل إن من وصفهم بالبدعة كذلك يروون الحديث، وأن الحديث جزء من تعريف أهل السنة، إذ المراد بهم أهل العلم، وهو ما دلت عليه نصوص أئمة السلف من أنهم لا يقصدون بأهل السنة رواة الحديث، بل يقصدون بذلك أهل العلم المشتمل على رواية الحديث، وهو الذي صار لقبا لأئمة المذاهب الفقهية من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ثم اشتهر من ذلك طريقتان أحدهما طريقة أهل الرأي بالعراق وكان أشهر أعلامها أبو حنيفة وأصحابه من بعده، وطريقة أهل الحديث بالحجاز وكان أشهر أعلامها مالك ابن أنس ثم الشافعي من بعده، ثم إن الإمام الشافعي وضع أصول الفقه في كتابه: الرسالة وجمع بين الطريقتن، والفرق بينهما أن طريقة أهل الرأي أكثر توسعا في مسائل القياس، وهاتان الطريقتان هما اللتان اشتهرتا بعد ذلك عند فقهاء أهل السنة، باعتبار أنه منهج فقهي.
 
بعد تمايز الفرق التي ظهرت في تاريخ الإسلام وكشف مقولاتها في عصر المتقدمين جمع العلماء مخالفات هذه الفرق وبينوا مسمياتهم ومقولاتهم، وحصروا عدد هذه الفرق ودونوا تواريخها وجمعوها في كتب الفرق فكان ذلك تصديقا للحديث المأثور في افترق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وذكر في كتاب الفرق بين الفرق أن أهل السنة والجماعة هم الفرقة الثالثة والسبعون من فريقي [[أهل الرأي|الرأي]] [[أهل الحديث|والحديث]]،<ref group="°">أهل الرأي وأهل الحديث يقصد بهما: الفقهاء من أصحاب الطريقتن.</ref> وكان منهم أئمة القراء والمحدثون والفقهاء وأهل النظر، وكلهم متفقون على قول واحد في أصول الدين، وأئمتهم المتقدمون قد اتفقوا على هذه الأصول وبينوها ودونوها وأخذها عنهم المتأخرون، وإن اختلفوا في [[فروع الفقه|فروع الأحكام]] فذلك لا يفسد للود قضية، ولا يلحق بسببه تفسيق ولا تبديع ولا تكفير، وبحسب ما جاء في كلامه أن هذه التسمية كانت تطلق على أهل السنة والجماعة تمييزا لهم عن الخوارج والمعتزلة والمجسمة وفرق التشيع وغيرها من الفرق المخالفة لهم في أصول الدين.<ref name="الفرق2"/>
 
== مفهوم كلمة السنة ==
=== التعريف اللغوي ===
السُنَّة في [[تعريف لغوي|اللغة]] الطريقة المسلوكة والمثال المتبع الذي يقتدى به والسيرة المتبعة‏، والعادة المستمرة الدائمة، وعرفها ابن جرير الطبري بمعنى: {{مض|المثال المتبع والإمام المؤتم به}}. قال لبيد:
{{قصيدة|من معشر سنت لهم آباؤهم|ولكل قوم سنة وإمامها.<ref>تفسير ابن جرير الطبري، ج4 ص65</ref>}}
وسَنَّة الله: أحكامه وأمره ونهيه، وسننها الله للناس: بينها. وسن الله سنة أي: بين طريقا قويما،<ref name="ابن منظور"/> والسُنَّة أيضا بمعنى: السيرة، حسنة كانت أو قبيحة، ويقال: سننتها سننَّا، وسننتها بمعنى: سرتها، وسنة الأولين سيرتهم، ويقال: سننت لكم سنة فاتبعوها أي: سيروا عليها، وفي الحديث: {{حديث|من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ومن سن سنة سيئة..}} يريد من عملها ليقتدى به فيها، وكل من ابتدأ أمرا عمل به قوم بعده، قيل: هو الذي سنه، قال نصيب:
{{قصيدة|كأني سننت الحب أول عاشق|من الناس إذ أحببت من بينهم وحدي}}
 
وقد تكرر في [[الحديث]] ذكر كلمة: «السُنَّة» وما تصرف منها، والأصل فيه أنها بمعنى: الطريقة والسيرة، وقال [[ابن منظور]]: «وإذا أطلقت في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي {{صلى الله عليه وسلم}}، ونهى عنه وندب إليه قولا وفعلا مما لم ينطق به [[القرآن الكريم|الكتاب العزيز]]؛ ولهذا يقال: في أدلة الشرع: الكتاب والسنة أي: القرآن والحديث».<ref name="ابن منظور"/> ومما يدل على هذا حديث: «إنما أنسى لأسن» أي: إنما أدفع إلى النسيان لأسوق الناس بالهداية إلى الطريق المستقيم، وأبين لهم ما يحتاجون أن يفعلوا إذا عرض لهم النسيان، قال: ويجوز أن يكون من سننت [[جمل|الإبل]] إذا أحسنت رعيتها والقيام عليها، وفي الحديث: «أنه نزل المحصب ولم يسنه» أي: لم يجعله سنة يعمل بها. قال في التهذيب: السنة الطريقة المحمودة المستقيمة، ولذلك قيل: فلان من أهل السنة، معناه: من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة، وهي مأخوذة من السنن وهو الطريق. قال أبو عبيد: سنن الطريق وسننه محجته، وتنح عن سنن الجبل أي عن وجهه، وقال الجوهري: السنن الطريقة يقال: استقام فلان على سنن واحد.<ref name="ابن منظور"/>
 
قال الآمدي: السنة في اللغة: الطريقة، فسنة كل أحد ما عهدت منه المحافظة عليه والإكثار منه، سواء كان ذلك من الأمور الحميدة أو غيرها.<ref name="الإحكام">{{مرجع كتاب|المؤلف=سيف الدين الآمدي|العنوان=كتاب الإحكام في أصول الأحكام القاعدة الثانية في بيان الدليل الشرعي وأقسامه وما يتعلق به من أحكامه القسم الأول فيما يجب العمل به مما يسمى دليلا شرعيا، الأصل الثاني في السنة، الجزء الأول|الصفحة=169}}</ref> قال في شرح الكوكب المنير: {{مض|ومنه قوله {{صلى الله عليه وسلم}}: {{حديث|من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها..}} الحديث}}. وتسمى بها أيضا: العادة والسيرة، قال في البدر المنير: السنة السيرة حميدة كانت أو ذميمة، وقال في القاموس: السنة السيرة، ومن الله تعالى حكمه وأمره ونهيه.<ref name="الفتوحي">{{مرجع كتاب|المؤلف1=تقي الدين أبو البقاء الفتوحي|العنوان=شرح الكوكب المنير، باب في السنة|الناشر=مطبعة السنة المحمدية|الإصدار=د.ط د.ت|الصفحة=210 إلى 212|تاريخ الوصول=27/ [[المحرم]]/ 1437 هـ}}</ref>
 
=== بالمعنى الشرعي ===
تستعمل كلمة: «السُنَّة» وما تصرف منها بالمعنى الشرعي لمعان متعددة عند علماء الشريعة الإسلامية على اختلاف مجالات العلوم الشرعية بحسب المقصود منها في كل علم، قال الشافعي: {{مض|إطلاق السنة يتناول سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم}}.<ref>أصول السرخسي ص113 و114.</ref>
 
فتطلق السُنَّة عند علماء الفقه على: «ما كان من العبادات نافلة منقولة عن النبي عليه السلام»، وتطلق تارة على [[المندوب]] أو المستحب الذي يقابل [[الفرض]] وغيره من الأحكام الخمسة.
 
السنة عند المحدثين هي: {{مض|ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خُلقية سواء كان قبل البعثة أو بعدها}}.<ref>شرح مختصر ابن الحاجب، عضد الدين الأيجي، ج2 ص290</ref> فهو بمعنى: نقل ورواية ما أثر من الأقوال والأفعال والإقرار والرواية حقيقة أو حكما‏، ويشمل سيرته وصفاتة‏‏ الخلقية والخلقية وحركاته وسكناته في اليقظة وفي المنام‏ قبل البعثة وبعدها‏.
 
السنة عند علماء [[أصول الفقه]] هي: {{مض|قول النبي {{صلى الله عليه وسلم}} وفعله وإقراره}}، قال تقي الدين الفتوحي في تعريف السنة في اصطلاح علماء [[أصول الفقه]] هي: {{مض|قول النبي {{صلى الله عليه وسلم}} غير الوحي أي: غير القرآن}}.<ref name="الفتوحي"/> أو: {{مض|ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من الأدلة الشرعية مما ليس بمتلو، ولا هو معجز ولا داخل في المعجز}}، وهذا النوع هو المقصود بالبيان في [[علم أصول الفقه]]. قال سيف الدين الآمدي: {{مض|ويدخل في ذلك أقوال النبي عليه السلام، وأفعاله وتقاريره}}. والأقوال تشمل ال[[أمر]] وال[[نهي]] والتخيير والخبر وجهات دلالتها ضمن الأدلة المنقولة الشرعية.<ref name="الإحكام"/>
 
قال تقي الدين الفتوحي: {{مض|السنة شرعا واصطلاحا: «قول النبي {{صلى الله عليه وسلم}} وفعله وإقراره على الشيء»، يقال أو يفعل، فإذا سمع النبي {{صلى الله عليه وسلم}} إنسانا يقول شيئا، أو رآه يفعل شيئا فأقره عليه فهو من السنة قطعا}}، وقال أيضا: {{مض|والمراد من أقوال النبي {{صلى الله عليه وسلم}} وأفعاله: ما لم يكن على وجه الإعجاز}}.<ref name="الفتوحي"/>
 
وتطلق السنة عند علماء العقيدة علي {{مض|هدي النبي صلي الله عليه وسلم في أصول الدين‏ وما كان عليه من العلم والعمل والهدي}}.
 
وتطلق السنة في العرف الشرعي العام على كل ما هو منقول من السنة النبوية أو عن الصحابة والتابعين، قال تقي الدين الفتوحي: «واحترز بقوله: «اصطلاحا» من السنة في العرف الشرعي العام، فإنها تطلق على ما هو أعم من المنقول عن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} وعن [[الصحابة]] والتابعين؛ لأنها في اصطلاح علماء الأصول: {{مض|قول النبي {{صلى الله عليه وسلم}} غير الوحي أي: غير القرآن}}.<ref name="الفتوحي"/>
 
تستعمل كلمة: «السنة» في العرف الشرعي العام بمعنى الطريقة، قال [[ابن حجر العسقلاني|ابن حجر]]: «قوله ‹هذه السنة‏›:‏ أشار إلى طريقة النبي {{صلى الله عليه وسلم}}
إشارة نوعية لا شخصية».<ref name="ابن حجر"/><ref name="العيني"/> وهذا تعريف للسنة بمعناها الأعم الذي لا يقتصر على الحديث النبوي، فهو بمعنى: الطريقة النبوية والهدي النبوي بعمومه، وما يدخل ضمن ذلك من سنة الخلفاء الراشدين والأئمة المجتهدين.
وقد تستعمل في العرف الشرعي العام بمعنى الدين كله باعتبار أنه مبلغ الدين عن الله وكل ما جاء بطريق الوحي لا يعلم إلا من جهته، فسنته هديه وطريقته وسبيله إلى الله وهي دعوتة التي دعى إليها والطريقة التي كان عليها من الدعاء إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته وترك معصيته.<ref>تفسير ابن جرير الطبري، تفسير سورة يوسف، آية: 108، القول في تأويل قوله تعالى: {{قرآن|قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}}. (108)، ج16 ص291 و292.</ref>
 
والسنة عند أئمة السلف الصالح هي العلم في الدين، قال ابن حجر العسقلاني: قال [[الأوزاعي]]: «العلم ما جاء عن أصحاب رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} وما لم يجئ عنهم فليس بعلم». وأخرج أبو عبيد ويعقوب بن شيبة عن [[ابن مسعود]] قال: «لا يزال الناس مشتملين بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد {{صلى الله عليه وسلم}} وأكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواؤهم هلكوا». وقال أبو عبيدة معناه أن كل ما جاء عن الصحابة وكبار التابعين لهم بإحسان هو العلم الموروث، وما أحدثه من جاء بعدهم هو المذموم، وكان السلف يفرقون بين العلم والرأي فيقولون للسنة علم ولما عداها رأي. وعن أحمد: «يؤخذ العلم عن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} ثم عن الصحابة، فإن لم يكن فهو في التابعين مخير». وعنه: «ما جاء عن الخلفاء الراشدين فهو من السنة وما جاء عن غيرهم من الصحابة ممن قال إنه سنة لم أدفعه». وعن [[ابن المبارك]]: «ليكن المعتمد عليه الأثر وخذوا من الرأي ما يفسر لكم الخبر». قال ابن حجر: والحاصل أن الرأي إن كان مستندا للنقل من الكتاب أو السنة فهو محمود وإن تجرد عن علم فهو مذموم، وعليه يدل حديث عبد الله بن عمرو المذكور، فإنه ذكر بعد فقد العلم أن الجهال يفتون برأيهم.<ref name="العسقلاني">{{مرجع كتاب|المؤلف=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما كان النبي {{صلى الله عليه وسلم}} يسأل مما لم ينزل عليه الوحي فيقول لا أدري. حديث رقم: (6879)|الناشر=دارالريان للتراث|السنة= 1407 هـ/ 1986م}}</ref>
 
 
=== السنة المأمور باتباعها ===
السنة التي دلت نصوص الشرع على الأمر باتباعها هي الطريقة النبوية بمفهومها الأعم عند علماء أهل السنة والجماعة فيدخل فيها سنة أئمة الدين من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، وفسرها أئمة أهل السنة من السلف المتقدمين بمعنى: علم الدين والشريعة المنقول عن أئمة الصحابة وعلمائهم وأئمة التابعين لهم بإحسان، وكانوا يفسرون السنة‏ التي دلت نصوص الشرع على لزوم اتباعها بأنها:‏ {{مض|طريقة النبي صلى الله عليه وسلم}}.<ref name="ابن حجر"/><ref name="العيني"/> أي: هديه ومنهجه وما كان عليه هو وأصحابه من الهدى والعلم والعمل والاعتقاد، بمعنى: الطريقة المسلوكة في الدين التي كان عليها هو وأصحابه وخلفائه الراشدون من بعده ومن تبعهم من أئمة الدين، وهو تفسير للسنة بتمام معناها المتكامل، والكثير من علماء أهل السنة والجماعة المتأخرين يفسرون السنة التي دلت النصوص على الأمر بلزومها بأنها مخصوصة في الاعتقادات من حيث أن الابتداع المخالف فيها على خطر عظيم.<ref name="جامع العلوم">جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم، الحديث الثامن والعشرون أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، الجزء الثاني، ص120، مؤسسة الرسالة، سنة النشر: 1422 هـ/ 2001م</ref> وقد كان أئمتهم المتقدمون يقصدون منها علم الدين المنقول بعمومه عن أئمة الصحابة وعلمائهم، فإنهم هم الذين حملوا علم الدين والشريعة وتعلموه وبينوه للناس،
فهو إمامهم ومعلمهم الأول وأولى الناس بإمته، وسنته طريقته في الدين ومنهجه وعلمه وهديه وبيانه للناس وحكمه بينهم فيما اختلط عليهم من الأمور، والصحابة لم يكونوا كلهم أصحاب فتيا، وإنما اختص منهم الذين تعلموا منه وكان منهم أئمة الدين وعلماء الشريعة، فإنهم أخذوا عنه العلم في الدين والأمور التي علمهم إياها وفهموها منه بالمجالسة والصحبة ومعايشة الوقائع، وكل هذا هو المقصود من لفظ السنة التي لا تقتصر على نقل النصوص، وعلمهم يشمل الذي تعلموه وما يضاف إلى ذلك من الأحكام التي فهموها أو بينوها أو استنبطوها أو اجتمعوا عليها،
وقد كان أهل السنة في عصر السلف المتقدمين يفسرون السنة التي دلت نصوص الشرع على الأمر باتباعها بمعنى الفقه في الدين وهو علم الشريعة بعمومه المأخوذ عن أئمة الدين من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، ويجعلون السنة بهذا المعنى في مقابل البدعة المخالفة لأصول الدين وقواعده من بدع الخوارج والقدرية والفرق المتفرعة منهم، ويسمون مقولات هذه الفرق أهواء مضلة، ويقصدون بذلك الذين قالوا في الدين بغير علم وفسروا الدين بأهوائهم وتكلموا فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه ولم يأخذوا العلم من أئمة الدين حملة الشريعة.
 
وتفسيرهم السنة بمعناها المتكامل بمعنى علم الشريعة بعمومه المأخوذ عن أئمة الصحابة ومن تبعهم بإحسان باعتبار أن أئمة الصحابة كانوا مجتمعين على الهدى، وسنتهم داخلة في السنة النبوية ضمنا، وكان علمهم بالسنة مشتملا على خصائص العلم بالشريعة من جميع الوجوه، فكانوا أعلم الناس باللغة العربية التي تفسر لهم نصوص الشرع، فإنهم لم يكونوا يسئلون عن تفسير الكثير من القرآن؛ لأنه نزل بلغتهم، فلم يكونوا بحاجة إلى من يفسر لهم معاني ألفاظ نصوص القرآن والحديث؛ لأنهم أصحاب اللغة أصلا، وأئمة الصحابة لم يكونوا بحاجة إلى علم قواعد تفسير القرآن والحديث وأصول التفسير ومناهج الاستدلال الفقهي وأصول الفقه وغير ذلك؛ لأن هذه الأمور كانت قريحة وملكة راسخة في أذهانهم، وأهل العلم الذين وضعوا علم التفسير وعلم الفقه وأصول الفقه وغيرها من علوم الشريعة إنما وضعوها نتيجة أخذ علم الصحابة، والمذاهب الفقهية إنما هي محصلة مذاهب فقهاء الصحابة، وأئمة الدين من بعدهم كلهم عالة عليهم في العلم المنقول عنهم.
 
 
قال تعالى: {{قرآن|لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ..[[قالب:قرآن-سورة 33 آية 21|الآية]]}}. أي: أن تتأسوا به وتكونوا معه حيث كان، ولا تتخلفوا عنه. قال ابن جرير: {{مض|وهذا عتاب من الله للمتخلفين عن رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} وعسكره بالمدينة من المؤمنين به، فإن من يرجو ثواب الله ورحمته في الآخرة لا يرغب بنفسه ولا عن مكان هو به، ولكنه تكون له به أسوة في أن يكون معه حيث يكون هو}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد بن جرير الطبري|وصلة المؤلف=ابن جرير الطبري|العنوان= تفسير الطبري تفسير سورة الأحزاب، آية: (21) القول في تأويل قوله تعالى: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» الجزء العشرون|الصفحة=235 و236|الإصدار=دار المعارف}}</ref>
 
قال [[عمر بن عبد العزيز]] لما سئل عن القدر: {{مض|فعليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة}}.
 
===السنة في مقابل البدعة===
قد تطلق السنة شرعا على ما يقابل البدعة، وقد جاء في نصوص الشرع الأمر باتباع السنة ولزومها في مقابل النهي عن الابتداع والتحذير من البدع، والسنة المتبعة في مقابل البدع المستحدثة والهدى في مقابل الضلال، وقد كان أئمة السنة من السلف المتقدمين يفسرون السنة [[أهل السنة والجماعة#السنة المأمور باتباعها|بمعناها المتكامل]]، ويجعلونها في مقابل البدعة بمعناها الشرعي وهي: البدعة المستحدثة في الدين المعارضة للسنة والمضادة للشريعة التي تخالف أصول الدين وقواعدة وليس لها أصل في الشريعة وليست من الدين أصلا والموصوف صاحبها بالضلال عن الصراط المستقيم الموعود عليها بالعقوبة في الآخرة، وهي عند أهل السنة والجماعة شاملة لجميع صنوف البدع والأهواء المضلة التي استحدثتها الفرق التي ظهرت في العصور المتقدمة من تاريخ الإسلام والتي كان أولها بدع الخوارج والفرق المتفرعة منها كالقدرية وغيرها، ويستندون في هذا إلى النصوص الشرعية المنقولة في تفرق الأمة وصفات الخوارج ووقوع الفتن.
 
أخرج [[الترمذي]] في سننه: «عن العرباض بن سارية قال وعظنا رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} يوما بعد [[صلاة الفجر|صلاة الغداة]] موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله! قال: {{حديث|أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم؛ ير اختلافا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة [[الخلفاء الراشدين]] المهديين عضوا عليها بالنواجذ}}».<ref name="الترمذي1">{{مرجع كتاب|المؤلف1=محمد بن عيسى بن سورة الترمذي|وصلة المؤلف1=الترمذي|العنوان=سنن الترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، الجزء الخامس حديث رقم: (2676)|الناشر= دار الكتب العلمية|الصفحة=43، 44|تاريخ الوصول=3/ [[ربيع الثاني]]/ [[1438 هـ]]}}</ref> وأخرجه الحاكم: {{حديث|عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي..}}.<ref name="المستدرك"/><ref>ورواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح، وخرجه الإمام أحمد وابن ماجه، وزاد في حديثه: {{مض|فقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك}}.</ref> وفي هذا الحديث دلالة على خصائص النبوة بما تضمن من جوامع الكلم، وفيه معجزة دالة على صدق النبوة في الإخبار بما سيكون من الابتداع في الدين المؤدي إلى الاختلاف والتنازع والتفرق، وإخبار الصحابة بأن من يعش منهم؛ فسيرى اختلافا كثيرا في الدين بظهور المحدثات المخالفة لأصول الدين وقواعده وليس لها أصل في الشريعة،
 
وأئمة أهل السنة في عصر السلف المتقدمين يقصدون بهذه البدعة التي دلت على ذمها نصوص الشرع بأنها جميع ما استحدثته الفرق التي ظهرت في سالف العصور الإسلامية من الخوض في المتشابهات التي يحدث بسببها العداوة بين المسلمين والتفرق عن جماعة المسلمين والخروج على الحكام، والاستبداد بالرأي في معارضة النص، والاستئثار باتباع الهوى واختلاف الأهواء المضلة التي يكون الناس بسببها شيعا متفرقة لا ينتظم شملهم بالإسلام، وقد أشار إليها [[الحسن البصري|الحسن]] فقال: {{مض|اتقوا هذه الأهواء فإن جماعها الضلالة وميعادها النار}}.<ref name="الملل٢">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو الفتح الشهرستاني|العنوان=الملل والنحل|الصفحات=34|المسار=https://books.google.com/books?id=2yscDgAAQBAJ&pg=PA15&lpg=PA15&dq=اتقوا+هذه+الأهواء+التي+جماعها+الضلالة&source=bl&ots=0BbBuPxC_c&sig=YYV1upkhRlWDMv66w3rrapddb7g&hl=ar&sa=X&ved=0ahUKEwji4-Pwq4nTAhUsBMAKHUWSCJQQ6AEIIzAD#v=onepage&q=%D8%A7%D8%AA%D9%82%D9%88%D8%A7%20%D9%87%D8%B0%D9%87%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%88%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A%20%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%87%D8%A7%20%D8%A7%D9%84%D8%B6%D9%84%D8%A7%D9%84%D8%A9&f=false|تاريخ الوصول=5 يونيو 2017م}}</ref>
وقد تضمن الحديث جملة من التعاليم الدينية منها: الوصية بتقوى الله، والسمع والطاعة لولاة الأمور وعدم الخروج عليهم،
وفي الصحيحين عن [[ابن مسعود]] قال: {{حديث|إن رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} كان يتخولنا بالموعظة كراهة السآمة علينا}}.<ref name="ابن رجب">{{مرجع كتاب|المؤلف1=ابن رجب الحنبلي|وصلة المؤلف1=ابن رجب الحنبلي|العنوان=جامع العلوم والحكم ج2 الحديث رقم: (28)|الناشر=مؤسسة الرسالة|الصفحة=109 إلى 112|السنة=1422 هـ/ 2001م|تاريخ الوصول=3/ [[ربيع الثاني]]/ [[1438 هـ]]}}</ref>
 
قال [[ابن رجب الحنبلي]]: فيه تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة وأكد ذلك بقوله: كل بدعة ضلالة، والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة. وما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع؛ فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه في التراويح: نعمت البدعة هذه، وروي عنه أنه قال: إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة، ومن ذلك أذان الجمعة الأول زاده [[عثمان بن عفان|عثمان]] لحاجة الناس إليه وأقره [[علي]] واستمر عمل المسلمين عليه، وروي عن [[ابن عمر]] أنه قال: هو بدعة، ولعله أراد ما أراد [[عمر بن الخطاب|أبوه]] في التراويح، انتهى ملخصا. ومعنى الحديث: فمن أدرك منكم زمن الاختلاف الكثير؛ فعليه بسنتي أي: فليلزم سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فإنهم لم يعملوا إلا بسنتي فإضافة السنة إليهم لكونهم أعلم بها ولاستنباطهم منها واختيارهم إياها. وقد جاء في الحديث الأمر بمتابعة الطريقة التي كان عليها رسول الله هو والصحابة، واتباعها والأخذ بها قولا وعملا واعتقادا، ويدل على ذلك حديث: {{حديث|عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي..}}.<ref name="المستدرك">المستدرك على الصحيحين كتاب العلم ج1 ص288 حديث رقم: (334)</ref>
وفي الحديث: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم».<ref>فتح الباري شرح صحيح البخاري حديث رقم: (6673)</ref>
وفي الحديث: «من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا»، وفي رواية: «ستكون أمور تنكرونها»،<ref>صحيح البخاري، كتاب الفتن، حديث رقم: (6644)</ref>
 
وقال [[الشوكاني]]: «فالسنة هي الطريقة فكأنه قال: الزموا طريقتي وطريقة الخلفاء الراشدين، وقد كانت طريقتهم هي نفس طريقته، فإنهم أشد الناس حرصا عليها وعملا بها في كل شيء، وعلى كل حال كانوا يتوقون مخالفته في أصغر الأمور فضلا عن أكبرها، وكانوا إذا أعوزهم الدليل من كتاب الله وسنة رسوله {{صلى الله عليه وسلم}}؛ عملوا بما يظهر لهم من الرأي بعد الفحص والبحث والتشاور والتدبر، وهذا الرأي عند عدم الدليل هو أيضا من سنته لما دل عليه حديث [[معاذ بن جبل|معاذ]] لما قال له رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}}: بم تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد قال: فبسنة رسول الله قال: فإن لم تجد قال: أجتهد رأيي قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله أو كما قال..».<ref group="°">قال الشوكاني: وهذا الحديث وإن تكلم فيه بعض أهل العلم بما هو معروف فالحق أنه من قسم الحسن لغيره وهو معمول به وقد أوضحت هذا في بحث مستقل.</ref>
فإن ما عملوا فيه بالرأي هو من سنته، وقد حث على اتباعهم؛ تأكيدا لمن بعدهم لئلا يتوهم أحد أنهم مخالفون لهديه، وسنة الخلفاء الراشدين هي نفس السنة النبوية ولا تخرج عنها.<ref name="الأحوذي">{{مرجع كتاب|المؤلف1=محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري|وصلة المؤلف1=|العنوان=تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، حديث رقم: (2676)|الناشر=دار الكتب العلمية|الصفحة=366 وما بعدها|تاريخ الوصول=3/ [[ربيع الثاني]]/ [[1438 هـ]]}}</ref>
 
قال [[ابن حجر العسقلاني]]: والمحدثات بفتح الدال جمع محدثة والمراد بها ما أحدث، وليس له أصل في الشرع ويسمى في عرف الشرع: «بدعة» وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة سواء كان محمودا أو مذموما، وكذا القول في المحدثة وفي الأمر المحدث الذي ورد في حديث عائشة: {{حديث|من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد}}.<ref name="الفتح">{{مرجع كتاب|المؤلف1=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|وصلة المؤلف1=ابن حجر العسقلاني|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث رقم: (6849)|الناشر=دار الريان للتراث|الصفحة=266 وما بعدها|السنة= 1407 هـ/ 1986م|تاريخ الوصول=3/ [[ربيع الثاني]]/ [[1438 هـ]]}}</ref> وحديث العرباض في المعنى قريب من حديث [[عائشة]] المشار إليه وهو من جوامع الكلم. يدل على أن المحدث يسمى بدعة، والمراد بقوله: «كل بدعة ضلالة» ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام.<ref name="الفتح"/> وقال ابن حجر أيضا: وقسم بعض العلماء البدعة إلى الأحكام الخمسة وهو واضح، وثبت عن [[ابن مسعود]] أنه قال: {{مض|قد أصبحتم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول}}.<ref name="الفتح"/> قال الشافعي: {{مض|البدعة بدعتان: محمودة ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم}}.<ref name="الفتح"/><ref group="°">أخرجه أبو نعيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عن الشافعي، انظر فتح الباري حديث رقم: (6849).</ref> وقال الشافعي أيضا: {{مض|المحدثات ضربان: ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة}}.<ref name="الفتح"/><ref group="°">أخرجه البيهقي في مناقب الشافعي نقلا عن الشافعي، انظر فتح الباري حديث رقم: (6849).</ref> فمما حدث تدوين الحديث ثم تفسير القرآن ثم تدوين المسائل الفقهية المولدة عن الرأي المحض ثم تدوين ما يتعلق بأعمال القلوب. ومما حدث الخوض في المتشابهات والأغاليط في مسائل العقيدة، وقد اشتد إنكار السلف على ذلك، قال [[ابن حجر العسقلاني]]: {{مض|وثبت عن مالك: أنه لم يكن في عهد النبي {{صلى الله عليه وسلم}} وأبي بكر وعمر شيء من الأهواء -يعني بدع الخوارج والروافض والقدرية-}}، وقال أيضا: {{مض|واشتد إنكار السلف لذلك كأبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي، وكلامهم في ذم أهل الكلام مشهور، وسببه أنهم تكلموا فيما سكت عنه النبي {{صلى الله عليه وسلم}} وأصحابه}}.<ref name="الفتح"/> وقسم [[العز بن عبد السلام]] البدعة خمسة أقسام: واجبة ومحرمة ومندوبة ومباحة ومكروهة.<ref name="الفتح"/>
 
والبدعة التي توصف بكونها ضلالة عند علماء أهل السنة والجماعة هي التي تكون في الدين باستحداث ما ليس منه مثل: ابتداع الخوارج القول بتكفير أهل المعاصي، ومثل: ابتداع المجسمة فتنة التجسيم وغيرها من البدع الموعود مبتدعها بالنار وإن لم يخرج ببدعته عن الملة إذ المقصود العقوبة على البدعة. أما ما كان له أصل من الدين أو ما هو من السنة الحسنة؛ فلا يكون من البدع المنهي عنها فقد ورد في الحديث: {{حديث|من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء}}.<ref name="النووي">{{مرجع كتاب|المؤلف1=يحيى بن شرف أبو زكريا النووي|وصلة المؤلف1=الإمام النووي|العنوان=شرح النووي على صحيح مسلم، كتاب العلم باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة حديث رقم: (1017)|الصفحة=172|الناشر=دار الخير|السنة=1416هـ/ 1996م}}</ref> وفي رواية أخرى لمسلم بلفظ: و«من دعا إلى الهدى..» و«من دعا إلى الضلالة..». قال النووي: هذان الحديثان صريحان في الحث على استحباب سن الأمور الحسنة، وتحريم سن الأمور السيئة. وقال [[النووي]]: {{مض|قوله {{صلى الله عليه وسلم}}: {{حديث|فعمل بها بعده}} معناه: إن سنها سواء كان العمل في حياته أو بعد موته. والله أعلم}}.<ref name="النووي"/>
 
=== اتباع سنة الخلفاء الراشدين ===
[[ملف:93nowy meczet1.jpg|تصغير|أسماء الخلفاء الأربع مكتوبة على سقف [[يني جامع]] في إسطنبول.]]
الخلفاء الراشدون بالمعنى العام هم أئمة المسلمين في الدين أهل الهدى والرشاد، أو من كان منهم خليفة للمسلمين وهم عند أهل السنة والجماعة الخلفاء الأربعة اتفاقا، ونص كثير من الأئمة على أن عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين،<ref name="جامع العلوم"/>
لأنهم جمعوا بين إمامة الدين والدنيا، وكانت لهم ولاية قائمة على منهاج النبوة، وأهل السنة والجماعة متفقون وجوب اتباع سنة الخلفاء، وأنها من السنة التي أمر الشرع باتباعها وأنهم كانوا مجتمعين على الهدى، ويستدلون على ذلك بأدلة منها حديث: {{حديث|عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي}} ومعناه إلزموا طريقتي أي: التي كان عليها هو وأصحابه من العلم والعمل والاعتقاد والهدى، والزموا طريقة الخلفاء الراشدين المشهود لهم بالهدى والرشاد، وهم المقتفون لأثره المتبعون لسنتة المهتدون بهديه، وذلك أنه لما كان رسولا للعالمين وخاتما للأنبياء والمرسلين كان الأئمة في الدين هم المستخلفون من بعده الحاملون لشريعته المبلغون عنه لرسالته الداعون بدعوته الهادون بهديه الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر الوارثون لعلم النبوة من بعده في أخذ العلم عنهم، وفي الحديث: {{حديث|كان بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي قام بعده نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فيكثرون}}.<ref>فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، كتاب الفتن، حديث رقم: (6644)</ref>
 
والمقصود بـالخلفاء في هذا الحديث الأئمة المجتهدون الفقهاء في الدين، الذين اختصوا بعلم الكتاب والسنة رواية ودراية، وهم الخلفاء الأربعة الأوائل [[أبو بكر الصديق]] و[[عمر بن الخطاب]] و[[عثمان بن عفان]] و[[علي بن أبي طالب]]، ويتضمن الأمر باتباع سنة الخلفاء اتباع أئمة الفقهاء في الدين علماء الشريعة من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، فإنهم ورثة علم النبوة.
 
{{حديث|عن يحيى بن أبي المطاع قال سمعت العرباض بن سارية يقول: قام فينا رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} ذات يوم فوعظنا موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقيل يا رسول الله وعظتنا موعظة مودع فاعهد إلينا بعهد فقال: «عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا، وسترون من بعدي اختلافا شديدا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات فإن كل بدعة ضلالة.»}} في الحديث: الأمر بالسمع والطاعة لولاة الأمور وإن كان المولى عليهم عبد حبشي مبالغة في وجوب لزوم الطاعة، وعدم جواز الخروج على ولاة الأمر ما لم يأمروكم بكفر بواح عندكم فيه من الله برهان. وقوله: {{حديث|وسترون من بعدي اختلافا..}} بمنزلة التعليل للوصية بذلك أي: والسمع والطاعة مما يدفع الخلاف الشديد فهو خير وعند ذلك: {{حديث|عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي}} قيل هم الخلفاء الأربعة، وقيل: هم أهل العلم بالكتاب والسنة ومما يدل عليه حديث: «وعن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال: قال رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}}: {{حديث|يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين}}». رواه البيهقي.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=علي بن سلطان محمد القاري|العنوان=مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح كتاب العلم حديث رقم: (248)|الصفحة=322 وما بعدها|الناشر=دار الفكر|السنة=1422 هـ/ 2002م}}</ref> قال السندي: قوله: {{حديث|وسنة الخلفاء إلخ}} قيل: هم الأربعة رضي الله عنهم وقيل: بل هم ومن سار سيرتهم من أئمة الإسلام المجتهدين في الأحكام فإنهم خلفاء الرسول عليه الصلاة والسلام في إعلاء الحق وإحياء الدين وإرشاد الخلق إلى الصراط المستقيم. وقوله: {{حديث|عضوا عليها بالنواجذ}}: بالذال المعجمة وهي الأضراس قيل: أراد به الجد في لزوم السنة كفعل من أمسك الشيء بين أضراسه وعض عليه منعا من أن ينتزع أو الصبر على ما يصيب من التعب في ذات الله كما يفعل المتألم بالوجع يصيبه قوله: {{حديث|والأمور المحدثات}} قيل: أريد بها ما ليس له أصل في الدين، قال السندي: {{مض|وأما الأمور الموافقة لأصول الدين فغير داخلة فيها، وإن أحدثت بعده {{صلى الله عليه وسلم}} قلت: هو الموافق لقوله: {{حديث|وسنة الخلفاء}} فليتأمل}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو الحسن الحنفي الشهير بالسندي|العنوان=حاشية السندي على سنن ابن ماجه كتاب المقدمة باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، باب من حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا وهو يرى أنه كذب. رقم الحديث: (42)|الناشر=دار الجيل|الصفحات=19 وما بعدها}}</ref>
 
والراشدون جمع راشد وهو الذي عرف الحق وعمل به،
وإنما وصف الخلفاء بالراشدين لأنهم عرفوا الحق وقضوا به، والرشاد ضد الغواية، والغاوي من عرف الحق وعمل بخلافه.
وفي رواية: {{حديث|المهديين}} يعني: أن الله يهديهم للحق ولا يضلهم عنه فالأقسام ثلاثة: راشد وغاو وضال فالراشد عرف الحق واتبعه والغاوي: عرفه ولم يتبعه، والضال: لم يعرفه بالكلية، فكل راشد فهو مهتد، وكل مهتد هداية تامة فهو راشد، لأن الهداية إنما تتم بمعرفة الحق والعمل به أيضا.<ref name="جامع العلوم"/>
 
 
«عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي أنه سمع العرباض بن سارية يقول وعظنا رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا قال: {{حديث|قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد}}».<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو الحسن الحنفي الشهير بالسندي|العنوان=حاشية السندي على سنن ابن ماجه كتاب المقدمة باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين حديث رقم: (44)|الناشر=دار الجيل|الصفحات=19 وما بعدها}}</ref>
 
قال السندي: قوله: {{حديث|على البيضاء}} أي: الملة والحجة الواضحة التي لا تقبل الشبه أصلا فصار حال إيراد الشبه عليها كحال كشف الشبه عنها ودفعها وإليه الإشارة بقوله: {{حديث|ليلها كنهارها}} قوله: {{حديث|فإنما المؤمن}} أي: شأن المؤمن ترك التكبر والتزام التواضع فيكون كالجمل الأنف ككنف أي بلا مد وكصاحب أي: بالمد والأول أصح وأفصح أي: الذي جعل الزمام في أنفه فيجره من يشاء من صغير وكبير إلى حيث يشاء حيثما قيد أي سيق والله أعلم.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو الحسن الحنفي الشهير بالسندي|العنوان=حاشية السندي على سنن ابن ماجه كتاب المقدمة باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين حديث رقم: (44)|الناشر=دار الجيل|الصفحات=20 وما بعدها}}</ref>
 
وفيه إخبار صحابته بما سيكون من بعده من الاختلاف الكثير أي: بعد انتشار الإسلام واندماج ثقافات الشعوب المختلفة ووقوع ظواهر جديدة وإشكالات، فبين لهم أن من أدرك زمن هذا الاختلاف فعليه بالرجوع إلى ما علموه من سنته وسنة خلفائه من بعده فالسنة المأمور باتباعها عند أئمة السنة من السلف المتقدمين هي علم الدين بعمومة عن أئمة الصحابة وعلمائهم، {{حديث|وسنة الخلفاء..}} داخلة في عموم معنى السنة، وإنما خصهم بالسنة المضافة إليهم لأن لهم سنة متبعة، ويجب اتباعها والرجوع إليها عند الاختلاف، وسنن الخلفاء التي اجتمع الناس عليها مثل جمع القرآن، وجمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح ووضع الدواوين وغير ذلك،
 
روى أبو نعيم من حديث عرزب الكندي: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {{حديث|إنه سيحدث بعدي أشياء فأحبها إلي أن تلزموا ما أحدث عمر}}".<ref name="جامع العلوم"/>
 
وقال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: {{مض|سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله، وليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر في أمر خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا}}.<ref name="جامع العلوم"/>
 
وقال خلف بن خليفة: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو خليفة فقال في خطبته: {{مض|ألا إن ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه فهو وظيفة دين، نأخذ به وننتهي إليه}}.<ref name="جامع العلوم"/>
 
وسنة الخلفاء التي وقع الاجتماع عليها تشمل الأحكام الصادرة عنهم في مستجدات ليس فيها نص شرعي يدل عليها بخصوصها، كقضاء عمر الذي جمع عليه الصحابة في العول وفي مسألتي الغراوين ومثل ما جمع عليه الناس في الطلاق الثلاث، وفي تحريم متعة النساء، وغير ذلك.<ref name="جامع العلوم"/>
وكل ما قضى به أئمة الصحابة أو خلفائهم وحصل الاجتماع عليه فهو عند أهل السنة والجماعة حجة معتبرة وإجماعهم إجماع، أما ما لم يجتمعوا عليه من فروع الأحكام فلا تكون حجة بل هي مذاهب فقهية.
 
قال وكيع: {{مض|إذا اجتمع عمر وعلي على شيء فهو الأمر}}.<ref name="جامع العلوم"/>
 
عن [[ابن مسعود]] أنه كان يحلف بالله: إن الصراط المستقيم هو الذي ثبت عليه عمر حتى دخل الجنة.<ref name="جامع العلوم"/>
 
وكان علي يتبع أحكامه وقضاياه، ويقول: {{مض|إن عمر كان رشيد الأمر}}.<ref name="جامع العلوم"/>
 
وروى أشعث عن الشعبي قال: {{مض|إذا اختلف الناس في شيء فانظر كيف قضى فيه عمر فإنه لم يكن يقضي عمر في أمر لم يقض فيه قبله حتى يشاور}}.<ref name="جامع العلوم"/>
 
وقال مجاهد: {{مض|إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما صنع عمر فخذوا به}}.<ref name="جامع العلوم"/>
 
وقال أيوب عن الشعبي: {{مض|انظروا ما اجتمعت عليه أمة محمد، فإن الله لم يكن ليجمعها على ضلالة، فإذا اختلفت فانظروا ما صنع عمر ابن الخطاب فخذوا به}}.
 
وسئل عكرمة عن أم الولد فقال: تعتق بموت سيدها، فقيل له: بأي شيء تقول؟ قال: بالقرآن قال: بأي القرآن؟ قال: {{قرآن|أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}} (النساء: 59)، وعمر من أولي الأمر.<ref name="جامع العلوم"/>
 
== مفهوم لفظ الجماعة ==
=== تعريف ===
الجَماعة في اللغة المجتمعون على الشيء، وجمع الشيء عن تفرقة،<ref>لسان العرب لابن منظور، ج٣ ص١٩٦</ref> يقال: جمع جمعا واجتماعا، وتفيد معنى الاجتماع على أمر واحد، والإجماع أي: الاتفاق، فالجماعة ضد الفرقة والاجتماع ضد الافتراق، وقد جاء استعمال كلمة الجَماعة في نصوص الشرع الإسلامي للدلالة معنى الاجتماع الحاصل من عدة وجوه منها الاجتماع على الحق والهدى والملة البيضاء ومنهاج النبوة واتفاق الأمة واجتماع الكلمة عموما، وأصل الكلمة لإفادة معنى الاجتماع في مقابل الافتراق، فلا تقتصر كلمة الجماعة على فرقة في مقابل أخرى، فالمسلمون كلهم كالجسد الواحد، ربهم واحد ونبيهم واحد ودينهم واحد، والمسلمون جميعا أمة واحدة وجماعة واحدة، وقد جاء في نصوص الشرع الإسلامي الدلالة على أمر المسلمين عموما بالاجتماع على ملة الإسلام ومنهاج النبوة، في مقابل النهي عن التفرق في الدين المؤدي إلى التنازع والتخاصم والعداوة والبغضاء وافتراق الناس بسببه إلى أحزاب وجماعات متفرقة لا ينتظم شملهم بالإسلام وإن كانوا من أهله وحكم لهم بحكمه، وجاء في نصوص الشريعة الأمر بلزوم الجماعة والنهي عن الافتراق في الدين، وقد أمر الله جميع المسلمين أن يكونوا أمة واحدة مجتمعين على الملة البيضاء،<ref name="ابن كثير2">{{مرجع كتاب|المؤلف=إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي|العنوان= تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة آل عمران، تفسير قوله تعالى «يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته» الجزء الثاني|الصفحات=86 وما بعدها|الناشر=دار طيبة|السنة=1422 هـ/ 2002م|العنوان بالعربي=تفسير ابن كثير}}</ref> فقال تعالى: {{قرآن|وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تفرقوا ..[[قالب:قرآن-سورة 3 آية 103|الآية]]}}، قال [[ابن عباس]]: معناه تمسكوا بدين الله، وقال [[ابن مسعود]]: هو الجماعة، وقال: {{مض|عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر الله به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة}}. وقال مجاهد وعطاء: بعهد الله، وقال قتادة والسدي: هو القرآن، وقال مقاتل بن حيان: بحبل الله: أي بأمر الله وطاعته. وقال العيني: الكتاب والسنة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=بدر الدين العيني|العنوان=عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج23|الصفحة=25|الناشر=دار إحياء التراث العربي|المكان=بيروت- لبنان|المسار=http://shamela.ws/browse.php/book-5756/page-7423|اللغة=العربية}}</ref> {{قرآن|ولا تفرقوا}} قال البغوي: أي: لا تتفرقوا كما تفرق اليهود والنصارى.<ref name="البغوي2">{{مرجع كتاب|المؤلف1=الحسين بن مسعود البغوي|وصلة المؤلف1=البغوي|العنوان= تفسير البغوي، سورة آل عمران، تفسير قوله تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا»، الجزء الثاني|الصفحة=78 وما بعدها}}</ref>
 
ونهى الله المسلمين عن الفُرقة والتنازع لما يترتب على ذلك من الخذلان وذهاب القوة، قال الله تعالى: {{قرآن|وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}}.<ref group="°">[[سورة الأنفال]] آية: 46.</ref> فالتنازع والافتراق في الدين يُصيِّر الأمة شيعا وأحزابا متفرقين، قال تعالى: {{قرآن|إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}}،<ref group="°">[[سورة الأنعام]] آية: 159.</ref> وقال تعالى: {{قرآن|مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}}.<ref group="°">[[سورة الروم]] آية: 32.</ref> وهذا هو التنازع المذموم الذي يكون سببا في تفريق كلمة الأمة الإسلامية، وخلق الافتراق بين المسلمين، وقطع الصلة فيما بينهم، وهو غير الخلاف المعتبر في مسائل [[فروع الفقه|الفروع]]، فلا يدخل في معنى التفرق في الدين، فاجتهاد الخلفاء الراشدين وأئمة الصحابة ومن تبعهم من أهل الاجتهاد المعتبر لا يدخل في هذا بالإجماع، فهو لا يؤدي إلى التنازع وتفريق الدين بل هو الذي رحمة ولا يفسد للودِّ قضية.<ref name="الفتوى">{{مرجع كتاب|المؤلف1=لجنة الإفتاء الأردنية|العنوان=أهل السنة والجماعة هم السواد الأعظم من الأمة، رقم الفتوى : 2801، التصنيف: الفرق والأديان، نوع الفتوى: بحثية، السؤال: ما المراد بـ(الفرقة الناجية) الوارد ذِكْرُها في حديث الافتراق المشهور، وكيف يتعرف المسلم على مواصفات تلك الفرقة؟|الناشر=|تاريخ=30/ 04/ 2013م|المسار=http://aliftaa.jo/Question.aspx?QuestionId=2801#.WKqA6HNjhAg|تاريخ الوصول=3/ [[ربيع الثاني]]/ [[1438 هـ]]}}</ref><ref group="°">جاء في فتاوى الأردن: «وما زال السواد الأعظم من أمة محمد {{صلى الله عليه وسلم}} عبر التاريخ الإسلامي كله متمسكين بمنهج أهل السنة والجماعة، لم يحد منهم إلا فرق عقائدية كثيرة الأسماء، ولكنها قليلة الأعداد، لم تخرج من الملة، ولكنها مالت نحو الغلو أو الهوى في تفسير الإسلام وتناول قضاياه».
وفي الحديث: «إن أهل الكتابينِ افترقوا فِي دينهم على ثنتينِ وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني الأهواء- كُلُّها فِي النَّارِ إلا واحدة، وهي الجماعة». رواه أحمد والحاكم وابن ماجه وغيرهم. وفي لفظ عند البيهقي وغيره: «كلها في النار إلا السواد الأعظم». وفي لفظ آخر: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي».
 
وجاء عن لجنة الإفتاء الأردنية أيضا: «فإن قوله: «كلها في النار» لا يعني تكفيرها، بدليل وصفه لها بأنها «من أمته»، وإنما دليل على خطئها ومخالفتها الإسلام الوسطي المعتدل؛ فلا يجوز تكفيرها ما لم تناقض عقائد الإسلام القطعية، بل تُحاوَر بالعلم والعقل، وتُعامَل بالحسنى التي أمر الله بها.
كما أن كثرة عدد تلك الفرق لا يعني أغلبيتها في الأمة، بل الأغلبية -وهم السواد الأعظم من العلماء. وعامة المسلمين متمسكون بما كان عليه النبي {{صلى الله عليه وسلم}} وأصحابه في أصول الاعتقاد والعمل.»</ref>
 
====معنى الجماعة====
الجماعة عند أئمة أهل السنة والجماعة تفيد معنى الاجتماع الحاصل من عدة وجوه كلها ترجع إلى معنى الاجتماع على الهدى، وهو الاجتماع على السنة بمعنى الطريقة التي كان عليها الخلفاء الراشدون وأئمة الصحابة من الهدى والعلم والعمل والاعتقاد، وهو عندهم في مقابل افتراق أهل الأهواء المضلة من [[أهل السنة والجماعة#في مقابل البدعة|أصحاب الفرق]] المنشقة عن جماعة المسلمين، فالاجتماع على هذه الطريقة يستلزم الاجتماع على أمير فيشمل ولاة الأمر، والاجتماع على إمام في الدين فيشمل الأئمة المجتدون وعلماء الشريعة، وعامة الناس تبع لهم إن وافقوهم، والاجتماع على الهدى هو الاتفاق على قول واحد في أصول الدين، وينتقل هذا الاجتماع بانتقال هذه الطريقة بالتعاقب فيحمل هذا العلم من كل خلف عدوله،
 
فالجماعة من حيث هي بمعنى الاجتماع والاتفاق في مقابل التفرق والاختلاف، وهذا الاجتماع والاتفاق عند أئمة أهل السنة الأوائل كان يتمثل فيما كان عليه اجتماع الخلفاء الراشدين وأئمة الصحابة فإنهم كانوا على الحق والهدى، والذين عارضوهم بما استحدثوه من الأهواء المضلة هم الذين انشقوا بسبب تلك الأهواء عن جماعة المسلمين.
 
ذكر [[أبو سليمان الخطابي]] في كتاب: «العزلة» أن الجماعة في مقابل الفرقة فقال:
قال الشيخ أبو سليمان فأقول: {{مض|الفرقة فرقتان فرقة الآراء والأديان وفرقة الأشخاص والأبدان، والجماعة جماعتان: جماعة هي الأئمة والأمراء وجماعة هي العامة والدهماء}}، وفي كلامه بيان المقصود من هذا التفصيل وهو أن الجماعة التي أمر الشرع بلزومها ونهى عن مفارقتها إنما هي جماعة الأئمة والأمراء، أما جماعة عامة الناس فليست هي المقصودة من ذلك، وأن الافتراق المنهي عنه في الشرع هو الافتراق في أصول الدين، وقد بين ذلك بقوله: {{مض|فأما الافتراق في الآراء والأديان فإنه محظور في العقول محرم في قضايا الأصول لأنه داعية الضلال وسبب التعطيل والإهمال، ولو ترك الناس متفرقين لتفرقت الآراء والنحل ولكثرت الأديان والملل ولم تكن فائدة في بعثة الرسل وهذا هو الذي عابه الله عز وجل من التفريق في كتابه وذمه في الآي التي تقدم ذكرها، وعلى هذه الوتيرة نجري الأمر أيضا في الافتراق على الأئمة والأمراء فإن في مفارقتهم مفارقة الألفة وزوال العصمة والخروج من كنف الطاعة وظل الأمنة وهو الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه وأراده بقوله: «من فارق الجماعة فمات فميتته جاهلية»، وذلك أن أهل الجاهلية لم يكن لهم إمام يجمعهم على دين ويتألفهم على رأي واحد بل كانوا طوائف شتى وفرقا مختلفين آراؤهم متناقضة وأديانهم متباينة وذلك الذي دعا كثيرا منهم إلى عبادة الأصنام وطاعة الأزلام رأيا فاسدا اعتقدوه في أن عندها خيرا وأنها تملك لهم نفعا أو تدفع عنهم ضرا}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو سليمان الخطابي|العنوان=العزلة للخطابي|الصفحة=7}}</ref>
 
قال أبو سعيد الخادمي: {{مض|أهل السنة أي: أصحاب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: التمسك بها. والجماعة أي: جماعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الأصحاب والتابعون}}.<ref>البريقة المحمودية في شرح الطريقة المحمدية والشريعة النبوية في السيرة الأحمدية المؤلف: محمد بن محمد بن مصطفى بن عثمان، أبو سعيد الخادمى الحنفي (المتوفى: 1156هـ) الباب الثاني في الأمور المهمة في الشريعة المحمدية، الفصل الأول في تصحيح الاعتقاد، الجزء الأول ص١٥٥ و١٥٦، الناشر: مطبعة الحلبي، 1348هـ.</ref>
 
=== بالمعنى الشرعي ===
الجماعة التي دلت نصوص الشريعة على لزومها وتحريم مفارقتها عند أئمة أهل السنة والجماعة تتمثل في جماعة الأئمة والأمراء، فالأئمة في أمور الدين يراد بهم عند أئمة أهل السنة والجماعة أهل العلم حملة الشريعة المجتمعون على الهدى وهو الاجتماع على السنة بمعنى الطريقة المتبوعة في الدين التي كان عليها الخلفاء الراشدون وأئمة الصحابة علماء الدين والشريعة من الهدى والعلم والعمل والاعتقاد، فالسنة بهذا المعنى هي الطريق الموصل إلى الملة، والاجتماع على هذه السنة هو الجماعة، فالطريقة التي كان عليها الخلفاء الراشدون وأئمة الصحابة هي المثال المتبع في الدين، واتباع طريقتهم التي كانوا عليها والتأسي والإقتداء بهم فيما اجتمعوا عليه هو طريق الحق والهدى، وطريقتهم هي السُنَّة بالمعنى المتكامل، والاجتماع على الطريقة التي كانوا عليها هو الجماعة، وأما الأمراء فهم ولاة الأمر الذين لهم ولاية عامة أو خاصة، فالولاية العامة يقصد بها الخلافة، والولاية الخاصة يقصد بها ولاية الأمراء فيما دون منصب الخليفة والولاة التابعون لولايتهم.
 
فأما الأئمة في الدين الموصوفون بما ذكر فلزوم جماعتهم يرجع إلى معنى الإقتداء بهم وأخذ العلم عنهم واتباعهم في مسلك الهدى، وأما ولاة الأمر فلزوم جماعتهم بالسمع والطاعة وعدم الخروج عليهم، فإذا اجتمع الأئمة في الدين ومن دخل في جماعتهم على خليفة واحد للمسلمين فهذا هو المطلوب في تحصيل معنى الجماعة، كما كان عليه جماعة المسلمين قبل أحداث مقتل الخليفة عثمان بن عفان، وهذا هو تفسير الجماعة بمعناها المتكامل، فالجماعة بهذه الطريقة عند أئمة أهل السنة والجماعة هم الذين اجتمعوا على هذه السنة أي: الطريقة المسلوكة بمعناها المتكامل، فيلزم أن يكون فيهم الأئمة المجتهدون وعلماء الشريعة ودخل فيهم سوادهم الأعظم، وعامة الناس الموافقون لهم تبع لهم، واجتماعهم على هذه الطريقة يستلزم اجتماعهم على أمير،
قال الشاطبي:
ومعنى الجماعة راجع إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة، والاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكور في الأحاديث الدالة على لزوم الجماعة.<ref name="الاعتصام">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي|العنوان=كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي، ج2، الباب التاسع في السبب الذي لأجله افترقت فرق المبتدعة عن جماعة المسلمين المسألة السادسة عشرة|الصفحات=٧٦٨ وما بعدها|الناشر=دار ابن عفان|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
 
جاء عن أئمة أهل السنة والجماعة تفسير معنى الجماعة التي ثبت في الشرع وجوب لزومها وتحريم مفارقتها في خمسة أقوال متقاربة تدل بمجموعها على المعنى المقصود، وقد جمع [[ابن جرير الطبري]] أقوال الأئمة الأوائل ونقلها عنه العلماء من بعده، وكلهم متفقون على اعتبار معنى الاجتماع على الحق في مسلك الهدى الذي كان عليه أئمة الصحابة والخلفاء الراشدون ومن تبعهم بإحسان، كما اتفق الجميع على اعتبار أهل العلم والاجتهاد، وأن الاعتبار إنما هو بالسواد الأعظم من العلماء المعتبر اجتهادهم، وأما جماعة العوام فإنهم تبع لأئمتهم إن وافقوهم، ويرجع الفرق بين هذه الأقوال إلى اختلاف صفات الاجتماع بحسب ما يراد منه في معنى المخالفة، وهذه الأقوال الخمسة باختصار هي: {{مض|السواد الأعظم، الأئمة المجتهدون، الصحابة، أهل الإسلام إذا اجتمعوا على أمر، جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير}}،
 
فالأمة لا تجتمع كلها على ضلال، فأهل الحق لا يزالون على الحق باقون إلى قيام الساعة وإن قلوا وكثر أهل الباطل فلا يمكن إضلال الحق، فاجتماع السواد الأعظم على الحق إنما ينطبق على الجماعة الأولى ومن وافقها في السير على نهجها من غير مخالفتها في الأمور المتفق عليها، وهذا لا يتحقق في سائر العصور بل في بعضها أو معظمها، فالكثرة ليست معيارا للجماعة في كل عصر؛ لإمكان وقوع اجتماع أكثر الناس على غير هدى، ومن ثم فإن أهل السنة والجماعة الذين يفسرون الجماعة بأنها هي السواد الأعظم إنما يراد بذلك عند استيفاء جميع صفات الاجتماع المعتبرة عندهم.
 
القول الأول: أن الجماعة هي السواد الأعظم من أهل الإسلام الذين إذا اجتمعوا على الرضى بتقديم أمير كان المفارق لهم ميتا ميتة جاهلية، وهم معظم الناس وكافتهم من أهل العلم والدين وغيرهم، المجتمعون على ما كان عليه أهل الهدي الأول، فيدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها، ومن سواهم داخلون في حكمهم، لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، وممن قال بهذا [[أبو مسعود الأنصاري]] و[[ابن مسعود]]، وهذه هي الجماعة التي وصفها أبو مسعود الأنصاري فيما روى الطبري أنه لما قتل الخليفة [[عثمان بن عفان]] سئل أبو مسعود الأنصاري عن الفتنة فأوصى بالجماعة وقال إن الأمة لا تجتمع على ضلال، ووصف الفرقة بأنها هي الضلال، فكل من خرج عن جماعتهم فهم الذين شذوا ويدخل في هؤلاء جميع أهل البدع لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة، لم يدخلوا في سوادهم بحال، سواء كان المخالف لهم في أمر من الدين أو خالفهم في .<ref name="الاعتصام"/>
 
الثاني: أن الجماعة هي جماعة أئمة العلماء المجتهدين، وممن قال بهذا [[عبد الله بن المبارك]]، و[[إسحاق بن راهويه]]، وجماعة من السلف وهو رأي الأصوليين، وذلك إن الأئمة المجتهدين مرجع الأمة والاجتماع على الحق والهدى لا يتحقق إلا بهم.
 
الثالث: أن الجماعة هي الصحابة على الخصوص، لأن جماعتهم هي الأصل فإنهم مجتمعون على الهدى، ولا يتحقق الاجتماع على على الهدى إلا باتباعهم فيما اجتمعوا عليه من الحق، وممن قال بهذا القول [[عمر بن عبد العزيز]].
 
الرابع: أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام، إذا أجمعوا على أمر فواجب على غيرهم من أهل الملل اتباعهم، وهذا القول راجع إلى الأول
 
الخامس: أن الجماعة جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير واختاره [[ابن جرير]] ورجحه.
فهذه خمسة أقوال مذكورة عند أئمة أهل السنة والجماعة، وقد اتفق الجميع على اعتبار أهل العلم والاجتهاد، وعلى أن يكون اجتماعهم على أمير،
فهذه الأقوال يرجع بعضها إلى بعض، فالقول الأول أي: السواد الأعظم هو تفسير للجماعة بمعناها المتكامل فتدخل فيه الأقوال الأخرى فلا عبرة باجتماع السواد الأعظم إلا إذا كان فيهم الأئمة المجتهدون، وكان اجتماعهم موافقا لطريقة الهدى التي اجتمع عليها الصحابة، وكانوا جماعة واحدة مجتمعين على أمر واحد وعلى خليفة واحد.
 
=== الجماعة المأمور بلزومها ===
:::الأقوال المأثورة في معنى الجماعة
الجماعة عند أئمة أهل السنة من السلف الصالح ترجع إلى معنى الاجتماع الذي كان عليه أئمة الصحابة والخلفاء الراشدون فيما اجتمعوا عليه من الهدى والعلم والعمل والاعتقاد، وجاء عنهم تفسير معنى الجماعة التي ثبت في الشرع وجوب لزومها وتحريم مفارقتها في خمسة أقوال متقاربة للحصول منها بمجموعها على المعنى المقصود، وقد جمع [[ابن جرير الطبري]] أقوال الأئمة المتقدمين ونقلها عنه العلماء من بعده، وقد ذكرها [[الشاطبي]]، وكلها متقاربة للتوصل منها بمجموعها على المعنى المراد فقال: أحدها: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، ومن خالفهم مات ميتة جاهلية، سواء خالفهم في شيء من الشريعة أو في إمامهم وسلطانهم، فهو مخالف للحق، وممن قال بهذا [[أبو مسعود الأنصاري]] و[[ابن مسعود]]، فروى أنه لما قتل عثمان سئل أبو مسعود الأنصاري عن الفتنة فقال: {{مض|عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد {{صلى الله عليه وسلم}} على ضلالة، واصبر حتى تستريح أو يستراح من فاجر}}، وقال: {{مض|إياك والفرقة فإن الفرقة هي الضلالة}}، وقال ابن مسعود: {{مض|عليكم بالسمع والطاعة فإنها حبل الله الذي أمر به}}، ثم قبض يده وقال: {{مض|إن الذي تكرهون في الجماعة خير من الذين تحبون في الفرقة}}، وعن الحسين قيل له: أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: {{مض|أي والذي لا إله إلا هو، ما كان الله ليجمع أمة محمد على ضلالة}}. فعلى هذا القول يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها، ومن سواهم داخلون في حكمهم، لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم، فكل من خرج عن جماعتهم فهم الذين شذوا وهم نهبة الشيطان ويدخل في هؤلاء جميع أهل البدع لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة، لم يدخلوا في سوادهم بحال.<ref name="الاعتصام"/>
 
والثاني: أنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين، فمن خرج مما عليه علماء الأمة مات ميتة جاهلية، لأن جماعة الله العلماء، جعلهم الله حجة على العالمين، وهم المعنيون بقوله عليه الصلاة والسلام: {{حديث|إن الله لن يجمع أمتي على ضلالة}}، وذلك أن العامة عنها تأخذ دينها، وإليها تفزع من النوازل، وهي تبع لها. فمعنى قوله: لن تجتمع أمتي لن يجتمع علماء أمتي على ضلالة، وممن قال بهذا [[عبد الله بن المبارك]]، و[[إسحاق بن راهويه]]، وجماعة من السلف وهو رأي الأصوليين، فقيل لـ [[عبد الله بن المبارك]]: من الجماعة الذين ينبغي أن يقتدى بهم؟ قال: أبو بكر وعمر -فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين ابن واقد- فقيل: هؤلاء ماتوا: فمِن الأحياء؟ قال: أبو حمزة السكري، وعن المسيب بن رافع قال: كانوا إذا جاءهم شيء من القضاء ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله سموه ‹صوافي الأمراء› فجمعوا له أهل العلم، فما أجمع رأيهم عليه فهو الحق، وعن إسحاق بن راهويه نحو مما قال ابن المبارك. فعلى هذا القول لا مدخل في السؤال لمن ليس بعالم مجتهد، لأنه داخل في أهل التقليد، فمن عمل منهم بما يخالفهم فهو صاحب الميتة الجاهلية.<ref name="الاعتصام"/>
 
والثالث: أن الجماعة هي الصحابة على الخصوص، فإنهم الذين أقاموا عماد الدين وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلا، وقد يمكن فيمن سواهم ذلك، وممن قال بهذا القول [[عمر بن عبد العزيز]]، فروى ابن وهب عن مالك قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول: «سن رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيها، من اهتدى بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خافها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا» فقال مالك: فأعجبني عزم عمر على ذلك. وعلى هذا القول فلفظ الجماعة مطابق للرواية الأخرى في قوله عليه الصلاة والسلام: {{حديث|ما أنا عليه وأصحابي}} فكأنه راجع إلى ما قالوه وما سنوه، وما اجتهدوا فيه حجة على الإطلاق، وبشهادة رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} لهم بذلك خصوصا في قوله: {{حديث|فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين}} وأشباهه، أو لأنهم المتقلدون لكلام النبوة، المهتدون للشريعة، الذين فهموا أمر دين الله بالتلقي من نبيه مشافهة، على علم وبصيرة بمواطن التشريع وقرائن الأحوال، بخلاف غيرهم فإذاً كل ما سنوه فهو سنة من غير نظير فيه، بخلاف غيرهم، فإن فيه لأهل الاجتهاد مجالا للنظر ردا وقبولا، فأهل البدع إذاً غير داخلين في الجماعة قطعا على هذا القول.
 
والرابع: أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام، إذا أجمعوا على أمر فواجب على غيرهم من أهل الملل اتباعهم، وهم الذين ضمن الله لنبيه عليه الصلاة والسلام أن لا يجمعهم على ضلالة، فإن وقع بينهم اختلاف فواجب تعرف الصواب فيما اختلفوا فيه، قال [[الشافعي]]: «الجماعة لا تكون فيها غفلة عن معنى كتاب الله، ولا سنة ولا قياس، وإنما تكون الغفلة في الفرقة». وكأن هذا القول يرجع إلى الثاني وهو يقتضي أيضا ما يقتضيه، أو يرجع إلى القول الأول وهو الأظهر، وفيه من المعنى ما في الأول من أنه لابد من كون المجتهدين فيهم، وعند ذلك لا يكون مع اجتماعهم على هذا القول بدعة أصلا، فهم إذاً الفرقة الناجية.<ref name="الاعتصام"/>
 
والخامس: ما اختاره الطبري الإمام من أن الجماعة جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، فأمر عليه الصلاة والسلام بلزومه ونهى عن فراق الأمة فيما اجتمعوا عليه من تقديمه عليهم، لأن فراقهم لا يعدو إحدى حالتين، إما للنكير عليهم في طاعة أميرهم والطعن عليه في سيرته المرضية لغير موجب، بل بالتأويل في إحداث بدعة في الدين، كالحرورية التي أمرت الأمة بقتالها وسماها النبي {{صلى الله عليه وسلم}} مارقة من الدين، وإما لطلب إمارة من انعقاد البيعة لأمير الجماعة، فإنه نكث عهد ونقض عهد بعد وجوبه. وقد قال {{صلى الله عليه وسلم}}: {{حديث|من جاء إلى أمتي ليفرق جماعتهم فاضربوا عنقه كائنا من كان}}. قال الطبري: فهذا معنى الأمر بلزوم الجماعة، قال: وأما الجماعة التي إذا اجتمعت على الرضى بتقديم أمير كان المفارق لها ميتا ميتة جاهلية، فهي الجماعة التي وصفها أبو مسعود الأنصاري، وهم معظم الناس وكافتهم من أهل العلم والدين وغيرهم، وهم السواد الأعظم. قال: وقد بين ذلك عمر بن الخطاب {{رضي الله عنه}}، فروي عن عمر بن ميمون الأودي قال: قال عمر حين طعن لصهيب: «صل بالناس ثلاثا وليدخل علي عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، وليدخل ابن عمر في جانب البيت وليس له من الأمر شيء، فقم يا صهيب على رؤوسهم بالسيف فإن بايع خمسة ونكص واحد فاجلد رأسه بالسيف، وإن بايع أربعة ونكص رجلان فاجلد رأسيهما حتى يستوثقوا على رجل»، قال: فالجماعة التي أمر رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} بلزومها وسمى المنفرد عنها مفارقا لها نظير الجماعة التي أوجب عمر الخلافة لمن اجتمعت عليه، وأمر صهيبا بضرب رأس المنفرد عنهم بالسيف، فهم في معنى كثرة العدد المجتمع على بيعته وقلة العدد المنفرد عنهم، قال: وأما الخبر الذي ذكر فيه أن لا تجتمع الأمة على ضلالة فمعناه: أن لا يجمعهم على إضلال الحق فيما نابهم من أمر دينهم حتى يضل جميعهم عن العلم ويخطئوه، وذلك لا يكون في الأمة. هذا تمام كلامه وهو منقول بالمعنى وتحر في أكثر اللفظ. وحاصله: أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكور في الأحاديث المذكورة، كالخوارج ومن جرى مجراهم. انتهى كلام الشاطبي.<ref name="الاعتصام"/>
 
=== أهل العلم ===
اتفق أئمة أهل السنة والجماعة على أن معنى الجماعة التي جاء في نصوص الشريعة الأمر بلزومها وتحريم مفارقتها لا يتحقق إلا باجتماع الأئمة في الدين أهل العلم الذين يقتدى بهم، والمقصود بهم الأئمة المجتهدون وعلماء الدين من بعدهم، وقد ذكر [[ابن جرير الطبري]] أقوالا في تفسير الجماعة، وقد اتفق الجميع على اعتبار أهل العلم والاجتهاد، وأن الاعتبار إنما هو بالسواد الأعظم من العلماء المعتبر اجتهادهم فمن شذ عنهم فمات فميتته جاهلية، وأما جماعة العوام فإنهم تبع لأئمتهم؛ لأنهم غير عارفين بالشريعة فلا بد من رجوعهم في دينهم إلى العلماء، فإنهم لو اجتمعوا على مخالفة العلماء لكانوا هم السواد الأعظم لقلة العلماء وكثرة الجهال، لكن العبرة ليست بالكثرة، فلا يكون اجتماع العوام حجة ولا مرجعا في الدين وإن كانوا هم الأكثر عددا، فإنهم قد يجتمعون على ضلال، فلا يقول أحد: إن اتباع جماعة العوام هو المطلوب وإن العلماء هم المفارقون للجماعة والمذمومون في الحديث، بل الأمر بالعكس وأن العلماء هم السواد الأعظم وإن قلوا والعوام هو المفارقون للجماعة إن خالفوا فإن وافقوا فهو الواجب عليهم، فلا يمكن أن يقال أن العوام هم الجماعة المأمور باتباعها، وإن خلا الزمان عن مجتهد فلا يمكن اتباع العوام لأمثالهم،
بل يتنزل النقل عن المجتهدين منزلة وجود المجتهدين فالذي يلزم العوام مع وجود المجتهدين هو الذي يلزم أهل الزمان المفروض الخالي عن المجتهد، فالأئمة المجتهدون في العصور المتقدمة فيما اجتمعوا عليه حجة على من بعدهم، وقد سئل ابن المبارك عن الجماعة الذين يقتدى بهم أجاب بأن قال: أبو بكر وعمر.. قال: فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين ابن واقد قيل: فهؤلاء ماتوا، فمن الأحياء؟ قال: [[أبو حمزة السكري]]، وهو محمد بن ميمون المروزي.
قال الشاطبي: فاتباع نظر من لا نظر له واجتهاد من لا اجتهاد له محض ضلالة ورمي في عماية وهو مقتضى الحديث الصحيح: {{حديث|إن الله لا يقبض العلم انتزاعا..}} الحديث.
روى أبو نعيم عن محمد بن القاسم الطوسي قال: سمعت [[إسحاق بن راهوية]] وذكر في حديث رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: {{حديث|إن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم}} فقال رجل يا أبا يعقوب من السواد الأعظم؟ فقال محمد بن أسلم وأصحابه ومن تبعهم ثم قال: سأل رجل ابن المبارك: من السواد الأعظم؟ قال: [[أبو حمزة السكري]] ثم قال إسحاق: في ذلك الزمان (يعني أبا حمزة) وفي زماننا محمد بن أسلم ومن تبعه ثم قال إسحاق: لو سألت الجهال عن السواد الأعظم لقالوا: جماعة الناس ولا يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم وطريقه فمن كان معه وتبعه فهو الجماعة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=الشاطبي|العنوان=الاعتصام فصل حديث تفرق الأمة، المسألة السابعة عشرة أن الجميع اتفقوا على اعتبار أهل العلم والاجتهاد سواء ضموا إليهم العوام أم لا، ج1|الصفحة=482}}</ref>
 
وقد جاء عن البخاري تفسير الجماعة بأنها: جماعة أهل العلم.
وقال [[بدر الدين العيني]] في بيان المراد بـ«الجماعة» في لفظ الحديث: {{مض|الجماعة التي أمر الشارع بلزومها هي جماعة العلماء؛ لأن الله عزّ وجل جعلهم حجة على خلقه، وإليهم تفزع العامة في دينها، وهم تبع لها، وهم المعنيون بقوله: {{حديث|إن الله لن يجمع أمتي على ضلالة}}}}.<ref>عمدة القاري شرح صحيح البخاري، لبدر الدين العيني، (35/ 147).</ref>
 
ثبت في الحديث الصحيح إخبار الصحابة بأن من يعش منهم فسيدرك زمنا يكون فيه الاختلاف الكثير وأمورا ينكرونها، فأوصاهم بأن من أدرك شيئا من ذلك فعليه بالهدي الأول أي طريقته التي كان عليها هو وأصحابه وطريقة الخلفاء الراشدين من بعده، وهذا هو الاجتماع على الحق والهدى في أمور الدين الذي كان عليه أئمة الصحابة ومن تبعهم بإحسان، وهي مبنية على الاتفاق في أصول الدين، وأما الاختلاف في فروع الأحكام فقد حصل في زمن الصحابة ومن بعدهم من الأئمة المجتهدين في حوادث الأمور التي ليس في الشرع نص يدل عليها بخصوصها، وفق شروط ذكرها العلماء في [[علم أصول الفقه]]، وقد كان هذا الاجتهاد المخصوص بالأئمة المجتهدين في غالب الأحيان ينتهي بالإجماع، وإجماع الأئمة المجتهدين من الصحابة فمن بعدهم حجة على أهل ذلك العصر فمن بعدهم، وقد انتقلت مذاهب [[فقهاء الصحابة]] إلى [[فقهاء التابعين]] فمن بعدهم من أئمة المذاهب الفقهية، واشتهر منها عند أهل السنة والجماعة مذاهب فقهاء أهل الرأي وفقهاء أهل الحديث، فأخذوا مذاهب الصحابة فمن تبعهم من الأئمة واجتهدوا في المسائل التي بقيت محل اختلاف فانتهوا في كثير منها إلى الإجماع، وهذه المذاهب نقلها أئمتهم واجتهد أصحاب كل مذهب في المسائل التي لم يرد فيها نص عن إمام مذهبه ووقع الاختلاف في فروع من كل مذهب، ثم جاء أهل الترجيح من أصحاب كل مذهب فرجحوا قولا واحدا من الأقوال التي وقع فيها الخلاف، والمذاهب الفقهية المعتبرة عند أهل السنة والجماعة التي استقر عليها العمل عندهم في عصر المتأخرين هي [[المذاهب الأربعة]]، ويكون العمل بمذهب واحد منها في التعليم والإفتاء والقضاء عند علماء كل مذهب بما ترجح في مذهبه، وقد ذكر ابن خلدون أنه وقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة، وسد الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد، ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه، فصرحوا بالعجز والإعواز. وعمل كل مقلد بمذهب من قلده منهم بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية، لا مجرد النقل من الكتب. وقال ابن خلدون: {{مض|ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه مهجور تقليده. وقد صار أهل الاسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة}}.<ref>تاريخ ابن خلدون، ج1 ص448.</ref>
 
 
===الاجتماع في الدين===
أمر الله جميع المسلمين أن يجتمعوا في الدين ولا يتفرقوا فيه كما تفرق الذين من قبلهم، فالتفرق في أصول الملة يجعل المسلمين أحزابا وشيعا متفرقة وجماعات متعددة، ويجعل من الملة الواحدة مللا متباينة، وهذا التفرق الذي نهى الله عنه، فلا يجوز اختلاف الآراء في أصول الدين ولا البحث في متشابهات الأمور وغوامضها، والحق في أصل الدين واحد لا يقبل التعدد، وقد جاء عن أئمة أهل السنة من السلف الأوائل أن السنة هي علم الدين والشريعة بعمومه المأخوذ عن أئمة الصحابة ومن تبعهم بإحسان، وهو تفسير للسنة بمعناها المتكامل بمعنى: الطريقة المسلوكة في الدين والسيرة والمنهج والسلوك، وهي الطريقة المتبوعة التي كان عليها أئمة الصحابة والخلفاء الراشدون في الهدى والعلم والعمل والاعتقاد، والاجتماع على هذه السنة بهذا المعنى هو تفسير لمعنى الجماعة، وكانوا يجعلون هذه السنة في مقابل البدعة الشاملة لجميع الأهواء المضلة من بدع الخوارج والفرق الأخرى، ويجعلون هذه الجماعة في مقابل تلك الفرق الأخرى التي ظهرت في تلك الفترات السابقة، ويستندون في ذلك إلى نصوص الشريعة ومنها حديث تفرق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة ووصف تلك الفرق كلها بأنها على غير هدى إلا فرقة واحدة، وتعيين هذه الفرقة عندهم راجع إلى أصل الهدي الأول والجماعة الأولى جماعة أئمة الصحابة والخلفاء الراشدون فإنهم كانوا مجتمعين على الهدى والرشاد، وأن جميع الفرق التي ظهرت في تلك العصور القديمة من تاريخ الإسلام هم الذين انشقوا عن هذه الجماعة بسبب استحداث معتقدات مضادة لجماعة المسلمين، وكان انشقاق الخوارج يمثل صورة أولية للخروج عن الجماعة بسبب المخالفة في أصول الدين، وبعد تمايز تلك الفرق كتب العلماء عنها في كتب الفرق وبينوا مقولاتها ومخالفاتها، وذكر عبد القاهر البغدادي في كتاب الفرق بين الفرق مسميات هذه الفرق وذكر أن الفرقة الثالثة والسبعون هم أهل السنة والجماعة، وهي مبنية على الاتفاق في أصول الدين، وأما تحديد الفرقة الناجية من بين هذه الفرق عند أئمة أهل السنة والجماعة المتقدمين فهو راجع إلى التحديد بالوصف لا بالاسم، وتعيين هذه الفرقة عندهم راجع إلى أصل الهدي الأول، فالجماعة الأولى هي الأصل قبل ظهور الفرق في تلك العصور، وأئمة أهل السنة والجماعة بعد ظهور الفرق وتمايزها من فقهاء أهل الرأي وفقهاء أهل الحديث حملوا سمة الجماعة تبعا لأئمتهم السابقين بناء على أن اتباع الهدى راجع إلى الوصف لا إلى هذه التسمية، بمعنى: أن الطريقة المسلوكة التي اجتمع عليها أئمة الصحابة والخلفاء الراشدون قد انتقلت إلى أئمة التابعين ومن بعدهم من الأئمة، فكانت هذه الطريقة بمفهومها المتكامل مثالا متبوعا ينتقل من طبقة إلى أخرى بالأخذ والإسناد المتصل جيلا بعد جيل، وهذا الاتباع على هذا النحو هو المقصود من تعيين الفرقة الناجية بالوصف وهو اتباع هذه الطريقة التي كان عليها أئمتهم الأوائل وعدم مخالفتهم فيما اجتمعوا عليه، ويدل على هذا التعيين بالوصف الذي جاء في الحديث: قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: {{حديث|ما أنا عليه وأصحابي}}، وفي سنن أبي داود: {{حديث|وهي الجماعة}} وفي بعض الروايات: {{حديث|وأنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله}}.<ref name="مولد تلقائيا1">{{مرجع كتاب|المؤلف=الشاطبي|العنوان=الاعتصام فصل حديث تفرق الأمة، ج1|الصفحة=430}}</ref> وفي الحديث: الإِخبار بما سيكون من الافتراق بسبب اتباع الأهواء المضلة حتى تصير معتقدا مضادا للجماعة، وفتنة في الدين تُفرق جماعة المسلمين، ويُرى متبعها كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أُشرب في هواه. قال الشاطبي: {{مض|وجواب النبي صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية فيه انصراف القصد إلى تعيين الوصف الضابط للجميع وهو ما كان عليه هو وأصحابه}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=الشاطبي|العنوان=الاعتصام ج2|الصفحة=698|المسار=http://library.islamweb.net/Newlibrary/display_book.php?idfrom=114&idto=139&bk_no=109&ID=13}}</ref>
 
وجاء في نصوص الشريعة وصف تلك الفرق بصفات تعرف بها منها التفرق بسبب الاعتقاد المخالف لأصول الدين، وجاء تعيين الفرق كالخوارج ومن سلك سبيلهم ممن ظهر فيهم الوصف المذكور في الحديث من أنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، وأنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، ذكره الشاطبي ثم قال في وصفهم: فإنهم أخذوا أنفسهم بقراءة القرآن وإقرائه حتى ابتدعوا فيه ثم لم يتفقهوا فيه ولا عرفوا مقاصده ولذلك طرحوا كتب العلماء وسموها كتب الرأي وخرقوها ومزقوا أدمها مع أن الفقهاء هم الذين بينوا في كتبهم معاني الكتاب والسنة على الوجه الذي ينبغي.<ref name="مولد تلقائيا1" />
 
وسبيل دين الله واحد لا يتعدد ويتميز عن سائر السبل بالاستقامة والاعتدال والوسطية، قال تعالى: {{قرآن|وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}}.<ref group="°">[[سورة الأنعام]] آية: 153.</ref> قال [[الملا علي القاري]]: {{مض|سبيل الله وسط، ليس فيه تفريط ولا إفراط، بل فيه التوحيد والاستقامة ومراعاة الجانبين في الجادة، وسبل أهل البدع مائلة إلى الجوانب، وفيها تقصير وغلوٌّ وميل وانحراف وتعدد واختلاف}}.<ref name="الفتوى"/><ref>مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري (2/ 50).</ref>
 
 
ثبت في الحديث الصحيح: عن أبي هريرة {{رضي الله عنه}} أن رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} قال: {{حديث|تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة}}.<ref>خرجه الترمذي هكذا.</ref> وفي بعض الروايات لأبي داود: وأنه {{حديث|سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله}}.
 
جاء في كلام الشاطبي حول هذا الحديث أن حقيقة هذا الافتراق المعارض للجماعة هو الافتراق في الدين بسبب البدع المضلة واختلاف الأهواء، أما الاختلاف المعتبر في مسائل الفروع الاجتهادية؛ فهو غير داخل في هذا الافتراق الذي دل عليه الحديث بالإجماع، وأنه إنما يراد افتراق مقيد وهو تفريق الدين الذي يصير به في الأمة شيعا متفرقة كما جاء وصفه في القرآن، أي: جماعات بعضهم قد فارق البعض، ليسوا على تآلف ولا تعاضد ولا تناصر، بل على ضد ذلك، فإن الإسلام واحد وأمره واحد، فاقتضى أن يكون حكمه على الائتلاف التام لا على الاختلاف، وهذه الفرقة مشعرة بتفرق القلوب المشعر بالعداوة والبغضاء، ولذلك قال: {{قرآن|واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}}، فبين أن التأليف إنما يحصل عند الائتلاف على التعلق بمعنى واحد، وأما إذا تعلقت كل شيعة بحبل غير ما تعلقت به الأخرى فلا بد من التفرق، وهو معنى قوله تعالى: {{قرآن|وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}}.<ref group="°">[[سورة الأنعام]] آية: 153.</ref> <ref name="الشاطبي">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي|العنوان=الاعتصام للإمام الشاطبي، الباب الثاني في ذم البدع وسوء منقلب أصحابها، فصل الأدلة من النقل على ذم البدع، ما جاء في القرآن في ذم البدع وأهلها، حديث تفرق الأمة، المسألة الأولى، ج2|الصفحات=697 وما بعدها|الناشر=دار ابن عفان|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
 
وجاء في كلامه أيضا: هذه الفرق افترقت بسبب موقع في العدواة والبغضاء، ولا يرجع التفرق إلى أمر هو معصية غير بدعة، بل يرجع إلى أمر هو بدعة، كما افترق الخوارج من الأمة ببدعهم التي بنوا عليها في الفرقة، وهذا هو الذي تشير إليه الآيات والأحاديث، لمطابقتها لمعنى الحديث. فالافتراق المذكور إنما يكون بسبب بدعة لا بسبب أمر دنيوي، وإن أمكن ذلك.<ref name="الشاطبي1">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي|العنوان=الاعتصام للإمام الشاطبي، الباب الثاني في ذم البدع وسوء منقلب أصحابها، فصل الأدلة من النقل على ذم البدع ، ما جاء في القرآن في ذم البدع وأهلها، حديث تفرق الأمة، المسألة الثانية، ج2|الصفحات=702 وما بعدها|الناشر=دار ابن عفان|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
 
ودلت النصوص الشرعية على ذم البدعة في الدين، والتي ينشأ عنها الافتراق والخروج عن جماعة المسلمين حتى يكونون بسببها شيعا متفرقة لا ينتظم شملهم بالإسلام وإن كانوا من أهله وحكم لهم بحكمه، لقوله تعالى: {{قرآن|إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء}} وقوله تعالى: {{قرآن|ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا}} الآية، وقوله: {{قرآن|وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}}.<ref group="°">[[سورة الأنعام]] آية: 153.</ref> إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وصف التفرق.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي|العنوان=كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي، ج2، الباب التاسع في السبب الذي لأجله افترقت فرق المبتدعة عن جماعة المسلمين|الصفحات=669 وما بعدها|الناشر=دار ابن عفان|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
 
والتفرق عن الجماعة معارض للشرع الإسلامي وتعاليمه التي تدعو إلى التراحم والتآخي، وفي الحديث: عن شقيق قال: "قال [[ابن مسعود|عبد الله]]: قال النبي {{صلى الله عليه وسلم}}: {{حديث|سباب المسلم فسوق وقتاله كفر}}".<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|الناشر=دارالريان للتراث|السنة= 1407 هـ/ 1986م|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي {{صلى الله عليه وسلم}} لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، حديث رقم: (6665)|الصفحة=29 وما بعدها}}</ref>
و"عن [[ابن عمر]] أنه سمع النبي {{صلى الله عليه وسلم}} يقول: {{حديث|لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض}}".<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|الناشر=دارالريان للتراث|السنة= 1407 هـ/ 1986م|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي {{صلى الله عليه وسلم}} لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، حديث رقم: (6666)|الصفحة=30 وما بعدها}}</ref>
فكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، وفي الحديث: «عن أبي بكرة أن رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} خطب الناس فقال: ألا تدرون أي يوم هذا قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: أليس بيوم النحر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: أي بلد هذا أليست بالبلدة الحرام؟ قلنا: بلى يا رسول الله قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت قلنا نعم قال اللهم اشهد فليبلغ الشاهد الغائب فإنه رب مبلغ يبلغه لمن هو أوعى له فكان كذلك قال: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. فلما كان يوم حرق ابن الحضرمي حين حرقه جارية بن قدامة قال أشرفوا على أبي بكرة فقالوا: هذا أبو بكرة يراك قال عبد الرحمن فحدثتني أمي عن أبي بكرة أنه قال لو دخلوا علي ما بهشت بقصبة».<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|الناشر=دارالريان للتراث|السنة= 1407 هـ/ 1986م|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي {{صلى الله عليه وسلم}} لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، حديث رقم: (6667)|الصفحة=30 وما بعدها}}</ref> و«عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} قال من حمل علينا السلاح فليس منا».<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|الناشر=دارالريان للتراث|السنة= 1407 هـ/ 1986م|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي {{صلى الله عليه وسلم}} من حمل علينا السلاح فليس منا، حديث رقم: (6659)|الصفحة=27 وما بعدها}}</ref>
 
=== لزوم جماعة المسلمين ===
لزوم جماعة المسلمين جماعة المسلمين مطلوب في سائر الأحوال، إلا أنه اختص على وجه التأكيد في حال الافتراق، ولزوم الجماعة يكون فيه معنى الاتباع والإقتداء بالأئمة في الدين والسمع والطاعة لولاة الأمر، وقد جاء في الحديث الأمر بلزوم جماعة المسلمين فيما اجتمعوا عليه من الحق عموما، ورجح [[ابن جرير الطبري]] أن المراد: لزوم جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، قال: فأمر عليه الصلاة والسلام بلزومه ونهى عن فراق الأمة فيما اجتمعوا عليه من تقديمه عليهم، قال [[ابن حجر العسقلاني]]: قال الطبري: اختلف في هذا الأمر وفي الجماعة، فقال قوم: هو للوجوب والجماعة السواد الأعظم، ثم ساق عن محمد بن سيرين عن أبي مسعود أنه وصى من سأله لما قتل عثمان: {{مض|عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة}}. وقال قوم: المراد بالجماعة الصحابة دون من بعدهم، وقال قوم: المراد بهم أهل العلم لأن الله جعلهم حجة على الخلق والناس تبع لهم في أمر الدين. قال الطبري: والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة، قال: وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابا فلا يتبع أحدا في الفرقة ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر، وعلى ذلك يتنزل ما جاء في سائر الأحاديث، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف منها، ويؤيده رواية عبد الرحمن بن قرط المتقدم ذكرها.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، حديث رقم: (6673)|الصفحات=39 وما بعدها|الناشر=دارالريان للتراث|السنة=1407 هـ/ 1986م}}</ref>
 
وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابا فلا يتبع أحدا في الفرقة ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر، وهو ما يدل عليه: «عن [[حذيفة بن اليمان]] يقول كان الناس يسألون رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم وفيه دخن»، قلت وما دخنه؟ قال: «قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر» قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر قال: «نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها» قلت يا رسول الله صفهم لنا قال: «هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا» قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك قال «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك»».<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، حديث رقم: (6673)|الصفحة=39|الناشر=دارالريان للتراث|السنة=1407 هـ/ 1986م}}</ref>
والخير سبيل هدى الإسلام وهو الطريقة التي كان عليها أئمة الصحابة والخلفاء الراشدون ومن تبعهم بإحسان في الهدى والعلم والعمل والاعتقاد، والمخالفون لهذه الطريقة هم الذين وصفهم بأنهم يهدون بغير هدي النبوة، وجاء عن أهل السنة والجماعة تفسير الدعاة على أبواب جهنم بأنهم الذين خرجوا في طلب الملك كالخوارج وغيرهم فإنهم ضلوا عن سبيل الهدى، فأوصاه بأن لا يتبع تلك الفرق المنشقة عن جماعة المسلمين، وأن يلزم الجماعة وإمامهم وهو الخليفة، فلزوم الجماعة راجع إلى الاجتماع على خليفة، فإن كان اجتماعهم موافقا لما اجتمع عليه أئمة الصحابة والخلفاء الراشدون فلزوم الجماعة معناه اتباعهم والاقتداء بهم والسمع والطاعة لأميرهم، وإن كان الخليفة عاصيا أو فاسقا أو من أصحاب الفرق المخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة كما هو الحال في تغلب المعتزلة في زمن المأمون وأخويه من بعده فلا يتبعهم فيما استحدثوه من الأهواء، ورغم ذلك فإن أهل السنة حينها لم يخرجوا على الخليفة، والمراد بالدعاة على أبواب جهنم من قام في طلب الملك من الخوارج وغيرهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله: {{حديث|الزم جماعة المسلمين وإمامهم}}، يعني ولو جار، ويوضح ذلك رواية أبي الأسود: {{حديث|ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك}}. ومعنى: {{حديث|تلزم جماعة المسلمين وإمامهم}} أي: ولي الأمر، زاد في رواية أبي الأسود: {{حديث|تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك}}، وكذا في رواية خالد بن سبيع عند الطبراني: {{حديث|فإن رأيت خليفة فالزمه وإن ضرب ظهرك، فإن لم يكن خليفة فالهرب}}. وقوله: {{حديث|ولو أن تعض بأصل شجرة..}} هو كناية عن لزوم جماعة المسلمين وطاعة سلاطينهم ولو عصوا، وفي رواية عبد الرحمن بن قرط عن حذيفة عند ابن ماجه: {{حديث|فلأن تموت وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم}} أي: لا تتبع أحدا من أهل الأهواء الخارجين عن جماعة المسلمين وإمامهم. والجذل بكسر الجيم وسكون المعجمة بعدها لام عود ينصب لتحتك به الإبل. قال البيضاوي: المعنى إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة الزمان، وعض أصل الشجرة كناية عن مكابدة المشقة كقولهم فلان يعض الحجارة من شدة الألم، أو المراد اللزوم كقوله في الحديث الآخر: {{حديث|عضوا عليها بالنواجذ}}. ويؤيد الأول قوله في الحديث الآخر: {{حديث|فإن مت وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم}}. وقال ابن بطال: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور، لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم: {{حديث|دعاة على أبواب جهنم}} ولم يقل فيهم: تعرف وتنكر كما قال في الأولين، وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق، وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة.
 
تدل النصوص الشرعية على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر؛ لأن فيه اجتماع الكلمة وفي الحديث: «عن ابن عباس عن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} قال: "من كره من أميره شيئا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية"». وفي رواية: «فليصبر عليه». وقوله: فإنه من خرج من السلطان أي: من طاعة السلطان وفي الرواية الثانية «من فارق الجماعة»، وقوله «شبرا»: كناية عن معصية السلطان ومحاربته. قال ابن أبي جمرة: المراد بالمفارقة السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكني عنها بمقدار الشبر لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق. وفي الرواية الأخرى: «فمات إلا مات ميتة جاهلية» وفي رواية لمسلم: «فميتته ميتة جاهلية»، وعنده في حديث ابن عمر رفعه: «من خلع يدا من طاعة لقي الله ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» أي: حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع؛ لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافرا بل يموت عاصيا، والمقصود الزجر والتنفير وظاهره غير مراد، قال ابن بطال: في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء.<ref name="فتح.">{{مرجع كتاب|المؤلف=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، حديث رقم: (6645)|الصفحة=9|الناشر=دارالريان للتراث|السنة=1407 هـ/ 1986م}}</ref>
 
والأدلة على لزوم الجماعة كثيرة ومنها: ما أخرج [[الترمذي]]: «عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يحدث عن أبيه عن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} قال: نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة أئمة المسلمين ولزوم جماعتهم فإن الدعوة تحيط من ورائهم».<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1=محمد بن عيسى بن سورة الترمذي|وصلة المؤلف=الترمذي|العنوان=سنن الترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، الجزء الخامس حديث رقم: (2658)|الناشر=دار الكتب العلمية|الصفحة=34}}</ref> ورواة [[الشافعي]] و[[البيهقي]] في المدخل.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1=علي بن سلطان محمد القاري|وصلة المؤلف1=ملا علي القاري|العنوان=مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح كتاب العلم حديث رقم: (208)|الناشر=دار الفكر|السنة= 1422 هـ/ 2002م|الصفحة=306 و307}}</ref>
 
 
وعن ابن أبي مليكة قال: قالت أسماء: "عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {{حديث|أنا على حوضي أنتظر من يرد علي فيؤخذ بناس من دوني فأقول أمتي فيقال لا تدري مشوا على القهقرى}}" قال ابن أبي مليكة اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن.
 
اتفق جمهور أهل السنة والجماعة على وجوب طاعة ولاة الأمر لما فيه من اجتماع كلمة المسلمين، فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم؛ لقوله تعالى: {{قرآن|أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}} وقال النووي: {{مض|قال العلماء: المراد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل: هم العلماء وقيل: الأمراء والعلماء، وأما من قال: الصحابة خاصة فقط فقد أخطأ}}.<ref name="النواوي">{{مرجع كتاب|المؤلف=يحيي بن شرف أبو زكريا النووي|العنوان=شرح النووي على صحيح مسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، حديث رقم: (1834)|الصفحة=536|الناشر=دار الخير|السنة=1416 هـ/ 1996م}}</ref>
 
روى مسلم في صحيحه: "عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {{حديث|من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني}}.
قال النووي: {{مض|لأن الله تعالى أمر بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر هو صلى الله عليه وسلم بطاعة الأمير، فتلازمت الطاعة}}.<ref>شرح النووي على صحيح مسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، حديث رقم: (1835)، ص536، و537.</ref>
 
وفي رواية لمسلم: "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {{حديث|عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك}}".<ref group="°">صحيح مسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، حديث رقم: (1836)</ref>
 
قال النووي: {{مض|ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحق حيث ما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين}}.<ref>شرح النووي على صحيح مسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، حديث رقم: (1840)، ص539 و540.</ref>
قال: وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحكي عن المعتزلة أيضا فغلط من قائله مخالف للإجماع.
 
وقال أيضا: {{مض|قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه}}.
 
{{مض|وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه؛ للأحاديث الواردة في ذلك}}.<ref name="النواوي.">{{مرجع كتاب|المؤلف=يحيي بن شرف أبو زكريا النووي|العنوان=شرح النووي على صحيح مسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، حديث رقم: (1840)|الصفحة=539 و540|الناشر=دار الخير|السنة=1416 هـ/ 1996م}}</ref>
 
=== مسألة الإمامة ===
[[ملف:Kalligráfia Hagia Sophia.jpg|تصغير|رسم لاسم الإمام علي بن أبي طالب على أحد الصحون الجدارية العملاقة في [[آيا صوفيا]].]]
تعد مسألة الإمامة من أهم المسائل التي استخدمتها الفرق المنشقة عن جماعة المسلمين، وكان أولها فتنة الخوارج الذين انشقوا عن جماعة المسلمين وأعلنوا خروجهم عن [[علي بن أبي طالب]]، قائلين لا حكم إلا لله، وقد رد عليهم علي بن أبي طالب بقوله: «كلمة حق يراد من ورائها باطل» وهم أول من ابتدع الخروج على الحكام، ثم ظهرت فرق التشيع الذين اعتقدوا أن الإمامة أصل من أصول الدين، وأنها بالوراثة على اختلافهم في تحديد مستحقها. واعتبر أهل السنة والجماعة أن الإمامة مسألة مصلحية إجماعية وليست من أصول العقيدة. والإمام هو الذي يقتدي به الناس في أقواله وأفعاله، وأئمة المسلمين علماء الدين وهم ورثة الأنبياء في حمل العلم وتأدية المهام الدينية تجاه عامة الناس، وتختلف هذه المهام باختلاف المراتب العلمية والصلاحيات المسندة إليهم، وأئمة المسلمين هم: الخلفاء فمن دونهم من أهل الولايات وعلماء الدين،<ref>شرح النووي على مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، حديث رقم: (55)، ص229</ref> والأصل في الإمامة أنها إمامة الدين في الأئمة المجتهدين على اختلاف [[مراتب الاجتهاد]]، وعلماء الدين تبع لهم، باعتبار أن الأئمة في الدين حملة الشرع هم ورثة الأنبياء في نقل الدين وبيانه للناس، وقد قيل لأبي بكر الصديق: يا خليفة الله فقال: "لا بل أنا خليفة رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}}"، وقد كان اختيار الخلفاء في الابتداء على أساس أن يكونوا أئمة في الدين، و[[الخلفاء الراشدون]] كانوا كذلك، وكان كل واحد منهم إماما مجتهدا، والصحابة لا يختارون لمنصب الخلافة إلا إماما مجتهدا من أفضلهم وأعلمهم في الدين، حتى يتمكن من الحكم بشرع الله بما لديه من علم الشريعة، ويكون مرجعا للحكم في الناس فيما أشكل عليهم من مستجدات الأمور، والكثير من أئمة [[الصحابة]] والتابعين ومن بعدهم وك[[الأئمة الأربعة]] وغيرهم من أعلام الدين كانت مهمتهم علمية، ولم يكونوا يسعون بعلمهم للحصول على السلطة، وكان الصحابة يختارون للخلافة أفضلهم وأعلمهم في الدين ويلتزمون طاعته، ولم يتخذوا من علمهم سلما للوصول إلى مناصب سياسة ومعارضة الحكام ومنازعتهم.
==== الخلافة ====
[[ملف:Age of Caliphs-ar.png|270بك|يسار|تصغير|center|الخلافة الإسلاميّة، 622-750 {{legend|#a1584e|توسع الدولة الإسلامية تحت حكم الرسول، 622-632}} {{legend|#ef9070|التوسع تحت حكم الخلفاء الراشدين، 632-661}} {{legend|#fad07d|التوسع تحت حكم الخلافة الأمويّة، 661-750}}]]
 
[[ملف:OttomanEmpireIn1683 ar.png|تصغير|يسار|270بك|الخلافة الإسلامية العثمانية.]]
 
والخلافة أو الإمامة العظمى هي ولاية عامة، والإمام الأعظم القائم بخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، ومن ثم اشترط فيه ما شرط في القاضي وزيادة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد بن شهاب الدين الرملي|العنوان=نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، كتاب البغاة، فصل في شروط الإمام الأعظم وبيان طرق الإمامة، الجزء السابع|الصفحات=409 وما بعدها|الناشر=دار الفكر|الإصدار=الأخيرة|السنة=1404 هـ/ 1984م}}</ref> ويسمى الخليفة إماما؛ لأن اختيار الخلفاء الراشدين قام على أساس أن يكون الخليفة إماما مجتهدا في أعلى رتبة ممكنة من العلم في الدين يقتدي به الناس في العلم والدين ينقادون لحكمه ويصلون خلفه وتجب عليهم طاعته. قال [[الماوردي]]: «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا».<ref>الأحكام السلطانية للماوردي ص3</ref> وقال [[سعد الدين التفتازاني]] في المقاصد: «الإمامة: هي رياسة عامة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبي {{صلى الله عليه وسلم}}».<ref>نقلا عن شرح المقاصد للتفتازاني</ref><ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=وهبة الزحيلي|العنوان=الفقه الإسلامي وأدلته ج8|الصفحة=6361}}</ref> وقال إمام الحرمين: «الإمامة رياسة تامة، وزعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة، في مهمات الدين والدنيا. مهمتها حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الخيف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين».<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني|العنوان=الغياثي (غياث الأمم في التياث الظلم)، الركن الأول كتاب الإمامة، الباب الأول في معنى الإمامة ووجوب نصب الأئمة وقادة الأمة|الصفحة=22|الناشر=مكتبة إمام الحرمين|السنة=1401هـ}}</ref> فيتولى أمور الرعية ويتفقد أحوالهم ويراعي مصالحهم ويقيم أحكام الدين وشعائره، ويلجأ إليه المظلوم فينصفه وينصره، ويأمن به الخائف، ويقطع تمادي الظالمين وقاطعي الطريق والمفسدين، وفي الحديث: «عن أبي هريرة عن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} قال: إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به فإن أمر بتقوى الله عز وجل وعدل كان له بذلك أجر، وإن يأمر بغيره كان عليه منه». قال [[النووي]]: «قوله {{صلى الله عليه وسلم}}: «الإمام جنة» أي: كالستر؛ لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم من بعض، ويحمي بيضة الإسلام، ويتقيه الناس ويخافون سطوته، ومعنى: «يقاتل من ورائه» أي: يقاتل معه الكفار والبغاة والخوارج وسائر أهل الفساد والظلم مطلقا، والتاء في «يتقى» مبدلة من الواو لأن أصلها من الوقاية».<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=يحيي بن شرف أبو زكريا النووي|العنوان=شرح النووي على صحيح مسلم كتاب الإمارة باب الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به، حديث رقم: (1841)|الصفحة=542|الناشر=دار الخير|السنة=1416 هـ/ 1996م}}</ref>
 
قال ابن خلدون: «ثم إن نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع [[الصحابة]] والتابعين؛ لأن أصحاب رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} عند وفاته بادروا إلى بيعة [[أبي بكر]] {{رضي الله عنه}} وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من بعد ذلك، ولم تترك الناس فوضى في عصر من الأعصار، واستقر ذلك [[إجماع]]اً دالاً على وجوب نصب الإمام». قال: وإذا تقرر أن هذا النصب واجب بإجماع فهو من [[فرض كفاية|فروض الكفاية]] وراجع إلى اختيار أهل العقد والحل، فيتعين عليهم نصبه، ويجب على الخلق جميعاً طاعته، لقوله تعالى: {{قرآن|أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=ابن خلدون|العنوان=مقدمة ابن خلدون ج1|الصفحة=98}}</ref> ذكر [[سعد الدين التفتازاني]] أدلة الجمهور على وجوب تنصيب خليفة في متن المقاصد بقوله: «لنا وجوه: الأول: الإجماع وهو العمدة حتى قدموه على دفن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} الثاني: أنه لا يتم إلا به ما وجب من إقامة الحدود وسد الثغور ونحو ذلك مما يتعلق بحفظ النظام، الثالث: أن فيه جلب منافع ودفع مضار لا تحصى وذلك واجب إجماعا، الرابع: وجوب طاعته ومعرفته بالكتاب والسنة، وهو يقتضي وجوب حصوله وذلك بنصبه». انتهى باختصار من كلام السعد. ووجوب نصب الإمام ثابت بالأحاديث الصحيحة الواردة فِي التزام جماعة المسلمين وإمامهم، مثل حديث: «من مات وليس فِي عُنُقه بيعَة مات ميتَة جاهلية».<ref>رواه مسلم من حديث لابن عمر مرفوعا.</ref> و«عن [[حذيفة بن اليمان]] قال {{صلى الله عليه وسلم}} له: "تلْزم جماعة المسلمين وإمامهم"».<ref>متفق عليه</ref><ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد رشيد رضا|العنوان=كتاب: «الخلافة» حكم الإمامة أو نصب الخليفة ج1|الصفحة=18|الناشر=الزهراء للإعلام العربي القاهرة.|المسار=http://shamela.ws/browse.php/book-9682/page-12}}</ref>
 
والإجماع على تنصيب الخليفة حجة كافية، وعليه استقر حال الأمة على مدى التاريخ الإسلامي، وكانت [[الخلافة العثمانية]] آخر دولة للخلافة الإسلامية، حيث بذلت الدول المعادية للإسلام جهودا مكثفة لإضعافها ومحاربتها واحتلال معظم الولايات الإسلامية وتفكيكها، وانتشار المستشرقين لاستنهاض الأفكار المعارضة للحكام وإيقاض الفتن، فظهرت الأهواء والتخاصم والتقاتل وبسط النفوذ بالاستقواء، واستعان المتسلطون بأهل الأهواء، وتقسم الناس إلى دويلات مصغرة، وبعد غياب الخلافة العثمانية كانت الولايات قد تقسمت وأعلنت استقلالها عن دولة الخلافة الإسلامية، وكانت الدولة العثمانية خلافة إسلامية على منهج أهل السُّنَّة والجماعة، والخليفة إمام للمسلمين في الدين، وحاكم عام يُولِّي الولاة ولو على الأقل يُقِرهم أو يُصادق على ولايتهم ويحتكمون إليه، ويتولى أمر الجهاد وقتال البغاة والخوارج ونحوهم، وتجتمع عليه أمة الإسلام، فإذا ما فُقد منصب الخليفة تفرق أمر الولاة وظهر أهل الأهواء وتعطل باب الجهاد، ومن الأحكام المقررة عند أهل السنة والجماعة وجوب تنصيب خليفة ووجوب طاعته والدعاء له والصلاة خلفه، وإذا كان الناس في تفرق واختلاف ولا خليفة وجب تنصيب ولي أمر يتحاكم إليه الناس لئلا تتعطل الأحكام، وإذا اختلف الناس ولم تجتمع كلمتهم على إمام واحد واستقل كل سلطان بولاية كما هو حاصل في العصر الحالي وجب على كافة أهل كل بلد طاعة سلطانهم، فموضوع طاعة ولاة الأمر متفق عليه عند أهل السنة والجماعة سواء وُجد منصب الخليفة أم لا، ولا مندوحة في الخروج على كل الأحول. والدول الإسلامية التي تحولت من حال الاجتماع إلى التفرق على هذا النحو لم تخرج قوانينها وأنظمتها عن تحكيم الشرع الإسلامي وإن تفاوتت في مدى الالتزم والتطبيق.
 
==== أحكام الخلافة ====
[[ملف:Umayyad Mosque Yard.jpg|تصغير|[[جامع بني أمية الكبير]] في [[دمشق]]، أحد أبرز الأمثلة على العمارة الأموية.]]
أجمع أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا، وجمهور الطوائف الأخرى على أن نصب الإمام أي: توليته على الأمة واجب على المسلمين شرعا لا عقلا فقط؛ لأن الحاكم مأمور بوظائف دينية كما أن الرعية مأمورون ديانة بطاعة ولي الأمر. واتفق جمهور أهل السنة والجماعة على أن حكم تنصيب ال[[خليفة]] أو الحاكم واجب شرعي؛ لحماية مصالح الناس، وأقوال ال[[خوارج]] ومن وافقهم بخلاف ذلك لا يقوى على معارضة الإجماع. وقد تظافرت الأدلة الشرعية على وجوب طاعه ولاة الأمر بنصوص الكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: {{قرآن|وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}}، وفي الحديث: «عليكم بالسمع والطاعة» أي: لولاة الأمور، قال أبو الحسن الأشعري: «وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين وعلى أن كل من ولي شيئا من أمورهم عن رضى أو غلبة وامتدت طاعته من بر وفاجر لا يلزم الخروج عليهم بالسيف جار أو عدل وعلى أن يغزوا معهم العدو ويحج معهم البيت وتدفع إليهم الصدقات إذا طلبوها ويصلى خلفهم الجمع والأعياد».<ref>أبو الحسن الأشعري، رسالة إلى أهل الثغر</ref>
 
==== طرق انعقاد الإمامة وتنصيب ولاة الأمر ====
تنعقد الإمامة بطرق أحدها: بطريق البيعة أي: بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم حالة البيعة بلا كلفة عرفا، وأما بيعة غير أهل الحل والعقد من العوام فلا عبرة بها، وثانيها: باستخلاف الإمام واحدا بعده، أو باستخلاف عدد يختار أهل الحل والعقد واحدا منهم، قال [[النووي]]: «وتنعقد الإمامة بالبيعة، والأصح بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم، وباستخلاف الإمام، فلو جعل الأمر شورى بين جمع فكاستخلاف، فيرتضون أحدهم وباستيلاء جامع الشروط وكذا فاسق وجاهل في الأصح».<ref name="النهاية">{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد بن شهاب الدين الرملي|العنوان=نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، كتاب البغاة، فصل في شروط الإمام الأعظم وبيان طرق الإمامة، الجزء السابع|الصفحات=٤٠٩ وما بعدها|الناشر=دار الفكر|الطبعة=الأخيرة|السنة=١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤م}}</ref>
 
==== شروط الإمام ====
ذكر العلماء شروطا متعددة فيمن يتولى منصب الخلافة، ومنها ما هو متفق عليه ومنها مختلف فيه، وهذه الشروط في الابتداء، أي: في ابتداء تنصيب الخليفة، أما في الدوام ففيه تفصيل، قال [[النووي]]: «شرط الإمام كونه مسلما مكلفا حرا ذكرا قرشيا مجتهدا شجاعا ذا رأي وسمع وبصر ونطق وعدلا». فشرط الإمام كونه مسلما ليراعي مصلحة الإسلام وأهله، وهذا باتفاق جمهور أهل السنة والجماعة، أما من كان من غير المسلمين كاليهودي أو النصراني أو غيره فلا ولاية له على المسلمين، وكونه مكلفا؛ لأن غيره مولى عليه فلا يلي أمر غيره، وأن يكون حرا؛ لأن من فيه رق لا يهاب، وأن يكون ذكرا فلا ولاية للمرأة بالإجماع؛ لضعفها وعدم مخالطتها للرجال، وفي الحديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، وأن يكون قرشيا؛ وفي الحديث: «الأئمة من قريش»، ولا يشترط كونه هاشميا ولا علويا؛ لأن الخلفاء الثلاثة لم يكونوا كذلك وهم قرشيون، وقد اتفق الصحابة على خلافتهم. وأن يكون مجتهدا كالقاضي وأولى بل حكى فيه الإجماع، وقد كان الصحابة لا يختارون للخلافة إلا إماما مجتهدا من أعلمهم في الدين وأفضلهم، فإن لم يوجد مجتهدون أو استخلف واستتم له الأمر ولم يكن مجتهدا كما هو الحال في البعض بعد الخلفاء الراشدين؛ وجبت طاعته حيث يفوض للعلماء أمور الدين فيما يفتقر للاجتهاد، وأن يكون شجاعا ليغزو بنفسه ويعالج الجيوش ويقوى على فتح البلاد ويحمي البيضة ويعتبر سلامته من نقص يمنع استيفاء الحركة وسرعة النهوض كما دخل في الشجاعة وأن يكون ذا رأي ليسوس به الرعية ويدبر مصالحهم الدينية والدنيوية قال الهروي: وأدناه أن يعرف أقدار الناس وأن يكون ذا سمع وإن ثقل وذا بصر وإن ضعف بحيث لم يمنع التمييز بين الأشخاص أو كان أعور أو أعشى، وأن يكون ناطقا يفهم نطقه، وإن فقد الذوق والشم وذلك ليتأتى منه فصل الأمور، وأن يكون عدلا، فلو اضطر لولاية فاسق جاز، ولذا قال ابن عبد السلام: لو تعذرت العدالة في الأئمة قدمنا أقلهم فسقا، قال الأذرعي وهو متعين؛ إذ لا سبيل لجعل الناس فوضى، فإذا تعذرت العدالة في أهل قطر قدم أقلهم فسقا.<ref name="النهاية"/>
 
قال ابن خلدون: وأما شروط هذا المنصب فهي أربعة: العلم والعدالة والكفاية وسلامة الحواس والأعضاء، مما يؤثر في الرأي والعمل، واختلف في شرط خامس وهو النسب القرشي.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=ابن خلدون|العنوان=تاريخ ابن خلدون ج1|الصفحة=98}}</ref><ref group="°">قال ابن خلدون: فأما اشتراط العلم فظاهر، لأنه إنما يكون منفذاً لأحكام الله تعالى إذا كان عالماً بها، وما لم يعلمها لا يصح تقديمه لها. ولا يكفي من العلم إلا أن يكون مجتهداً، لأن التقليد نقص، والإمامة تستدعي الكمال في الأوصاف والأحوال. وأما العدالة فلأنه منصب ديني ينظر في سائر المناصب التي هي شرط فيها، فكان أولى باشتراطها فيه. ولا خلاف في انتفاء العدالة فيه بفسق الجوارح من ارتكاب المحظورات وأمثالها، وفي انتفائها بالبدع الاعتقادية خلاف.</ref>
 
ذكر القرطبي أن شروط الإمامة أحد عشر شرطا،<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي|العنوان=تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن، سورة البقرة، قوله تعالى: «وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة» الجزء الأول|الصفحة=257 و258|الناشر=دار الفكر|المسار=http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=48&ID=303}}</ref><ref group="°">ذكر القرطبي أن شروط الإمامة أحد عشر أولها: أن يكون من صميم قريش، وقد اختلف في هذا. الثاني: أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين مجتهدا لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث، وهذا متفق عليه. الثالث: أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور وحماية البيضة وردع الأمة والانتقام من الظالم والأخذ للمظلوم. الرابع: أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود ولا فزع من ضرب الرقاب ولا قطع الأبشار والدليل على هذا كله إجماع الصحابة رضي الله عنهم، لأنه لا خلاف بينهم أنه لا بد من أن يكون ذلك كله مجتمعا فيه، ولأنه هو الذي يولي القضاة والحكام، وله أن يباشر الفصل والحكم، ويتفحص أمور خلفائه وقضاته، ولن يصلح لذلك كله إلا من كان عالما بذلك كله قيما به. الخامس: الحرية، والسادس أن يون مسلما، السابع: أن يكون ذكرا، قال: "وأجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إماما وإن اختلفوا في جواز كونها قاضية فيما تجوز شهادتها فيه". الثامن: أن يكون سليم الأعضاء، التاسع والعاشر: أن يكون بالغا عاقلا، ولا خلاف في ذلك. الحادي عشر: أن يكون عدلا؛ لأنه لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق، ويجب أن يكون من أفضلهم في العلم؛ لقوله عليه السلام: "أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون". وفي التنزيل في وصف طالوت: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم فبدأ بالعلم ثم ذكر ما يدل على القوة وسلامة الأعضاء، وقوله: اصطفاه معناه اختاره، وهذا يدل على شرط النسب. وليس من شرطه أن يكون معصوما من الزلل والخطأ، ولا عالما بالغيب، ولا أفرس الأمة ولا أشجعهم، ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون غيرهم من قريش، فإن الإجماع قد انعقد على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وليسوا من بني هاشم.</ref> قال ابن عابدين: وذكر العلامة البيري في أواخر شرحه على الأشباه أن من شروط الإمامة: أن يكون عدلا بالغا أمينا ورعا ذكرا موثوقا به في الدماء والفروج والأموال، زاهدا متواضعا مسايسا في موضع السياسة.<ref group="°">قال ابن عابدين: ثم إذا وقعت البيعة من أهل الحل والعقد مع من صفته ما ذكر صار إماما يفترض إطاعته كما في خزانة الأكمل. وفي شرح الجواهر: تجب إطاعته فيما أباحه الشرع، وهو ما يعود نفعه على العامة، وقد نصوا في الجهاد على امتثال أمره في غير معصية. وفي التتارخانية: إذا أمر الأمير العسكر بشيء فعصاه واحد لا يؤدبه في أول وهلة بل ينصحه، فإن عاد بلا عذر أدبه ا هـ ملخصا. وأخذ البيري من هذا أنه لو أمر بصوم أيام الطاعون ونحوه يجب امتثاله. أقول: وظاهر عبارة خزانة الفتاوى لزوم إطاعة من استوفى شروط الإمامة، وهذا يؤيد كلام العارف قدس سره لكن في حاشية الحموي ما يدل على أن هذه الشروط لرفع الإثم لا لصحة التولية فراجعه.</ref><ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=ابن عابدين|العنوان=حاشية رد المحتار على الدر المختار ج6 كتاب الأشربة|الصفحة=460}}</ref>
 
== المدارس الفقهية ==
[[ملف:Madina old.jpg|تصغير|200بك|منظر قديم للمدينة المنورة.]]
[[ملف:Final circulation of the Kaaba.jpg|تصغير|يسار|200بك|صورة لمكة]]
{{انظر أيضا|فقهاء الصحابة|فقهاء التابعين|الفقه الإسلامي|أصول الفقه}}
=== التاريخ ===
تعود نشأة المذاهب [[فقه إسلامي|الفقهية]] السنية إلى بداية التاريخ [[إسلام|الإسلامي]]، وخاصة في عصر الخلفاء الراشدين، و[[فقهاء الصحابة]] ثم [[فقهاء التابعين]] وتابعيهم، ويعد القرن الهجري الأول أفضل القرون الثلاثة الهجرية، حيث أنه يمثل الأصل الأصيل لعلوم الشريعة كلها، وكان رواده أعلام [[الصحابة]] الذين نقلوا الشرع، وأسسوا مذاهب [[الفقه الإسلامي]]، وكان كل من جاء بعدهم عالة عليهم في الأخذ عنهم، ويعد القرن الثاني والثالث من الهجرة النبوية بمثابة العصر الذهبي لصياغة [[المذاهب الفقهية]] وتدوين أصولها وقواعدها. واختص من بين أعلام الصحابة جماعة تخصصوا لحمل الدين وكانوا مرجعا للمسلمين، وهم حملة الشرع وأئمة الأمة الذين أخذ عنهم الفقه. قال أبو إسحاق الشيرازي: «اعلم أن أكثر أصحاب رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} الذين صحبوه ولازموه كانوا فقهاء..»،<ref name="طبقات">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق الشيرازي|العنوان=[[طبقات الفقهاء]] لأبي إسحاق الشيرازي، ج1|الصفحة= 35 وما بعدها}}</ref> وقال أيضا: «ولأن من نظر فيما نقلوه عن رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} من أقواله، وتأمل ما وصفوه من أفعاله في العبادات وغيرها؛ اضطر إلى العلم بفقههم وفضلهم، غير أن الذي اشتهر منهم بالفتاوى والأحكام وتكلم في الحلال والحرام جماعة مخصوصة».<ref name="طبقات"/> ومنهم الخلفاء الراشدون الأربعة وهم: ([[أبو بكر الصديق]] و[[عمر بن الخطاب]] و[[عثمان بن عفان]] و[[علي بن أبي طالب]]). وأشتهر من فقهاء الصحابة: [[عبد الله بن مسعود]] و[[أبو موسى الأشعري]] و[[أبي بن كعب]] و[[معاذ بن جبل]] و[[زيد بن ثابت]] و[[أبو الدرداء]] [[عائشة بنت أبي بكر|وأم المؤمنين عائشة]]. وانتقل فقه هؤلاء إلى طبقة أخرى من الصحابة وكان أشهرهم العبادلة الأربعة وهم: [[عبد الله بن العباس]] و[[عبد الله بن عمر بن الخطاب]] و[[عبد الله بن الزبير بن العوام]] و[[عبد الله بن عمرو بن العاص]]، وانتقل فقه العبادلة إلى فقهاء التابعين، وبعد وفاة العبادلة كان فقه الصحابة قد انتقل إلى التابعين في جميع البلدان،<ref>معرفة أنواع علم الحديث لابن الصلاح، ص504 دار الكتب العلمية، بيروت لبنان.</ref> وكان من أشهرهم بحسب البلدان: فقيه مكة [[عطاء بن أبي رباح|عطاء]] وفقيه المدينة [[سعيد بن المسيب]] وفقيه اليمن [[طاوس بن كيسان|طاوس]] وفقيه اليمامة [[يحيى بن أبي كثير]] وفقيه البصرة [[الحسن البصري|الحسن]] وفقيه الكوفة [[إبراهيم النخعي]] وفقيه الشام [[مكحول الشامي|مكحول]] وفقيه خراسان [[عطاء الخراساني]].<ref name="طبقات"/>
 
تأسست مدارس فقه أهل السنة والجماعة على يد [[فقهاء الصحابة]] الذين انتشروا في مختلف البلدان، ثم تابعييهم، وكان منهم الأئمة المجتهدون، وجميع الفقهاء كانوا من رواة الحديث، واشتهرت مدرسة فقه أهل الحجاز في المدينة المنورة، وأشتهر من أعلامها [[زيد بن ثابت]]، وأشهر من أخذ عنه عشرة من فقهاء المدينة: [[سعيد بن المسيب]] و[[أبو سلمة بن عبد الرحمن]] و[[عبيد الله بن عبد الله بن عتبة]] بن مسعود و[[عروة بن الزبير]] و[[أبو بكر بن عبد الرحمن]] و[[خارجة بن زيد بن ثابت|خارجة بن زيد]] و[[سليمان بن يسار]] و[[أبان بن عثمان]] و[[قبيصة بن ذؤيب]] و[[القاسم بن محمد]]. وأشهر من أخذ عنهم [[محمد بن مسلم الزهري]] وعنه أخذ الإمام [[مالك بن أنس]].
 
ومدرسة الحجاز بمكة واشتهر فيها مذهب [[عبد الله بن عباس|ابن عباس]] ومن أشهر تلامذته الفقهاء: [[عكرمة البربري|عكرمة]]، و[[عطاء بن أبي رباح|عطاء]]، و[[طاووس بن كيسان|طاووس]]، و[[سعيد بن جبير]]. ثم انتقل الفقه إلى طبقة ثانية ومنهم: [[ابن جريج]]، ثم انتقل الفقه إلى طبقة ثالثة ومنهم: [[مسلم بن خالد الزنجي]] وعنه أخذ [[الشافعي]] الفقه. ثم انتقل الفقه إلى طبقة أخرى اشتهر منها: [[محمد بن إدريس الشافعي]] مؤسس [[المذهب الشافعي]].
 
واشتهر من الطبقة الأولى من [[فقهاء الصحابة]] في اليمن: [[علي بن أبي طالب]] و[[أبو موسى الأشعري]] و[[معاذ بن جبل]]، ثم [[فقهاء التابعين]] في باليمن واشتهر منهم:[[طاوس بن كيسان]] اليماني، و[[عطاء بن مركبوذ]]،<ref name="الطبقات">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق الشيرازي|العنوان=طبقات الفقهاء ج1|الصفحات=73وما بعدها}}</ref><ref>الثقات ج5 ص206</ref> وأبو الأشعث [[أبو الأشعث الصنعاني|شراحيل بن شرحبيل]] الصنعاني،<ref>إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال لابن مغلطاي، ج6 ص226 من اسمه شراحيل وشرحبيل.</ref> و[[حنش بن عبد الله الصنعاني]]، و[[وهب بن منبه]].
 
واشتهر من [[فقهاء التابعين]] بالشام والجزيرة: [[أبو إدريس الخولاني]] و[[شهر بن حوشب]] الأشعري، ثم انتقل الفقه إلى طبقة ثانية ومنهم: [[عبد الله بن أبي زكريا]]،<ref name="الطبقات"/> و[[هاني بن كلثوم]].<ref>إكمال تهذيب الكمال</ref> و[[رجاء بن حيوة]] و[[مكحول الشامي]]،<ref>مرقاة المفاتيح ص104</ref> ومنهم أبو أيوب [[سليمان بن موسى]] أبو الربيع الأشدق،<ref name="الطبقات"/><ref>تاريخ دمشق لابن عساكر، ج22 ص377 إلى 391 دار الفكر</ref> ثم انتقلت الفتوى بالشام إلى: [[الأوزاعي]] و[[سعيد بن عبد العزيز التنوخي]]، ومنهم: [[يزيد بن يزيد بن جابر]]، و[[عبد الرحمن بن يزيد بن جابر]]،<ref name="الطبقات"/> وأبو الهذيل [[محمد بن الوليد بن عامر]] الزبيدي، و[[يحيى بن يحيى الغساني]] وكان مفتي أهل دمشق. وثبتت الفتيا بالشام على مذهب الأوزاعي و[[سعيد بن عبد العزيز]]. ومن فقهاء التابعين بالجزيرة: [[ميمون بن مهران]].
 
واشتهر من [[فقهاء التابعين]] بمصر: [[عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي|الصنابحي]]، [[عبد الله بن مالك الجيشاني|والجيشاني]]، وهما من أصحاب [[عمر بن الخطاب|عمر]].<ref>طبقات ابن سعد 7: 509 - 510</ref> ثم انتقل إلى طبقة أخرى،<ref name="الطبقات"/> ومنهم: أبو الخير [[مرثد بن عبد الله اليزني]]،<ref>طبقات ابن سعد ج7 ص511</ref> قاضي [[الإسكندرية]]، أخذ عنه أبو رجاء [[يزيد بن أبي حبيب]]. وكان ممن انتقل إليه الفقه: [[بكير بن عبد الله بن الأشج]] وأبو أمية [[عمرو بن الحارث]]، ثم انتهى علم هؤلاء إلى أبي الحارث [[الليث بن سعد]] بن عبد الرحمن، مؤسس مذهب فقهي.<ref name="الطبقات"/>
 
=== فقهاء العراق والبلدان الأخرى ===
[[ملف:Abu Hanifa Mosque in 1960.jpg|تصغير|200بك|يسار|[[جامع الإمام الأعظم]] في [[بغداد]] عام 1960م]]
[[ملف:Mihrab in the Kufa Mosque.jpg|تصغير|200بك|محراب [[مسجد الكوفة]]]]
مدرسة الكوفة بالعراق: واشتهرت بفقه [[عبد الله بن مسعود|ابن مسعود]].<ref>[http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?idfrom=7388&idto=7401&bk_no=56&ID=2045 شرح سنن الترمذي] المناقب. {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20171107013353/http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?idfrom=7388&idto=7401&bk_no=56&ID=2045 |date=07 نوفمبر 2017}}</ref> وأخذ عنه فقهاء العراق وغيرهم، وكان من أشهر التابعين الذين أخذوا مذهبه: [[علقمة بن قيس]]، و[[الأسود بن يزيد]]، و[[مسروق بن الأجدع]]، و[[عبيدة بن عمرو السلماني]] و[[شريح القاضي]] و[[الحارث الهمداني]]،<ref name="طبقات الفقهاء">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق الشيرازي|العنوان=طبقات الفقهاء ج1|الصفحات=80 وما بعدها}}</ref> وهؤلاء الستة المذكورون هم أصحاب [[عبد الله بن مسعود]]، ومنهم عمرو ابن شرحبيل الهمداني وغيره.<ref name="طبقات"/> ثم انتقل الفقه إلى طبقة أخرى منهم: [[عامر الشعبي|الشعبي]]، و[[سعيد بن جبير]] و[[إبراهيم النخعي]]، ثم انتقل الفقه بعد ذلك إلى طبقة أخرى منهم: [[الحكم بن عتيبة]]،<ref name="طبقات الفقهاء"/> و[[حماد بن أبي سليمان]] تفقه بإبراهيم النخعي، وأخذ أبو حنيفة عنه الفقه. و[[حبيب بن أبي ثابت]]، و[[الحارث بن يزيد العكلي]]،<ref>تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني، ج2 ص163</ref> و[[المغيرة بن مقسم الضبي]] وأبو معشر زياد بن كليب بن تميم الحنظلي،<ref>تهذيب الكمال للمزي ج3 ص382</ref> والقعقاع بن يزيد، و[[الأعمش]]، و[[منصور بن المعتمر]]، أخذوا العلم عن [[عامر الشعبي|الشعبي]] و[[إبراهيم النخعي|النخعي]]،<ref name="طبقات الفقهاء"/> [[عبد الله بن شبرمة|وابن شبرمة]] [[محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى|وابن أبي ليلى]] ثم حصل الفقه والفتيا في: [[سفيان الثوري]]،<ref name="طبقات الفقهاء"/> مؤسس مذهب فقهي ومنهم: الحسن بن صالح بن حي بن مسلم بن حيان الهمداني، [[شريك النخعي|وشريك بن عبد الله بن أبي شريك النخعي]]، و[[أبو حنيفة النعمان]] مؤسس [[المذهب الحنفي]].<ref name="طبقات الفقهاء"/>
 
واشتهر من فقهاء التابعين بالبصرة: [[الحسن البصري]]، و[[جابر بن زيد]] الأزدي، و[[محمد بن سيرين]]، و[[رفيع بن مهران]]، و[[حميد بن عبد الرحمن الحميري]]، و[[مسلم بن يسار]]،<ref name="طبقات الفقهاء"/> [[أبو قلابة]]، وغيرهم.
 
واشتهر في عصر الأئمة المتقدمين من أصحاب المذاهب الفقهية بعد أبي حنيفة ومالك والشافعي فقهاء بغداد وأشهرهم: أبو عبد الله [[أحمد بن حنبل|أحمد بن محمد بن حنبل]] بن هلال الشيباني،<ref name="الشيرازي">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق الشيرازي|العنوان=طبقات الفقهاء للشيرازي ج1|الصفحات=90 وما بعدها}}</ref> كان أحد رواة المذهب الشافعي، ثم [[مجتهد مستقل|استقل]] بوضع مذهب آخر يعد رابع المذاهب الفقهية الكبرى. وأبو ثور [[أبو ثور البغدادي|إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان]] الكلبي، وهو من رواة المذهب الشافعي، بصفة [[مجتهد مطلق|مجتهد مطلق منتسب]]. وأبو عبيد [[القاسم بن سلام]] البغدادي. وأبو سليمان [[داود الظاهري|داود بن علي بن خلف الأصفهاني]].<ref name="الشيرازي"/> وأبو جعفر [[الطبري|محمد بن جرير بن يزيد الطبري]]، أحد رواة المذهب الشافعي بصفة [[مجتهد مطلق|مجتهد مطلق منتسب]].
 
واشتهر من فقهاء خراسان: [[عطاء بن أبي مسلم الخراساني]]. وأبو القاسم [[الضحاك بن مزاحم]] الهلالي. وأبو عبد الرحمن [[عبد الله بن المبارك]] المروزي. وأبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي المعروف بـ [[ابن راهويه]].<ref name="الشيرازي"/>
 
وبعد انتشار الإسلام في أفريقية ثم الأندلس والمغرب،<ref>الرابطة المحمدية العليا بالمغرب مجلة الأحياء. [http://www.alihyaa.ma/Revue.aspx?C=5573&N=5556 الصحابة الكرام في التراث المغربي الأندلسي] {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20161120084717/http://www.alihyaa.ma/Revue.aspx?C=5573&N=5556 |date=20 نوفمبر 2016}}</ref> وكانت [[الحجاز]] أقرب إليهم من غيرها، حيث اشتهرت [[المدينة المنورة]] بفقه الإمام [[مالك بن أنس]] وكان أغلب فقهاء تلك البلاد يأخذون بفقه مالك، وبعد تدوين المذاهب الفقهية انتشر مذهب مالك في المغرب و[[الأندلس]].<ref>تاريخ ابن خلدون ج1 ص449 و450</ref>
 
=== المذاهب الفقهية ===
[[ملف:خريطة المذاهب.png|500px|تصغير|خريطة توضح انتشار المذاهب حول العالم.]]
المذاهب الفقهية التي صارت تعرف بمذاهب أهل السنة والجماعة هي خلاصة فقه الصحابة والتابعين وتابعيهم، وفي بداية تاريخ نشأة هذه المذاهب كانت هناك طريقتان مشهورتان أحدهما: طريقة أهل الرأي والقياس وهي طريقة أهل العراق، وإمامهم [[أبو حنيفة النعمان|أبو حنيفة]] وأصحابه من بعده، وثانيهما: طريقة أهل الحديث وهي طريقة أهل الحجاز، وإمامهم [[مالك بن أنس]] وكان يعرف بـإمام دار الهجرة، وقد اختص فقهه بعمل أهل المدينة على اعتبار أنهم متابعون لمن قبلهم ضرورة لدينهم واقتدائهم.<ref name="العبر">{{مرجع كتاب|المؤلف1=ابن خلدون|وصلة المؤلف1=ابن خلدون|العنوان=تاريخ ابن خلدون ج1|الصفحة=446 وما بعدها}}</ref> ثم كان من بعد مالك بن أنس [[محمد بن أدريس الشافعي]]، تفقه بفقه أهل الحجاز، ثم انتقل إلى العراق من بعد مالك وأخذ عن أصحاب أبي حنيفة وجمع بين طريقة أهل الحجاز وطريقة أهل العراق، وجاء من بعدهما [[أحمد بن حنبل]] وكان من عِلِّيّة المحدثين، وأخذ عن الشافعي وروى عنه مذهبه، ثم استقل بمذهب آخر.<ref name="العبر"/> ويذكر [[ابن خلدون]] في [[كتاب العبر|تاريخه]]: أن المذاهب المشتهرة في العصور المتقدمة كانت ثلاثة: مذهب أهل الرأي والقياس وأشهر أئمتهم [[أبو حنيفة النعمان|أبو حنيفة]] وأصحابه من بعده، ومذهب أهل الحديث وإمامهم مالك ثم الشافعي، ومذهب داود الظاهري. وكان إمام هذا المذهب داود ابن علي وابنه وأصحابهما وكانت هذه المذاهب الثلاثة هي مذاهب الجمهور المشتهرة بين الأمة.<ref name="العبر"/> وقد انقرض مذهب الظاهرية واندراس في العصور المتأخرة، ولم يبق منه سوى الرسوم في الكتب، بنقل العلم من الكتب من غير مفتاح المعلمين وهو ما قد يؤدي إلى مخالفة الجمهور. قال [[ابن خلدون]]: «ثم درس مذهب أهل الظاهر اليوم بدروس أئمته وإنكار الجمهور على منتحله ولم يبق إلا في الكتب المجلدة».<ref name="العبر"/>
 
وقد استقر العمل بهذه [[المذاهب الأربعة]]، ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة ودرس المقلدون لمن سواهم وسد الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد، ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه، فصرحوا بالعجز والإعواز، وردوا الناس إلى تقليد هؤلاء كل من اختص به من المقلدين، وحظروا أن يتداول تقليدهم لما فيه من التلاعب، ولم يبق إلا نقل مذاهبهم، وعمل كل مقلد بمذهب من قلده منهم بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية، لا مجرد النقل من الكتب. قال ابن خلدون: «ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه مهجور تقليده، وقد صار أهل الاسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة».<ref name="العبر"/> وأما أحمد بن حنبل فتأسس مذهبه في [[بغداد]]، وكان أكثر مقلديه بالشام و[[العراق]] من بغداد ونواحيها وهم أكثر الناس حفظا للسنة ورواية الحديث. وانتشر مذهب مالك في الأندلس والمغرب، وانتشر مذهب أبي حنيفة في العراق ومسلمة الهند والصين وما وراء النهر وبلاد العجم. وكثرت مؤلفات الحنفية ومناظراتهم ومباحثهم مع الشافعية، وجاءوا منها بعلم مستظرف وأنظار غريبة وهي بين أيدي الناس وبالمغرب منها شئ قليل نقله إليه القاضي بن العربي وأبو الوليد الباجي في رحلتهما.<ref name="العبر"/> وأما الشافعي فمقلدوه بمصر أكثر مما سواها وقد كان انتشر مذهبه بالعراق وخراسان وما وراء النهر وقاسموا الحنفية في الفتوى والتدريس في جميع الأمصار وعظمت مجالس المناظرات بينهم وملئت كتبهم بأنواع استدلالاتهم ثم درس ذلك كله بدروس المشرق وأقطاره وكان الإمام [[محمد بن أدريس الشافعي]] لما نزل على بني عبد الحكم بمصر أخذ عنه جماعة من بني عبد الحكم و[[أشهب]] و[[عبد الرحمن بن القاسم العتقي|ابن القاسم]] و[[ابن المواز]] وغيرهم ثم الحارث بن مسكين وبنوه، ثم انقرض فقه أهل السنة من مصر بظهور دولة الرافضة وتداول بها فقه الإسماعيلية وتلاشى من سواهم إلى أن ذهبت [[الدولة الفاطمية|دولة العبيديين]] من الرافضة على يد [[صلاح الدين يوسف بن أيوب]] ورجع إليهم فقه الشافعي وأصحابه من أهل العراق والشام فعاد إلى أحسن ما كان ونفقت سوقه واشتهر منهم [[محيي الدين النووي]] في ظل الدولة الأيوبية بالشام و[[عز الدين بن عبد السلام]] كذلك، ثم ابن الرفعة بمصر وتقي الدين [[ابن دقيق العيد]] ثم [[تقي الدين السبكي]] بعدهما إلى أن انتهى ذلك إلى شيخ الإسلام بمصر لهذا العهد وهو [[سراج الدين البلقيني]] فقد كان في ذلك اليوم أكبر الشافعية بمصر كبير العلماء بل أكبر العلماء من أهل العصر.<ref name="العبر"/>
 
{{col-begin}}
{{عمو-2}}
المذاهب الأربعة حسب تاريخ الظهور هي:
* [[المذهب الحنفي]]، نسبة إلى [[أبو حنيفة النعمان|أبي حنيفة النعمان]].
* [[المذهب المالكي]]، نسبة إلى [[مالك بن أنس]].
* [[المذهب الشافعي]]، نسبة إلى [[محمد بن إدريس الشافعي|الشافعي]].
* [[المذهب الحنبلي]]، نسبة إلى [[احمد ابن حنبل]].
 
{{عمو-2}}
المذاهب الفقهية الأخرى:
* مذهب [[الحسن البصري]].
* [[مدرسة ظاهرية|المذهب الظاهري]].
* مذهب [[الأوزاعي]].
* مذهب [[الليث بن سعد]].
* مذهب [[سفيان الثوري]].
{{نهاية-عمو}}
 
=== علم الخلافيات ===
أئمة المذاهب الفقهية متفقون في أصول الأحكام الشرعية الكلية وأصول الدين (العقيدة)، وإنما وقع الاختلاف في [[علم فروع الفقه|الفروع الفقهية]]. ولا يوجد بينهم اختلاف في [[عقيدة إسلامية|العقيدة]]. ولم يحصل الاختلاف بين الأئمة من السلف في أمور الاعتقاد (أصول الدين) وإنما كان اختلافهم في الأحكام الفرعية، إما لعدم توفر دليل صريح من [[القرآن|الكتاب]] و[[حديث نبوي|السنة]]، أو لضعف [[الحديث النبوي|حديث]] بحيث لا تقوم به حجة، أو غيره من الأسباب.
ومع انتشار ال[[إسلام]] وتوسعه وتعرضه للكثير من القضايا الجديدة التي ليس لها نص من الكتاب والسنة يدل عليها بخصوصها كانت هناك حاجة ملحة للخروج [[اجتهاد إسلامي|باجتهادات]] لهذه القضايا الفقهية المستجدة وتلبية حاجات الناس والإجابة عن تساؤلاتهم ومن هنا نشأت جماعة من علماء الفقه في الدين تعلم الناس في كل إقليم شؤون دينهم ودنياهم. وكان التوسع الجغرافي للإسلام وتنوع البيئات التي انتشر فيها، وأيضا قابلية الكثير من النصوص الشرعية الإسلامية للاجتهاد فيها حسب الظروف والحالات كل ذلك أدى إلى نشأة المدارس الفقهية التي انتشرت في مختلف الأمصار الإسلامية.
وأدلة الفقه عند أهل السنة والجماعة إما سمعية وهي: [[أدلة الفقه#الكتاب|الكتاب]] [[أدلة الفقه#السنة|والسنة]] [[إجماع (فقه)|والإجماع]] وإما عقلية وهي: [[قياس (إسلام)|القياس]]، بالإضافة إلى طرق أخرى للاستدلال مذكورة في كتب [[أصول الفقه]].
 
وكما تقرر فإنه لا اختلاف بين الأئمة كليات الشريعة، ولا في فروع الدين المتفق عليها مثل: فرض الصلاة والزكاة وغيرها مما هو معلوم من الدين بالضرورة، وإنما حصل الاختلاف في [[فروع الفقه]] التي هي محل الاجتهاد، ويكون الترجيح أو تقرير الحكم في المسألة عند المجتهد وفق أصول وقواعد مذهبه التي يستند إليها في الاستدلال. وبما أن [[المذاهب الأربعة]] هي التي استقر العمل عليها عند جمهور أهل السنة والجماعة؛ فقد ظهرت ثمرة الخلاف في نشأة علم الخلافيات، الذي الذي كانت مؤلفات الحنفية والشافعية فيه أكثر من المالكية، وقد ذكره [[ابن خلدون]] ثم قال عنه: «وهو لعمري علم جليل الفائدة في معرفة مآخذ الأئمة وأدلتهم ومران المطالعين له على الاستدلال عليه وتآليف الحنفية والشافعية فيه أكثر من تآليف المالكية؛ لأن القياس عند الحنفية أصل للكثير من فروع مذهبهم كما عرفت فهم لذلك أهل النظر والبحث، وأما المالكية فالأثر أكثر معتمدهم وليسوا بأهل نظر».<ref name="ابن خلدون">{{مرجع كتاب|المؤلف1=ابن خلدون|وصلة المؤلف1=ابن خلدون|العنوان=تاريخ ابن خلدون ج1|الصفحة=456 و457|تاريخ الوصول= 07 ربيع الثاني/ 1436 هـ|اللغة= العربية}}</ref>
 
== عقيدة أهل السنة والجماعة ==
{{أهل السنة}}
عقيدة أهل السنة والجماعة هي أصول الدين الإسلامي المتفق عليها، بناء على أن الإسلام هو دين الله الذي ارتضاه لجميع خلقه، قال تعالى: {{قرآن|وأوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم}} وقال تعالى: {{قرآن|ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل..}}. وأهل السّنة والجماعة متفقون في أصول الاعتقاد المتمثلة في توحيد الله والإيمان به وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بكل ما جاء به الرسول من عند الله، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. والإيمان تصديق بكل ما علم من الضروريات أنه من الدين، والإيمان بالله هو العلم واليقين الجازم أن الله وحده هو إله الكون كله وهو الإله المعبود بحق لا إله غيره ولا تكون العبادة إلا له وحده لا شريك له ولا شبيه ولا نظير ولا ند ولا صاحبة له ولا ولد، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وأنه رب العالمين وخالق الخلق أجمعين ومالكهم ومدبر جميع شؤونهم، وأنه متصف بكل صفات الكمال المطلق، والمنزه عن كل نقص، وأنه أنشأ الخلق وأوجد كل المخلوقات من عدم، وكل ما سواه مفتقر إليه وهو مستغن عمن سواه، يدخل من يشاء في رحمته، يغفر لمن يشاء بفضله ويعاقب من يشاء بعدله، لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون، يعلم كل الأشياء ظاهرة وباطنة خفية كانت أو دقيقة ويعلم ما هو أدق وأخفى ويعلم السر وأخفى، وهو السميع البصير اللطيف الخبير، كل المخلوقات قهر عظمته، وأنه هو المبدئ والمعيد والمحيي والمميت والنافع الضار، له الأسماء الحسنى والصفات العلا. والإيمان بالله -«مقرونا بالباء»- تصديق بالقلب وإقرار، والإيمان لله -«مقرونا باللام»- هو العمل الصالح. والإيمان بالرسل وبالملائكة وبكل ما يجب في حقهم. والإيمان باليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، والإيمان بالغيب أي: بما غاب عن الأعين مما دلت النصوص الشرعية عليه كالإيمان بالجنة والنار والبعث والنشور والجزاء والحساب والصراط والميزان وغير ذلك.
 
وكل هذه الأمور يتلقاها الإنسان بفطرته السليمة، فإذا ما عجز عن فهم تفاصيل خارجة عن المقصود فلا سبيل له إلا التسليم، فمن المعلوم مثلا أن الإنسان مهما بلغ علمه وقدرته فلا بد أن يواجه ما يعجز عنه فهو لا يقدر على دفع الموت عن نفسه، ويعجز عن معرفة الكثير من الأشياء عجزا يتعذر معه الحصول على ما يريد، وعجز الإنسان عن ذلك يستلزم في الإيمان أن يقر بعجزه وفقره لله فذلك هو من الإيمان بالله، وهكذا في مسائل العقيدة عندما يجد الإنسان نفسه في حالة عجز عن معرفة المزيد من التفاصيل الخارجة عن المقصود فالأسلم له التسليم لله والإقرار بعجزه فذلك من الإيمان بالله، وحتى يتضح الأمر أكثر على وجه التحديد فإن في مسائل العقيدة من الأمور ما ليس له به شأن، وهي المتشابهات التي نهى الله عن الخوض فيها. وقد كان سلف الأمة (الصحابة والتابعون) يكتفون بما أخذوه ويفوضون الأمر لله فيما تشابه عليهم، وعلى هذا سار أهل السنة والجماعة من بعدهم، وإنما استخدم أهل السنة والجماعة البراهين العقلية للرد على أهل الأهواء والزيغ.
 
=== أصول الدين ===
أصول الدين أو أصول العقيدة الإسلامية عند أهل السنة والجماعة كلها منقولة بالتلقي عن أئمة السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وكلهم متفقون سلفا وخلفا على قول واحد في أصول الاعتقاد، وما وقع بينهم من اختلاف فهو خلاف لفظي أو شكلي لا يستوجب تكفيرا ولا تبديعا ولا تفسيقا لبعضهم البعض، وهذه الأصول مقررة في كتب أئمتهم المعول على الأخذ بها، ويكفي معرفتها بطريقة ميسرة من غير التدخل فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه، وقد بين مراتب الدين في [[حديث جبريل]] وهي الإسلام والإيمان والإحسان. والإيمان في اللغة التصديق، والمقصود به الإقرار والتصديق بالله ورسوله وبكل ما يجب الإيمان به أنه من دين الإسلام، وفي القرآن: [[قالب:قرآن-سورة 49 آية 14|قالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا.. الآية]] نزلت في وفد أقروا بالإسلام ظاهرا وعلم الله ما في قلوبهم فأخبر نبيه بذلك فتحقق الحكم عليهم بطريق الوحي، فالإيمان بالله تصديق وإقرار في القلب وهو بعلم الله المطلع على حقائق القلوب، وقد سمى الله الصلاة إيمانا؛ لأن العمل الصالح من الإيمان لله بمعنى تصديق ما في القلب بالعمل فالإيمان قول وعمل،<ref>صحيح البخاري كتاب الإيمان</ref> وأجمع أهل السنة والجماعة على أن الإيمان يزيد بعمل الطاعات وينقص بالمعصية، وعلى أن المؤمن بالله لا يخرجه عنه شيء من المعاصي، خلافا للخوارج ومن وافقهم؛ لأن العصاة لم يخرجوا من خطاب التكليف ولا يخرجون من الملة بسبب الذنوب، وأنه لا يقطع على أحد من عصاة أهل القبلة بدخول النار، ولا على أحد من أهل الطاعة بالجنة، إلا من ثبت فيه نص صريح قطعي من الكتاب أو السنة. وأجمع أهل السنة والجماعة على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه ولا تكييف له وأن الإيمان به واجب وترك التكييف له لازم، وعلى أنه تعالى غير محتاج إلى شيء مما خلق، وأنه تعالى يضل من يشاء ويهدى من يشاء ويعذب من يشاء وينعم على من يشاء، ويعز من يشاء ويغفر لمن يشاء ويغني من يشاء، ويؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، وأنه لا يسأل في شيء من ذلك عما يفعل، وأنه يفعل ما يشاء كما يريد، ويؤتي من يشاء ما يشاء لا اعتراض عليه كما قال: {{قرآن|ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء}} وقال: {{قرآن|عذابي أصيب به من أشاء}} لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وعلى جميع الخلق الرضا بأحكام الله التي أمرهم أن يرضوا بها، والتسليم في جميع ذلك لأمره، والصبر على قضائه، والانتهاء إلى طاعته فيما دعاهم إلى فعله أو تركه، وأنه متصف بالعدل في جميع أفعاله وأحكامه ساءنا ذلك أم سرنا نفعنا أو ضرنا. وأجمعوا على أن الله خالق لجميع الحوادث وحده لا خالق لشيء منها سواه، يعطي من يشاء ويوفق من يشاء ويهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهو المنعم المتفضل على عباده، وأنه ليس لأحد من الخلق الاعتراض على الله تعالى في شيء من تدبيره، وأن من يعترض عليه في أفعاله متبع لرأي الشيطان في ذلك حين امتنع من السجود لآدم عليه السلام وزعم أن ذلك فساد في التدبير وخروج من الحكمة حين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين.
 
وأجمع أهل السنة والجماعة على أن للعباد حفظة يكتبون أعمالهم، وعلى أنه تعالى قد قدر جميع أفعال الخلق وآجالهم وأرزاقهم قبل خلقه لهم وأثبت في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم إلى يوم يبعثون، وقد دل على ذلك بقوله {{قرآن|وكل شيء فعلوه في الزبر، وكل صغير وكبير مستطر}}. وعلى أن عذاب القبر حق وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الله يبعث من في القبور، وعلى أنه ينفخ في الصور قبل يوم القيامة ويصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وعلى أن الله تعالى يعيدهم كما بدأهم، وأن الله تعالى ينصب الموازين لوزن أعمال العباد، وأن الخلق يؤتون يوم القيامة بصحائف فيها أعمالهم فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حسابا يسيرا، ومن أوتي كتابه بشماله فأولئك يصلون سعيرا، وعلى الصراط والشفاعة والحوض، وعلى أن الله تعالى يخرج من النار من في قلبه شيء من الإيمان بعد الانتقام منه. وأجمعوا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليهم بأيديهم وبألسنتهم إن استطاعوا ذلك وإلا فبقلوبهم.
قال أبو الحسن الأشعري: «وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين وعلى أن كل من ولي شيئا من أمورهم عن رضى أو غلبة وامتدت طاعته من بر وفاجر لا يلزم الخروج عليهم بالسيف جار أو عدل وعلى أن يغزوا معهم العدو ويحج معهم البيت وتدفع إليهم الصدقات إذا طلبوها ويصلى خلفهم الجمع والأعياد».
 
=== فضل الصحابة ===
اتفق جمهور أهل السنة والجماعة على أن خير القرون قرن الصحابة ثم الذين يلونهم على كما دل عليه حديث: «خيركم قرني» وعلى أن خير [[الصحابة]] الأئمة [[الخلفاء الأربعة]] وأولهم: [[أبو بكر الصديق]] ثم [[عمر بن الخطاب]] ثم [[عثمان بن عفان]] ثم [[علي بن أبي طالب]]، ثم باقي العشرة المبشرين بالجنة ثم أهل بدر، وعلى أن الخيار بعد العشرة في أهل بدر من المهاجرين والأنصار على قدر الهجرة والسبق في الإسلام، وعلى أن كل من آمن بالله ورسوله وحصلت له الصحبة ولو ساعة أو اجتمع برسول الله أو رآه ولو مرة مع إيمانه به وبما دعا إليه أفضل من التابعين بذلك. وأن إمامة الخلفاء الراشدين كانت عن رضى من جماعتهم وأن الله ألف قلوبهم على ذلك لما أراده من استخلافهم جميعا بقوله: {{قرآن|وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كم استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم..}} وأجمعوا على الكف عن ذكر الصحابة عليهم السلام إلا بخير ما يذكرون به وعلى أنهم أحق أن ينشر محاسنهم ويلتمس لأفعالهم أفضل المخارج وأن نظن بهم أحسن الظن وأحسن المذاهب ممتثلين في ذلك لقول رسول الله: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» وقال أهل العلم معنى ذلك لا تذكروهم إلا بخير الذكر، وقوله «لا تؤذوني في أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» وعلى ما أثنى الله تعالى به عليهم بقوله {{قرآن|محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل}}. الآية
وأجمعوا على أن ما كان بينهم من الأمور الدنيا لا يسقط حقوقهم كما لا يسقط ما كان بين أولاد يعقوب النبي عليه السلام من حقوقهم، وعلى أنه لا يجوز لأحد أن يخرج عن أقاويل السلف فيما أجمعوا عليه وعما اختلفوا فيه أو في تأويله لأن الحق لا يجوز أن يخرج عن أقاويلهم. وأجمعوا على النصيحة للمسلمين والتولي بجماعتهم وعلى التوادد في الله والدعاء لأئمة المسلمين والتبري ممن ذم أحدا من أصحاب رسول الله وأهل بيته وأزواجه وترك الاختلاط بهم والتبري منهم. فهذه الأصول التي مضى الأسلاف عليها واتبعوا حكم الكتاب والسنة بها واقتدى بهم الخلف الصالح في مناقبها.<ref>مختصر من رسالة إلى أهل الثغر لأبي الحسن الأشعري</ref>
 
=== مفهوم الوسطية ===
مفهوم الوسطية في الإسلام عدم الإفراط ولا التفريط، بل وسطا بين ذلك قواما، ودينا قيما، فالوسطية كما ذكر أئمة أهل السنة هي: عدم المغالاة في الأمور بمعنى: عدم تجاوز الحد في الدين، وهو منهي عنه في الدين الإسلامي، فقد ذكر الله في القرآن ابتداع الرهبانية في قوله تعالى: {{قرآن|ورهبانية ابتدعوها..}} وهناك فرق بين الالتزام والمحافظة، وبين المغالاة المنهي عنها التي هي بمعنى المبالغة في الشيء والتشدد فيه، وهو من سمات فرق الضلال الذين غالوا في الدين حتى وقعوا في الضلال، وقد جاء في الحديث في صفة الخوارج: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ...» الحديث.<ref>صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، الجزء الثالث، ص1321، حديث رقم: (3414). انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، ص715.</ref> وذلك أنهم بالغوا في التعبد حتى وصفوا المقصرين والعصاة بالكفر، وهذا مخالف لوسطية الإسلام، ومن جهة أخرى فإنهم بالغوا في القول: أن المعصية كفر، وغالوا في تفسير آيات الوعيد حتى كفروا كل من يرتكب إثما وقالوا: أن العاصي مخلد في النار، ومنعوا بذلك رحمة الله عن الناس، ولكن الأمور الأخروية بمشيئة الله ولا شأن للمخلوقين بتقرير ذلك.<ref>[http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?bk_no=52&ID=3824&idfrom=12690&idto=12695&bookid=52&startno=0 فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ص296 وما بعدها، حديث رقم: (6531)]، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم وقول الله تعالى: {{قرآن|وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون}}، وكان [[ابن عمر]] يراهم شرار خلق الله وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين. {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20180419053320/http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?bk_no=52&ID=3824&idfrom=12690&idto=12695&bookid=52&startno=0 |date=19 أبريل 2018}}</ref><ref>[http://library.islamweb.net/Newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=6&ID=18949 مسند أحمد] {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20171215053701/http://library.islamweb.net/Newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=6&ID=18949 |date=15 ديسمبر 2017}}</ref> ومن أمثلة الغلو في الدين ما ذكر في القرآن من وصف النصارى لعيسى ابن مريم بصفات الألوهية، قال الله تعالى: {{قرآن|ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}} فالأنبياء والعلماء والصالحون لهم مكانة واحترام وهم أولى بالتعظيم، والمنهي عنه في الإسلام إنما هو الإطراء بمعنى: المبالغة في تعظيم المخلوق ووصفه بما لا يستحق، فالألوهية لله وحده لا شريك له.<ref>تفسير القرطبي، سورة النساء، ج5 ص211 وما بعدها.</ref>
 
وقد جاء في القرآن التأكيد على أن الله جعل الأمة المحمدية أمة وسطا في قوله تعالى {{قرآن|وكذلك جعلناكم أمة وسطا}} أي: خيارا عدولا،<ref name="الرازي">{{مرجع كتاب|المؤلف1=فخر الدين الرازي|وصلة المؤلف1=الفخر الرازي|العنوان=تفسير الرازي سورة البقرة قول الله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا..|الناشر=العلمية|الصفحة=88}}</ref> أي: جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم. والوسط: العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها. وروى الترمذي: {{حديث|عن أبي سعيد الخدري عن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} في قوله تعالى: {{قرآن|وكذلك جعلناكم أمة وسطا}} قال: عدلا}}. قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي [[القرآن الكريم|التنزيل]]: {{قرآن|قال أوسطهم}}،<ref>[[سورة القلم]] آية: 28</ref> أي: أعدلهم وخيرهم. وقال زهير:
{{قصيدة|هم وسط يرضى الأنام بحكمهم|إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم}}
وقال آخر:
{{قصيدة|أنتم أوسط حي علموا|بصغير الأمر أو إحدى الكبر}}
وقال آخر:
{{قصيدة|لا تذهبن في الأمور فرطا|لا تسألن إن سألت شططا}}
{{قصيدة|--|وكن من الناس جميعا وسطا}}
 
ووسط الوادي: خير موضع فيه وأكثره كلأ وماء. ولما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير كان محمودا، أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم. وفي الحديث: «خير الأمور أوسطها»، وفيه عن علي رضي الله عنه: «عليكم بالنمط الأوسط، فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النازل».<ref>[https://ar.m.wikisource.org/wiki/الجامع_لأحكام_القرآن/سورة_البقرة/الآية_رقم_143 تفسير القرطبي ويكي مصدر]</ref>
 
والبدعة بمعناها الشرعي ورد في الشرع ذمها ووصفها بالضلالة التي ينشأ عنها التفرق والاختلاف في الدين، وكونها ضلالة؛ لكونها تمثل خروجا عن طريق الهداية، بالخروج عن المسار الصحيح بالتدخل فيما لا يعني والإعراض عن الهدف المقصود، والخروج عن الصراط المستقيم هو الضلال باختلاف أصنافه، وهو إما خروج عن الملة مثل تكذيب الرسل وعبادة الأحجار والنجوم وغيرها، وإما أن يكون مما لا يخرج بسببه عن الملة كالفرق الإسلامية التي لم تخرج ببدعتها عن الملة، فالخوض في المتشابهات خروج عن الحق وتجاوز الصراط المستقيم ووقوع في الضلالة، وفي الحديث: «عن أبي هريرة عن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} قال: "دعوني ما تركتكم إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"».<ref name="ابن حجر1">{{مرجع كتاب|المؤلف1=أحمد بن علي بن حجر العسقلاني|وصلة المؤلف1=ابن حجر العسقلاني|العنوان=فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الإقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث رقم: (6858)|الصفحة=256 وما بعدها|السنة=1407 هـ/ 1986م|الناشر=دار الريان للتراث|المسار=|تاريخ الوصول= 07 ربيع الثاني/ 1436 هـ|اللغة= العربية|العنوان بالعربي=فتح الباري شرح صحيح البخاري}}</ref> ولمسلم بلفظ: «ذروني» وهي بمعنى دعوني وذكر مسلم سبب هذا الحديث من رواية محمد بن زياد فقال: «عن أبي هريرة خطبنا رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} فقال: يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال ذروني ما تركتكم..».<ref>الحديث وأخرجه الدارقطني مختصرا وزاد فيه فنزلت: {{قرآن|يا أيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم}} وله شاهد عن ابن عباس عند الطبري في التفسير وفيه: لو قلت نعم، لوجبت ولو وجبت لما استطعتم فاتركوني ما تركتكم الحديث وفيه فأنزل الله: {{قرآن|يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم..}}الآية.</ref> قال ابن حجر: والمراد بهذا الأمر ترك السؤال عن شيء لم يقع خشية أن ينزل به وجوبه أو تحريمه، والنهي عن كثرة السؤال لما فيه غالبا من التعنت، وخشية أن تقع الإجابة بأمر يستثقل، فقد يؤدي لترك الامتثال فتقع المخالفة.
 
قال ابن فرج: معنى قوله ذروني ما تركتكم لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تكون مفيدة لوجه ما ظهر ولو كانت صالحة لغيره، والنهي عن التنقيب عن ذلك لأنه قد يفضي إلى مثل ما وقع لبني إسرائيل، إذ أمروا أن يذبحوا البقرة فلو ذبحوا أي بقرة كانت لامتثلوا ولكنهم شددوا فشدد عليهم.<ref name="ابن حجر1"/> وفيه دليل النهي عن كثرة المسائل والمغالاة في ذلك، قال البغوي في شرح السنة: المسائل على وجهين أحدهما: ما كان على وجه التعليم لما يحتاج إليه من أمر الدين فهو جائز بل مأمور به لقوله تعالى فاسألوا أهل الذكر الآية، وعلى ذلك تتنزل أسئلة الصحابة عن الأنفال والكلالة وغيرهما. ثانيهما: ما كان على وجه التعنت والتكلف، وهو المراد في هذا الحديث والله أعلم، ويؤيده ورود الزجر في الحديث عن ذلك وذم السلف، فعند أحمد من حديث معاوية أن النبي {{صلى الله عليه وسلم}} نهى عن الأغلوطات قال الأوزاعي: هي شداد المسائل، وقال الأوزاعي أيضا: «إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقل الناس علما» وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: «المراء في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل»<ref name="ابن حجر1"/> وقال ابن العربي: «كان النهي عن السؤال في العهد النبوي خشية أن ينزل ما يشق عليهم ، فأما بعد فقد أمن ذلك لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة الكلام في المسائل التي لم تقع» قال: «وإنه لمكروه إن لم يكن حراما إلا للعلماء فإنهم فرعوا ومهدوا فنفع الله من بعدهم بذلك، ولا سيما مع ذهاب العلماء ودروس العلم» انتهى. ملخصا.<ref name="ابن حجر1"/>
 
قال [[إبراهيم بن موسى الشاطبي|الشاطبي]] في معنى قول الله تعالى: {{قرآن|وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون}}: فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه، وهو السنة، والسبل هي سبل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم وهم أهل البدع، وليس المراد سبل المعاصي؛ لأن المعاصي من حيث هي معاص لم يضعها أحد طريقا تسلك دائما على مضاهاة التشريع، وإنما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات. وعن مجاهد في قوله: {{قرآن|ولا تتبعوا السبل}}، قال: البدع والشبهات. وسئل مالك عن السنة؟ فقال: هي ما لا اسم له غير السنة، وتلا: {{قرآن|وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}}. فهذا التفسير يدل على شمول الآية لجميع طرق البدع، لا تختص ببدعة دون أخرى. ومن الآيات قول الله تعالى: {{قرآن|وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين}}. فالسبيل القصد هو طريق الحق، وما سواه جائر عن الحق أي: عادل عنه وهي طرق البدع والضلالات.<ref name="الشاطبي.">{{مرجع كتاب|المؤلف=أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي|العنوان=الاعتصام للإمام الشاطبي، الباب الثاني في ذم البدع وسوء منقلب أصحابها، فصل الأدلة من النقل على ذم البدع، ما جاء في القرآن في ذم البدع وأهلها، ج1|الصفحات=71 وما بعدها|الناشر=دار ابن عفان|السنة=1412 هـ/ 1992م}}</ref>
 
والصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه هو سبيل الله الذي دعا إليه، ومهمة الأنبياء والرسل هداية الناس إلى صراط الله المستقيم هداية دلالة وإرشاد، والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد، والضلال والضلالة: ضد الهدي والهدى، وهو الخروج عن الطريق، فالضال يلتبس عليه الأمر حيث لم يكن له هاد يهديه، وهو الدليل، فصاحب البدعة لما غلب الهوى مع الجهل بطريق السنة توهم أن ما ظهر له بعقله هو الطريق القويم دون غيره، فمضى عليه، فحاد بسببه عن الطريق المستقيم، فهو ضال وإن كان بزعمه يتحرى قصدها. فالمبتدع من هذه الأمة، إنما ضل في أدلتها، حيث أخذها مأخذ الهوى والشهوة لا مأخذ الانقياد تحت أحكام الله، وهذا هو الفرق بين المبتدع وغيره؛ لأن المبتدع جعل الهوى أول مطالبه، وأخذ الأدلة بالتبع.<ref>الاعتصام للشاطبي، الفرق بين البدعة والمعصية، ص175</ref>
 
وفي الحديث: {{حديث|إنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم}}.<ref>أخرجه البخاري في باب الاعتصام حديث رقم:( 6858) ومسلم حديث رقم: (1337)، انظر أيضا: جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي ج1 ص238، الحديث التاسع.</ref>
 
قال الشاطبي: فمن نصوص القرآن الدالة على ذم البدعة: قول الله تعالى: {{قرآن|هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله..[[قالب:قرآن-سورة 3 آية 7|الآية]]}}، فالمحكمات بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد من الناس،<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد بن جرير الطبري|العنوان=تفسير سورة آل عمران|الصفحات=147 وما بعدها}}</ref> والمتشابهات تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد.<ref name="ابن كثير">{{مرجع كتاب|المؤلف=إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي|العنوان=تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة آل عمران، تفسير قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات الجزء الثاني|الصفحات=7 وما بعدها|الناشر=دار طيبة|السنة=1422 هـ/ 2002م|العنوان بالعربي=تفسير ابن كثير}}</ref> وفي رواية للبخاري بلفظ: {{حديث|فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم}}. وفي رواية: {{حديث|إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم}}. وفي رواية: {{حديث|قد حذركم الله فإذا رأيتموهم فاعرفوهم}}.<ref>ورواه ابن مردويه من طريق أخرى عن القاسم عن عائشة به.</ref><ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=الحسين بن مسعود البغوي|العنوان=تفسير البغوي، سورة آل عمران، تفسير قوله تعالى: «هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب» الجزء الثاني|الصفحة=8 و9|الناشر=دار طيبة}}</ref><ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد بن جرير الطبري|العنوان=تفسير سورة آل عمران القول في تأويل قوله تعالى: «فأما الذين في قلوبهم زيغ...»|الصفحات=195 و196}}</ref> روى ابن كثير عن الإمام أحمد: في قوله: {{قرآن|فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه}} قال: "هم الخوارج"، وفي قوله: {{قرآن|يوم تبيض وجوه وتسود وجوه}}،<ref>[[سورة آل عمران]] آية: (106)</ref> قال: {{مض|هم الخوارج}}.<ref name="ابن كثير"/> ورجح [[الطبري]] أنه وإن كان نزول الآية في نصارى نجران إلا أنه يشمل جميع أصناف المبتدعة كان من النصرانية أو اليهودية أو المجوسية أو كان سبئيا أو حروريا أو قدريا أو جهميا وغيرهم ممن يجادلون فيه.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد بن جرير الطبري|العنوان=تفسير الطبري، تفسير سورة آل عمران، القول في تأويل قوله تعالى: «ابتغاء الفتنة»، الجزء السادس، حديث رقم: (6622)|الصفحات=196 وما بعدها|الناشر=دار المعارف}}</ref>
 
وهذا بخلاف استخدام العقل وسيلة للتفكر في المخلوقات المؤدي إلى الإيمان، حيث دلت نصوص الشريعة على استخدام البرهنة العقلية في إثبات العقائد،<ref group="°">عقيدة التوحيد تقوم على أساس توحيد الله ونفي الشريك عنه والعلم أن مسبب الأسباب وموجدها المتصف بالكمال المطلق هو الله الواحد الذي لا شريك له، والذي دلنا على ذلك هو الشرع وليس العقل، أي: أن الله أرسل الرسل وأوحى إليهم بأنه هو الله الخالق وحده لا شريك له، فإذا تحقق العلم بوجود الله وحصل الإيمان به فذلك هو التوحيد، وكل ما يقع في النفس من تصورات أو تخيلات فهو الذي يجب الانصراف عنه؛ لأنه من دواعي الضلال، وعندما قال مشركوا مكة: يا محمد صف لنا ربك، قايسوا بما اعتادوا عليه من عبادة الأصنام المجسمة حسب أفهامهم فأنزل الله: {{قرآن|إن في خلق السموات والأرض..}} الآية فبين الله أن حصول الإيمان بالله إنما يكون في النظر والتدبر في المخلوقات، وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، وترك الإدراك إدراك.</ref> قال ابن خلدون: {{مض|وأمهات العقائد الإيمانية معللة بأدلتها العقلية وأدلتها من الكتاب والسنة كثير وهي معلومة ومقررة، وما وقع من الخلاف في العقائد أكثره من اتباع المتشابه}}.<ref name="تاريخ ابن خلدون">{{مرجع كتاب|المؤلف1=ابن خلدون|وصلة المؤلف1=ابن خلدون|العنوان=تاريخ ابن خلدون الفصل العاشر في «علم الكلام هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد». ج1|الصفحة=458 وما بعدها|تاريخ الوصول= 07 ربيع الثاني/ 1436 هـ|اللغة= العربية}}</ref>
 
الجدول التالي يعرض وجهة النظر السنية من ناحية أن أهل السنة والجماعة هم أهل الوسطية في المعتقدات.
 
{| class="wikitable" border="1"
|-
| '''القضاء والقدر'''
| '''[[جبرية|الجبرية]] :'''غلوا في إثبات القدر، فنفوا فعل العبد أصلا، وجعلوا الإنسان مقسورا ومجبورا وليس له اختيارات أبدا.
| '''أهل السنة والجماعة :''' فتوسطوا وجعلوا له اختيارا، ولكن اختياره مربوط بمشيئة الله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وقالوا: إن العباد فاعلون والله خالقهم وخالق أفعالهم، كما ذكر القرآن: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ. فهذا توسطهم في باب القضاء والقدر.
| '''[[قدرية|القدرية]] :''' فرطوا في القضاء والقدر، وقالوا إن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله وليس لله قدرة على هداية العبد أو على إضلاله.
|- bgcolor="#EFEFEF"
| '''مسالة الإيمان والدين'''
| '''[[حرورية|الحرورية]] و[[معتزلة|المعتزلة]] : ''' فالحرورية يسمون مرتكب الكبيرة كافرا ويستحلون دمه وماله، وأما المعتزلة فقالوا: إن مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر فهو بمنزلة بين المنزلتين؟.
| '''أهل السنة والجماعة :''' جعلوا الإنسان مستحقا اسم الإيمان واسم الإسلام، ولو كان معه شيء من الذنوب وشيء من المعاصي، فمرتكب الكبيرة عندهم ناقص الإيمان، قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصيته، فلا ينفون عنه الإيمان أصلا ولا يخرجونه من الإسلام بالكلية، ولم يجعلوا المذنب كامل الإيمان بل جعلوه مؤمنا ناقص الإيمان.
| '''[[مرجئة|المرجئة]] و[[جهمية|الجهمية]] : ''' فالمرجئة قالوا: أن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان ولا يستحق دخول النار، وقالوا لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فعندهم أن من صدّق بقلبه ولو لم يعمل فهو مؤمن كامل الإيمان.
|-
| '''علي بن أبي طالب'''
| '''[[نواصب|النواصب]] و[[خوارج|الخوارج]] :''' النواصب قالوا : بفسق علي بن أبي طالب، والخوارج قالوا : بكفر علي بن أبي طالب.
| '''أهل السنة والجماعة :''' قالوا أن [[علي بن أبي طالب]] خليفة راشد وأنه أفضل من عشرات الألوف من الصحابة إلا ثلاثة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وكلهم ذوي فضل، ولكنه ليس معصوما كعصمة الأنبياء.
| '''ال[[الشيعة|شيعة]] :''' فال[[شيعة اثنا عشرية|إثناعشرية]] قالوا: بأنه معصوم كعصمة الأنبياء وأنه أفضل من كل الأنبياء إلا النبي محمد.
|}
 
== التاريخ ==
=== أول بِدعة في الإسلام ===
كانت أول فتنة ظهرت في الإسلام بدعة الخوارج، وقد كان خروجهم عن الحق بدافع ديني، بالإضافة إلى الدوافع الاقتصادية والسياسية التي بدأت في ظاهرة الخروج على ولاة الأمر وشق عصا الطاعة. قال [[ابن كثير]]: فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجئوه بهذه المقالة، فقال قائلهم -وهو ذو الخويصرة -بقر الله خاصرته- اعدل فإنك لم تعدل، فقال له رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}}: {{حديث|لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني}}، فلما قفا الرجل استأذن [[عمر بن الخطاب]] -وفي رواية: [[خالد بن الوليد]]- (ولا بعد في الجمع)- رسول الله في قتله، فقال: {{حديث|دعه فإنه يخرج من ضئضئ هذا -أي: من جنسه- قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم}}».<ref name="ابن كثير"/> وهذا الحديث في [[الصحيحين]] وغيرهما بروايات صحيحة ومنها في صحيح مسلم: {{حديث|عن [[جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام|جابر بن عبد الله]] قال أتى رجل رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} ب[[الجعرانة]] -منصرفه من [[غزوة حنين|حنين]]- وفي ثوب [[بلال بن رباح|بلال]]: [[فضة]]، ورسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} يقبض منها يعطي الناس، فقال: يا محمد اعدل، قال: «ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل» فقال [[عمر بن الخطاب]] رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: «معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية»}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=يحيي بن شرف أبو زكريا النووي|وصلة المؤلف=الإمام النووي|العنوان=شرح النووي على صحيح مسلم، كتاب الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم حديث رقم: (1063)|الصفحة=130 و131|الإصدار=دار الخير|السنة= 1416 هـ/ 1996م}}</ref>
وظاهر كلام ابن كثير يدل على أن ذا الخويصرة رأس الخوارج وهو وإن لم يكن هناك ما يسمى بـالخوارج في ذلك الحين لكن دل عليه قوله: «يخرج من ضئضئ هذا..» أي: من جنسة، ومثل هذا حصول الفتنة في زمن [[عثمان بن عفان]] والخروج عليه وقتله، والفتن التي حصلت بعد ذلك، كله يدل على أن الخوارج هم الذين كانوا وراء كل ذلك، لكنهم لم يكونوا أعلنوا خروجهم تحت مسمى فرقة خاصة إلا في زمن [[علي بن أبي طالب]]، فقد انضموا في بداية الأمر إلى صف علي بن أبي طالب، فلما قبل بالتحكيم أعلنوا خروجهم وصاحوا قائلين: «لا حكم إلا لله»، فرد عليهم علي بن أبي طالب بقوله: «كلمة حق يراد من ورائها باطل»، وقد استشار الصحابة بشأنهم وحاورهم ابن عباس وغيره من الصحابة، ثم اتفقت أقوال الصحابة على وجوب قتالهم بما لديهم من نصوص الأحاديث الدالة على ذلك، وقتلهم علي بن أبي طالب بالنهروان. قال ابن كثير: ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب، وقتلهم بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة، ثم نبعت القدرية، ثم المعتزلة ثم الجهمية وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق في قوله: {{حديث|وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة}} قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: {{حديث|من كان على ما أنا عليه وأصحابي}}.<ref name="ابن كثير"/><ref>أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة.</ref> وفي رواية عن حذيفة: {{حديث|إن في أمتي قوما يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على غير تأويله}}.<ref name="ابن كثير"/> عن ابن العاص عن رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}} قال: {{حديث|إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به}}.<ref name="ابن كثير"/> قال [[النووي]]: {{مض|قوله {{صلى الله عليه وسلم}}: {{حديث|يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم}}، قال القاضي: فيه تأويلان: أحدهما: معناه: لا تفقهه قلوبهم ولا ينتفعون بما تلوا منه، ولا لهم حظ سوى تلاوة الفم والحنجرة والحلق إذ بهما تقطيع الحروف، الثاني: معناه: لا يصعد لهم عمل ولا تلاوة ولا يتقبل}}. وقد جاء في الحديث: {{حديث|يمرقون من الدين}} وفي رواية مسلم: {{حديث|يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية}}، أي: من الدين، والمراد به هنا: دين الإسلام، كما في الرواية الأخرى بلفظ: {{حديث|يمرقون من الإسلام}}، كما يدل عليه قول الله تعالى: {{قرآن|إن الدين عند الله الإسلام}}. قال القاضي: معناه: يخرجون منه خروج السهم إذا نفذ الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق به شيء منه، والرمية هي الصيد المرمي. وقال الخطابي: هو الطاعة أي: من طاعة الإمام. انتهى ملخصا من كلام النووي. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما الكثير من الأحاديث الصحيحة في نعت الخوارج بأنهم: {{حديث|يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان}}، وجاء في وصفهم حديث: {{حديث|يحسنون القيل ويسيؤون الفعل}}. وجاء في حديث ذي الخويصرة في صحيح مسلم بلفظ: {{حديث|فقال رسول الله {{صلى الله عليه وسلم}}: إن من ضئضئ هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=يحيي بن شرف أبو زكريا النووي|وصلة المؤلف=الإمام النووي|العنوان=شرح النووي على صحيح مسلم، كتاب الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم حديث رقم: (1064)|الصفحة=131 وما بعدها|الإصدار=دار الخير|السنة= 1416 هـ/ 1996م}}</ref>
 
استحدث الخوارج أول بدعة في الإسلام تتضمن مقولات متشددة ومبالغ فيها، واتخذوا من مبدأ التكفير سببا للخروج على ولاة أمر المسلمين، وبما أن علي بن أبي طالب كان صارما في التعامل معهم وبما لديه من الفقه في الدين، فقد حاورهم وحاول أن يستعيدهم للصواب فرجع منهم من رجع وبقي منهم من بقي، وبعد وقعة النهروان لم يبق منهم إلا عدد قليل تفرقوا في البلدان. ذكر ابن بطال في حديث عن علي بن أبي طالب أنه قال في أثناء خطبته: {{مض|مايمنع أشقاكم أن يخضبها بدم}} وأشار إلى لحيته‏.‏<ref>[http://www.al-eman.com/الكتب/شرح%20صحيح%20البخاري%20لابن%20بطال%20***/باب%20شدة%20المرض/i306&d221079&c&p1 شرح صحيح البخاري لابن بطال كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت]</ref><ref group="°">نص الحديث: عن معمر عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال‏:‏ سمعت عليًا يخطب فقال‏:‏ ‏(‏اللهم إني قد سئمتهم وسئموني فارحمني منهم وارحمهم مني، «مايمنع أشقاكم أن يخضبها بدم» وأشار إلى لحيته‏)‏‏.</ref> وقد توجه من الخوارج عبد الرحمن بن ملجم لقتل علي بن أبي طالب فقتله في المسجد [[يوم الجمعة]] قبل [[صلاة الفجر]].
 
=== الكلام في الصفات ومسائل الاعتقاد ===
بدء الكلام في مسائل العقيدة في عصر السلف، وأصول العقيدة الإسلامية أحكام قطعية معلومة بطريق الوحي، ولا سبيل للعلم بعد عصر النبوة إلا عن الصحابة فإنهم كانوا مجتمعين على السُّنة، وخالفهم أهل الأهواء الذين خاضوا في المتشابهات فتحولت شبهاتهم إلى معتقدات خرجوا بها عن الحق، وتفرقوا بسببها عن جماعة المسلمين، وكانت أول فتنة في الإسلام بدعة الخوارج، ثم تفرعت من مقولاتهم بدع شتى من صنوف الفتن في الدين، وكل هذه البدع المضلة تشترك في معنى الخروج عن الحق في أصول الاعتقاد والتفرق في الدين، ويكون مصدرها الاستبداد بالرأي في مقابلة النص، واختيار الهوى في معارضة الأمر، والاستكبار والإعجاب بالرأي، وكان أئمة السلف من أهل السنة والجماعة يكتفون بما علموه، ويفوضون فيما تشابه عليهم.
 
استُحدِث في عصر السلف بدعة الكلام في المتشابهات والقول فيها بالرأي حتى تحول ذلك اعتقادا مخالفا للحق، ولما كان وجوب التنزيه لله تعالى في وصفه بالكمال المطلق، ودلت عليه النصوص كقوله تعالى: {{قرآن|ليس كمثله شيء}} فقد بالغت القدرية (المعتزلة) في التنزيه مما أدى إلى استحداث بدعة القول بإنكار صفات ثابتة بالنص، وظهرت بدعة القول بالقدر، [[محنة خلق القرآن|وفتنة القول بخلق القرآن]]، ومن ثم أطلقوا على المعتزلة معطلة، وبالمقابل فقد ظهر في عصر السلف مبتدعة بالغوا في إثبات الصفات، اتبعوا المتشابهات من النصوص وفسروها بحسب الظاهر، فوقعوا في التجسيم المناقض لآيات التنزيه الصريح، ومنها بدعة محمد بن كرام السجستاني،<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=الذهبي|العنوان=سير أعلام النبلاء ج11|الصفحة=523 و524|المسار=http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?ID=2107&bk_no=60&flag=1}}</ref> في القول بالتجسيم وتنسب إليه الكرامية، وهم أقرب الفرق إلى الخوارج، وقد نصرهم محمود بن سبكتكين السلطان، (وكان من الكرامية).<ref>الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص20</ref> قال ابن خلدون: {{مض|ولم يبق في هذه الظواهر إلا اعتقادات السلف ومذاهبهم والإيمان بها كما هي لئلا يكون النفي على معانيها بنفيها مع أنها صحيحة ثابتة من القرآن}}.<ref name="ابن خلدون2">{{مرجع كتاب|المؤلف1=ابن خلدون|وصلة المؤلف1=ابن خلدون|العنوان=تاريخ ابن خلدون ج1|الصفحة=463 و464|تاريخ الوصول= 07 ربيع الثاني/ 1436 هـ|اللغة= العربية}}</ref>
 
اتفق أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا على أن النصوص الموهمة بظاهرها للتشبيه بالحوادث هي من المتشابهات التي لا يجوز الخوض فيها، وقد نهى الله عن الخوض فيها؛ لأنه من صفات أهل الزيغ والضلال حيث أنهم تكلموا فيما لم يأذن به الله مما ليس لهم به علم وفسروا المتشابهات وفق أهوائهم، وقد ورد ذلك في القرآن في قوله تعالى: {{قرآن|فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ..}}.<ref group="°">قال الله تعالى: {{قرآن|هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}}. (آل عمران: 7).</ref>
روى ابن كثير: {{مض|عن ابن عباس أنه قال: التفسير على أربعة أنحاء: فتفسير لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل. ويروى هذا القول عن عائشة وعروة وأبي الشعثاء وأبي نهيك وغيرهم}}.<ref name="تفسير ابن كثير">{{مرجع كتاب|المؤلف=إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي|العنوان=تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة آل عمران، تفسير قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءآيات محكمات الجزء الثاني|الصفحات=10 وما بعدها|الناشر=دار طيبة|السنة=1422 هـ}}</ref>
 
هناك مذهبان مرويان عن الصحابة ذكرهما المفسرون في قوله تعالى: {{قرآن|وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ..}}، وقد ذكر ابن جرير الطبري القول في تأويل الآية: أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، قال: {{مض|وأما الراسخون في العلم فيقولون: {{قرآن|ءامنا به كل من عند ربنا}}، لا يعلمون ذلك، ولكن فضل علمهم في ذلك على غيرهم العلم بأن الله هو العالم بذلك دون من سواه من خلقه}}. <ref name="أبو جعفر">تفسير الطبري، محمد بن جرير الطبري، دار المعارف، تفسير سورة آل عمران، القول في تأويل قوله تعالى: {{قرآن|وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا}}. الجزء السادس، ص201، 206</ref> ثم ذكر اختلاف أهل التأويل في تأويل ذلك وهل {{قرآن|الراسخون}} يعلمون بتأويل المتشابه، أم أنهم يقولون: ءامنا بالمتشابه وصدقنا أن علم ذلك لا يعلمه إلا الله؟
فقال بعضهم: معنى ذلك: وما يعلم تأويل ذلك إلا الله وحده منفردا بعلمه، وأما الراسخون في العلم فيؤمنون به ولا يعلمون تأويله، عن عائشة قالت: {{مض|كان من رسوخهم في العلم أن آمنوا بمحكمه ومتشابهه، ولم يعلموا تأويله}}. وروى هذا عن ابن عباس وعروة وأبي نهيك الأسدي وعمر بن عبد العزيز ومالك.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: {{قرآن|وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم}}، وهم مع علمهم بذلك ورسوخهم في العلم يقولون: {{قرآن|ءامنا به كل من عند ربنا}}. وروى عن ابن عباس أنه قال: {{مض|أنا ممن يعلم تأويله}}. وعن مجاهد: {{قرآن|والراسخون في العلم}}: يعلمون تأويله ويقولون: {{قرآن|ءامنا به}}.
قال أبو جعفر: وأما معنى التأويل في كلام العرب فإنه التفسير والمرجع والمصير. ورجح ابن جرير الطبري (وهو من أئمة السلف): القول الأول وهو: أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، وأما {{قرآن|الراسخون في العلم}} فلا يعلمون تأويل المتشابه، يقولون: ءامنا بالمتشابه وصدقنا أن علم ذلك لا يعلمه إلا الله.<ref name="أبو جعفر"/>
 
وهذا المذهبان المرويان عن السلف حكاهما ابن كثير أولهما: أنه لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله، وهو ما رواه ابن جرير على قراءة ابن عباس وابن مسعود وأبي ابن كعب، وكذا رواه ابن جرير عن عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس: أنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله، واختار ابن جرير هذا القول. وهذا هو مذهب التسليم أو التفويض لأنهم يفوضون علم ذلك لله ولا يأولون المتشابه بل يؤمنون به ويقولون: لا يعلم تأويله إلا الله، وهذا القول مروي عن أئمة السلف.<ref>فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، كتاب التوحيد، ص427</ref>
وثانيهما: لا يعلم تأويل المتشابه الذي أراد ما أراد {{قرآن|إلا الله والراسخون في العلم}} يعلمون تأويله {{قرآن|يقولون ءامنا به}}، ثم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكمات التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتسق بقولهم الكتاب، وصدق بعضه بعضا فنفذت الحجة وظهر به العذر وزاح به الباطل ودفع به الكفر، ويسمى مذهب التأويل وهو مروي عن بعض أئمة السلف،
قال ابن كثير: {{مض|وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول وقالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد، وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال: {{مض|أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله}}. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون: آمنا به. وكذا قال الربيع بن أنس. وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير: {{قرآن|وما يعلم تأويله}} الذي أراد ما أراد {{قرآن|إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به}} ثم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتسق بقولهم الكتاب، وصدق بعضه بعضا فنفذت الحجة وظهر به العذر وزاح به الباطل ودفع به الكفر، وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس فقال: {{حديث|اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل}}}}.<ref name="تفسير ابن كثير"/>
 
هناك نصوص من الكتاب والسنة تدل على استخدام الاستدلات العقلية في إثبات مسائل الاعتقاد، وهذا لا خلاف فيه عند أهل السنة والجماعة، إلا أن الكلام في مسائل الاعتقاد الذي استحدثته الفرق المنشقة عن أهل السنة والجماعة أخذ منحىً آخر، حيث أنهم تكلموا فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه.
قال الشهرستاني: {{مض|اعلم أن السلف من أصحاب الحديث لما رأوا توغل المعتزلة في علم الكلام ومخالفة السنة التي عهدوها من الأئمة الراشدين ونصرهم جماعة من أمراء بني أمية على قولهم بالقدر وجماعة من خلفاء بني العباس على قولهم بنفي الصفات وخلق القرآن تحيروا في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في متشابهات آيات الكتاب الحكيم وأخبار النبي الأمين {{صلى الله عليه وسلم}}}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني|العنوان=الملل والنحل، ج1|الصفحة=١٠٠ وما بعدها|الناشر=دار المعرفة|المكان=بيروت|السنة=1404هـ}}</ref>
قال: {{مض|فأما أحمد بن حنبل وداود بن علي الأصفهاني وجماعة من أئمة السلف فجروا على منهاج السلف المتقدمين عليهم من أصحاب الحديث مثل: مالك بن أنس ومقاتل بن سليمان وسلكوا طريق السلامة فقالوا: نؤمن بما ورد به الكتاب والسنة ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعا أن الله عز وجل لا يشبه شيئا من المخلوقات وأن كل ما تمثل في الوهم فإنه خالقه ومقدره، وكانوا يحترزون عن التشبيه إلى غاية أن قالوا من حرك يده عند قراءته قوله تعالى: {{قرآن|خلقت بيدي}} أو أشار بإصبعيه عند روايته: {{حديث|قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن}} وجب قطع يده وقلع أصبعيه}}.
وسبب توقفهم في تفسير الآيات وتأويلها اجتناب الخوض في المتشابهات، للمنع الوارد في التنزيل في قوله تعالى: {{قرآن|فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءآمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب}} قالوا: فنحن نحترز عن الزيغ، وقالوا: أن التأويل أمر مظنون بالاتفاق والقول في صفات الباري بالظن غير جائز فربما أولنا الآية على غير مراد الباري تعالى فوقعنا في الزيغ بل نقول كما قال الراسخون في العلم ({{قرآن|كل من عند ربنا}} آمنا بظاهره وصدقنا بباطنه ووكلنا علمه إلى الله تعالى ولسنا مكلفين بمعرفة ذلك إذ ليس ذلك من شرائط الإيمان وأركانه. فهذا هو طريق السلامة وليس هو من التشبيه في شيء. غير أن جماعة من الشيعة الغالية وجماعة من أصحاب الحديث الحشوية صرحوا بالتشبيه.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني|العنوان=الملل والنحل، ج1|الصفحة=١٠٢ وما بعدها|الناشر=دار المعرفة|المكان=بيروت|السنة=1404هـ}}</ref>
 
وكان للإمام [[أحمد بن حنبل]] دور بارز في مناصرة السنة والدفاع عنها، والصبر في [[محنة خلق القرآن|المحنة]] وواجه الاضطهاد من المعتزلة،<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=الذهبي|العنوان=سير أعلام النبلاء الطبقة ١٢ ج11|الصفحة=٢٤٧ وما بعدها|المسار=http://library.islamweb.net/NewLibrary/display_book.php?bk_no=60&ID=1896&idfrom=2012&idto=2038&bookid=60&startno=10|}}</ref> وتبعه في ذلك أئمة الحنابلة الذين تابعوا طريقته في الدفاع عن السنة وساروا على طريقته، وعمل [[أبو الحسن الأشعري]] في الرد على أهل الأهواء وصاغ منهجا يقوم على أساس إثبات العقائد الدينية بالأدلة السمعية والعقلية، ويعتمد على منهج الأئمة السابقين، على قاعدة أن النقل هو الأساس وأن العقل خادم للنقل ووسيلة لإثباته والبرهان على صحته. وجمع ما تفرق من كلام علماء أهل السنة والجماعة، وأيد النقل بالعقل، وأبطل مغالطات وأباطيل المعتزلة وغيرها، وقارن ذلك ظهور أبو منصور الماتريدي فيما وراء النهر، وقام بعمل مماثل لعمل لعمل أبي الحسن الأشعري، ولقي كلاهما قبولا واسعا واعترف لهما جمهور أهل السنة والجماعة بالإمامة.
قال الشهرستاني: وأما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ولا تهدفوا للتشبيه فمنهم: [[مالك بن أنس]] رضي الله عنهما إذ قال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ومثل [[أحمد بن حنبل]] رحمه الله و[[سفيان الثوري]] و[[داود بن علي الأصفهاني]] ومن تابعهم حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسعد المحاسبي وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية، وصنف بعضهم ودرس بعض حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه مناظرة في مسألة من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما، وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة فأيد مقالتهم بمناهج كلامية وصار ذلك مذهبا لأهل السنة والجماعة وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية.<ref>الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص93</ref>
 
ذكر ابن خلدون في تاريخه: أنه لما كثر تدوين العلوم وألف المتكلمون في التنزيه حدثت بدعة المعتزلة، واستحدثوا فتنة القول بأن القرآن مخلوق، وهو بدعة صرح السلف بخلافها وعظم ضرر هذه البدعة ولقنها بعض الخلفاء عن أئمتهم فحمل الناس عليها وخالفهم أئمة السلف، فاستحل لخلافهم إيسار كثير منهم ودماؤهم. ثم قال: {{مض|وكان ذلك سببا لانتهاض أهل السنة بالأدلة العقلية على هذه العقائد دفعا في صدور هذه البدع وقام بذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري إمام المتكلمين فتوسط بين الطرق ونفى التشبيه وأثبت الصفات المعنوية وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف وشهدت له الأدلة المخصصة لعمومه، فأثبت الصفات الأربع المعنوية والسمع والبصر والكلام القائم بالنفس بطريق النقل والعقل ورد على المبتدعة في ذلك كله، وتكلم معهم فيما مهدوه لهذه البدع من القول بالصلاح والأصلح والتحسين والتقبيح وكمل العقائد في البعثة وأحوال الجنة والنار والثواب والعقاب}}.<ref name="تاريخ ابن خلدون"/> وقال: {{مض|وألحق بذلك الكلام في الإمامة لما ظهر حينئذ من بدعة الإمامية من قولهم إنها من عقائد الإيمان وإنه يجب على النبي تعيينها والخروج عن العهدة في ذلك لمن هي له وكذلك على الأمة وقصارى أمر الإمامة أنها قضية مصلحية إجماعية ولا تلحق بالعقائد فلذلك ألحقوها بمسائل هذا الفن وسموا مجموعة علم الكلام}}.<ref name="تاريخ ابن خلدون"/> وقال ابن خلدون: {{مض|وكثر أتباع الشيخ أبي الحسن الأشعري واقتفى طريقته من بعده تلاميذه كابن مجاهد وغيره وأخذ عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني فتصدر للإمامة في طريقتهم وهذبها ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار}}.<ref name="تاريخ ابن خلدون"/> وقال: {{مض|وبالجملة فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك والشبه عن تلك العقائد}}.<ref name="تاريخ ابن خلدون"/>
 
== التعريف بأهل السنة والجماعة ==
أهل السنة والجماعة اشتهر هذا المصطلح بسبب ظهور الفرق، ولا تختص هذه التسمية بطائفة معينة في مقابل أخرى، فالمسلمون كلهم أمة واحدة، وإنما ظهرت التسمية بسبب استحداث الفرق المنشقة عن جماعة المسلمين في العصور الإسلامية الأولى، ثم صارت هذه التسمية تمييزا لهم عن الفرق المنشقة عنهم، ومبدء التسمية من مفهوم اتباع السنة الذي دلت عليه النصوص النقلية مثل حديث: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» والمعنى: إلزموا طريقتي وطريقة الخلفاء الراشدين المشهود لهم بالرشاد فهم متبعون للسنة النبوية، والخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون هم سلف الأمة الإسلامية ومنهم أئمة المسلمين وهم الذين اتبعوا السنة وكانوا قدوة لمن بعدهم من الخلف من أئمة المسلمين ورواة الحديث وأعلام التفسير والحديث والفقهاء والخلفاء وولاة الأمر وعلماء الدين وعلماء اللغة والعلماء في مختلف التخصصات في علوم الشريعة الإسلامية والقواد والعامة. وتختص التسمية بالأئمة في الدين الإسلامي وهم علماء الدين المجتهدون من أهل الحديث وأهل التفسير وأهل الفقه في الدين والأئمة المجتهدون الذين اختص منهم [[فقهاء الصحابة]] ثم الذين أخذوا عنهم ونقلوا طريقتهم من [[فقهاء التابعين]] وتابعيهم، وأخذ عنهم الفقهاء المجتهدون الذين كانت لهم مذاهب فقهية، واشتهر منها في المرحلة الأولى فقه أهل الرأي والقياس وإمامهم أبو حنيفة وأصحابه من بعده، ومدرسة أهل الحديث وإمامهم [[مالك بن أنس]]، وفي المرحلة الثانية اشتهرت ثلاث مدارس فقهية مدرسة أهل الرأي ومدرسة أهل الحديث وإمامهم مالك بن أنس ثم الشافعي من بعده ومدرسة الظاهرية، وفي المرحلة الثالثة استقر عمل الناس بالمذاهب الفقهية الكبرى وهي [[المذاهب الأربعة]].
 
ومذهب أهل السنة والجماعة في العقيدة لم يخرج عن مدارس الفقه بمعنى أن أئمة أهل السنة والجماعة في العقيدة هم أئمة المذاهب الفقهية، وإنما يظهر الفرق في سبب تأسيس قواعد علم التوحيد ومنهج أئمته في الاستدلال. وعقيدة أهل السنة والجماعة مأخوذة أصلا من الصحابة باعتبار أنهم هم الذين تلقوا عقيدة الإسلام من مصدرها الأول، وتلقاها عنهم من بعدهم، وقد كان للثقافات الدخيلة على الإسلام أثر في نشأة الفرق المخالفة لمذهب الحق، وكانت هناك ضرورة للرد على الشبهات التي أثارها أهل الأهواء وأصحاب الفرق الضالة. ويتفق جمهور أهل السنة والجماعة على عدم جواز الخوض في المتشابهات من مسائل الاعتقاد إلا عند الضرورة لبيان الحق، وهذا هو مذهب سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الفقهية والتي اشتهر منها المذاهب الأربعة ومن سار على نهجهم، وجمهور أهل السنة والجماعة من بعدهم متابعون لهم ومتفقون فيما بينهم في أصول الدين، وبسبب توسع البلاد الإسلامية وتجدد ظهور أهل البدع والأهواء تطلب الأمر فهم منابع هذه الفتن للتمكن من الرد عليها وإبطالها بطريقة علمية صحيحة، وكانت هناك طريقتان في الاستدلال أحدهما: طريقة أهل الحديث وتعتمد في الاستدلال على الأدلة السمعية أي: النقلية من الكتاب والسنة والإجماع فيما يكون منها دليلا تقوم به حجة لإثبات الحكم. وثانيهما: طريقة أهل النظر والصناعة النظرية، وتعتمد في الاستدلال على الأدلية السمعية والنظرية باعتبار أن الأدلة السمعية هي الأصل، والأدلة العقلية خادمة لها.
بعد ذهاب عصر السلف انتقل مذهب أهل السنة والجماعة إلى من بعدهم، واشتهر مذهب أهل السنة والجماعة على طريقة أبي الحسن الأشعري في العراق وخراسان والشام والمغرب والأندلس وغيرها، واشتهر مذهب أهل السنة والجماعة على طريقة أبي منصور الماتريدي في ما وراء النهر وغيرها، واختص جماعة من أهل الحديث بنقل معتقد أهل السنة والجماعة على طريقة الأثرية من أهل الحديث، ثم أصبح لقب أهل السنة والجماعة يطلق على الأشعرية والماتريدية والأثرية من أهل الحديث، باعتبار أن أهل السنة والجماعة من أصحاب الصناعة النظرية هم الأشعرية والماتريدية، حيث قرروا عقيدة أهل السنة والجماعة بطريقة الصناعة النظرية، وأما الأثرية فلم يكونوا أصحاب صناعة نظرية، بل اقتصروا في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة على الطريقة السمعية (الكتاب والسنة والإجماع)، وربما أخذ بعضهم بطريقة المتكلمين من أهل النظر، فأهل السنة والجماعة على اختلاف طرقهم في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة هم مكون واحد متفقون على قول واحد في أصول الدين، وما وقع من اختلاف فلا يؤثر في أصول الاعتقاد.
 
هناك تسميات متعددة ذكرها العلماء للتعريف بأهل السنة والجماعة، ومهما اختلفت صياغتها في استعمالات العلماء من أهل السنة والجماعة فمردها واحد، والاختلاف في صياغتها خلاف شكلي لا أكثر، ففي عصر السلف كان يعرف أهل السنة والجماعة بأنهم أهل الحديث، وفي حديث: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». قال الإمام أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. كما أن أئمة السلف كلهم أهل الحديث، وبعد ظهور أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي اشتهر لقب أهل السنة والجماعة على الأشعرية والماتريدية أكثر، قال [[ابن عابدين]] في تقرير اعتقاد أهل السنة والجماعة: مما يجب اعتقاده على كل مكلف بلا تقليد لأحد وهو ما عليه أهل السنة والجماعة وهم الأشاعرة والماتريدية، وهم متوافقون إلا في مسائل يسيرة أرجعها بعضهم إلى الخلاف اللفظي كما بين في محله.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف=محمد أمين بن عمر المعروف بـ«ابن عابدين»|العنوان=حاشية ابن عابدين المسمى بـ«رد المحتار على الدر المختار» المقدمة، ج1|الصفحة=48 وما بعدها|الناشر=دار الكتب العلمية|السنة=1412 هـ/ 1992م|الإصدار=د.ط}}</ref> وذكر غيره مثل هذا، ووجه ذلك: أن الأشعرية والماتريدية عملوا على إثبات عقيدة أئمة السلف، وهي أمور قطعية لا خلاف عليها بين أهل السنة والجماعة، وإنما كان اشتهار هذه التسمية باعتبار أن أصحاب الصناعة النظرية من أهل السنة والجماعة دونوا وحققوا أكثر من غيرهم، إذ أن الأثرية لم يكونوا أهل صناعة نظرية، وكان أول من وضع قواعد علم التوحيد على مذهب أهل السنة والجماعة أبو الحسن الأشعري ومن تبعه من بعده، وأبو منصور الماتريدي ومن تبعه من بعده. فلو قلنا مثلا: أجمع جمهور أهل السنة والجماعة على تقديم الشرع على العقل، ومقابل هذا أن المعتزلة بالغوا في تقديس العقل فقدموه على نصوص الشرع بدليل أن بعض المعتزلة كالخوارج أنكروا حد الرجم بحجة أنه مستقبح عقلا، وأنكروا نصوص السنة الثابتة في الرجم، وقام أبو الحسن الأشعري باستخدام البراهين العقلية والحجج الكلامية لإثبات قول أهل السنة والجماعة في مسألة تقديم أدلة الشرع على العقل، والماتريدية فعلوا كذلك، وعلى كل الأحوال فإن الأشعرية والماتريدية والأثرية كلهم متفقون على القول بتقديم الشرع على العقل.
وأهل السنة والجماعة متفقون على قول واحد في أصول الاعتقاد؛ لأن أصول الدين ثابتة ومقررة بالنقل ولا مجال فيها للاجتهاد، ولأن الحق واحد لا يتعدد، كما أنهم ذكروا الفرق الإسلامية وجعلوا منها أهل السنة والجماعة فرقة واحدة، وإنما يكون الخلاف بين أهل السنة والجماعة في الفروع، ومهما كان اختلافهم في فروع الأحكام فلا يحكم بعضهم على بعض بالكفر ولا يصفه بالابتداع، وما قد يقع من خلاف في مسائل العقيدة فهو خلاف شكلي قد يلتبس على العوام، بسبب الحكم على الأشياء من غير استبيان، أو المبالغة في الحكم من غير علم، ومن انتسب إلى أهل السنة والجماعة وخالف إجماعهم فقوله منسوب إليه ومحسوب عليه وحده ومردود عليه، فأهل السنة والجماعة في أصول الاعتقاد مذهب واحد.
 
قال [[تاج الدين السبكي]] في شرح عقيدة ابن الحاجب: "اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل، وإن اختلفوا في الطرق والمبادي الموصلة لذلك، أو في لِمِّية ما هنالك. وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف الأول: [[أهل الحديث]] ومعتمد مباديهم: الأدلة السمعية أعني: [[القرآن|الكتاب]]، و[[حديث نبوي|السنة]]، و[[الإجماع]]. الثانية: أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية وهم: [[الأشعرية]]، وال[[حنفية]]. وشيخ الأشعرية: [[أبو الحسن الأشعري]]، وشيخ الحنفية: [[أبو منصور الماتريدي]]، وهم متفقون في المبادي العقلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه، وفي المبادي السمعية فيما يدرك العقل جوازه فقط، والعقلية والسمعية في غيرها، واتفقوا في جميع المطالب الاعتقادية إلا في مسألة التكوين ومسألة التقليد. الثالثة: أهل الوجدان والكشف؛ وهم ال[[صوفية]]، ومباديهم مبادي أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية".<ref>نقلا عن: إتحاف السادة المتقين للزبيدي 2/ 6-7.</ref>
 
وقد قام الإمام [[عبد القاهر البغدادي]] في كتابه [[الفرق بين الفرق]] بإحصاء الفرق والطوائف المخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة التي ظهرت في تاريخ المسلمين، والتي عاصرها وهي تشتمل على اثنتين وسبعين فرقة منها: ال[[روافض]]، وال[[خوارج]]، وال[[قدرية]]، وال[[مرجئة]]، وال[[نجارية]]، وال[[بكرية]]، وال[[ضرارية]]، وال[[جهمية]]، و[[الكرامية]]، ثم قال: "فأما الفرقة الثالثة والسبعون فهي أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث دون من يشتري لهو الحديث، وفقهاء هذين الفريقين وقراؤهم ومحدثوهم ومتكلمو أهل الحديث منهم، كلهم متفقون على مقالة واحدة في توحيد الصانع وصفاته، وعدله وحكمته، وفي أسمائه وصفاته، وفي أبواب [[النبوة]] و[[الإمامة]]، وفي أحكام العقبى، وفي سائر [[أصول الدين]]. وإنما يختلفون في الحلال والحرام من فروع الأحكام، وليس بينهم فيما اختلفوا فيه منها تضليل ولا تفسيق وهم [[الفرقة الناجية]]، ويجمعها الإقرار بتوحيد الصانع وقدم صفاته الأزلية، وإجازة رؤيته من غير [[مشبهة|تشبيه]] ولا تعطيل، مع الإقرار بكتب الله ورسله وبتأييد شريعة [[الإسلام]]، وإباحة ما أباحه [[القرآن]] وتحريم ما حرمه القرآن، مع قيود ما صح من سنة رسول الله، واعتقاد الحشر والنشر، وسؤال الملكين في القبر، والإقرار بالحوض والميزان. فمن قال بهذه الجهة التي ذكرناها ولم يخلط إيمانه بشيء من بدع ال[[خوارج]] وال[[روافض]] وال[[قدرية]] وسائر أهل الأهواء فهو من جملة الفرقة الناجية -إن ختم الله له بها- ودخل في هذه الجملة جمهور الأمة وسوادها الأعظم من أصحاب مالك و[[الشافعي]] وأبي حنيفة و[[الأوزاعي]] و[[الثوري]] وأهل الظاهر..."<ref>[http://www.islamport.com/w/aqd/Web/2591/18.htm كتاب الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية، ص: 19.] {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20161026163941/http://www.islamport.com/w/aqd/Web/2591/18.htm |date=26 أكتوبر 2016}}</ref>
 
وذكر [[محمد بن أحمد السفاريني|السفاريني]] {{اقتباس مضمن|أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية: وإمامهم أحمد بن حنبل، والأشعرية: وإمامهم أبو الحسن الأشعري. والماتريدية: وإمامهم أبو منصور الماتريدي، وأما فرق الضلال فكثيرة جدا}}.<ref>لوامع الأنوار البهية للسفاريني ج1 ص73</ref> وقال في كتاب العين والأثر: أهل السنة والجماعة ثلاث طوائف هم الأشاعرة والحنابلة والماتريدية.<ref>العين والأثر في عقائد أهل الأثر، ج1 ص53 المؤلف: عبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر بن عبد الباقي بن إبراهيم، الناشر: دار المأمون للتراث، دمشق، الطبعة الأولى، 1987. تحقيق: عصام رواس قلعجي.</ref>
 
=== طريقة الأثرية في مسائل الاعتقاد ===
الطريقة الأثرية هي التي تستند على الأثر، والأثر في اللغة بقية الشيء، والمأثور ما ينقله خلف عن سلف،<ref>لسان العرب لابن منظور (أثر) ج1 ص52 وما بعدها</ref> وال[[أثرية]] من أهل الحديث عند علماء الكلام يطلق على العلماء الذين اعتمدوا في مسائل العقيدة على الأثر الذي يقوم على النقل والأخذ بالأدلة السمعية أي: الكتاب والسنة والإجماع، والأثر بمعنى المأثور قد يكون أعم من الحديث، إلا أن المقصود لا يختلف، وأهل السنة والجماعة سواء كانوا من أهل الأثر أو النظر كلهم من أهل الحديث، لكن الفرق في التسمية يظهر في طريقة الاستدلال، وهذا الفرق مهم في التسمية، وذلك أن الأدلة السمعية أساسية في الأحكام الشرعية سواء كانت علمية أو عملية، غير أن [[فروع الفقه|الأحكام العملية]] يكون فيها القياس عند فقد النص، بخلاف الأحكام العلمية (العقيدة) فهي تُؤخذ بالأدلة السمعية عن طريق النقل والنص، ولا مجال فيها للقياس، وقد كان أئمة أهل السنة والجماعة في عصر [[الصحابة]] والتابعين يهتمون بنقل الحديث وروايته واستنباط الأحكام الفرعية، وأما الأمور الاعتقادية فكانوا يتلقونها بالمشافهة ولم تكن هي موضع بحثهم واجتهادهم؛ لأنها أمور ثابتة ومقررة متفق عليها، وإنما تصدر بعضهم للرد على أهل الشبهات والزيغ والضلال الذين خالفوا سنة الخلفاء الراشدين وما كان عليه الصحابة، واستحدثوا في العقيدة مقولات مبنية على الرأي الذي هو من قبيل اتباع الهوى في مقابل النص، وتكلموا فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه من مسائل الاعتقاد وخصوصا في الصفات، في مقابل أهل السنة والجماعة الذين اتبعوا طريقة التفويض في المتشابهات، ومعنى التفويض في النصوص المتشابهة أنهم قالوا: آمنا بما جاء من عند الله، وفوضوا علم ذلك لله فإذا ما سُئلوا عن ءاية متشابهة قالوا: «الله أعلم بمراده بذلك»، إذ إن التفويض هو توقف عن تفسير معنى النص، والسكوت وعدم الخوض فيما فوضوا علمه لله. وظهر قولهم بالتفويض بسبب مقولات المعتزلة وأهل التجسيم وغيرهم من الفرق المخالفة للسنة والجماعة الذين ظهروا في عصر السلف وخاضوا فيما لا علم لهم به، وتكلموا فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه فوقعوا في ضلال بدعهم، واشتد انكار أئمة السلف على الخوض في هذا الكلام، قال الشهرستاني: «وأما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ولا تهدفوا للتشبيه فمنهم: [[مالك بن أنس]] رضي الله عنهما إذ قال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ومثل [[أحمد بن حنبل]] رحمه الله و[[سفيان الثوري]] و[[داود بن علي الأصفهاني]] ومن تابعهم حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسعد المحاسبي وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية».<ref>الملل والنحل للشهرستاني، ج1 ص: (93)</ref> والسلف من أهل الحديث لما رأوا توغل المعتزلة في علم الكلام ومخالفة السنة التي عهدوها من الأئمة الراشدين؛ تحيروا في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في النصوص المتشابهات، قال الشهرستاني: «فأما [[أحمد بن حنبل]] و[[داود بن علي الأصفهاني]] وجماعة من أئمة السلف فجروا على منهاج السلف المتقدمين عليهم من أصحاب الحديث مثل: [[مالك بن أنس]] و[[مقاتل بن سليمان]]، وسلكوا طريق السلامة فقالوا: نؤمن بما ورد به الكتاب والسنة ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعا أن الله عز وجل لا يشبه شيئا من المخلوقات، وأن كل ما تمثل في الوهم فإنه خالقه ومقدره، وكانوا يحترزون عن التشبيه إلى غاية أن قالوا: من حرك يده عند قراءته قوله تعالى: {{قرآن|خلقت بيدي}} أو أشار بإصبعيه عند روايته: {{حديث|قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن}} وجب قطع يده وقلع أصبعيه»،<ref>محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، الصفحة: ١٠٢ وما بعدها</ref>
 
=== طريقة أهل النظر ===
الطريقة النظرية يقصد بها طريقة أصحاب الصناعة النظرية في الأحكام العلمية على وجه مخصوص، وأهل السنة والجماعة كلهم من أهل الحديث، وإنما اختص منهم أهل النظر بهذه التسمية لاشتهارهم بها أكثر من غيرهم، ومن ثم فقد عُرف أبو حنيفة وأصحابة بـ«أهل الرأي والقياس» حيث أنهم اشتهروا بهذه الطريقة وتوسعوا فيها أكثر من غيرهم، في مقابل أهل الحديث من الفقهاء وإمامهم مالك بن أنس ثم الشافعي من بعده ثم أحمد بن حنبل، وذكر [[ابن خلدون]] وغيره: أن الشافعي إول من دون في علم أصول الفقه في كتابه:«الرسالة»، وجمع بين طريقة أهل الرأي وطريقة أهل الحديث، ودون العلماء من بعده وكان ذلك علما قائما برأسه أُطلق عليه: «[[علم أصول الفقه]]»، وهو منهج بقوانين الاستدلال الفقهي، يتضمن قواعد استنباط [[فروع الفقه]]، وقد استفاد منه العلماء في أخذ الطرق المناسبة للاستدلال على صحة معتقدات أهل السنة والجماعة، وإنما فعلوا ذلك بسبب تمادي أهل الأهواء في التضليل على الناس في مسائل العقيدة، وقد كانت القدرية التي تفرعت من الخوارج وحملت بعد ذلك اسم المعتزلة أول من تكلم فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه من مسائل العقيدة، وتكلم بعد ذلك أصحاب الفِرق الأخرى، ثم أُطلق عليهم أصحاب الكلام، وأما البرهنة العقلية في مسائل العقيدة فقد ثبتت في نصوص الشرع، ففي مواضع كثيرة من القرآن يُذكر الاستدلال بالعقل، ومن ذلك خطاب عَبَدة الأوثان ومنكري البعث وغيرهم بعبارات ترشدهم للتفكر في بطلان ما اعتقدوه، والحال أنهم لما كانوا لا يؤمنون بنصوص الشرع ذكر لهم في أدلة عقلية في سياق النص الشرعي، ولا خلاف أئمة السلف استخدموا البرهنة العقلية بالطرق المتعارف عليها، ومن أمثلة ذلك ما ذكره أبو عبد الرحمن الأذرمي في مجلس الواثق، إلا أنهم لم يجعلوا ذلك بابا مفتوحا لما قد يؤدي إلى الخوض فيما نهى الله ورسوله عن الخوض فيه، حتى ظهر في عصر السلف جماعة أيدوا عقائد أهل السنة والجماعة بحجج كلامية وبراهين أصولية ودونوا في ذلك، قال الشهرستاني: «حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسعد المحاسبي وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية».<ref>الملل والنحل للشهرستاني، مقدمة الكتاب</ref>
 
ثم تصدر أبو الحسن للدفاع عن عقائد أهل السنة والجماعة، والرد على المعتزلة والمجسمة وفرق التشيع، ومثله أبو منصور الماتريدي، وصارت سمة أهل النظر والصناعة النظرية عند أهل السنة والجماعة تُطلق على [[الأشعرية|الأشاعرة]] نسبة إلى إمامهم أبي الحسن الأشعري، و[[الماتريدية]] نسبة إلى إمامهم أبي منصور الماتريدي، وقد عمل هذان الإمامان وأصحابهما من بعدهما على صياغة منهج أصول الاعتقاد لإثبات عقائد السلف الصالح بالطرق السمعية والنظرية معا، أي: بالأدلة النقلية والعقلية. واستخدام الطرق الكلامية عند أهل السنة والجماعة لا يعد مذموما لذاته إذ أنه طريقة استدلالية، وإنما قد يكون مذموما لاعتبارات أخرى، وذلك أن ما يُؤْثَر عن السلف من ذم الكلام فيما سكت عنه الصحابة، وفيما يستخدم منه للجدل والمراء، فأهل السنة والجماعة إنما استخدموه عند انتشار أهل الأهواء من أجل إِبطال شُبههم وبيان الحق لا ليعد مهنة للجدل والتشويش على العامة، وقد انقرضت تلك الفرق فلا حاجة للكلام فيما هو غائب عن أذهان الناس، لكن أهل الأهواء يظهرون عند انتشار الجهل في الدين، كما أنه لا يلزم كل فرد تعلم علم الكلام بل هو مخصوص بأهل العلم في الدين، ويكفي ولو واحدا في كل زمان للرد على أهل الأهواء، شرط أن يكون له علم بالفقه والحديث والتفسير واللغة، فالمتكلم الذي لا علم له في الدين واقع في الخطأ لا محالة، ولو قرأنا تاريخ أهل السنة والجماعة لوجدنا المتكلمين منهم علماء في الدين من أهل الحديث والفقه، لأنهم أصلا كذلك، وأيضا نجد بعضهم اشتهر بالكلام وبعضهم لم يشتهر به، وسبب ذلك يرجع إلى قاعدة عندهم فسرها [[أبو حامد الغزالي]] بالقول: أن مثل علم الكلام مثل الدواء الخطر الذي يحتاج لطبيب ماهر، لا يُستخدم إلا عند الحاجة، أي: أن الصحيح لا حاجة له إلى الدواء، بل ربما يضره تناول الدواء، وشبَّهه في موضع آخر بالسلاح فلا يُستخدم إلا عند الحاجة.<ref>[https://ar.m.wikisource.org/wiki/إحياء_علوم_الدين/كتاب_قواعد_العقائد/الفصل_الثاني إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزَّالي كتاب قواعد العقائد الفصل الثاني ويكي مصدر]</ref>
 
تصدر ال[[أشعرية|أشاعرة]] و[[ماتريدية|الماتريدية]] للرد على الفرق الضالة والطوائف المنحرفة، ويعدون هم وأهل الطريقة الأثرية مكون واحد هم سواد علماء أهل السنة والجماعة الأعظم في [[علم التفسير]] و[[علم الحديث]] وفي شتى تخصصات العلم الشرعي.<ref name="dar-eslah.com">[http://www.dar-eslah.com/index.php/messages/group-d/download/223_3ffd38f4f24812f97c5ffe5c396b1f89 الطوائف التي تمثل مذهب أهل الحق في باب التقديس والتوحيد.] {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20161026173439/http://www.dar-eslah.com/index.php/messages/group-d/download/223_3ffd38f4f24812f97c5ffe5c396b1f89 |date=26 أكتوبر 2016}}</ref>
 
قال [[بدر الدين الزركشي]]: «واعلم أن الشيخ أبا الحسن الأشعري كان يتبع الشافعي في الفروع والأصول وربما يخالفه في الأصول، كقوله بتصويب المجتهدين في الفروع، وليس ذلك مذهب الشافعي، وكقوله: "لا صيغة للعموم"». قال الشيخ [[أبو محمد الجويني]]: «ونقل مخالفته أصول الشافعي ونصوصه وربما ينسب المبتدعون إليه ما هو بريء منه كما نسبوا إليه أنه يقول: ليس في المصحف قرآن، ولا في القبور نبي، وكذلك الاستثناء في الإيمان ونفي قدرة الخالق في الأزل، وتكفير العوام، وإيجاب علم الدليل عليهم. وقد تصفحت ما تصحفت من كتبه، وتأملت نصوصه في هذه المسائل فوجدتها كلها خلاف ما نسب إليه». وقال [[ابن فورك]] في كتاب شرح كتاب [[مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين|المقالات]] للأشعري في مسألة تصويب المجتهدين: «اعلم أن شيخنا أبا الحسن الأشعري يذهب في الفقه ومسائل الفروع وأصول الفقه أيضا [[مذهب الشافعي]] ونص قوله في كتاب التفسير في باب إيجاب قراءة الفاتحة على المأموم: خلاف قول أبي حنيفة، والجهر بالبسملة: خلاف قول مالك، وفي إثبات آية البسملة في كل سورة آية منها قرآنا منزلا فيها، ولذلك قال في كتابه في أصول الفقه بموافقة أصوله».<ref name="مولد تلقائيا2">البحر المحيط للزركشي، المقدمة فصل أول من صنف في الأصول ج1 ص18 و19 و20، دار الكتبي ط1، سنة 1414/ 1994م.</ref>
 
=== علم السلوك ===
'''علم السلوك''' أو علم التصوف، من العلوم الشرعية، منهج أو طريق يسلكه العبد للوصول إلى المعرفة بالله والعلم به، والتحقق بمقام الإحسان، وذلك عن طريق الاجتهاد في العبادات واجتناب المنهيات، وتربية النفس وتطهير القلب من الأخلاق السيئة، وتحليته بالأخلاق الحسنة، والزهد في الدنيا وأصله أن هذه الطريقة لم تزل طريقة الحق والهداية عند كبار الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم ال[[صوفية]] والمتصوفة.<ref name="العبر1">{{مرجع كتاب|المؤلف1=ابن خلدون|وصلة المؤلف1=ابن خلدون|العنوان=تاريخ ابن خلدون ج1|الصفحة=467 وما بعدها}}</ref> طريقة التصوف منهج السلوك، والمريد هو السالك في الطريقة، ويحتاج في علمه بالطريقة إلى المربي وهو الذي يقود السالك ويرشده إلى السلوك القويم حتى يتمكن من سلوك الطريق، ويترقى في مراقي العبودية بازدياد الإيمان بفعل الطاعات وترك المنهيات، والترقي في مراتب الإحسان بالتقرب إلى الله بالنوافل بعد فعل الفروض والواجبات، والانفراد عن الخلق والإقبال على العبادة ومحاسبة النفس ومعالجة القصور ومجاهدة النفس، حتى ينشأ في كل مجاهدة وعبادة حال يترقى فيها من حال إلى حال، وأصلها كلها الطاعة والإخلاص ويتقدمها الإيمان ويصاحبها، وتنشأ عنها الأحوال، والصفات نتائج وثمرات، ثم تنشأ عنها أخرى وأخرى إلى مقام التوحيد والعرفان، ولا يزال المريد يترقى من مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة.<ref name="العبر1"/> ولهم مع ذلك آداب مخصوصة بهم واصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم، وقد صار علم الشريعة على صنفين صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا، وصنف مخصوص بأهل التصوف في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها وكيفية الترقي منها من ذوق إلى ذوق وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك.<ref name="العبر1"/>
 
قال ابن خلدون: {{مض|وبعد تدوين العلوم كتب رجال من أهل هذه الطريقة في طريقهم، فمنهم من كتب في الورع ومحاسبة النفس على الاقتداء في الأخذ والترك كما فعله القشيري في كتاب الرسالة، والسهروردي في كتاب عوارف المعارف وأمثالهم، وجمع الغزالي رحمه الله بين الأمرين في كتاب [[إحياء علوم الدين]] فدون فيه أحكام الورع والاقتداء ثم بين آداب القوم وسننهم وشرح اصطلاحاتهم في عباراتهم وصار علم ال[[تصوف]] في الملة علما مدونا بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط وكانت أحكامها إنما تتلقى من صدور الرجال كما وقع في سائر العلوم التي دونت بالكتاب من التفسير والحديث والفقه والأصول وغير ذلك}}.<ref name="العبر1"/>
 
وقد عد بعض علماء السنة بعض أساليب التصوف من الأمور المخالفة للسنة، مثل الامتناع عن الطعام قال [[القرطبي]]: {{اقتباس مضمن|فَأَمَّا طَرِيقَةُ الصُّوفِيَّةِ: أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ مِنْهُمْ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَشَهْرًا، مُفَكِّرًا لَا يَفْتُرُ، فَطَرِيقَةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ الصَّوَابِ، غَيْرُ لَائِقَةٍ بِالْبَشَرِ، وَلَا مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى السُّنَنِ}}،<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1=القرطبي|العنوان=الجامع لأحكام القرآن، سورة آل عمران، قوله تعالى: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، جـ4|المسار=http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?idfrom=1031&idto=1031&bk_no=48&ID=451|الصفحة=295|تاريخ الوصول=9 مايو 2018م}}</ref> وأما الرقص والتصفيق فهو منسوب إلى من يفعله لا إلى هذا العلم، قال [[العز بن عبد السلام]]: {{اقتباس مضمن|وأما الرقص والتصفيق فخفة ورعونة مشبهة لرعونة الإناث، لا يفعلها إلى راعن أو متصنع كذاب، وكيف يتأتى الرقص المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لبه، وذهب قلبه، وقد قال عليه السلام: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، ولم يكن أحد من هؤلاء الذين يُقتدى بهم يفعل شيئاً من ذلك، وإنما استحوذ الشيطان على قوم يظنون أن طربهم عند السماع إنما هو متعلق بالله عز وجل، ولقد مانوا فيما قالوا، وكذبوا فيما ادعوا... ومن هاب الإله وأدرك شيئاً من تعظيمه لم يَتصور من رقص ولا تصفيق، ولا يَصدر التصفيقُ والرقصُ إلا من غبي جاهل، ولا يصدران من عاقل فاضل}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1=العز بن عبد السلام|وصلة المؤلف1=العز بن عبد السلام|العنوان=قواعد الأحكام في مصالح الأنام، فصل في الاقتصاد في المصالح والخيور، ج2|المسار=http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?bk_no=39&ID=188&idfrom=632&idto=645&bookid=39&startno=6|الصفحة=220-221|تاريخ الوصول=09 مايو 2018}}</ref> وأهل التصوف بعد عصر السلف الصالح في أصول الاعتقاد يأخذون بمذهب أهل السنة والجماعة على طريقة [[الأشعرية]] و[[الماتريدية]]، ويأخذون بأحد المذاهب الفقهية السنيّة الأربعة، ويأخذون بالكشف والإلهام، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها المربون في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ "الطرق الصوفية"، أشهرها عند أهل السنة:
{{أعمدة|2|
* [[الطريقة الدسوقية]].
* [[الطريقة البرهانية]].
* [[الطريقة الشاذلية]].
* [[الطريقة القادرية]].
* [[طريقة تيجانية|الطريقة التيجانية]].
* [[الطريقة الرفاعية]].
}}
 
== انظر أيضاً ==
* [[مؤتمر الشيشان|أهل السنة والجماعة (مؤتمر الشيشان]]
* [[كتب أهل السنة والجماعة|قائمة بأهم كتب أهل السنة والجماعة]].
 
=== الملاحظات ===
{{div}}
<references group="°"/>
</div>
 
== وصلات خارجية ==
* [https://books.google.com/books?id=wddHCwAAQBAJ&pg=PT5&dq=الاعتصام+للشاطبي&hl=ar&sa=X&ved=0ahUKEwjXqcH4htjUAhWDShQKHVRFB3MQ6AEIPzAH#v=onepage&q=%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D9%85%20%D9%84%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%B7%D8%A8%D9%8A&f=false الاعتصام للشاطبي]
* [https://books.google.com/books?id=8BVHCwAAQBAJ&pg=PT258&dq=الاعتصام+بالكتاب+والسنة+فتح+الباري+شرح+صحيح+البخاري&hl=ar&sa=X&ved=0ahUKEwiAr6HXiNjUAhUJthoKHSnvDXMQ6AEIKzAD#v=onepage&q=%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D9%85%20%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9%20%D9%81%D8%AA%D8%AD%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%8A%20%D8%B4%D8%B1%D8%AD%20%D8%B5%D8%AD%D9%8A%D8%AD%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D9%8A&f=false فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة]
* [http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=316&CID=1 لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، لابن قدامة المقدسي] {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20100219104945/http://www.al-eman.com:80/Islamlib/viewchp.asp?BID=316&CID=1 |date=19 فبراير 2010}}
 
=== المراجع ===
<div class="reflist4" style="height:300px; overflow: auto; padding: 3px">
 
{{مراجع|2}}
 
</div>
 
{{مواضيع الإسلام}}
{{أدب الحديث السني}}
{{أهل السنة الأشاعرة والماتريدية}}
{{فروع الفقه}}
{{أصول فقه}}
{{دراسات إسلامية}}
{{شريط بوابات|الفقه الإسلامي|الإسلام|محمد|علوم إسلامية|القرآن|الحديث النبوي|أعلام|صحابة|لغة عربية|التاريخ الإسلامي}}
 
{{ضبط استنادي}}
 
{{لا للتصنيف المعادل}}
{{تصنيف كومنز|Sunni Islam}}
 
[[تصنيف:أهل السنة والجماعة|*]]
[[تصنيف:أصول الفقه|*]]
[[تصنيف:إسلام]]
[[تصنيف:حديث نبوي]]
[[تصنيف:دراسات إسلامية]]
[[تصنيف:شريعة إسلامية]]
[[تصنيف:طوائف إسلامية]]
[[تصنيف:علماء مسلمون]]
[[تصنيف:علوم الحديث]]
[[تصنيف:علوم القرآن]]
[[تصنيف:علوم شرعية]]
[[تصنيف:فقهاء]]
[[تصنيف:فقهاء التابعين]]
[[تصنيف:فقهاء الصحابة]]
[[تصنيف:مصطلحات]]
[[تصنيف:مصطلحات إسلامية]]