افتح القائمة الرئيسية

تغييرات

تم إضافة 262 بايت، ‏ قبل سنة واحدة
|الدين = [[مسلم]]
}}
'''محمد علي العابد''' (ولد:[[1867]] في دمشق - الوفاة:[[1939]] في باريس)، [[سياسي]] و[[دبلوماسي]] [[عرب|عربي]] [[سوريون|سوري]]، هو أول رئيس [[الجمهورية السورية الأولى|للجمهورية السورية]] بين 11 يونيو 1932 و21 ديسمبر 1936، وثامن حاكم منذ سقوط [[سوريا العثمانية]]، وأول رئيس ل[[سوريا]] يتم انتخابه ولايتم تعيينه. كان العابد يمثل عند انتخابه "الأرستقراطية الدمشقية والمتقدمة في العمر، إذ كان يبلغ عند انتخابه السبعين من عمره".<ref>سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، ستيفن لونغريج، ترجمة بيار عقل، دار الحقيقة، ص.222</ref> درس العابد في [[دمشق]] التي غادرها طفلاً وفي [[بيروت]] و[[اسطنبول]] و[[باريس]]، وعمل في وزارة الخارجية العثمانية وعيّن سفيرًا في [[الولايات المتحدة]]، وبعد [[الانقلاب العثماني 1909|الانقلاب]] على [[السلطان]] [[عبد الحميد الثاني]] (1908) لم يعد وعائلته إلى [[الدولة العثمانية]] مطلقًا بل تنقلت العائلة في أرجاء [[أوروبا]] حتى نهاية [[الحرب العالمية الأولى|الحرب العالمية الأولى،]] ثم استقرّ العابد في [[مصر]] قبل أن يعود إلى [[دمشق]] بعد بدء [[الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان|الانتداب]]. في سياسته كان العابد محايدًا ذا علاقات جيدة مع موالي الانتداب من ناحية ومع [[الكتلة الوطنية (سوريا)|الكتلة الوطنية]] من ناحية ثانية، وهو ما ساهم في وصوله لمقام الرئاسة في 13 يونيو 1932، وكان أول من حمل لقب «رئيس الجمهورية» في سوريا، إذ إن من سبقوه سمّوا «رؤساء الدولةدولة» لعدم وجود دستور يتبنى النظام الجمهوري. بموجب الدستور فإن ولاية الرئيس تمتد لخمسة سنوات، إلا أنه استقال عام 1936 بداعي السن وتمهيدًا لتدشين حكم الكتلة الوطنية بعد توقيع [[المعاهدة السورية الفرنسية 1936|المعاهدة السورية الفرنسية]]؛ وقد تتالى خلال رئاسته أربع حكومات.
 
كان يجيد عدا عن لغته [[لغة عربية|العربية]] الأم، اللغة [[لغة تركية|التركية]] كلاًالقديمة (العثمانية ذات الأبجدية العربية) وكلاً من [[لغة فرنسية|الفرنسية]] و[[لغة إنجليزية|الإنجليزية]] و[[لغة فارسية|الفارسية]] وعرف عنه ولعه بالأدب الفرنسي وبالعلوم الاقتصادية. عائلة "العابد" من عائلات دمشق الغنية والمرموقة، استقرت في دمشق على يد هولو العابد جد والد العابد،محمد علي، ويعود نسبه لقبيلة الموالي إحدى [[قبائل سوريا]] التي استوطنتها إبان [[خلافة عباسية|العهد العباسي]].<ref name="محمد">[http://www.arab-ency.com/index.php?module=pnEncyclopedia&func=display_term&id=162867 محمد علي العابد]، الموسوعة العربية، 23 أغسطس 2011. {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20180116193359/http://www.arab-ency.com/index.php?module=pnEncyclopedia&func=display_term&id=162867 |date=16 يناير 2018}}</ref> عرف العابد بوصفه "من أغنى رجال سوريا، إن لم يكن أغنى رجل سوري على الإطلاق" في عصره.<ref name="ReferenceA">سوريا والانتداب الفرنسي - سياسة القومية العربية، ص.426</ref>
 
== حياته المبكرة ==
 
=== العمل الحكومي في سوريا ===
في 28 يونيو 1922 تم إعلان الاتحاد السوري بين دولة دمشق ودولة حلب ودولة جبل العلويين على أن يكون اتحادًا [[فيدرالية|فيدراليًا]] كخطوة أولى نحو الوحدة السورية، وكان المجلس التأسيسي الذي أنشأه الجنرال [[هنري غورو]] مؤلفاً من خمسة عشر عضوًا خمس عن كل دولة ويشكل الهيئة التشريعية العليا في البلاد، وبموجب دستور الاتحاد الذي نشرهأعلنه غورو أيضًا كان من المفترض انتخاب أعضاء المجلس إلا أنه تعذر إجراء انتخابات نيابية حينئذ، فعيّن بنفسه أعضاءه، وكان من بين الأعضاء المعينينبينهم محمد علي العابد ممثلاً عن دمشق.<ref name="وزير">سورية والانتداب الفرنسي، يوسف الحكيم، دار النهار، بيروت 1983، ص.88</ref>
 
في اليوم نفسه الذي أعلن فيه الاتحاد، التأم المجلس الاتحادي في [[حلب]] وانتخب بالإجماع [[صبحي بركات]] رئيسًا لمدة عام، وقد شكّل بركات حكومته الأولى مسندًا وزارة المالية للعابد.<ref name="وزير"/> عمت البلاد السورية الراحة في أعقاب إعلان الاتحاد، وعادت الثقة بالمعتدلين، وقد مكث العابد وزيرًا للمالية حتى [[1 يناير]] [[1925]] وخلال وزارته الطويلة تم إقرار اتفاقية "مصرف سورية ولبنان الكبير" ليكون بمثابة [[مصرف سورية المركزي|مصرفٍ مركزي]] يتم إصدار [[ليرة سورية|الليرة السورية]] من خلاله، وذلك في [[1 أغسطس]] [[1922]]؛ وعلى الصعيد الشخصي فقد تزوج رئيس الاتحاد صبحي بركات بليلى العابد ابنة الوزير، غير أن الزواج كان قصيرًا وانتهى بالطلاق، فانتهت بذلك كما يقول يوسف الحكيم الذي عاصر تلك الفترة "صلات المودة والصداقة بين الرئيس والوزير"،. رغم ذلك لم يستقل العابد،<ref>سورية والانتداب الفرنسي، مرجع سابق، ص.97</ref> لكنه وكما يوضح الحكيم أيضًا، أصبح منزله ملتقى لجميع معارضي بركات،بركات خصوصًا رجال [[الكتلة الوطنية (سوريا)|الكتلة الوطنية]] لاحقًا، وكان لهذه الصداقة أثر بالغ في إيصال العابد لسدة الرئاسة لاحقًا عام [[1932]] كمرشح توافقي بين مختلف الأطياف.
 
== الصعود إلى السلطة ==
=== الانتخابات النيابية ===
{{مفصلة|الانتخابات التشريعية في سوريا 1931}}
لم يضطلع العابد بأي عمل سياسي خلال الفترة بين عامي 1925 و1932، وكفل له خروجه المبكر من حكومة بركات عدم خسارة تأييد الكتلة الوطنية وفرنسا في الوقت ذاته، وقضى هذه الفترة كما يذكر يوسف الحكيم في الأعمال الخيرية، وعندما أقرّ الدستور السوري عام 1930 قرر العابد الترشح عن دمشق ونال دعم الرئيس الأسبق الداماد [[أحمد نامي]]، ويقول الحكيم إن العابد خلال دعايته الانتخابية نشط أعماله الخيرية فقدم إعانة مالية كبيرة لجمعية الإسعاف الخيرية، وشارك مع رجال المال بتأسيس مصرف وطني، وعقد تفاهمًا مع رجال الكتلة الوطنية كيلا تتضارب الأصوات في دمشق، وزار المؤسسات الروحية لمختلف الطوائف بدمشق مقدمًا في كل زيارةٍ إعاناتٍ مالية لتقوم المساجد والكنائس بتوزيعها على الفقراء والمحتاجين خاصةً لقرب الأعياد الدينية حينها.<ref name="انتخاب">سورية والانتداب الفرنسي، مرجع سابق، ص.228</ref> ونتيجة الانتخابات -التي جرت مرحلتها الأولى في ديسمبر 1931 والثانية في يناير 1932- انتخب العابد نائبًا وفق النتائج القطعية التي صدرت في 9 أبريل.
 
=== انتخابه ===
عقد المجلس النيابي اجتماعه الأول في 7 يونيو، فوّضوفُوّض إليه انتخاببانتخاب رئيس المجلس وهيئة مكتبه إلى جانب رئيس الجمهورية والتصديق على نتائج الانتخابات النيابية وتحديد مخصصات النواب،النواب.<ref name="جديد">سورية والانتداب الفرنسي، مرجع سابق، ص.229</ref> لم يكن العمل الحزبي قويًا في سوريا ولذلك كان أغلب النواب من المستقلين ومفروزين على أساس مناطقي: الكتلة الأولى بزعامة [[صبحي بركات]] وحولها أغلب نواب الشمال المعتدلين، والكتلة الثانية يتزعمها [[حقي بيك العظم|حقي العظم]] وأغلب نواب الجنوب المعتدلين، في حين أن ثالث الكتل هيكانت الكتلة الوطنية المؤلفة من 17 نائبًا فقط يترأسها هاشم الأتاسي. بإيحاء من المفوضية الفرنسية انتخب المجلس في 11 يونيو صبحي بركات رئيسًا له، ثم جرى انتخاب مكتب المجلس الذي شغله أنصار بركات أيضًا، وأراد بركات الشروع بانتخاب رئيس الجمهورية مباشرة فانسحب نواب الكتلة (قيل اعتراضاً على نية بركات الترشح للرئاسة وهو الذي لايتقن الحديثالتحدث بالعربية)، ولم يشأ بركات أن يؤجل الجلسة لصغر حجم الكتلة النيابية الوطنية فعليًا، غير أن الجنرال فيبر ممثل المفوض الفرنسي في دمشق، أصدر وقبلقبل البدء بالانتخاب مرسومًا بتأجيل الجلسة بهدف بلورة اتفاق بين مختلف الكتل النيابية.<ref name="">سورية والانتداب الفرنسي، مرجع سابق، ص.230</ref>
 
كانت المفوضية الفرنسية تدعم وصول حقي العظم إلى رئاسة الجمهورية، وخلاللكن خلال المباحثات بين قادة الكتل النيابية، تم التوصل إلى صيغة تتخلى فيها الكتلة الوطنية عن مرشحها هاشم الأتاسي، لقاء تخلي الفرنسيين عن ترشيح حقي العظم، وانتخاب محمد علي العابد،العابد رئيسًا للجمهورية؛رئيسًا؛ وهو ما تم بأغلبية 36 صوتًا مقابل 32 صوتاً لصبحي بركات؛بركات الذي علق عليه بقوله: "هذا أمر دُبّر بليل"، وانتقل العابد إلى مقر الرئاسة محاطًا بحراسة "الشباب الوطني"، وجرت مراسم تسلّمه الرئاسة في باحة القصر بإطلاق المدفعية سبعة عشر طلقة إيذانًا ببدء العهد الجمهوري ورفع خلاله [[علم سوريا|العلم السوري الجديد]]، المستوحى من ألوان علم [[الثورة العربية الكبرى]] نفسه، وإنماإنما مع ثلاثة كواكب حمراء في الوسط،الوسط بدلاً من المثلث الأحمر على اليمين.<ref>سوريا والانتداب الفرنسي - سياسة القومية العربية، ص.425</ref> أما المرشحينالمرشحيْن المحتملينالمحتمليْن الآخرينالآخريْن الذين تداولت الصحافة السورية أسماءهم فكانوا كلاً من الداماد [[أحمد نامي]] رئيس الدولة السابق،السابق (أبريل/1926- فبراير/1928)، و[[إبراهيم هنانو]].<ref name="تاريخ">[http://www.asharqalarabi.org.uk/mu-sa/b-mushacat-1857.htm تاريخ سوريا الجزء الرابع]، رجال الشرق، 23 أغسطس 2011. {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20160304192421/http://www.asharqalarabi.org.uk/mu-sa/b-mushacat-1857.htm |date=04 مارس 2016}}</ref> عمومًا فإن الاتفاق الذي عقد ضمن للمعتدلين منصب رئيسرئاسة المجلس النيابي بشخص صبحي بركات، وأن تكون الحكومة مناصفة بين الكتلة الوطنية والمعتدلين،والمعتدلين على أن يشكلها حقي العظم.<ref>سوريا صنع دولة وولادة أمة، وديع بشور، دار اليازجي، دمشق 1994، 396</ref>
 
== رئاسته ==
{{اقتباس خاص|إني أعمل بما توحيه إليّ معرفتي لمصلحة بلدي|15بك|15بك|محمد علي العابد.}}
=== حكوماته ===
{{مفصلة|الحكومة السورية (يونيو 1932){{!}}العظم الأولى|الحكومة السورية (يونيو 1933){{!}}العظم الثانية|الحكومة السورية (مايو 1934){{!}}حكومة التاجالحسني|الحكومة السورية (فبراير 1936){{!}}حكومة الأيوبي}}
أول حكومات عهد العابد كانت [[الحكومة السورية (يونيو 1932)|حكومة حقي العظم]] وتألفت من أربعة وزراء فقط مناصفة بين الكتلة الوطنية والمعتدلين في 14 يونيو، وكان عهد هذه الحكومةعهدها هادئًا فلم يكن يعارض حكم الرئيس العابد خلال العام الأول من رئاسته سوى قلة.<ref>سورية والانتداب الفرنسي، مرجع سابق، ص.234</ref> وبعد عام في 3 يونيو 1933 استقالت حكومة العظم وتألفت [[الحكومة السورية (يونيو 1933)|حكومة ثانية]] برئاسته غير أنهالكنها خلت من وجوه الكتلة الوطنية الذين اعتقلوا ونفوا في أعقاب القلاقل نتيجة معاهدة الصداقة والتحالف مع فرنسا، فكانت "وزارة انتدابية" بتوافق العابد مع المفوض الفرنسي بونسو في أعقاب قلاقل معاهدة الصداقة والتحالف مع فرنسا. على الرغم من خروج الكتلة الوطنية من الحكم إلا أنها احتفظت بعلاقاتها الجيدة مع العابد عبر نجيب الأرمنازي؛ كبير أمناء القصر الجمهوري من ناحية، وعديل جميل مردم أحد أركان الكتلة الوطنية من ناحية ثانية، فشكل بذلك الأرمنازي صلة الوصل بين الكتلة والعابد. دامت حكومة العظم الثانية قرابة عام كامل. في يوليو 1933 أنهيت مهام [[هنري بونصو]] كمفوض فرنسي سامٍ في سوريا، وعيّن سفير فرنسا في [[الصين]] [[كونت دامين دو مارتيل]] خلفًا له، وعندما وصل بيروت في 12 أكتوبر 1933 عُقد مؤتمر [[صافيتا]] من قبل وجهاء [[علوية|الطائفة العلوية]] طالبوا فيه بالوحدة والانضمام للجمهورية السورية، كما شهدت [[دمشق]] خلال الفترة ذاتها اعتصامًا قام به شبّان [[دروز]] للهدف ذاته.<ref>سوريا صنع دولة وولادة أمة، وديع بشور، دار اليازجي، دمشق 1994، ص.394</ref>
 
طال عهد العظم في رئاسة الحكومة ما يقرب السنتين، وقبل أن يبدأ عامه الثالث ومع استمرار القطيعة بين رجال الكتلة والحكومة وتجدد المظاهرات في مختلف المدن السورية مطالبة بإنهاء الانتداب وما عزي للحكومة من ضعف تجاه سلطات الانتداب، اتفق [[كونت دامين دو مارتيل|دي مارتيل]] مع العابد على الإيعاز للعظم بالاستقالة، وتكليف رئيس الدولة السابق [[تاج الدين الحسني]] برئاسة الوزارة، فشكل في يوم واحد [[الحكومة السورية (مايو 1934)|ثالث حكومات العابد]] والتي لم تعرض على البرلمان لنيل الثقة لتعليق اجتماعاته بقرار من المفوض الفرنسي؛<ref>سورية والانتداب الفرنسي، مرجع سابق، ص.242</ref> واستمرت عامًا ونصف العام قبل أن تسقط نتيجة [[الإضراب الستيني]] (فبراير/1936) لتليها [[الحكومة السورية (فبراير 1936)|حكومة عطا الأيوبي]] التي وصفت في برنامجها بالحيادية والمؤقتة، والهادفة لإجراء انتخابات.
 
=== العمل الإداري ===
انتهجت الحكومات المتعاقبة خلال عهد العابد سياسة الترشيد الاقتصادي، وحافظت على الحياد والنزاهة واستطاعت ضمن سياستهابسياستها هذه تخفيض أصول الديون السوريّة من الدين العام العثماني (حصة سوريا من ديون الدولة العثمانية السابقة) وذلك من 70 مليون ليرة تركية مستحقة لفرنسا إلى 24 مليونًا،24،<ref name="سياسة">سورية والانتداب الفرنسي، مرجع سابق، ص.236</ref> ولم يفلح أمام هذه الإنجازات الهامة رجال الكتلة في خلقإيجاد معارضة شعبية قوية للحكومة، فاقتصر الأمر على المعارضة البرلمانية؛<ref name="سياسة"/> والتي لم تنفجر إلا على خلفيات سياسية كمعاهدة التحالف والصداقة مع فرنسا. في مايو 1935 شكلت لجنة مستقلة لوضع قانونين للأحوال الشخصية والتجارة وذلك بهدف إنهاء العمل [[مجلة الأحكام العدلية|بمجلة الأحكام العدلية]] الصادرة عن [[الدولة العثمانية]] عام 1876، واعتماد تداول المذاهب الأربعة كمصدر للتشريع فيما يتعلق بالمسلمين بدلاً من حصره [[حنفية|بالمذهب الحنفي]]، غير أن ما أعاق العمل فعليًا كون أغلب القضاة والحقوقيين المعينين بحكم مواقعهم في اللجنة من مناصري الكتلة الوطنية لذلك لم يشهد العمل أي جديّة بهدف منع صدور القانون خلال وزارة الشيخ تاج "الانتدابية".
 
=== العلاقة مع المفوضية الفرنسية ===
كونه أول رئيس للجمهورية السورية، فقد منحه الرئيس الفرنسي [[ألبير فرانسوا لوبرون]] وسام الجمهورية الفرنسية في أكتوبر 1932، وتسلمه عن طريق المفوض الفرنسي هنري بونسو؛<ref>سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، مرجع سابق، ص.244</ref> أصدر العابد في الفترة ذاتها عفوًا عامًا عن أعمال الشغب التي حصلت خلال الانتخابات النيابية أواخر عام 1931، لكن العفو لم يشمل كبار الشخصيات الثورية مثل سلطان الأطرش وعبد الرحمن شهبندر وعادل أرسلان التي نفيت بعد الثورة السورية الكبرى (25-19261927) -والتي لم يشملها أيضًا العفو الأسبق- نتيجة اعتراض المفوضية الفرنسية.<ref>سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، مرجع سابق، ص.245</ref> منذ ديسمبر 1932 تولى العابد، تعاونه الحكومة، بموجب الدستور مهمة التفاوض حول معاهدة صداقة وتحالف مع فرنسا التي مثلتها المفوضية الفرنسية برئاسة هنري بونسو،بونسو والتي كان يفترض أن تنهي الانتداب وتحوله إلى معاهدة شبيهة بالمعاهدة العراقية-البريطانية عام 1930. إلا أنّ فرنسا لم تحذ حذو بريطانيا في معاهدتها مع العراق، وتصلبت في مواقفها بينما قبل العابد معظم الشروط الفرنسية، مما أوجد فعليًا نقمة الكتلة الوطنية والجماهير التي أضربت وسيّرت مظاهرات خلال فترة المفاوضات التي استمرت طيلة النصف الأول من 1933، وأفضت إلى تأجيل اجتماعات البرلمان خشية رفضه التصديق على المعاهدة عند العرضعرضها عليه؛ وقبل أن يتأزم الوضع كان [[ألبير الأول من بلجيكا|ألبير الأول ملك بلجيكا]] قد قام في أبريل 1933 بزيارة دمشق وتدمر، ليكون بذلك أول رئيس دولة خارجية رفيعة، يزور سوريا منذ عقود.<ref>سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، مرجع سابق، ص.246</ref>
 
في نوفمبر 1933 عرض دي مارتيل نص معاهدة التحالف والصداقة بين الجمهورية السورية وفرنسا بعدما أقرتها الحكومة ودعمها العابد، غير أن البرلمان رفض التصديق عليها وردها بأغلبية 46 نائباً من أصل 68 (أكثر من ثلثي المجلسالثلثين) لأنها لاتحوي مواداًموادَّ تقر السيادة والوحدة والاستقلال، فما كان من دي مارتيل إلا أن حلّ دورة المجلس في 24 نوفمبر وأوقف اجتماعاته طولطيلة ذاكذلك الفصل التشريعي. ثالث حكومات عهد العابد شكلها رئيس الدولة السورية السابق [[تاج الدين الحسني]] وذلك في 17 مايو 1934 بعدما استقالت حكومة العظم الثانية بإيعاز من دي مارتيل.<ref>سوريا صنع دولة وولادة أمة، وديع بشور، دار اليازجي، دمشق 1994، ص.397</ref>
 
=== القلاقل الأمنية ===
==== اضطرابات حلب ====
في مايو 1934 أدت جولة قام بها رئيس الجمهورية يرافقه رئيس الوزراء إلى شمال سوريا لخروج مظاهرات قوية، وتعرّض العابد للسباب والشتيمة في [[الجامع الأموي (حلب)|الجامع الأموي]] بحلب أثناء وجوده فيه، وانتشرت المظاهرات وإضراب الأسواق، وإلقاء القنابل، والمصادمة مع رجال الشرطة بحلب طيلة فترة الزيارة؛ وقد اعتقل إثرها عدد كبير من المتهمين بينهم قيادات هامة مثل [[سعد الله الجابري]].<ref>سورية والانتداب الفرنسي، مرجع سابق، ص.243</ref> في حين هرع محامون من كل أنحاء سوريا للدفاع عنهم، وتجددت الاضطرابات في ذكرى [[المولد النبوي]]. كان العابد أصدر عفوًا خاصًا عن المتهم بإطلاق النار على إبراهيم هنانو الزعيم الحلبي والوطني وهو ما سبب الاضطرابات؛<ref>سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، مرجع سابق، ص.250</ref> إلى جانب النقمة الشعبية على شخصية رئيس الوزراء الشيخ التاجتاج.
 
==== الإضراب الستيني ====
{{مفصلة|الإضراب الستيني}}
في 21 ديسمبر 1935 نظمت الكتلة الوطنية حفل تأبين كبير بمناسبة [[أربعين الميت|ذكرى أربعين وفاة]] إبراهيم هنانو سكرتير الكتلة الوطنية على مدرج [[جامعة دمشق|الجامعة السورية]] بدمشق،بدمشق وأعلنأعلن [[فارس الخوري]] خلال الحفلخلاله "الميثاق الوطني"، وبدأت فيواندلعت أعقابهعقبه الإضرابات والاضطرابات الأمنية الدامية، بينما عجز العابد ومعه حكومة الشيخ التاجتاج عن قمعها. وقد أغلقت في أعقاب هذه الاحتجاجات مكاتب الكتلة الوطنية في [[دمشق]] و[[حلب]] واعتقل عدد من قادتها كسعد الله الجابري، فردّ الشعب بإضراب شامل دام في دمشق ومدن أخرى ستينسبعة يوماً،وخمسين يوماً ودعي بالإضراب الستيني، ووصف بأنه أطول إضراب جرى في العالم حتى تاريخه، واضطر الجيش الفرنسي للانتشار في شوارع المدن الرئيسية وهدد دي مارتيل بقصف دمشق كما حصل عام 1925، وشهدت [[العراق]] و[[لبنان]] و[[الأردن]] و[[فلسطين]] و[[مصر]] مظاهرات مؤيدة للشعب السوري فضلاً عن دعمدعمٍ من [[بريطانيا]]، وبنتيجةوبسبب الضغطين الضغطالشعبي الدوليوالدولي اضطر المفوض الفرنسي للالتقاء بهاشم الأتاسي رئيس الكتلة الوطنية،الوطنية واتفق معه على تشكيلتأليف حكومة جديدة وتشكيل وفد سوريوفدٍ يسافر إلى فرنسا للتفاوض حول معاهدةمعاهدةٍ جديدةجديدةٍ تضمن حقوق السوريين، وبنتيجةونتيجة الاتفاق شكلت حكومة عطا الأيوبي وقدالتي شملت وجوهًا محايدة وكانت مهمتها الأساسية إدارة المرحلة الانتقالية.<ref>سوريا صنع دولة وولادة أمة، وديع بشور، دار اليازجي، دمشق 1994، ص.398</ref>
 
بعد حوالي شهر في 21 مارس غادر وفد الكتلة الوطنية إلى فرنسا وبقيت المفاوضات ستة أشهر حتى سبتمبر حين أعلن عن الاتفاق بين الوفد والحكومة الفرنسية في 9 سبتمبر ونشرت نصوص مسودة الاتفاق في 22 أكتوبر على أن توقع قبل نهاية العام. ودعادعا العابد لانتخابات نيابية هي الثانيةالثالثة في تاريخ سوريا (الأولى1928 والثانية1932) فازت بها الكتلة بالأغلبية الساحقة، وكان من النتائج المباشرة للاتفاق بين الكتلة وفرنسا، عودة ارتباط [[دولة جبل العلويين]] ودولة [[جبل الدروز]] بالجمهورية السورية في 5 ديسمبر 1936،1936 مقابلمع احتفاظهما بالاستقلال الإداري والمالي، غير أن نائب [[جبلة]] علي أديب عضو برلمان حكومةدولة اللاذقية أعلن التنازل عن استقلالها المالي والإداري لتكون "متساوية مع سائر المحافاظت السورية"، وأيدّه في ذلك سائر النواب وعيّن مظهر باشا رسلان أحد نواب الكتلة الوطنية محافظًا عليها.<ref name="سوريا">سوريا صنع دولة وولادة أمة، وديع بشور، دار اليازجي، دمشق 1994، ص.403</ref> افتتح البرلمان الجديد أعماله في 21 ديسمبر 1936 وفي اليوم نفسه أرسل العابد كتاب استقالته إلى المجلس فقبلها، وقد عللها العابد بأسباب صحيّة، بينما وجد عدد من المؤرخين أن السبب يرجع لفوز الكتلة الوطنية وعدم تمكن رئيس محايد من الاستمرار إثر فوز الكتلةفوزها بأغلبية ساحقة، ورأى خالد العظم في مذكراته أن استقالة العابداستقالته جاءت بسبب الضغط الكبير من الكتلة لترشيح زعيمها هاشم الأتاسي الذي انتخب الرئيس اللاحق، وقال يوسف الحكيم إنّ كبير أمناء الرئيس نجيب الأرمنازي نصحه بالاستقالة بعد إعلان نتائج الانتخابات لإفساح المجال أمام الكتلة الوطنية لإكمال ما بدأت به من تفاهم مع فرنسا، وهو ما يدل على ضغط من قبل الكتلويين لأن الأرمنازي وثيق الصلة بهم.<ref>سورية والانتداب الفرنسي، مرجع سابق، ص.265</ref>
 
== بعد الرئاسة ==
=== إرث العابد ===
في الجلسة التي قبلت فيها الاستقالة انتخب [[هاشم الأتاسي]] رئيسًا، أما العابد فقد غادر سوريا إلى [[باريس]] وقيل خوفًا من الاغتيال، وبقي فيها إلى أن وافته المنية عام 1939 حين نقل جثمانه إلى دمشق ودفن فيها.<ref name="سوريا"/> حاليًا،حاليًا يوجد شارع راقٍ باسمه في دمشق بقرب شارع الحمراء يمتاز بوجود بعضببعض الأبنية ذات الطراز المعماري الفرنسي منالمميز فترةلفترة الانتداب. قيّم المؤرخ والسياسي السوري [[يوسف الحكيم (سوريا)|يوسف الحكيم]]، شخصية العابد بوصفه كان يتمتع بمزايا عالية من العلم والخبرة الاقتصادية والحياة السياسية والاجتماعية فضلاً عن "مكارم الأخلاق" إلى جانب "التواضع".<ref>سورية والانتداب الفرنسي، مرجع سابق، ص.231</ref> ويمكن القول عن فترة العابد:<ref name="تاريخ"/>
:''إن فترة محمد العابد كانت أشبه ما يكون بالهدوء الذي جاء بالعاصفة، امتاز عهده بتحدّي القوى الوطنية لسلطة الاحتلال وظهور الكتلة الوطنية الواضح، والتي تقدّمت على حزب الشعب الذي أسسه الدكتور [[عبد الرحمن الشهبندر]] عام 1925، والتي استطاعت فيه الكتلة الوطنية تحريك الشارع لإرغام الاحتلال للإذعان للتوقيع على مُعاهدة الاستقلال وبطلان الانتداب الفرنسي، وهو ما لم يتم في عهده.''
 
=== ثروته ===
[[ملف:VictoriaBridgeHotelDamascus.jpg|يسار|200بك|thumb|جسر فيكتوريا على [[نهر بردى]] ويظهر جزء من فندق فكتوريا أكبر فنادق [[دمشق]]، والمملوك لعائلة العابد.]]
اشتهر العابد بكونه "أغنى رجل في دمشق، إن لم يكن في سوريا كلّها" في زمانه، وقدرت ثروته بمليون ليرة إنكليزية ذهبية؛<ref>سوريا والانتداب الفرنسي - سياسة القومية العربية، ص.427</ref> كانت ثروته متوزعة بين أسهم يملكها في [[قناة السويس]]، ومجموعة عقارات منتشرة في أوروبا، وأراضٍ زراعية واسعة بما فيها من قرى في [[غوطة دمشق]] لاسيّما في [[منطقة دوما]]، وعلى حدائقوحدائق في [[حي القنوات]]، فضلاً عن [[فندق فيكتوريا]]، أقدم فنادق دمشق وأشهرها، والذي كان يدرّ دخلاً سنويًا كبيرًا. ثروة العابد المالية كان يحتفظ بها في بنوك أوروبية وأمريكية، وهو ما عرّضه لنقد صحفي شديد بوصفه "بخيل" و"غير وطني" لعدم نقله ثروته إلى داخل سوريا وعدم توسيع استثماراته فيها بالداخل. وحسبما يذكره المؤرخ فيليب خوري فإنّ استثماراته في سوريا لم تتم إلا بعد ضغط من رجال الكتلة الوطنية عليه، لإقناعه بأهمية الاستثمار، فأصبح مساهمًا رئيسيًا في شركة الإسمنت الوطنية (الواقعة في دمر غربي دمشق) إحدى أبرز مشاريع الكتلة الاقتصادية، كما دعم صحيفة الأيام لصاحبها نجيب الأرمنازي بشراءهبشرائه حصة فيها بقيمة 5000 جنيه استرليني.<ref>سوريا والانتداب الفرنسي - سياسة القومية العربية، ص.428</ref>
 
لايزال قصر محمد علي العابد إلى اليوم في [[ساروجة|حي ساروجة]] ضمن [[دمشق القديمة]] ويرجع عمره لحوالي 350 عاماً،<ref name="بيت">[http://www.esyria.sy/edamascus/index.php?p=stories&category=ruins&filename=200904121030021 65 مفتاحًا لقصر أول رئيس سوري]، سوريا الإلكترونية، 23 أغسطس 2011. {{Webarchive|url=http://web.archive.org/web/20150924002957/http://www.esyria.sy/edamascus/index.php?p=stories&category=ruins&filename=200904121030021 |date=24 سبتمبر 2015}}</ref> ويعود تاريخ اقتنائه لهولو العابد جد والد محمد علي العابد، واعتبر في بداية رئاسته قصرًا جمهوريًا واستمر كذلك ستة أشهر فقط، حتى تم الانتهاء من القصر الجمهوري الحالي في منطقة المهاجرين بدمشق. وبعد فاة العابد حوّل القصر عام 1942 إلى سليم اليازجي الذي قام بتحويله إلى مدرسة ثانوية حتى عام 1970، حين تم تأميم المدارس الخاصة في سوريا، وأتبع البناء لملكية وزارة التربية التي حولته لمديرية تربية،<ref name="بيت"/> وقد أهمل القصر وأتلفت الكثير من محتوياته وسرق بعضها الآخر لاسيّما الأسقف العجمية، وفي عام 1995 استعاد اليازجي ملكيته، كما تعرض في عام 2006 لحريق قضى على أحد طوابقه.<ref name="بيت"/>