افتح القائمة الرئيسية

تغييرات

تم إضافة 1٬458 بايت، ‏ قبل سنتين
ط
تنظيف وإصلاحات عامة لمقالات اللسانيات، الأخطاء المصححة: حيث إن ← حيث أن، إختلاف ← اختلاف، شيئ ← شيء باستخدام أوب
{{أصول الفقه}}'''قاضي القُضاة''' هو منصبٌ ديني ودُنيوي [[إسلام|إسلامي]] ابتُكر خلال [[الدولة العباسية|العصر العبَّاسي]] أيَّام [[خلافة]] [[هارون الرشيد]] بعد أن ظهرت الحاجة المُلحَّة إلى فصل [[سلطة قضائية|السلطة القضائيَّة]] عن [[سلطة تنفيذية|السلطة التنفيذيَّة]] بعد أن ازدهرت الدولة الإسلاميَّة وتنوعت مرافقها وتوسعت وصارت الحاجة مُلحة أن يتولى كل شخص في الدولة منصبًا إداريًّا مستقلًّا عن غيره من المناصب، كي يقوم بواجبه على أكمل وجه.<ref name="شبارو1">{{مرجع كتاب |الأخير=شبارو |الأول=عصام محمد |وصلة المؤلف= |العنوان=قاضي القضاة في الإسلام |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1992]] |الناشر=[[دار النهضة العربية (بيروت)|دار النهضة العربيَّة]] |مكانالمكان=[[بيروت]] - [[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=15 |الصفحات=}}</ref>
 
قلَّد الخليفة العبَّاسي هارون الرشيد، منصب قاضي القضاة لأوَّل مرة في [[تاريخ إسلامي|التاريخ الإسلامي]]، إلى [[أبو يوسف|الإمام أبي يوسف]] الذي يُعتبر أوَّل من نظَّم شؤون القضاء باستقلاليَّة إلى حدٍ ما عن السلطة التنفيذيَّة، وأوجد الزي الخاص بالقضاة، وتحددت مهام قاضي القضاة في [[بغداد]]، كما كرَّس أبو يوسف مذهب أستاذه [[أبو حنيفة النعمان|الإمام أبي حنيفة النعمان]] في القضاء.<ref name="شبارو1" /> وكان يوجد قاضي قضاة واحد في بغداد، ومع قيام [[الدولة الفاطمية|الدولة الفاطميَّة]] في [[مصر]]، أصبح هناك قاضي قضاة آخر في [[القاهرة]] على [[إسماعيلية|المذهب الشيعي الإسماعيلي]]. ومع [[مماليك مصر|السلطنة المملوكيَّة]]، أصبح لكل مذهب من [[مذاهب سنية|المذاهب الأربعة عند أهل السنَّة]]، قاضي قضاة.<ref name="شبارو1" /> وكان تقليد قاضي القضاة يتم في احتفال يقرأ فيه عهد الخليفة، وبعد ذلك يُباشر سلطته القضائيَّة، هذه السلطة التي أُضيفت إليها وظائف أخرى غير قضائيَّة، مثل إمارة [[الحج في الإسلام|الحج]] والخِطابة والنظر في [[جامع|الجوامع]] والتدريس ووِكالة [[بيت المال]] و[[حسبة|الحِسبة]] ومشيخة الشيوخ ودار الضرب والأسوار وغيرها، مما يدل على المكانة التي كان يحتلها قاضي القضاة، سواء في بغداد أو القاهرة أو [[دمشق]] أو [[قرطبة]] (حيثُ عُرف بقاضي الجماعة).<ref name="شبارو1" />
== القضاء قبل ابتكار منصب قاضي القضاة ==
{{مفصلة|قاضي}}
كان شيخ القبيلة يتولّى القضاء عند [[العرب قبل الإسلام]]، معتمدًا على العرف والتقاليد السائدة بين [[قبائل عربية|القبائل]] التي لم تعرف سلطة تشريعيَّة تسن لها [[قانون|القوانين]]، وقد اشتهر في ذلك الوقت [[أكثم بن صيفي التميمي]] "قاضي العرب".<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=أمين |الأول=أحمد |وصلة المؤلف=أحمد أمين |العنوان=ضحى الإسلام، الجزء الثالث |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1949]] |الناشر= |مكانالمكان=[[القاهرة]] - [[مصر]] |الرقم المعياري= |الصفحة=225 |الصفحات=}}</ref> وباجتماع القبائل العربيَّة تحت راية الإسلام، كان [[القرآن]] الأساس الرئيس الذي جعل من الرسول [[محمد]] أوَّل من قضى في الإسلام. ثم أذن النبي لبعض [[الصحابة]] بالقضاء، وأناب بعضهم في البلاد، مثل [[عتاب بن أسيد]] الذي وجهه على [[مكة]] يوم [[فتح مكة|الفتح]]،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن خلكان |الأول=شمس الدين أبو العبَّاس أحمد |وصلة المؤلف=ابن خلكان |العنوان= [[وفيات الأعيان|وفيَّات الأعيان وأنباء أبناء الزمان]] - الجزء السادس، تحقيق إحسان عبَّاس|مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1970]] - [[1972]] |الناشر= |مكانالمكان=[[بيروت]] - [[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=149 |الصفحات=}}</ref> و[[معاذ بن جبل]] و[[علي بن أبي طالب]] على [[اليمن]]، ولكن دون أن يُسمي هؤلاء بالقضاة.
 
واستمرَّ الأمر على هذا المنوال، في خلافة [[أبو بكر|أبي بكر الصدِّيق]]، الذي حرص على الإشراف بنفسه على القضاء، رغم تكفل [[عمر بن الخطاب|عمر بن الخطَّاب]] بأموره.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن خلدون |الأول= |وصلة المؤلف=ابن خلدون |العنوان=[[مقدمة ابن خلدون]] |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة= |الناشر= |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=391 |الصفحات=}}</ref> ومع ذلك لم يكن هناك منصب خاص بالقاضي، حتى كانت خلافة عمر بن الخطَّاب الذي شرع في تنظيم القضاء بعد اتساع الدولة الإسلاميَّة، فكان أوَّل من عيَّن القضاة في الإسلام، حيث عهد بالقضاء إلى شخص سُمي لأوَّل مرَّة بالقاضي. وقد ولّى [[أبو الدرداء الأنصاري|أبا الدرداء]] على قضاء [[المدينة المنورة]] ثم [[دمشق]]، وسلمان بن ربيعة الباهلي على [[القادسية|القادسيَّة]] ثم [[المدائن]]،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن قتيبة |أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوريfirst= |وصلة المؤلف=ابن قتيبة |العنوان=عيون الأخبار، الجزء الأوَّل |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة= |الناشر= |مكانالمكان= |الرقم المعياري= |الصفحة=61 |الصفحات=}}</ref> و[[شريح بن الحارث|أبا أميَّة شريح بن الحارث]] على قضاء [[الكوفة]]، و[[أبو موسى الأشعري|أبا موسى الأشعري]] على قضاء [[البصرة]]، وكعب بن يسار بن ضنة ثم قيس بن العاص على قضاء مصر. وهكذا كان القضاء بسيطًا في عصر [[الخلافة الراشدة]].
 
وكان [[الدولة الأموية|العصر الأموي]] امتدادًا لعهد الخلافة الراشدة، في اختيار القضاة الذين يعتمدون على القرآن و[[سنة نبوية|السنَّة النبوية]] ثم [[اجتهاد إسلامي|الاجتهاد]] في القضاء بين المسلمين. وقد أنشأ الخليفة [[عبد الملك بن مروان]] منصب "صاحب المظالم" للنظر في أحوال المتخاصمين في المشاكل العويصة التي يعجز عن حلّها القاضي.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الماوردي |الأول=أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري |وصلة المؤلف=الماوردي |العنوان=[[الأحكام السلطانية (كتاب)|الأحكام السلطانيَّة والولايات الدينيَّة]]، تصحيح بدر الدين النفساني |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=1909 |الناشر= |مكانالمكان=[[القاهرة]]-[[مصر]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=73-74}}</ref> وكان الولاة في العصرين الراشدي والأموي يُباشرون السلطة القضائيَّة بالنيابة عن الخليفة في بادئ الأمر، وقد احتفظ [[والي|الوالي]] لنفسه بما كان "يعجز عنه القاضي"،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=المقريزي |الأول=تقي الدين أبو العبَّاس أحمد بن علي |وصلة المؤلف=المقريزي |العنوان=[[المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار]]، الجزء الثاني، طبعة بولاق |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1270هـ]] |207publisher= |مكانالمكان=[[القاهرة]]-[[مصر]] |الرقم المعياري= |الصفحة=207 |الصفحات=}}</ref> وإذا لم يقبل الوالي حكم القاضي لم يكن أمام القاضي إلّا أن ينصرف عن الحكم ويعتزل أو يجلس في منزله مضطربًا على الأقل.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الكِندي |الأول=أبو عمر محمد بن يوسف الكِندي |وصلة المؤلف=الكندي |العنوان=الولاة والقضاة، تحقيق رفن كست |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1980]] |الناشر= |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=326-327، و356 و427}}</ref> وكان القاضي بمثابة حَكَم مهمته الفصل بين الناس في الخصومات حسمًا للتداعي وقطعًا للتنازع، فيحل الخلافات بين المتخاصمين الذين يقصدونه، ويكون ذلك بالأدلَّة الشرعيَّة، أي حسب [[شريعة إسلامية|الشريعة الإسلاميَّة]].<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن خلدون |الأول= |وصلة المؤلف=ابن خلدون |العنوان=[[مقدمة ابن خلدون]] |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة= |الناشر= |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=154 |الصفحات=}}</ref> وهو لا يملك سلطة تنفيذ الحكم، إلا أنه مخوَّل بسلطة يُشرف بموجبها على جميع القضايا التي تؤثر في حياة الجماعة، والتي نظمتها الشريعة [[الزواج في الإسلام|كالزواج]] و[[الطلاق في الإسلام|الطلاق]] وكفالة الأيتام و[[ميراث|المواريث]] وغيرها. وكان صاحب الشرطة يُنفذ قرارات القاضي، ويُطارد المجرمين ليحضرهم أمامه.
 
== نشوء منصب قاضي القضاة ==
{{أيضا|الدولة العباسية{{!}}الدولة العبَّاسيَّة|العصر الذهبي للإسلام}}
[[ملف:Faqih and students.png|تصغير|فقيه وتلاميذه خلال العصر العبَّاسي.]]
خلال العصر العبَّاسي تعقَّد القضاء بسبب تعقّد الحياة الاجتماعيَّة في الدولة الإسلاميَّة، وخاصة في العاصمة [[بغداد]] التي عرفت أساليب جديدة في الحياة الاجتماعيَّة والثقافيَّة والفكريَّة والاقتصاديَّة.<ref name="شبارو2">{{مرجع كتاب |الأخير=شبارو |الأول=عصام محمد |وصلة المؤلف= |العنوان=قاضي القضاة في الإسلام |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1992]] |الناشر=[[دار النهضة العربية (بيروت)|دار النهضة العربيَّة]] |مكانالمكان=[[بيروت]] - [[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=10 |الصفحات=}}</ref> ففي هذا العصر نشطت وازدهرت حركة [[ترجمة|الترجمة]] و[[تعريب|التعريب]] والنقل من [[لغة يونانية|اليونانيَّة]] و[[لغة سريانية|السريانيَّة]] و[[لغة هندية|الهنديَّة]] و[[لغة فارسية|الفارسيَّة]] إلى [[لغة عربية|العربيَّة]]، وصُهرت قوميات كثيرة في البوتقة الإسلاميَّة ذات الصبغة العربيَّة، فتعددت الآراء والمشارب والنظرات إلى الأمور الحياتيَّة والمعيشيَّة، كما اكتمل تدوين المذاهب الإسلاميَّة الكبرى: [[مذهب حنفي|الحنفيَّة]] و[[جعفرية|الجعفريَّة]] و[[مذهب مالكي|المالكيَّة]] و[[مذهب شافعي|الشافعيَّة]] و[[مذهب زيدي|الزيديَّة]] و[[مذهب حنبلي|الحنبليَّة]]، والتي تناولت وعالجت تلك الأمور كلٌ منها بأسلوب يختلف بعض الشيء عن الآخر، وعلى هذا الأساس كان منصب القاضي يتطلَّب معرفة تامَّة بالشريعة الإسلاميَّة وبالنواحي الدقيقة فيها والتي عالجتها المذاهب المتنوعة،<ref name="شبارو3">{{مرجع كتاب |الأخير=شبارو |الأول=عصام محمد |وصلة المؤلف= |العنوان=قاضي القضاة في الإسلام |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1992]] |الناشر=[[دار النهضة العربية (بيروت)|دار النهضة العربيَّة]] |مكانالمكان=[[بيروت]] - [[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=17-18}}</ref> وعندما كثرت الحاجة إلى القضاة لم يعد ممكنًا إيجاد عدد كافٍ من الذين لهم معرفة واسعة بالفقه والشرع، فأصبحت الطريقة في اختيار القاضي تعتمد على اتصافه بالأمانة والفطرة السليمة، ويستطيع القاضي ضمان معرفة الفقه باختياره مستشارين مثقفين، أو تأخير حكمه حتى يزوَّد برأي صائب من أحد الفقهاء أو القضاة الضالعين في القضاء.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمدfirst= |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء السادس، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=196-197}}</ref>
[[ملف:Harun Al-Rashid and the World of the Thousand and One Nights.jpg|تصغير|يمين|[[مصغر فارسي|مُصغَّر فارسي]]، يظهر فيه الخليفة هارون الرشيد في صِباه. كان الرشيد أوَّل من ابتكر منصب قاضي القضاة في الإسلام.]]
وهكذا يُعتبر منصب القاضي هو الأساس الذي خرج منه منصب قاضي القضاة، حيث يختاره الخليفة عادةً من بين القضاة. وكان الخليفة هارون الرشيد أوَّل من استحدث منصب قاضي القضاة، الذي يُعتبر من مستحدثات الدولة العبَّاسيَّة والتي حاولت منذ عصر الخليفة [[أبو جعفر المنصور]] تأكيد الحاجة إلى فصل السلطة القضائيَّة عن السلطة التنفيذيَّة، وذلك بتدعيم الاستقلال القضائي والديني في الدولة، فاعتمدت في كثيرٍ من إداراتها على النظم الفارسيَّة، ومن بين ذلك المنصب القضائي [[ساسانيون|الساساني]] «{{نستعليق|موبدان موبد}}»،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=Sourdel |الأول=Dominique |وصلة المؤلف= |العنوان=Visirat Abbaside, T:1 |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=1959 |الناشر= |مكانالمكان=Damas-Syrie|الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=179-180}}</ref> وتعريبه قاضي القضاة أو رئيس القضاة، وهو أعلى الوظائف الدينيَّة قدرًا ورتبة. وأوَّل من قُلِّد هذا المنصب كان الإمام [[أبو يوسف|أبو يوسف يعقوب بن حبيب الأنصاري]]، تلميذ الإمام [[أبو حنيفة النعمان]]، وقد استقلَّ في أمور القضاء، وأصبحت له الرئاسة على جميع القضاة، وأصبحت بغداد، حاضرة الخِلافة، هي مقر قاضي القضاة.<ref name="شبارو3" /> أمَّا عن كيفيَّة اختيار أبو يوسف ليتبوأ المنصب، فقد حصل أنه قصد بغداد بعد وفاة استاذه أبي حنيفة، فجيء به إلى أحد قادة الخليفة يستفتيه في حنث يمين، فأفتاه أنه لم يحنث فوهب له [[دينار|دنانير]] ودارًا بالقرب منه.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي|القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمدfirst= |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الأوَّل، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=252 |الصفحات=}}</ref> ثم طلب هارون الرشيد فقيهًا يستفتيه بعد أن شاهد ابنه [[زنا|يزني]]، فجاء له هذا القائد بأبي يوسف، فسأله عن رأيه في إمام شاهد رجلًا يزني إن كان يحدّه، فأفتاه أبو يوسف أنَّ الحدود لا تُقام بشهادة الإمام، فإذا رأى الحاكم أو الخليفة أو القاضي رجلًا قد زنا لا ينبغي أن يقيم عليه حد الزنا برؤيته لذلك حتى تقوم عنده بينة وشهود، أو إذا أقرَّ الزاني بفعله، وحيث أنَّ الابن لم يقر بفعله كما لم يثبت الزنا عليه بشهادة أربعة من الرجال فقد سقط عنه الحد.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=البهنسي|الأول=أحمد فتحي |وصلة المؤلف= |العنوان=العقوبة في الفقه الإسلامي، الطبعة الرابعة |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1980]] |الناشر= |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=131-134}}</ref> وهكذا سرَّ هارون الرشيد من فتوى أبي يوسف وأمر له بمال جليل ورزق في الفقهاء كل شهر وأخذ يستشيره في أمور الدين حتى اختاره ليكون قاضيًا للقضاة بعد أن لم يرَ عالمًا أرجح منه عقلًا وأغزر علمًا.
 
بذلك استقل أبو يوسف في أمور القضاء والقضاة في الدولة، فأصبح هو الذي يُعيّن القضاة ويُراقب أعمالهم ويعزلهم عند الاقتضاء، حتى لُقِّب بقاضي قضاة الدنيا،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير|الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية (كتاب)|البداية والنهاية]]، الجزء العاشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]/[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=180 |الصفحات=}}</ref> لأنه كان يستنيب القضاة في سائر الأقاليم التي يحكم فيها الخليفة. وكان زي القضاة والعلماء هو العمامة الفارسيَّة، فكان أبو يوسف أوَّل من ابتكر زيًّا خاصًّا بالقضاة وهو عِبارة عن [[عمامة]] سوداء وطيلسان،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن خلكان |الأول=شمس الدين أبو العبَّاس أحمد |وصلة المؤلف=ابن خلكان |العنوان= [[وفيات الأعيان|وفيَّات الأعيان وأنباء أبناء الزمان]]، الجزء السادس، تحقيق إحسان عبَّاس |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1970]]-[[1972]] |الناشر= |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=379 |الصفحات=}}</ref> بعد أن كان ملبوس الناس قبل ذلك شيئًاشيءًا واحدًا، لا يتميَّز أحد عن أحد بلباسه. ومنذ تعيين أبي يوسف في منصب قاضي القضاة لأوَّل مرَّة في الإسلام، بدأ القضاء في العصر العبَّاسي يأخذ شكل سلطة يتولاها قاضي القضاة، يليه وظائف قضائيَّة مختلفة لتسهيل أمور القضاء في مناطق الدولة الواسعة، فاتساع الدولة أدَّى إلى إيجاد منصب قاضي القضاة يليه القاضي، فخليفة القاضي، ثمَّ مساعدوا القاضي (أمين، كاتب، خادم)،{{للهامش|1}} فالشهود العدول، ثمَّ الوكيل على أبواب القضاة، وكل ذلك بهدف تنظيم القضاء الذي تحوَّل إلى هيئة يتدرَّج فيها المرشَّح للقضاء من خليفة قاضي إلى قاضي فقاضي قضاة، وهو أعلى منصب قضائي في الدولة.<ref name="شبارو4">{{مرجع كتاب |الأخير=شبارو |الأول=عصام محمد |وصلة المؤلف= |العنوان=قاضي القضاة في الإسلام |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1992]] |الناشر=[[دار النهضة العربية (بيروت)|دار النهضة العربيَّة]] |مكانالمكان=[[بيروت]] - [[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=18-20}}</ref>
 
وكان يوجد قاضي قضاة واحد في بغداد زمن الدولة العبَّاسيَّة، وحيث إنَّأنَّ الدولة اتسعت كثيرًا، فقد أصبح لأمصار الأقاليم التي غدت عواصم لإمارات ودويلات مُستقلَّة قاضي قضاة أسوةً ببغداد، فكان قاضي قضاة القاهرة زمن الدولة الفاطميَّة، وكذلك زمن [[أيوبيون|الدولة الأيوبيَّة]]، واضطرَّت الظروف إلى إيجاد قاضي قضاة لكل مذهب من المذاهب الأربعة عند [[أهل السنة والجماعة|أهل السنَّة والجماعة]] سواء في القاهرة أو دمشق زمن السلطنة المملوكيَّة. أمَّا في [[الأندلس]] و[[المغرب]] فكان قاضي القضاة يُعرف باسم "قاضي الجماعة".<ref name="شبارو4" />
 
== مذهب قاضي القضاة ==
كان قاضي القضاة يُعيّن القضاة للقضاء بين الناس حسب الشريعة الإسلاميَّة، وعليه أن يكون مسلمًا عالمًا [[أصول الفقه|بأصول الدين]] و[[فقه إسلامي|الفقه]] و[[حديث نبوي|الحديث]]، خاصَّة وأنَّ الإسلام هو الدين الرسمي للدولة العبَّاسيَّة. وأمرٌ بديهي أن يكون قاضي القضاة مسلمًا، ولكن معرفته بأحكام القرآن والسنَّة النبويَّة، فيما سمي "بالفقه"، هو أهم الشروط لتقلّد القضاء والفصل بين الخصوم. والفقه الإسلامي هو ثمرة اجتهاد وجهود متواصلة تعتبر بمثابة حلقة الاتصال بين الناس وبين المصادر التشريعيَّة الأصليَّة وهي الكتاب والسنَّة. وهذا الفقه المُستنبط من الأدلَّة الشرعيَّة كثُر فيه الخلاف بين المجتهدين، فاختلاف مداركهم وأنظارهم خلافًا لا بد من وقوعه، واتسع ذلك اتساعًا عظيمًا، وكان للمقلدين أن يُقلدوا من شاؤوا منهم، حتى انتهى الأمر إلى أئمة المذاهب وهم طبقة من العلماء لجأ إليها الناس للفتيا. وكان لكل إمام من أئمة المذاهب تلاميذه الذين دونوا مذهبه ونشروه بين الناس، فاتبعه بعضهم واتبع آخرون المذاهب الباقية، وكان قاضي القضاة يتبع مذهب الدولة الرسمي وهو في العادة المذهب الأكثر شيوعًا.<ref name="شبارو5">{{مرجع كتاب |الأخير=شبارو |الأول=عصام محمد |وصلة المؤلف= |العنوان=قاضي القضاة في الإسلام |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1992]] |الناشر=[[دار النهضة العربية (بيروت)|دار النهضة العربيَّة]] |مكانالمكان=[[بيروت]] - [[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=31-32}}</ref> وحيث أنَّ الدولة اتسعت كثيرًا في العصر العبَّاسي فقد أصبح لأمصار الأقاليم التي غدت عواصم لإمارات ودويلات مستقلَّة، قاضي قضاة أسوةً ببغداد، فانتقل هذا النظام إلى [[مصر]] أيَّام [[الدولة الفاطمية|الفاطميين]] حيث سُمي كبير القضاة أيضًا "قاضي القضاة".
 
===المذهب الحنفي زمن الدولة العبَّاسيَّة===
كانت بغداد عاصمة الدولة العبَّاسيَّة، وقد ساد مذهب الإمام أبو حنيفة فيها حتى أصبح المذهب الرسمي، وبالتالي أصبح مذهب قاضي القضاة ومعظم القضاة، ومذهب أهل [[العراق]].<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمدfirst= |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الخامس، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=212 و214}}</ref> ويعود الفضل في انتشار المذهب الحنفي في العراق إلى تلاميذ الإمام أبي حنيفة الذين نقلوا آراءه ومواقفه، فأبو حنيفة لم يكتب كتابًا في الفقه، ولكن تلميذه الشهير أبا يوسف الذي وصل أعلى المراتب زمن هارون الرشيد، كان هو من ثبَّت المذهب الحنفي في بغداد حتى أصبح مذهب الدولة الرسمي،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الأوَّل، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |253isbn= |الصفحة=253 |الصفحات=}}</ref> فقد ساعده مركزه بأن لا يُعيّن قاضي في أنحاء الدولة إلّا إذا كان من أتباع أبي حنيفة، وهكذا بدأ الأمر يتحوَّل إلى القضاء بمذهب معيَّن وإن كان القضاة أنفسهم من المجتهدين، الأمر الذي جعل الراغبين في تولّي القضاء ينتقلون من مذاهبهم إلى مذهب أبي حنيفة، حتى غدا المذهب الرسمي للدولة العبَّاسيَّة يسير القضاة عليه. كما ساعد أبو يوسف في تدوين آراء أبي حنيفة في كتب،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن النديم |الأول=أبو الفرج محمد بن إسحق |وصلة المؤلف=ابن النديم |العنوان=[[فهرست ابن النديم]]، تحقيق رضا تجدد |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة= |الناشر=طبع طهران |مكانالمكان=[[طهران]]-[[إيران]] |الرقم المعياري= |الصفحة=203 |الصفحات=}}</ref> وصل منها إلى أيدي الباحثين كتاب "[[الخراج|الخِراج]]" وكتاب "اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى". وعلى هذا الأساس يمكن القول إنَّ قاضي القضاة أبا يوسف هو الذي جعل مذهب أبي حنيفة مذهبًا لقاضي القضاة، وبالتالي للدولة العبَّاسيَّة. وكل من تقلَّد منصب قاضي القضاة بعد أبي يوسف كان على مذهب أبي حنيفة.
 
===المذهب الإسماعيلي زمن الدولة الفاطميَّة===
 
===المذهب الشافعي زمن الدولة الأيوبيَّة===
خَلَف صلاح الدين الأيوبي عمّه [[أسد الدين شيركوه]] في وزارة مصر سنة [[565هـ]] الموافقة لسنة [[1169]]م، وبعد وفاة الخليفة الفاطمي [[العاضد لدين الله]]، أصبح صلاح الدين الحاكم الوحيد بمصر. وبذلك انتهت الخلافة الشيعيَّة الفاطميَّة، وعادت مصر وباقي [[شمال أفريقيا]] و[[بلاد الشام]] إلى كنف الدولة العبَّاسيَّة، وصار اسم الخليفة العبَّاسي يُذكر في مساجد القاهرة. ومع [[أيوبيون|الدولة الأيوبيَّة]]، أصبح قاضي القضاة الذي يلي مصر، على المذهب الشافعي، يُعاونه نائب قاضي قضاة على المذهب الحنبلي. ويُعتبر المذهب الشافعي مذهب أهل الحديث والرأي والقياس. وقد دوَّن الإمام [[محمد بن إدريس الشافعي]] مذهبه في كتابه "[[كتاب الأم|الأم]]".<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=المستجاد من فعلات الأجواد |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1365هـ]]-[[1946]]م |الناشر=[[محمد كرد علي]] |مكانالمكان=[[دمشق]]-[[سورية]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=178-179}}</ref> وقد زار الشافعي مصر حيث ساد مذهبه، ولم يكن له أتباع كثيرون في العراق رغم أنَّ قاضي قضاة بغداد أبو السائب عتبة بن عبيد الله الهمذاني، تفقه على مذهب الشافعي.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء السابع، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |253isbn= |الصفحة= |الصفحات=132-134}}</ref> ومن أبرز من تقلَّد منصب قاضي قضاة مصر على المذهب الشافعي: علي بن يوسف وأبو المعالي عبد الرحمن بن مقبل الواسطي الشافعي.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الصفدي |الأول=صلاح الدين خليل بن أيبك |وصلة المؤلف=صلاح الدين الصفدي |العنوان=الوافي بالوفيَّات، الجزء الثاني والعشرين |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=1382-1404هـ/1962-1984م |الناشر= |مكانالمكان=[[فيسبادن|ڤيسبادن]]-[[ألمانيا]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=335-336}}</ref>
 
===المذاهب الأربعة عند أهل السنَّة زمن السلطنة المملوكيَّة===
[[ملف:Arabischer Maler um 1335 002.jpg|تصغير|رسم من سنة [[1334]]م، أي خلال الدور المملوكي في الدولة العبَّاسيَّة، يُظهر رجلًا في حضرة قاضي [[معرة النعمان|مَعَرَّة النُّعْمَان]].]]
بقيام [[دولة المماليك|السلطنة المملوكيَّة]] استمر المذهب الشافعي كمذهب لقاضي القضاة، ثم كان أهم تطوّر حدث في النظام القضائي على يد السلطان [[الظاهر بيبرس]] سنة [[663هـ]] الموافقة لسنة [[1265]]م، الذي قام بتحريم أي مذهب، عدا المذاهب الأربعة عند أهل السنَّة والجماعة (الحنفيَّة، والمالكيَّة، والشافعيَّة، والحنبليَّة). ذلك أنه عندما تقلَّد ابن بنت الأعز الشافعي منصب قاضي قضاة مصر سنة [[1261]]م، اضطربت الأحوال بسبب اختلاف المذاهب مما اضطرَّ قاضي القضاة للتوقف كثيرًا في أمور تخالف مذهب الشافعي، وتوافق غيره من المذاهب. فأشار الأمير جمال الدين أيد غدي العزيزي على السلطان الظاهر بيبرس بأن يولي من كل مذهب قاضيًا مستقلًّا يحكم بمقتضى مذهبه،<ref name="ابن كثير13">{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية (كتاب)|البداية والنهاية]]، الجزء الثالث عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]/[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |[[بيروت]]-[[لبنان]]location= |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=245 و248}}</ref> فأجابه إلى ذلك عندما تمَّ اجتماع في دار العدل يوم الإثنين [[22 ذو الحجة|22 ذي الحجة]] سنة 663هـ، حيث اقتضى رأي السلطان تعيين قاضي قضاة لكل مذهب من المذاهب الأربعة،<ref name="ابن كثير13" /> مع بقاء الرئاسة للشافعيَّة، وأصبحت لا تُقبل شهادة أحد، ولا يُرشَّح لوظائف القضاء أو الخِطابة أو الإمارة أو التدريس، إلّا إذا كان من أتباع أحد هذه المذاهب. وسنة [[664هـ]] الموافقة لسنة [[1266]]م، حذت دمشق حذو القاهرة وأصبح لكل مذهب قاضي قضاة، ثم أصبح في كل نيابة من نيابات الشام، أربعة قضاة يمثلون المذاهب الأربعة.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=المقريزي |الأول=تقي الدين أبو العبَّاس أحمد بن علي |وصلة المؤلف=المقريزي |العنوان=[[المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار]]، الجزء الرابع، طبعة بولاق |[[1270هـ]]url= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة= |الناشر= |مكانالمكان=[[القاهرة]]-[[مصر]] |الرقم المعياري= |الصفحة=161 |الصفحات=}}</ref> واضطرَّ المماليك للتهديد باستعمال القوَّة العسكريَّة للقضاء على المذاهب الأخرى، وخاصَّةً رواسب المذهب الإسماعيلي الفاطمي.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=شبارو |الأول=عصام محمد |وصلة المؤلف= |العنوان=تاريخ بيروت منذ أقدم العصور حتى القرن العشرين |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1987]] |الناشر=دار مصباح الفكر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=114 |الصفحات=}}</ref>
 
===المذهب الأوزاعي ثمَّ المالكي في الأندلس===
[[ملف:Wandfliese Gerichtssaal Alhambra.jpg|تصغير|يمين|عِبارة "ولا غالب إلّا الله" منقوشة في [[قصر الحمراء]] بالأندلس، وهي شعار القضاة وقاضي الجماعة.]]
[[الأوزاعي|عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي]] هو إمام أهل الشام "ولم يكن بالشام أعلم منه".<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن خلكان |شمس الدين أبو العبَّاس أحمدfirst= |وصلة المؤلف=ابن خلكان |العنوان=[[وفيات الأعيان|وفيَّات الأعيان وأنباء أبناء الزمان]]، الجزء الأوَّل، تحقيق إحسان عبَّاس |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1970]]-[[1972]] |الناشر= |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=492 |الصفحات=}}</ref> ومن [[بيروت]] انتشر مذهبه في بلاد الشام، ثم في [[المغرب]] و[[الأندلس]]، حيث ظلَّ الفقهاء يأخذون به مدة أربعين سنة.<ref name="تاريخ بيروت">{{مرجع كتاب |الأخير=شبارو |الأول=عصام محمد |وصلة المؤلف= |العنوان=تاريخ بيروت منذ أقدم العصور حتى القرن العشرين |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1987]] |الناشر=دار مصباح الفكر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=51 |الصفحات=}}</ref> وزمن الأمير [[عبد الرحمن الداخل]]، مؤسس الإمارة الأمويَّة في قرطبة، كان قاضي الجماعة على مذهب الإمام الأوزاعي، وقد أدخل صعصعة بن سلام هذا المذهب إلى الأندلس أثناء انتقاله إليها. ثمَّ أدخل [[زياد بن عبد الرحمن اللخمي]] القرطبي المُلقب بـ"شبطون"، المذهب المالكي، في أيام الأمير [[هشام بن عبد الرحمن الداخل|هشام الأوَّل بن عبد الرحمن]]. وأخذ المذهب المالكي ينتشر في الأندلس على حساب المذهب الأوزاعي حتى أصبح القضاء والفتيا على المذهب المالكي، زمن الأمير [[الحكم بن هشام]].<ref name="تاريخ بيروت" /> وخلال عصر [[المرابطين]] طغى طابع المذهب المالكي على سياسة الدولة، وكانت زعامة القضاء راجعة لقاضي [[مراكش]]، عاصمة الدولة، الذي كان عضوا في مجلس الشورى والذي أصبحت له سلطة كبرى على قضاة المغرب والأندلس.<ref>[http://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/5874 القضاء المغربي وخواصه] [[دعوة الحق]]، العدد 224، شوال-ذو القعدة 1402/ غشت-شتنبر 1982</ref> واعتلى منصب قاضي الجماعة أو شيخ الجماعة زمن المرابطين عدة أعلام من المشيخة المالكية، أبرزهم [[ابن رشد الجد]] و[[القاضي عياض]]، و[[ابن حمدين]] و[[ابن الحاج القرطبي]].
[[ملف:Rumeli Kazaskeri.jpg|تصغير|قاضي عسكر الروملَّي في العصر العثماني.]]
 
 
== تقليد قاضي القضاة ==
الخليفة هو الذي يُقلِّد القضاة أمر القضاء، وخاصَّةً فيما يتعلَّق بأعلى منصب قضائي وهو منصب قاضي القضاة.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الأوَّل، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |253isbn= |الصفحة= |الصفحات=240 و257}}</ref> وقد يقوم ممثله في الولايات وهو السلطان أو الوالي أو قاضي القضاة، بتعيين القضاة وتقليدهم القضاء،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الثالث، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |253isbn= |الصفحة=136 |الصفحات=}}</ref> والقاضي بدوره يُعيّن مساعديه ليُعاونوه في وظائفه المختلفة. ويُسمَّى مرسوم الخليفة بتعيين قاضي القضاة "بالعهد"، ويتم التعيين في احتفال هو "التقليد".
 
===شروط اختيار قاضي القضاة===
لم تكن هناك شروطٌ مُعينة في بادئ الأمر، لتقليد قاضي القضاة، فالظروف لعبت دورها عندما احتاج هارون الرشيد إلى أحد الفقهاء ليستفتيه في أمر زنا ابنه، فجاء أبو يوسف حيث أُعجب بفتواه وأصبح من المقربين إليه، حتى ابتكر له منصب قاضي القضاة لأوَّل مرَّة في الإسلام.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الأوَّل، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=251-253}}</ref> وهكذا كانت المعرفة بالشريعة والفقه والفِطرة السليمة ضروريَّة في هذا الاختيار. والحقيقة أنَّ الشروط التي يجب توافرها في القاضي تطابق شروط اختيار قاضي القضاة، مع مراعاة شرط الخبرة والسن. وحدد [[الماوردي]] الشروط المعتبرة بالشرع، والتي يجب توافرها فيمن يلي القضاة، وهي على الإجمال سبعة:<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الماوردي |الأول=أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري |وصلة المؤلف=الماوردي |العنوان=[[الأحكام السلطانية (كتاب)|الأحكام السلطانيَّة والولايات الدينيَّة]]، تصحيح محمد بدر الدين النفساني |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1909]] |الناشر= |مكانالمكان=[[القاهرة]]-[[مصر]] |253isbn= |الصفحة= |الصفحات=65-66}}</ref>
# '''الذكورة والبلوغ''': أي أن يكون القاضي رجلًا، [[بلوغ|تخطى مرحلة الفتوَّة والصبا]]، وأصبح ناضجًا جسديًا وعقليًّا. فلا يمكن تقليد الصبي غير البالغ ولا النساء للقضاء.
# '''الذكاء''': حتى يتمكن من التمييز وإيضاح ما أشكل من القضايا، فلا يُمكن للغبي والمُصاب بعاهة عقليَّة أن يتولّى هذا المنصب.
# '''سلامة السمع والبصر''': ليتمكَّن من التمييز بين الحق والباطل.
# '''العِلم بالأحكام الشرعيَّة''': ويعني ذلك العِلم بالقرآن والسنَّة النبويَّة والاجتهاد.
واعتبر الماوردي القضاة موازين العدل وحرَّاس السنَّة النبويَّة باتباعها في أحكامهم، وهنا أضاف صفات لا بد من مُراعاتها في اختيار القضاة بعد الشروط المعتبرة فيهم بالشرع، وهي: أن يكون القاضي حسن العلانيَّة، مأمون السريرة، كثير الجدّ، قليل الهزل، شديد الورع، قليل الطمع.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الماوردي |الأول=أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري |وصلة المؤلف=الماوردي |العنوان=تسهيل النظر وتعجيل الظَفر، تحقيق محي هلال السرحان |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1981]] |الناشر=[[دار النهضة العربية (بيروت)|دار النهضة العربيَّة]] |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=204-205}}</ref> وعلى القضاة الاقتداء بالأئمَّة، ومشاورة أهل العلم والرأي.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن عبد ربّه |الأول=أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربّه الأندلسي |وصلة المؤلف=ابن عبد ربه |العنوان=[[العقد الفريد]]، الجزء الأوَّل، تحقيق محمد سعيد العريان |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1953]] |الناشر= |مكانالمكان=[[القاهرة]]-[[مصر]] |الرقم المعياري= |الصفحة=62 |الصفحات=}}</ref> وفي البداية كانت المعرفة بالمذهب الحنفي، مذهب أهل العراق، من أهم الشروط لتقلّد القضاء، وقد عمل قاضي القضاة أبو يوسف في هذا الاتجاه، ولكن المعرفة بالمذاهب الأربعة عند أهل السنَّة تبدو ضروريَّة لتمييز قاضي القضاة وتدعيم مكانته.
 
ولا يوجد شرط السن في تقليد القضاء، فقد تقلَّد البعض منصب القاضي في سن العشرين،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الأوَّل، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=240-241}}</ref> أو الثانية والعشرين،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الخامس، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=19 |الصفحات=}}</ref> أو الثانية والثلاثين.<ref name="سن قاضي القضاة">{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الثالث، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=136-137}}</ref> ومع ذلك يبدو أنَّ سن الأربعين كان يُعتبر "حدّ التكهّل والحِنكة"، فمن المُستحب أن تبدو الهيبة والوِقار والسن على القاضي حتى لا يُقال إنه ما زال فتى قليل الحِنكة.<ref name="سن قاضي القضاة" /> أمَّا منصب قاضي القضاة فلم يتقلده أحد في العشرين أو الثلاثين من عمره، وإن لم تحدد سنًّا مُعينة لتوليه، فقد جرت العادة على أن يتقلَّد هذا المنصب قاضٍ له خبرته الطويلة في القضاء وله هيبته ووِقاره وسنِّه، فأبو جعفر أحمد بن إسحق بن البهلول التنّوخي تقلَّد منصب قاضي القضاة في بغداد وهو في الخامسة والستين من عمره،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الرابع، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=232 |الصفحات=}}</ref> وأبو عمر محمد بن يوسف الأزدي وأبو السائب عتبة بن عبيد الله الهمذاني وهما في الرابعة والسبعين،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الخامس، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=209 |الصفحات=}}</ref> وأبو جعفر الثقفي وقد ناهز الثمانين.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الثاني عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=241-243}}</ref>
 
وبالرغم من ذلك، فقد تقلَّد البعض منصب قاضي القضاة في سن مبكِّرة، ويرجع ذلك إمَّا لحظوتهم عند الخليفة أو لمكانتهم في القضاء. ويبدو أنَّ أبا الحسين عمر بن محمد بن يوسف الأزدي هو أوَّل من تقلَّد هذا المنصب في بغداد دون أن يبلغ الأربعين من عمره، فيذكر [[التنوخي|التنّوخي]] أنَّ الخليفة [[أبو العباس محمد الراضي بالله|الراضي بالله]] ذهب إلى [[الموصل]] سنة [[327هـ]] الموافقة لسنة [[938]]م ومعه قاضي القضاة أبو الحسين عمر<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء السابع، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=16 |الصفحات=}}</ref> (المولود سنة [[290هـ]] الموافقة لسنة [[903]]م)،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الرابع، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=156 |الصفحات=}}</ref> أي كان عمره وقتذاك حوالي سبعة وثلاثون سنة، ويبدو أنَّه تقلَّد هذا المنصب قبل هذا التاريخ، وذلك نتيجة حظوته عند الخليفة الراضي.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الرابع، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=210 |الصفحات=}}</ref> وفي [[القاهرة]] تقلَّد علي بن النعمان قضاء القضاة وهو في السابعة والثلاثين،<ref name="سن قاضي القضاة2">{{مرجع كتاب |الأخير=ابن خلكان |شمس الدين أبو العبَّاس أحمدfirst= |وصلة المؤلف=ابن خلكان |العنوان=[[وفيات الأعيان|وفيَّات الأعيان وأنباء أبناء الزمان]]، الجزء الخامس، تحقيق إحسان عبَّاس |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1970]]-[[1972]] |الناشر= |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=417-422}}</ref> كما تقلَّد شقيقه محمد بن النعمان هذا المنصب وهو في الرابعة والثلاثين،<ref name="سن قاضي القضاة2" /> وذلك نتيجة حظوتهما عند الخليفة الفاطمي، ولمكانة أبيهما النعمان الذي يُعتبر مؤسس النظام القضائي في الدولة الفاطميَّة.
 
===احتفال التقليد===
بعد اختيار قاضي القضاة، يكتب له الخليفة "عهدًا" بتولّي منصبه، وبعد إنشاء "عهد" الخليفة، يجتمع الخلق من الأشراف والقضاة والشهود والجند والتجَّار وغيرهم على باب الخليفة،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الأوَّل، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=257 |الصفحات=}}</ref> حيث يجري احتفال "التقليد" لمنصب قاضي القضاة في موكب فخم. وعندما تقلَّد أبو الحسين عمر بن محمد قضاء القضاة، خرج من عند الخليفة الراضي بالله وعليه الخُلع، وسار الموكب وفيه زحمة، في شوارع بغداد.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الأوَّل، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=240 |الصفحات=}}</ref> وفي مصر، عندما قلَّد الخليفة الفاطمي [[العزيز بالله الفاطمي|العزيز بالله]] منصب قاضي القضاة إلى علي بن النعمان سنة [[366هـ]] الموافقة لسنة [[977]]م، اجتمع الناس في احتفال كبير في جامع القاهرة حيث قُرأ العهد بتوليه منصبه، ثمَّ انصرف إلى داره تحيط به جموع الناس.<ref name="سن قاضي القضاة2" /> وعندما تقلَّد أخوه محمد بن النعمان هذا المنصب سنة [[374هـ]] الموافقة لسنة [[985]]م، قُرأ عهد الخليفة العزيز بعد [[صلاة الجمعة]] في [[الجامع العتيق (توضيح)|الجامع العتيق]] بالقاهرة.<ref name="سن قاضي القضاة2" /> وفي مصر أيضًا، وزمن [[المماليك]]، كان السلطان إذا ما قلَّد أحدهم قضاء القضاة على مذهب معيَّن، فإنه يجتمع به ليوليه القضاء ويخلع عليه خلعة [[صوف]] ويُعطيه [[بغل|بغلة]] لركوبه.<ref name="ابن كثير 1401هـ-1981م">{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الرابع عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=21 و134 و289}}</ref> وأحيانًا يطلب السلطان أحد القضاة من خارج مصر، بواسطة [[بريد|البريد]]، وذلك لتقليد قضاء القضاة في مصر. وهكذا كان ينقل قاضي قضاة أحد المذاهب من دمشق إلى مصر، وكذلك من مصر إلى دمشق وغيرها، ليتولّى قضاء مذهبه.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الثالث عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=336 |الصفحات=}}</ref> وعندما يخرج قاضي القضاة من دمشق إلى مصر لتولّي القضاء، يخرج القضاة والأعيان لتوديعه،<ref name="تقليد قاضي القضاة1">{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الرابع عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=296-298}}</ref> وأحيانًا يُرسل عائلته قبل رحيله لتسبقه في [[قافلة]] من [[جمل عربي|الجِمال]].<ref name="ابن كثير 1401هـ-1981م 310">{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الرابع عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=310 |الصفحات=}}</ref> وعند وصوله إلى مصر يتوجه إلى السلطان ليُسلِّم عليه، ثم يمشي إلى [[دار الحديث]] ثم إلى المدرسة الركنيَّة حيث يُسلِّم الناس عليه.<ref name="تقليد قاضي القضاة1" />
 
وفي دمشق، كان التقليد يتم عند وصول البريد من مصر، ومعه كتاب السلطان بالتقليد والخِلعة في قضاء قضاة مُعيَّن، أو بتجديد توقيع قاضي القضاة.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الرابع عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=21 و38 و41 و134 و321}}</ref> وكان التقليد يتم في [[جامع بني أمية الكبير|الجامع الأموي]]، حيث يجلس قاضي القضاة في محراب المقصورة، بعد أن يلبس الخِلعة، علمًا أنَّ هناك مقصورة لكل قاضي قضاة من المذاهب الأربعة.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الرابع عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=320-321}}</ref> ثمَّ يقرأ كتاب التقليد بحضور القضاة والأعيان، ويجلس القارئ، ويكون أحد الشيوخ المُحدثين عادةً، على السدَّة تجاه [[محراب|المحراب]]. وبعد ذلك يسير قاضي القضاة في موكب حافل إلى دار السعادة ليُسلِّم على [[نائب السلطنة]].<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الثالث عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=349 |الصفحات=}}</ref> وفي اليوم التالي، يُباشر قاضي القضاة عمله حيث يحكم في [[المدرسة النورية|المدرسة النوريَّة]]، أو الجوزيَّة، أو [[المدرسة العادلية الكبرى|العادليَّة]]، وغيرها. وهناك يتلقى السلام والتهنئة من الناس الذين يتوافدون عليه.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الرابع عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=42 و129 و293}}</ref>
 
== مهام قاضي القضاة ==
تتحدد المهام القضائيَّة التي يضطلع بها قاضي القضاة في تعيين القضاة وعزلهم ومحاكمة الوزراء والأشخاص الذين يهددون الحكم، وتسطير كتاب بيعة وخلع الخلفاء، وعقد خطبة وزواج الخلفاء والأمراء، وأحيانًا الحِسبة والنظر في المظالم، فضلًا عن الفتيا.
[[ملف:Zibik.jpg|تصغير|قاضٍ عثماني يفتي لزوجة حضرت إليه لتتظلَّم من زوجها.]]
* '''تعيين وعزل القضاة''': الخليفة هو الذي يُعيّن قاضي القضاة، الذي يُعتبر بمثابة قاضي الدولة كلها، ومن سواه من القضاة في الأقاليم والأمصار نوَّاب عنه، لذلك كانت سلطة قاضي القضاة تسمح له بتعيين القضاة في مُختلف المناطق، وعزلهم عند الضرورة.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الثالث، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=136 |الصفحات=}}</ref> وكان الإمام أبو يوسف أوَّل قاضي قضاة يُرشّح القضاة للتعيين زمن هارون الرشيد.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=المقريزي |الأول=تقي الدين أبو العبَّاس أحمد بن علي |وصلة المؤلف=المقريزي |العنوان=[[المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار]]، الجزء الثاني، طبعة بولاق |[[1270هـ]]url= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة= |الناشر= |مكانالمكان=[[القاهرة]]-[[مصر]] |الرقم المعياري= |الصفحة=333 |الصفحات=}}</ref> ثمَّ عهد [[المأمون]] إلى قاضي قضاته [[يحيى بن أكثم]] بامتحان القضاة المراد توليتهم من وجوه الفقهاء وأهل العلم في بغداد،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن طيفور |الأول=أبو الفضل أحمد بن علي بن ثابت |وصلة المؤلف=ابن طيفور |العنوان=[[تاريخ بغداد]] |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة= |الناشر= |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=258 |الصفحات=}}</ref><ref name="ابن قتيبة">{{مرجع كتاب |الأخير=ابن قتيبة |الأول=أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري |وصلة المؤلف=ابن قتيبة |العنوان=عيون الأخبار، الجزء الأوَّل |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة= |الناشر= |مكانالمكان= |الرقم المعياري= |الصفحة=65 |الصفحات=}}</ref> وقد امتحن أحد المُرشحين للقضاء فقال له: {{اقتباس مضمن|ما تقول في رجلين زوَّج كل واحد منهما الآخر أمَّه فوُلِدَ لكل واحدٍ من امرأته ولد، ما قرابة ما بين الولدين؟}} فلم يعرفها. فقال له يحيى بن أكثم: {{اقتباس مضمن|كُل واحد من الولدين عمُّ الآخر لأمّه}}.<ref name="ابن قتيبة" /> وأحيانًا كان أحد المُقرَّبين من الخليفة يتمتع بنفوذٍ كبير يسمح له باختيار القضاة، فكان محمد بن عمران الضبي يقوم باختيار القضاة للخليفة [[المعتز بالله]]، فيُقدّم أسماء القضاة للخليفة، فيأمر بتقليدهم القضاء، لذلك كان يجتمع إليه القضاة والفقهاء لمكانته ونفوذه في تعيين القضاة.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الخطيب البغدادي|الأول=أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت |وصلة المؤلف=الخطيب البغدادي |العنوان=تاريخ بغداد أو مدينة السلام، الجزء الثالث |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1349هـ]]-[[1931]]م |الناشر= |مكانالمكان=[[القاهرة]]-[[مصر]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=132-133}}</ref>
* '''محاكمة الوزراء والأشخاص الذين يهددون الخِلافة والدين''': كان قاضي القضاة يُشارك في محاكمة [[وزير|الوزراء]] إذا كانت التهمة تدبير مؤامرة ضد الدولة، وفي محاكمة الأشخاص الذين يدعون [[ألوهية|الألوهيَّة]] أو [[النبوة في الإسلام|النبوَّة]]، وكذلك الذين يتعرضون للنبي [[محمد]] وسائر الأنبياء والرُسل و[[الصحابة]] و[[أهل البيت]] بالسبِّ والشتم، وكل من يهدف إلى إفساد [[عقيدة إسلامية|العقيدة الإسلاميَّة]]. ففي بغداد، وفي عهد الخليفة [[المعتصم بالله]] حوكم الأفشين{{للهامش|2}} بتهمة [[زندقة|الزندقة]] سنة [[226هـ]] الموافقة لسنة [[840]]م،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الطبري |الأول=الإمام أبو جعفر محمد بن جُرير |وصلة المؤلف=الطبري |العنوان=[[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والملوك]]، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الجزء التاسع |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1960]]-[[1968]] |الناشر=[[دار المعارف]] |مكانالمكان=[[القاهرة]]-[[مصر]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=104-114}}</ref> وذلك بحضور قاضي القضاة [[أحمد بن أبي دؤاد]]، وقد حُكم عليه [[صلب|بالصلب]] بباب العامَّة.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=أمين |الأول=أحمد |وصلة المؤلف=أحمد أمين |العنوان=ضحى الإسلام، الجزء الأوَّل |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1949]] |الناشر= |مكانالمكان=[[القاهرة]] - [[مصر]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=440-446}}</ref> كذلك حُكم على آخرين بالإعدام بعد أن أمعنوا الاستهزاء بالنبي محمد وبالمعتقدات الإسلاميَّة، مثل داود بن سالم البعلبكي النصراني،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الرابع عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=250 |الصفحات=}}</ref> وعلى آخرين بعد أن أصرّوا على شتم الصحابة مثل محمود بن إبراهيم الشيرازي.<ref name="ابن كثير 1401هـ-1981م 310"/> وبإمكان قاضي القضاة في مدينة ما عزل نائب السلطنة إذا ما أمعن في الظلم وسوء السيرة وأخذ الأموال بغير حق.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=شبارو |الأول=عصام محمد |وصلة المؤلف= |العنوان=قاضي القضاة في الإسلام |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1992]] |الناشر=[[دار النهضة العربية (بيروت)|دار النهضة العربيَّة]] |مكانالمكان=[[بيروت]] - [[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=112 |الصفحات=}}</ref>
* '''عقد بيعة وخلع الخلفاء''': كانت توكل إلى قاضي القضاة مهمَّة إحضار الشهود، ليكتب بنفسه كتاب خلع أحد الخلفاء ومُبايعة آخر.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الثالث عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=288 |الصفحات=}}</ref> وقد عمل قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد في عقد البيعة للخليفة [[أبو الفضل جعفر المتوكل على الله|المتوكل على الله]] بعد وفاة [[الواثق بالله|الواثق]].<ref name="الواثق">{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الثاني، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=74 |الصفحات=}}</ref> كما دخل قاضي القضاة أبو محمد عبيد الله بن أحمد بن معروف ومعه أربعة من الشهود، وشهدوا على [[المطيع لله]] بأنَّه قد خلع نفسه، وقرأوا عليه رقعة الخلع، ثمَّ دخلوا على ولده الأمير [[أبو بكر عبد الكريم الطائع بالله|أبي بكر عبد الكريم]] وبايعوه بالخلافة، وأخيرًا جلسوا في مجلس قريب من مجلسه ووقعوا بالشهادة في كتاب الخلع.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الثالث، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=206-207}}</ref> وكان قاضي القضاة يُشرف بنفسه على [[غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه|غسل]] الخليفة بعد موته،<ref name="الواثق" /> ففي بغداد، أشرف قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد على غسل الخليفة العبَّاسي الواثق بالله، وفي القاهرة أشرف قاضي القضاة محمد بن النعمان على غسل الخليفة الفاطمي [[العزيز بالله]].<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الصفدي |الأول=صلاح الدين خليل بن أيبك |وصلة المؤلف=الصفدي |العنوان=الوافي بالوفيَّات، الجزء الخامس |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=1382-1404هـ/1962-1984م |الناشر= |مكانالمكان=[[فيسبادن|ڤيسبادن]]-[[ألمانيا]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=132}}</ref>
* '''عقد خِطبة وزواج الخلفاء والأمراء''': إذا كان القضاة يقومون بعقد [[خطبة|الخِطبة]] و[[الزواج في الإسلام|الزواج]]، فقد كان يُستعان بقاضي القضاة لمثل هذا الأمر فيما يختص بأبناء الخلفاء والأمراء. فقاضي القضاة الإمام أبو يوسف حضر زواج إبراهيم بن عبد الملك بن صالح من الغالية ابنة هارون الرشيد على مَهر قدره ألفيّ درهم.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=المُستجاد من فعلات الأجواد |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1365هـ]]-[[1946]]م |الناشر=[[محمد كرد علي]] |مكانالمكان=[[دمشق]]-[[سوريا]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=155-156}}</ref> وسنة [[448هـ]] الموافقة لسنة [[1056]]م، حضر قاضي قضاة بغداد أبو عبد الله محمد بن علي الدامغاني عقد زواج الخليفة [[أبو جعفر عبد الله القائم بأمر الله|القائم بأمر الله]] من خديجة بنت أخي السلطان السلجوقي [[طغرل بك]]، على صداق مائة ألف دينار.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الثاني عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=109 |الصفحات=}}</ref> وفي القاهرة عقد قاضي القضاة محمد بن النعمان، زواج ولده عبد العزيز سنة [[375هـ]] الموافقة لسنة [[985]]م من ابنة القائد [[جوهر الصقلي]]، على صداق قدره ثلاثة آلاف دينار.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن خلكان |الأول=شمس الدين أبو العبَّاس أحمد |وصلة المؤلف=ابن خلكان |العنوان= [[وفيات الأعيان|وفيَّات الأعيان وأنباء أبناء الزمان]] - الجزء الخامس، تحقيق إحسان عبَّاس|مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1970]] - [[1972]] |الناشر= |مكانالمكان=[[بيروت]] - [[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=420-421}}</ref>
* '''الحِسبة''': وأحيانًا تولَّى قاضي القضاة وظيفة [[حسبة|الحِسبة]]، التي يتولَّاها عادةً المُحتسب.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن الجوزي |الأول=أبو الفرج عبد الرحمن بن علي |وصلة المؤلف=ابن الجوزي |العنوان=[[المنتظم في تاريخ الملوك والأمم]]، الجزء السادس |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=1357-1358هـ |الناشر=[[دائرة المعارف العثمانية|دائرة المعارف العثمانيَّة]] |مكانالمكان=[[حيدر آباد]]-[[الدكن]] |الرقم المعياري= |الصفحة=166 |الصفحات=}}</ref> ففي بغداد، كان جمال الدين بن عبد الحي بن إدريس الحنبلي قاضي قضاة الحنابلة ومُحتسب بغداد.<ref name="ابن كثير 1401هـ-1981م 310"/> وفي مصر، تولَّى قاضي قضاة الشافعيَّة تاج الدين عبد الوهاب بن بنت الأعز الحِسبة أيضًا.<ref name="ReferenceA">{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الثالث عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=249-250}}</ref>
* '''النظر في المظالم''': كذلك كان يُضاف إلى مهام قاضي القضاة، النظر في المظالم،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن الأثير |الأول=عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري |وصلة المؤلف=ابن الأثير |العنوان=[[الكامل في التاريخ]]، عن طبعة المستشرق تورنبرغ، الجزء الثامن |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1966]] |الناشر=دار صادر |[[بيروت]]-[[لبنان]]location= |الرقم المعياري= |الصفحة=193 |الصفحات=}}</ref><ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن مسكويه |الأول=أبو علي أحمد بن محمد بن مسكويه |وصلة المؤلف=ابن مسكويه |العنوان=تجارب الأمم، الجزء الأوَّل، تحقيق آمدروز |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1914]] |الناشر= |مكانالمكان=[[القاهرة]]-[[مصر]] |الرقم المعياري= |الصفحة=84|الصفحات=}}</ref> رغم أنَّ الناظر في المظالم ينظر في كل حكم يعجز عنه القاضي والمُحتسب، وهو بذلك أقوى منهما يدًا. وقد جمَعَ قاضي القضاة أبي القاسم عبد العزيز بن محمد بن النعمان، بين القضاء والنظر في المظالم،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن خلكان |الأول=شمس الدين أبو العبَّاس أحمد |وصلة المؤلف=ابن خلكان |العنوان= [[وفيات الأعيان|وفيَّات الأعيان وأنباء أبناء الزمان]] - الجزء الخامس، تحقيق إحسان عبَّاس|مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1970]] - [[1972]] |الناشر= |مكانالمكان=[[بيروت]] - [[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=422 |الصفحات=}}</ref> زمن الحاكم بأمر الله، وقد تصلَّب في الأحكام، وتشدد على من عانده من رؤساء الدولة.
* '''الفتيا''': كان قاضي القضاة يفتي في الأمور التي تهم المصلحة العامَّة، فقد استفتى قاضي قضاة الشافعيَّة بدمشق [[تقي الدين السبكي]]، في قتل [[كلب|الكلاب الشاردة]] خوفًا من نقلها [[داء الكلب|لداء الكَلَب]] وغيره من الأمراض القاتلة مثل [[جرب|الجَرب]]، فكتب جماعة من أهل المدينة في ذلك، فرَسَم بإخراجها -أي الكلاب - في يوم الجمعة [[25 ذو الحجة|25 ذي الحجَّة]] سنة [[745هـ]] الموافقة لسنة [[1345]]م إلى الخندق ظاهر باب الصغير وإتلاف جيفتها لئلّا تنتن الناس بريحها.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الرابع عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=215 |الصفحات=}}</ref>
 
===المهام غير القضائيَّة===
كان قاضي القضاة مُقرَّبًا من الخلفاء، لذلك التجأ إليه أصحاب الحاجات ليتوسَّط لهم عند الخليفة أو الوزير، مما يدل على المكانة التي وصل إليها والتي جعلته يُرافق موكب الحج، فكثرت المهام غير القضائيَّة التي كانت توكل إليه، مثل [[تدريس|التدريس]] و[[خطابة|الخِطابة]] والنظر في الجوامع ووِكالة [[بيت المال]] ومشيخة الشيوخ، حتى وصل به الأمر أحيانًا إلى تقلّد الوزارة.
 
* '''التوسط عند الخليفة أو الوزير''': كان قاضي القضاة يتقلَّد أعلى منصب قضائي، مما جعله مُقرَّبًا من الخليفة وذوي السُلطة والنفوذ، وهذا ما دفع بأصحاب الحاجات للالتجاء إليه عساه يتوسَّط لهم في بعض الحاجات، أو إنقاذ محكومٍ من [[سجن|السجن]] و[[إعدام|الإعدام]]. وقد ذاعت شهرة قاضي القضاة [[معتزلة|المعتزلي]] أحمد بن أبي دؤاد في إنقاذ المحكومين من السجن والقتل، فأنقذ أبي دلق القاسم بن عيسى العجلي من القتل على يد الأفشين،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=الفرج بعد الشدَّة، الجزء الثاني، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1978]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=66-75}}</ref> وشفع عند الخليفة [[المعتصم بالله]] الذي قبض على أموال وضياع [[خالد بن يزيد]] وأراد معاقبته وتعذيبه فأنقذه منه،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=الفرج بعد الشدَّة، الجزء الثاني، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1978]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=60-62}}</ref> كما شفع عند الخليفة الواثق في رجل من [[اليمامة]]،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=المستجاد من فعلات الأجواد |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1365هـ]]-[[1946]]م |الناشر=[[محمد كرد علي]] |مكانالمكان=[[دمشق]]-[[سوريا]] |الرقم المعياري= |الصفحة=202 |الصفحات=}}</ref> وفي بعض العمَّال والكتَّاب الذين سجنهم الوزير محمد بن عبد الملك فأنقذهم من السجن.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=الفرج بعد الشدَّة، الجزء الثاني، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1978]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=63-66}}</ref>
* '''مُرافقة موكب الحج''': كانت تولى أحيانًا إلى قاضي القضاة، إمارة الحج، ففي سنة [[412هـ]] الموافقة لسنة [[1021]]م، تولَّى قاضي القضاة أبو محمد الناصحي إمارة الحج وسار الناس بصحبته.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الثاني عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=11 |الصفحات=}}</ref>
* '''التدريس والخِطابة والنظر في الجوامع ومشيخة الشيوخ''': تكثر المهام الأخرى التي كانت توكل إلى قاضي القضاة، وأهمها التدريس والخِطابة والنظر في الجوامع ومشيخة الشيوخ.<ref name="ReferenceA"/> ففي بغداد درَّس قاضي القضاة قطب الدين "الأحوس" [[المدرسة المستنصرية|بالمدرسة المستنصريَّة]] وغيرها من مدارس بغداد. وعندما يقوم قاضي القضاة بالتدريس، يحضر عنده القضاة والأمراء والأعيان والفضلاء.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الثالث عشر |المسار= |تاريخ الوصول= |السنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |المكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=332 |الصفحات=}}</ref>
* '''التدريسدار والخِطابةالضرب والنظر فيوالأسوار الجوامعووِكالة ومشيخةبيت الشيوخالمال''': تكثرأحيانًا المهامكان الأخرى التي كانت توكليوكل إلى قاضي القضاة،القضاة وأهمهاأمر التدريسدار والخِطابةالضرب والنظروالأسوار فيأو الجوامعوِكالة ومشيخةبيت الشيوخالمال.<ref name="ReferenceA"/> ففي بغداددمشق، درَّسفُوِّض إلى قاضي القضاة قطب الدين "الأحوس" [[المدرسةكمال المستنصرية|بالمدرسةالدين المستنصريَّةالشهرزوري]] وغيرهاالنظر منفي الجامع ودار مدارسالضرب بغدادوالأسوار. وعندما يقوموتولَّى قاضي القضاة بالتدريس،تقي يحضرالدين عندهمحمد القضاةالشافعي وكذلك شهاب الدين الشافعي التدريس والأمراءووِكالة والأعيانبيت والفضلاءالمال.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الثالثالرابع عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=332181 |الصفحات=}}</ref>
* '''دارالجهاد الضربفي والأسوارسبيل ووِكالة بيت المالالله''': أحيانًارغم كانأنَّ يوكلالخليفة إلىهو الذي يدعو [[جهاد|للجهاد في سبيل الله]]، فقد كان قاضي القضاة أمريُساعد دارفي الضربهذا والأسوارالأمر أوعن وِكالةطريق بيتالخِطبة المالفي الجوامع حيث يدعو الناس للجهاد. ففيفعندما دمشق،جاء فُوِّضالخبر إلى دمشق بأنَّ مراكب العدو تقترب من ساحل بيروت سنة [[767هـ]] الموافقة لسنة [[1365]]م، خطب قاضي القضاة تاج الدين الشافعي بالناس يوم الجمعة كعادته، وحرَّض الناس على الجهاد، وألبس جماعة من غلمانه اللأمة والخِوَذ، وعزم المسير مع الناس.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[كمالالبداية الدينوالنهاية]]، الشهرزوريالجزء الرابع عشر |المسار= |تاريخ الوصول= |السنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م النظر|الناشر=مكتبة المعارف |المكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=322 |الصفحات=}}</ref> ولم يكتفِ قاضي القضاة بذلك، بل كان أحيانًا يُشارك بنفسه في الجامعالجهاد ودارفي الضربسبيل والأسوار.الله، كما وتولَّىفعل قاضي القضاة تقيحسام الدين محمدالرَّازي الشافعيالحنفي وكذلكعندما شهاباشترك الدينمع الشافعيالسلطان التدريسالمملوكي ووِكالةفي بيتالقتال المالضد [[تتار|التتر]] في [[معركة وادي الخزندار|وادي الخزندار]] عند وادي سلميَّة بالقرب من [[حمص]] سنة [[698هـ]] الموافقة لسنة [[1298]]م.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الرابع عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=18114 |الصفحات=}}</ref>
* '''مُلازمة الخليفة''': هذه المهام جعلت قاضي القضاة مُقرَّبًا جدًّا من الخلفاء، فيُسمَّى أحيانًا "قاضي الخليفة"، ويستعين به الخليفة في الأمور الخاصَّة به، فيخرج معه في أسفاره. كما كان الخليفة يصطحب معه قاضي القضاة أثناء المواكب. وهكذا كان قاضي القضاة الإمام أبو يوسف يُلازم هارون الرشيد في تجواله،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=الفرج بعد الشدَّة، الجزء الثالث، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1978]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=307 |الصفحات=}}</ref> وقاضي القضاة علي بن ظبيان يخرج مع الرشيد أيضًا في أسفاره، فكان معه في [[خراسان]] عندما توفي سنة [[192هـ]] الموافقة لسنة [[807]]م.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الخطيب البغدادي|الأول=أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت |وصلة المؤلف=الخطيب البغدادي |العنوان=تاريخ بغداد أو مدينة السلام، الجزء الحادي عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1349هـ]]-[[1931]]م |الناشر= |مكانالمكان=[[القاهرة]]-[[مصر]] |الرقم المعياري= |الصفحة=445 |الصفحات=}}</ref> وبلغ من درجة تقرّب بعض قضاة القضاة أنّه عند وفاة أحدهم كان السلطان أو الخليفة أحيانًا، ونائب السلطنة والقضاة والأعيان يصلون عليه ويسيرون في جنازته. وهذا كله يدل على المكانة التي توصَّل إليها قاضي القضاة لدى الخلفاء سواء في بغداد أو مصر أو دمشق، هذه المكانة التي جعلت الخليفة الراضي يحزن حزنًا شديدًا على وفاة قاضي قضاته أبي الحسين عمر ويبكي عليه،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن الجوزي |الأول=أبو الفرج عبد الرحمن بن علي |وصلة المؤلف=ابن الجوزي |العنوان=[[المنتظم في تاريخ الملوك والأمم]]، الجزء السادس |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=1357-1358هـ |الناشر=[[دائرة المعارف العثمانية|دائرة المعارف العثمانيَّة]] |مكانالمكان=[[حيدر آباد]]-[[الدكن]] |الرقم المعياري= |الصفحة=307 |الصفحات=}}</ref> حتى مات بعده بفترة قصيرة. كما جعلت الحاكم بأمر الله الفاطمي يقف على دفن قاضي قضاته محمد بن النعمان في القاهرة سنة [[389هـ]] الموافقة لسنة [[999]]م.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الذهبي |الأول=شمس الدين |وصلة المؤلف=شمس الدين الذهبي |العنوان=العِبر في خبر من غَبر، الجزء الثالث، تحقيق صلاح الدين المنجّد وفؤاد سيّد |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=1960-1966 |الناشر= |مكانالمكان=[[مدينة الكويت]]-[[الكويت]] |الرقم المعياري= |الصفحة=45 |الصفحات=}}</ref>
* '''الجهاد في سبيل الله''': رغم أنَّ الخليفة هو الذي يدعو [[جهاد|للجهاد في سبيل الله]]، فقد كان قاضي القضاة يُساعد في هذا الأمر عن طريق الخِطبة في الجوامع حيث يدعو الناس للجهاد. فعندما جاء الخبر إلى دمشق بأنَّ مراكب العدو تقترب من ساحل بيروت سنة [[767هـ]] الموافقة لسنة [[1365]]م، خطب قاضي القضاة تاج الدين الشافعي بالناس يوم الجمعة كعادته، وحرَّض الناس على الجهاد، وألبس جماعة من غلمانه اللأمة والخِوَذ، وعزم المسير مع الناس.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الرابع عشر |مسار= |تاريخ الوصول= |سنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=322 |الصفحات=}}</ref> ولم يكتفِ قاضي القضاة بذلك، بل كان أحيانًا يُشارك بنفسه في الجهاد في سبيل الله، كما فعل قاضي القضاة حسام الدين الرَّازي الحنفي عندما اشترك مع السلطان المملوكي في القتال ضد [[تتار|التتر]] في [[معركة وادي الخزندار|وادي الخزندار]] عند وادي سلميَّة بالقرب من [[حمص]] سنة [[698هـ]] الموافقة لسنة [[1298]]م.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الرابع عشر |مسار= |تاريخ الوصول= |سنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=14 |الصفحات=}}</ref>
* '''مُلازمة الخليفة''': هذه المهام جعلت قاضي القضاة مُقرَّبًا جدًّا من الخلفاء، فيُسمَّى أحيانًا "قاضي الخليفة"، ويستعين به الخليفة في الأمور الخاصَّة به، فيخرج معه في أسفاره. كما كان الخليفة يصطحب معه قاضي القضاة أثناء المواكب. وهكذا كان قاضي القضاة الإمام أبو يوسف يُلازم هارون الرشيد في تجواله،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=الفرج بعد الشدَّة، الجزء الثالث، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسار= |تاريخ الوصول= |سنة=[[1978]] |الناشر=دار صادر |مكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=307 |الصفحات=}}</ref> وقاضي القضاة علي بن ظبيان يخرج مع الرشيد أيضًا في أسفاره، فكان معه في [[خراسان]] عندما توفي سنة [[192هـ]] الموافقة لسنة [[807]]م.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الخطيب البغدادي|الأول=أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت |وصلة المؤلف=الخطيب البغدادي |العنوان=تاريخ بغداد أو مدينة السلام، الجزء الحادي عشر |مسار= |تاريخ الوصول= |سنة=[[1349هـ]]-[[1931]]م |الناشر= |مكان=[[القاهرة]]-[[مصر]] |الرقم المعياري= |الصفحة=445 |الصفحات=}}</ref> وبلغ من درجة تقرّب بعض قضاة القضاة أنّه عند وفاة أحدهم كان السلطان أو الخليفة أحيانًا، ونائب السلطنة والقضاة والأعيان يصلون عليه ويسيرون في جنازته. وهذا كله يدل على المكانة التي توصَّل إليها قاضي القضاة لدى الخلفاء سواء في بغداد أو مصر أو دمشق، هذه المكانة التي جعلت الخليفة الراضي يحزن حزنًا شديدًا على وفاة قاضي قضاته أبي الحسين عمر ويبكي عليه،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن الجوزي |الأول=أبو الفرج عبد الرحمن بن علي |وصلة المؤلف=ابن الجوزي |العنوان=[[المنتظم في تاريخ الملوك والأمم]]، الجزء السادس |مسار= |تاريخ الوصول= |سنة=1357-1358هـ |الناشر=[[دائرة المعارف العثمانية|دائرة المعارف العثمانيَّة]] |مكان=[[حيدر آباد]]-[[الدكن]] |الرقم المعياري= |الصفحة=307 |الصفحات=}}</ref> حتى مات بعده بفترة قصيرة. كما جعلت الحاكم بأمر الله الفاطمي يقف على دفن قاضي قضاته محمد بن النعمان في القاهرة سنة [[389هـ]] الموافقة لسنة [[999]]م.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الذهبي |الأول=شمس الدين |وصلة المؤلف=شمس الدين الذهبي |العنوان=العِبر في خبر من غَبر، الجزء الثالث، تحقيق صلاح الدين المنجّد وفؤاد سيّد |مسار= |تاريخ الوصول= |سنة=1960-1966 |الناشر= |مكان=[[مدينة الكويت]]-[[الكويت]] |الرقم المعياري= |الصفحة=45 |الصفحات=}}</ref>
 
== خصائص ومميزات قاضي القضاة ==
===الزيّ الخاص بقاضي القضاة===
[[ملف:Tott-33-Cadi leskier.jpg|تصغير|زي قاضي القضاة ([[قاضي العسكر]]) في الدولة العثمانيَّة.]]
السَّواد هو شِعار العبَّاسيين الرسمي، ولِباس الخلفاء كان [[قلنسوة]] محددة و[[قباء]] أسود و[[تاج]] مُرصَّع [[مجوهرات|بالجواهر]]. وكان الخليفة يلبس طوقًا و[[سوار|سِوارين]] من [[ذهب|الذهب]] المنظوم بالجواهر.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=متز |الأول=آدم |وصلة المؤلف=آدم متز |العنوان=الحضارة الإسلاميَّة في القرن الرابع الهجري، الجزء الثاني |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1387هـ]]-[[1967]]م | الناشر=تعريب محمد عبد الهادي أبو ريده |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=255-256}}</ref> وكان لِباس الوزراء يتألَّف من الدراعة و[[قميص|القميص]] والمبطنة والخف وعمامة سوداء.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الجهشياري |الأول=محمد بن عبدوس |وصلة المؤلف=الجهشياري |العنوان=الوزراء والكتَّاب |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة= |الناشر= |مكانالمكان= |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=50 و89 و161}}</ref><ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن مسكويه |الأول=أبو علي أحمد بن محمد بن مسكويه |وصلة المؤلف=ابن مسكويه |العنوان=تجارب الأمم، الجزء الخامس، تحقيق آمدروز |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1914]] |الناشر= |مكانالمكان=[[القاهرة]]-[[مصر]] |الرقم المعياري= |الصفحة=214|الصفحات=}}</ref> كما كان الكتَّاب والعلماء يرتدون الدرايع والطيلسان والعمامة التي يختلف حجمها باختلاف السن والمكانة. أمَّا القضاة فلم يكن لهم زي مخصوص، وعندما تقلَّد أبو يوسف منصب قاضي القضاة زمن الخليفة هارون الرشيد، ميَّز القضاة بلِباس خاص يُعرفون به. وأصبح القاضي يعتمّ بعمامة سوداء على قلنسوة طويلة.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الكِندي |الأول=أبو عمر محمد بن يوسف |وصلة المؤلف=الكندي |العنوان=الولاة والقضاة |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1980]] |الناشر=تحقيق رفن كست |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=378 |الصفحات=}}</ref> وكان قاضي القضاة يلبس السواد على هيئة عمَّال بني العبَّاس في المناسبات الرسميَّة، وخاصَّةً في احتفال يوم الجمعة حين ينوب عن الخليفة في ذلك.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=المستجاد من فعلات الأجواد |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1365هـ]]-[[1946]]م |الناشر=[[محمد كرد علي]] |مكانالمكان=[[دمشق]]-[[سوريا]] |الرقم المعياري= |الصفحة=219 |الصفحات=}}</ref>
 
وكان قاضي قضاة بغداد يضع القلنسوة{{للهامش|3}} فوق رأسه،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الأوَّل، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1973]]-[[1971]]م |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=47 و235 و263}}</ref> ويُلقي الطيلسان{{للهامش|3}} على كتفه،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=القلقشندي |الأول=أبو العبَّاس أحمد |وصلة المؤلف=القلقشندي |العنوان=صبح الأعشى في صناعة الإنشا، الجزء الحادي عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=1913-1919|الناشر= |مكانالمكان=[[القاهرة]]-[[مصر]] |الرقم المعياري= |الصفحة=198 |الصفحات=}}</ref> ويُفضّل احتذاء النعال الهنديَّة.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الأوَّل، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1973]]-[[1971]]م |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=234 |الصفحات=}}</ref> وعندما يكون الطقس حارًا يحمل قاضي القضاة [[مروحة]] بيده، وإذا وجد نفسه بعيدًا عن أعين الخليفة والأمراء أو في منزله فإنَّه يضع قلنسوته جانبًا بسبب الحر. وفي مصر كان قاضي القضاة يضع على رأسه طرحة.<ref name="رينهارت">{{مرجع كتاب |الأخير=دوزي |الأول=رينهارت |وصلة المؤلف=رينهارت دوزي |العنوان=المعجم المُفصَّل بأسماء الملابس عند العرب |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]] |الناشر=تعريب أكرم فاضل |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=212 |الصفحات=}}</ref> وكانت الطرحة{{للهامش|3}} لِباس القضاة الخاص، بل شِعار قاضي القضاة، وكان لا يحملها إلّا قاضي القضاة الشافعي. وفي سنة [[663هـ]] الموافقة لسنة [[1265]]م من أيَّام حكم الظاهر بيبرس، تلقَّى القضاة الثلاثة الآخرون: الحنفي والمالكي والحنبلي، السماح لهم باتخاذ الطرحة.<ref name="رينهارت" /> وكان قاضي قضاة دمشق يلبس الطرحة والبركان والفوقانيَّة.{{للهامش|3}} وكان قاضي القضاة يركب البغال النفيسة، ويجعل حول السرج فرجيَّة من جوخ. وكان قاضي القضاة في الدولة الفاطميَّة يُقدَّم له من اصطبلات الخليفة بغلة شهباء يركبها دائمًا، وهو مختص بهذا اللون من البغال دون أرباب الدولة. وزمن المماليك، كان السلطان يخلع على قاضي القضاة، خلعة صوف ويعطيه بغلة لركوبه يصل ثمنها أحيانًا إلى ثلاثة آلاف درهم.<ref name="ابن كثير 1401هـ-1981م"/> وبعد [[معركة مرج دابق|الفتح العثماني للشام]] و[[معركة الريدانية|مصر]] سنة 922-923هـ/1516-1517م، تغيَّرت ملابس قاضي القضاة والقضاة أيضًا.
 
===رواتب قاضي القضاة===
جعل العبَّاسيّون لقاضي القضاة منصبًا رفيعًا مُستقلًّا، ويتقاضى راتبًا شهريًّا مثل سائر القضاة. فكان قاضي مصر يأخذ ثلاثين دينارًا كل شهر سنة [[155هـ]] الموافقة لسنة [[772]]م، ثمَّ رفعه الخليفة المأمون إلى مائة وستين دينارًا كل شهر سنة [[198هـ]] الموافقة لسنة [[813]]م.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الكِندي |الأول=أبو عمر محمد بن يوسف |وصلة المؤلف=الكندي |العنوان=الولاة والقضاة |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1980]] |الناشر=تحقيق رفن كست |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=369 و421}}</ref> وقد أدخل قاضي القضاة أبو العبَّاس عبد الله ابن أبي الشوارب نظام الالتزام في القضاء حين تقلَّد قضاء بغداد مقابل دفع مائتيّ ألف درهم كل سنة إلى خزانة الأمير [[معز الدولة البويهي|معز الدولة]] سنة [[350هـ]] الموافقة لسنة [[961]]م.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=متز |الأول=آدم |وصلة المؤلف=آدم متز |العنوان=الحضارة الإسلاميَّة في القرن الرابع الهجري، الجزء الأوَّل |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1387هـ]]-[[1967]]م | الناشر=تعريب محمد عبد الهادي أبو ريده |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=411 |الصفحات=}}</ref> وبالمُقابل كان يوجد قاضي قضاة يرفض تناول أجر لقاء منصبه، فعندما تقلَّد قضاء القضاة ببغداد محمد بن صالح الهاشمي سنة [[363هـ]] الموافقة لسنة [[973]]م، اشترط عند تولّي منصبه ألّا ينل على القضاء أجرًا.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الكِندي |الأول=أبو عمر محمد بن يوسف |وصلة المؤلف=الكندي |العنوان=الولاة والقضاة |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1980]] |الناشر=تحقيق رفن كست |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=573 |الصفحات=}}</ref> وأحيانًا، عندما يترك قاضي القضاة منصبه بسبب عجزه وكِبَر سنّه، يُرتَّب له معاش شهري. فعندما ترك بدر الدين بن جماعة قضاء قضاة الشافعيَّة في مصر سنة [[727هـ]] الموافقة لسنة [[1326]]م بسبب كِبَر سنّه، جبروا خاطره عندما رُتِّب له ألف درهم وعشرة أرادب [[قمح]] في الشهر.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الرابع عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=142 |الصفحات=}}</ref>
 
===تقلّد بعض أفراد العائلة الواحدة لمنصب قاضي القضاة===
يبدو من مراجعة الأسماء التي تقلَّدت منصب قاضي القضاة، تعاقب الآباء والأبناء والإخوة على هذا المنصب في بعض العائلات، وكأنَّ مهنة قاضي القضاة تورَث. ومن العائلات الكُبرى التي كان منصب قاضي القضاة من نصيب معظم أفرادها: عائلة محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي، وعائلة إسماعيل بن حماد الأزدي، وعائلة النعمان... فقد تقلَّد الكثيرون من عائلة محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي، منصب قاضي القضاة. فالحسن بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن الجوزي |الأول=أبو الفرج عبد الرحمن بن علي |وصلة المؤلف=ابن الجوزي |العنوان=[[المنتظم في تاريخ الملوك والأمم]]، الجزء الخامس |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=1357-1358هـ |الناشر=[[دائرة المعارف العثمانية|دائرة المعارف العثمانيَّة]] |مكانالمكان=[[حيدر آباد]]-[[الدكن]] |الرقم المعياري= |الصفحة=27 |الصفحات=}}</ref> تقلَّد منصب قاضي القضاة في [[سامراء|سامرَّاء]] زمن الخليفتين [[المعتز بالله]] و[[المهتدي بالله]]. وعندما توفي الحسن بن محمد سنة [[261هـ]] الموافقة لسنة [[874]]م،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الخطيب البغدادي|الأول=أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت |وصلة المؤلف=الخطيب البغدادي |العنوان=تاريخ بغداد أو مدينة السلام، الجزء السادس |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1349هـ]]-[[1931]]م |الناشر= |مكانالمكان=[[القاهرة]]-[[مصر]] |الرقم المعياري= |الصفحة=287 |الصفحات=}}</ref> أرسل الخليفة [[المعتمد على الله أبو العباس أحمد|المعتمد على الله]] وزيره [[عبيد الله بن يحيى بن خاقان]]<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن الطقطقي |الأول=أبو جعفر محمد بن علي بن محمد بن طباطبا العلوي |وصلة المؤلف=ابن الطقطقي |العنوان=الفخري في الآداب السلطانيَّة والدول الإسلاميَّة |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة= |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=بيروت-لبنان |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=238 و251}}</ref> إلى علي بن محمد،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الطبري |الأول=الإمام أبو جعفر محمد بن جُرير |وصلة المؤلف=الطبري |العنوان=[[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والملوك]]، الجزء العاشر، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1960]]-[[1968]] |الناشر=دار المعارف بمصر |مكانالمكان=[[القاهرة]]-[[مصر]] |الرقم المعياري= |الصفحة=49 |الصفحات=}}</ref> فعزَّاه بأخيه وهنّأه بتوليه القضاء، وكأنَّه ورث القضاء عن أخيه حتى أصبح علي بن محمد قاضي القضاة سنة [[283]]هـ الموافقة لسنة [[896]]م، وهي السنة التي توفي فيها.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الرابع، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1971]]-[[1973]] |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=134 |الصفحات=}}</ref>
 
===تقلّد بعض العميان لمنصب قاضي القضاة===
من الظواهر النادرة، تقلّد بعض [[عمى|العميان]] قضاء القضاة أو بالأحرى إصابة بعض قضاة القضاة بالعمى واستمرارهم في منصبهم. ففي دمشق، تولّى ابن أبي عصرون قضاء قضاة دمشق سنة [[583هـ]] الموافقة لسنة [[1187]]م، وكان قد عمي قبل موته بعشر سنين،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الثاني عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=333-334}}</ref> وقد جمع جزءًا في قضاء الأعمى وأنه جائز، وهو خِلاف المذهب الشافعي، مذهب قاضي القضاة زمن الدولة الأيوبيَّة. وذلك عكس ما أشار إليه [[الماوردي]] من أنَّ "سلامة السمع والبصر" هي من أهمّ الشروط لتقلّد القضاء.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الماوردي |الأول=أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري |وصلة المؤلف=الماوردي |العنوان=[[الأحكام السلطانية (كتاب)|الأحكام السلطانيَّة والولايات الدينيَّة]]، تصحيح محمد بدر الدين النفساني |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1909]] |الناشر= |مكانالمكان=[[القاهرة]]-[[مصر]] |253isbn= |الصفحة= |الصفحات=61-62}}</ref>
 
===رفض البعض تقلّد منصب قاضي القضاة===
إذا كان البعض قضى عمره يُحاول الوصول إلى منصب قاضي القضاة الذي كان قِبلة أنظار معظم القضاة، فإنَّ البعض الآخر، اعتذر عن قبول هذا المنصب لما فيه من مسؤوليَّة إحقاق العدل، خاصَّةً بعد أن ورد في تقلّد القضاء من الحديث ما يزهد فيه ويوجب الفِرار منه. فقد رُوي عن النبي [[محمد]] أنه قال: {{اقتباس مضمن|من وُلِّيَ القضاء فقد ذُبح بغير [[سكين]]}}،<ref>[http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?idfrom=6169&idto=6282&bk_no=55&ID=1354 المكتبة الإسلاميَّة في موقع إسلام ويب: شروح الحديث]</ref> وعنه: {{اقتباس مضمن| ما من حكمٍ يحكمُ بين الناس إلّا حُبس [[يوم القيامة]] و[[الملائكة في الإسلام|ملكٌ]] آخذ بقفاه حتى يقفه على [[جهنم]]، ثم يُرفع رأسه إلى الله عز وجل، فإن قال: "ألقه"، ألقاه في مهوى فهوى أربعين خريفًا}}.<ref>[http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=47&ID=2686 المكتبة الإسلاميَّة في موقع إسلام ويب: أحاديث الأحكام، كتاب الأقضية والأحكام في نيل الأوطار: باب التشديد في الولاية وما يخشى على من لم يقم بحقها دون القائم به]</ref> وعن [[ابن عمر]] قال: {{اقتباس مضمن|سمعت رسول الله {{صلعم}} يقول: "مَنْ كَانَ قَاضِيًا فَقَضَى بِجَوْرٍ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَمَنْ كَانَ قَاضِيًا فَقَضَى بِجَهْلٍ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَمَنْ كَانَ قَاضِيًا عَالِمًا فَقَضَى بِحَقٍّ، أَوْ بِعَدْلٍ سَأَلَ أَنْ يَنْفَلِتَ كَفَافًا"}}.<ref>[http://www.islamweb.net/hadith/display_hbook.php?bk_no=1711&pid=412058&hid=346 موسوعة الحديث في موقع إسلام ويب: الحديث رقم 346]</ref><ref>{{مرجع كتاب |الأخير=النويري |الأول=شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب |وصلة المؤلف=النويري |العنوان=نهاية الأرب في فنون الأدب، المجلَّد السادس |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة= |الناشر=دار الكتب |مكانالمكان=[[القاهرة]]-[[مصر]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=263-264}}</ref> وهذا ما جعل الفقهاء والعلماء لا ينظرون بعين الرضا إلى منصب القاضي أو قاضي القضاة. وقد اختلف المسلمون في قبول القضاء فرفضه بعضهم رفضًا قاطعًا، وتقبَّله البعض الآخر إذا كان من يتقلَّده يَصلح لذلك الأمر. وكان [[صوفية|الصوفيَّة]] يسمّون القضاة "علماء الدنيا" ويُرددون: {{اقتباس مضمن|إنَّ العُلماء يُحشرون في زُمرة الأنبياء، والقُضاة يُحشرون في زُمرة السلاطين}}.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=متز |الأول=آدم |وصلة المؤلف=آدم متز |العنوان=الحضارة الإسلاميَّة في القرن الرابع الهجري، الجزء الأوَّل |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1387هـ]]-[[1967]]م | الناشر=تعريب محمد عبد الهادي أبو ريده |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=403 |الصفحات=}}</ref> ومن أبرز اللذين رفضوا منصب القاضي أو قاضي القضاة: الإمام أبو حنيفة النعمان وجعفر بن محمد التنّوخي وأبو الفضل الهمذاني والعلّامة برهان الدين أبو إسحق إبراهيم الفزاري.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=شبارو |الأول=عصام محمد |وصلة المؤلف= |العنوان=قاضي القضاة في الإسلام |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1992]] |الناشر=[[دار النهضة العربية (بيروت)|دار النهضة العربيَّة]] |مكانالمكان=[[بيروت]] - [[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=139-140}}</ref>
 
===الخِلاف بين قضاة القضاة===
بتعيين قاضي قضاة لكل مذهب من مذاهب أهل السنَّة الأربعة سواء في مصر أو في دمشق، كان يتوجَّب على قاضي قضاة مذهب مُعيَّن أن لا يتدخل في قضايا وأمور قاضي قضاة من مذهب آخر،<ref name="الخلاف بين القضاة">{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الرابع عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=316-318}}</ref> ومع ذلك كان الخِلاف يقع بين قضاة القضاة أنفسهم في أمور تتعلَّق بالوقف والهدم. ومثل هذا الخِلاف كان يقع أحيانًا بين قاضي قضاة الحنابلة من جهة وقضاة القضاة الحنفيَّة والشافعيَّة والمالكيَّة من جهة ثانية،<ref name="الخلاف بين القضاة" /> أو بين قاضي قضاة الشافعيَّة من جهة وقضاة القضاة الثلاثة الآخرين من جهة ثانية.<ref name="الخلاف بين القضاة" /> فيضطر نائب السلطنة لعقد مجلس بهذا الخصوص في دار السعادة بدمشق للتوسّط والصلح بينهم، كما يضطر أحيانًا السلطان لإصدار مرسوم يوفّق بين قضاة القضاة.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الرابع عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=239 |الصفحات=}}</ref> كما كان الخِلاف يقع أيضًا بين قاضي القضاة والفقهاء، فعندما نَقَمَ قاضي القضاة [[تقي الدين السبكي|تقي الدين السبكي الشافعي]] على الشيخ [[ابن قيم الجوزية|شمس الدين ابن قيم الجوزيَّة]] بسبب إكثاره من الفتيا بمسألة [[الطلاق في الإسلام|الطلاق]]، تدخل الأمير سيف الدين بن فضل العرب، وأقام الصلح بينهما في بستان قاضي القضاة.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الرابع عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=232 |الصفحات=}}</ref>
 
===مُحاكمة قاضي القضاة وسجنه وعزله ونفيه===
كانت الحظوة والتقرّب من الوزراء والخلفاء خطوة كبيرة في تقلّد القضاء والوصول إلى أعلى منصب وهو قاضي القضاة. ولكن تقلّد هذا المنصب لا يعني أنَّ قاضي القضاة أصبح حاكمًا بأمره، لا يطاله أحد، فهو في النهاية مثل أي موظف يُعينه الحاكم عندما يكون راضيًا عنه، ويعزله عندما يغضب منه، ذلك أنَّ قاضي القضاة بحكم منصبه، يكون على قرب دائم من الخليفة أو الوزير، والحكم في العصر العبَّاسي لم يكن دائمًا مُستقرًّا، فالمؤامرات والصراع على النفوذ كان دائمًا يُهدد رجال الحكم، فإذا ما تخلّى الخليفة عن السلطة سارع خليفته إلى عزل الوزير وتعيين وزير له، وبالتالي يتأثّر أحيانًا وضع قاضي القضاة الذي يؤيّد هذا الوزير أو ذاك. وفي ظل الصراع بين الوزراء على الحكم كان موقف قاضي القضاة حرجًا وهو يُدرك أنَّ نقمة الوزير تؤدي إلى نقمة الخليفة عليه، وبالتالي الوصول إلى ما لا تُحمد عقباه. وعندما يتقلَّد أحدهم منصب قاضي القضاة يُصبح قريبًا من الخليفة وهنا عليه أن يكون دقيقًا جدًا في مواقفه وآرائه، لأنَّ غضب الخليفة أقسى وأشد مرارة من غضب الوزير. ومن القصص المأسويَّة التي انتهى بها قاضي قضاة: قصَّة قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد الذي أصرَّ على مبايعة المتوكل على الله بعد وفاة الخليفة الواثق بالله،<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=التنوخي |الأول=القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد |وصلة المؤلف=التنوخي |العنوان=نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، الجزء الثاني، تحقيق المحامي عبّود الشالجي |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1973]]-[[1971]]م |الناشر=دار صادر |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=73-74}}</ref> وألبسه الطويلة وعممه بيده. وكان جزاؤه منه أنه عزله المتوكل وصادر ضياعه وضياع أولاده. وكذلك قصَّة قاضي القضاة الفاطمي الحسين بن علي النعمان الذي عزله الحاكم بأمر الله ثمَّ قتله وأحرق جثته.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الصفدي |الأول=صلاح الدين خليل بن أيبك |وصلة المؤلف=الصفدي |العنوان=الوافي بالوفيَّات، الجزء الثالث عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=1382-1404هـ/1962-1984م |الناشر= |مكانالمكان=[[فيسبادن|ڤيسبادن]]-[[ألمانيا]] |الرقم المعياري= |الصفحة=19 |الصفحات=}}</ref>
 
وقد تؤدي العداوة والبغضاء بين قاضي القضاة وأحد الأمراء أو النافذين إلى إهانة أو محاكمة قاضي القضاة، وعزله وحتى سجنه. ففي دمشق أدَّت العداوة إلى أن يأمر المُعظَّم عيسى قاضي قضاة دمشق زكي الدين الطاهر بن محمد، بأن يلبس قباء أحمر وكلوته صفراء من ملابسه ليحكم بين الناس، مما أغاظه وأدّى إلى موته سنة [[617هـ]] الموافقة لسنة [[1220]]م.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=الصفدي |الأول=صلاح الدين خليل بن أيبك |وصلة المؤلف=الصفدي |العنوان=الوافي بالوفيَّات، الجزء الثالث عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=1382-1404هـ/1962-1984م |الناشر= |مكانالمكان=[[فيسبادن|ڤيسبادن]]-[[ألمانيا]] |الرقم المعياري= |الصفحة=322 |الصفحات=}}</ref> ويصل الأمر أحيانًا، إلى محاكمة قاضي القضاة نفسه إذا ما وقف نائب السلطنة ضدّه. وكانت المحاكمة تدور بدار السعادة في دمشق، حيث يعقد نائب السلطنة مجلسًا حافلًا بالقضاة وأعيان المفتيين من سائر المذاهب. وكذلك كان قاضي القضاة يدفع ثمن الصراع بين السلطان والأمراء، ففي سنة [[759هـ]] الموافقة لسنة [[1358]]م، عزل صرغمتش، [[أتابك]] أمراء مصر، قضاة القضاة الثلاثة بدمشق وهم الشافعي والحنفي والمالكي وولّى قضاة جدد مكان السابقين.<ref name="عزل قاضي القضاة">{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الرابع عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=261-263}}</ref> ولكن سرعان ما اعتُقل صرغمتش فرَسم السلطان بإعادة الذين عزلوا إلى مناصبهم.<ref name="عزل قاضي القضاة" /> وأحيانًا، لا ينتظر قاضي القضاة أن يعزله أحد عن القضاء، فيُبادر هو لعزل نفسه عندما يشعر بالتعب من هذا المنصب. وبالإضافة إلى المحاكمة والسجن والعزل، يتعرَّض قاضي القضاة أحيانًا للنفي. ففي يوم الثلاثاء [[12 شعبان]] سنة [[760هـ]]، حمل البريد المرسوم الشريف بنفي قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء الشافعي من دمشق إلى [[طرابلس (لبنان)|طرابلس]] بلا وظيفة، فشق عليه وعلى أهله، وتغمم له كثيرٌ من الناس.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=ابن كثير |الأول=عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي |وصلة المؤلف=ابن كثير |العنوان=[[البداية والنهاية]]، الجزء الرابع عشر |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1401هـ]]-[[1981]]م |الناشر=مكتبة المعارف |مكانالمكان=[[بيروت]]-[[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة= |الصفحات=268-269}}</ref> حتّى أنَّ بعض قضاة القضاة لم ينجُ من تسلّط النساء على الحكم ومن ثمَّ تدخلهنَّ في أمور القضاء.<ref>{{مرجع كتاب |الأخير=شبارو |الأول=عصام محمد |وصلة المؤلف= |العنوان=قاضي القضاة في الإسلام |مسارالمسار= |تاريخ الوصول= |سنةالسنة=[[1992]] |الناشر=[[دار النهضة العربية (بيروت)|دار النهضة العربيَّة]] |مكانالمكان=[[بيروت]] - [[لبنان]] |الرقم المعياري= |الصفحة=145 |الصفحات=}}</ref>
 
== زوال منصب قاضي القضاة ==
 
===حواشٍ===
* {{هامش|1}}: أدَّت الظروف الاجتماعيَّة إلى زيادة أعباء القاضي، فاضطرَّ إلى التنازل عن بعض مسؤوليَّاته إلى مساعدين تحت سلطته يُعينهم لإنجاز الواجبات التي كانت منوطة به، فكانت وظيفة خليفة القاضي، ومعظم القضاة كانوا خلفاء قضاة. ونتيجة تزايد الأعباء الملقاة على عاتق القاضي، أخذ يُعيّن نوَّابًا عنه لإنجاز جميع الواجبات التي كانت منوطة به؛ وهي: أمين بيت المال، والمُشرف على إدارة أملاك اليتامى والأوقاف، والوصي على أولئك فاقدين الأهليَّة، وإمام [[خطبة الجمعة]]... وكان يُساعد القاضي أيضًا الكاتب لتدوين قرارات الحكم وتسجيل أقوال الشهود، ويُسمَّى كاتب القاضي "كاتب أحكام" ويُشترط أن يكون عالمًا بالحلال والحرام والإختلافوالاختلاف والإحتجاج والإجماع والأصول والفروع. وكان للقاضي أيضًا خدم يُساعدونه. وكان القاضي يمنح ثقة تامَّة وافية للشهادة، لذلك يُصدر قائمة بأشخاص تكون أمانتهم مشهودًا بها في مفهوم العدالة، فيُسمى الواحد منهم الشاهد العدل. أمَّا وكيل الدعاوي أو وكيل الحكم فهو موظف مهمته الحضور أمام القضاة وكالةً من أحد المتخاصمين الذين لم تتيسر لهم معرفة أحكام الشريعة أو لم تكن أعمالهم تسمح لهم بذلك.
* {{هامش|2}}: [[الأفشين حيدر بن كاوس|أبو الحسن حيدر بن كاوس]] المُلقَّب [[أفشين|بالأفشين]]، أصله من [[أشروسنة]]، وهو من أعاظم القادة العسكريين في الدولة العبَّاسيَّة، وهو الذي أخمد ثورة [[بابك الخرمي]]. اعتقله الخليفة [[المعتصم بالله]] في سنة [[225هـ]] واتُهم بالخيانة وحوكم، ثمَّ أُخرِجَ ميتًا، فصُلِب بباب العامَّة في سنة [[226هـ]]. وكان طاغية، لجوجًا، شديد الغربة.
* {{هامش|3}}: كانت [[قلنسوة|القلنسوة]] تعتبر مظهرًا من مظاهر الرجولة عند [[عرب|العرب]]. وتفنن الناس في شكل القلنسوة ومادتها، فسُميت أحيانًا بالدنيَّة لأنها مستديرة تشبه الدن في شكلها، وسُميت بالطويلة عندما تكون القلنسوة طويلة وعالية، كما سُميت بالطاقيَّة لأنها تطوّق الرأس وتُمسك به. واستُخدم في صناعة القلنسوة الكاغد و[[قصب|القصب]] أو السمَّور. وأشهرها القلانس الرصافيَّة والقلانس السود الشاشيَّة والقلانس المكيَّة. أمَّا الطيلسان فهو قطعة من القماش بشكل نصف دائرة أو مربَّع يُجعل على الرأس فوق القلنسوة ويُغطى به أكثر الوجه ثمَّ يُدار طرفان منه تحت الفم إلى أن يُحيط بالرقبة وطرفاه الآخران يسبلان على الظهر. والطرحة عِبارة عن قطعة من الشاش الموصلّي، أو جزء من الشال، الذي ينساب إلى خلف الرأس بعد أن يكون قد التف عدَّة مرَّات حول القلنسوة أو العمامة، وهذا النوع من الخِمار يقف بارتفاع الكتفين ويُحدث تأثيرًا جميلًا في هيئة من يرتديه، ويكون أحيانًا مطرَّزًا أو مُرصَّعًا بالذهب في حواشيه. والبركان هو نوعٌ غليظ من القماش أو رداء مصنوع من هذا القماش، أمَّا الفوقانيَّة فهي الجبَّة ولم يكن يلبسها إلّا القضاة.