افتح القائمة الرئيسية

تغييرات

تم إضافة 1٬126 بايت، ‏ قبل سنتين
ط
clean up باستخدام أوب
{{الفتح الإسلامي لفارس}}{{صندوق حملة الفتوحات الإسلامية}}'''الفَتْحُ الإسْلَامِيُّ لِفَارِسَ''' أو '''الغَزْوُ الإسْلَامِيُّ لِفَارِسَ''' ([[لغة فارسية|بالفارسيَّة]]: {{خط عربي دولي|fa|فُتُوحَاتْ مُسَلْمَانَانْ دَرْ اِیرَانْ}})، وفي بعض المصادر ذات الصبغة القوميَّة خُصُوصًا يُعرفُ هذا الحدث باسم '''الفَتْحُ العَرَبِيُّ لِفَارِسْ''' ([[لغة فارسية|بالفارسيَّة]]: {{خط عربي دولي|fa|حَمْلِه اَعْرَابْ بِه ایرَان}})،<ref group="ْ">[http://www.iranicaonline.org/articles/arab-ii Encyclopædia Iranica: ʿARAB ii. Arab conquest of Iran]</ref> هي سلسلةٌ من الحملات العسكريَّة شنَّها المُسلمون على [[ساسانيون|الإمبراطوريَّة الفارسيَّة الساسانيَّة]] المُتاخمة لِحُدود [[الخلافة الراشدة|دولة الخِلافة الرَّاشدة]]، وقد أفضت هذه الفُتوح إلى انهيار الإمبراطوريَّة سالِفة الذِكر وانحسار الديانة [[مجوسية|المجوسيَّة]] في بِلاد إيران وإقبال [[فرس (قومية)|الفُرس]] على اعتناق [[إسلام|الإسلام]]. بدأت تلك الفُتوحات زمن [[أبو بكر الصديق|أبي بكرٍ الصدّيق]] بِغزو المُسلمين [[بلاد الرافدين|للعِراق]]، المركز السياسي والاقتصادي للإمبراطوريَّة،<ref group="ْ">[http://books.google.nl/books?id=WLY4GML3GBoC&pg=PA180&dq=iraq+political+economic+centre+sassanid&hl=en&sa=X&ei=f1InUfafIYuR0QW7wIGYBQ&ved=0CDAQ6AEwAA#v=onepage&q=iraq%20political%20economic%20centre%20sassanid&f=false Between Memory and Desire: The Middle East in a Troubled Age (p. 180)]</ref> سنة [[11هـ]] المُوافقة لِسنة [[633]]م بِقيادة [[خالد بن الوليد]]، فبقي حتى استكمل فتح العراق بالكامل، ثُمَّ نُقل خالد بعد ذلك إلى الجبهة الروميَّة بالشَّام لاستكمال [[الفتح الإسلامي لبلاد الشام|الفُتوحات]]، فتعرَّض المُسلمون في العراق لِهُجومٍ مُضادٍ من قِبل الفُرس مما أفقدهم ما فتحوه مع خالد بن الوليد. فبدأت الموجة الثانية من الفُتوحات تحت قيادة [[سعد بن أبي وقاص|سعد بن أبي وقَّاص]] سنة [[14هـ]] المُوافقة لِسنة [[636]]م، فكان النصر الحاسم في [[معركة القادسية|معركة القادسيَّة]] التي أنهت سيطرة الساسانيين على الجبهة الغربيَّة لِفارس. فانتقلت الحُدود الطبيعيَّة ما بين الدولة الإسلاميَّة الفتية والفُرس من العراق إلى [[جبال زاغروس|جِبال زاگرُس]]. ولكن وبسبب الغارات المُستمرَّة للفُرس على العِراق، فقد أمر الخليفة [[عمر بن الخطاب|عُمر بن الخطَّاب]] بتجريد الجُيوش لِفتح سائر بِلاد فارس سنة [[21هـ]] المُوافقة لِسنة [[642]]م، ولم تمضي سنة [[23هـ]] المُوافقة لِسنة [[644]]م حتى استُكمل القضاء على تلك الإمبراطوريَّة وفتح فارس برُمَّتها.
 
هذا الفتح السريع لِبلاد فارس من خلال سلسلةٍ من الهجمات المُنسقة تنسيقًا جيدًا، والتي أدارها عُمر بن الخطَّاب من [[المدينة المنورة|المدينة المُنوَّرة]] على بُعد آلاف الأميال من ميادين المعارك في فارس، كانت له أعظم انتصار، وأكسبته سمعة كأحد أعظم العباقرة الإستراتيجيين والسياسيين في التاريخ.<ref group="ْ">The Muslim Conquest of Persia By A.I. Akram. Ch: 1 ISBN 978-0-19-597713-4, 9780195977134</ref> مُعظم المُؤرخين المُسلمين قد قالوا بأنَّ المُجتمع المدني في بلاد فارس عند بداية الفُتوحات الإسلاميَّة كان في حالة تدهورٍ وانحطاط، وبالتالي فإنهم احتضنوا تلك الجُيوش العربيَّة الغازية بأذرعٍ مفتوحة. كما أن مُنجزات الحضارة الفارسيَّة لم تُهمل، فقد تم استيعابها في النظام الإسلامي الجديد. بالمُقابل، يسعى عددٌ من المؤرخين الإيرانيين القوميين إلى إبراز وإظهار جانب المُقاومة القوميَّة للفُرس ضدَّ الفاتحين الجُدد، والتي استمرَّت سنواتٍ طويلة قبل أن يخضع الفُرس للمُسلمين.<ref group="ْ">Milani A. ''Lost Wisdom''. 2004 ISBN 978-0-934211-90-1 p.15</ref> استبدل الفُرس أبجديَّتهم [[أبجدية عربية|بالأبجديَّة العربيَّة]] بعد أن استقرَّ الحُكم الإسلامي في بِلادهم، وأقدموا على اعتناق الإسلام تدريجيًا، لكنَّهم لم يتعرَّبوا عكس أهل [[بلاد الرافدين|العراق]] و[[بلاد الشام|الشَّام]] و[[مصر]]، وفضَّلوا الاحتفاظ بهويَّتهم القوميَّة الخاصَّة، وفي وقتٍ لاحق، امتزجت الثقافة الفارسيَّة بالثقافة الإسلاميَّة ونتج عنها ثقافةً جديدة مُميَّزة انعكست بشكلٍ واضح على أغلب أنحاء [[المشرق]].<ref group="ْ">Mohammad Mohammadi Malayeri, ''Tarikh-i Farhang-i Iran'' (Iran's Cultural History). 4 volumes. Tehran. 1982.</ref><ref group="ْ">{{مرجع كتاب|المؤلف=ʻAbd al-Ḥusayn Zarrīnʹkūb|وصلة المؤلف=عبد الحسين زرين كوب|العنوان=Dū qarn-i sukūt : sarguz̲asht-i ḥavādis̲ va awz̤āʻ-i tārīkhī dar dū qarn-i avval-i Islām (Two Centuries of Silence)|مكانالمكان=Tihrān|الناشر=Sukhan|سنةالسنة=1379 (2000)|id={{OCLC|46632917}}, {{رقم ISBN غير صالح|964-5983-33-6}}}}</ref>
 
== نُبوءة فتح فارس في المُعتقد الإسلامي ==
| تعليق2 = الإمبراطوريَّة الساسانيَّة في أقصى اتساعها وتظهرُ حدودها شاملةً [[عراق العرب]] و[[بلاد الشام|الشَّام]] و[[البحرين الكبرى|البحرين]] وعُمان واليمن، وجميعُها من بلاد العرب أو من البلاد ذات الوُجود العربي الملحوظ
}}
تجاور الفُرسُ والعربُ في شمال شبه الجزيرة العربيَّة طيلة مئات السنين، كما سيطر الفُرس على شرق شبه الجزيرة وكان لهم نُفوذٌ ب[[اليمن]]، فكانت العلاقة بين الطرفين تتخذُ شكل التبعيَّة السياسيَّة غالبًا. أضحت المنطقة المُجاورة [[نهر الفرات|للفُرات]] الجنوبي هدفًا لِهجرة [[قبيلة|قبائل]] عربيَّة في عصر [[ملوك طوائف الإسكندر|مُلوك طوائف الإسكندر]]{{للهامش|1}}، وينسب الإخباريّون هذه الهجرة إلى [[تنوخ|قبائل تنّوخ]]. والتنّوخيّون هم بحسب [[الطبري]] تكتّلٌ قديمٌ بين جماعة عربيَّة يمنيَّة قديمة، وبعض القبائل الشماليَّة، من بني [[معد بن عدنان]]، [[قيس عيلان|كقيس عيلان]] و[[أزد|الأزد]] و[[قضاعة (قبيلة)|قضاعة]]، و[[كهلان]]، و[[بنو لخم|لخم]]، مُتآزرة مُتناصرة مُجتمعة في [[البحرين الكبرى|البحرين]]، مُتوسِّعة بانضمام قبيلة نمارة إليها.<ref name="المناذرة">{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الأوَّل|الإصدار= الثانية|الصفحة= 609 - 612|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> وعند العلَّامة الأب [[لويس شيخو|لويس شيخو اليسوعي]] هم تكتلٌ من ثلاث قبائل من [[مسيحيون عرب|نصارى العرب]] هي: بهراء وتنّوخ و[[تغلب]]، اجتمعوا في البحرين.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[لويس شيخو|شيخو اليسوعي، العلَّامة الأب لويس]]|العنوان= بيروت تاريخها وآثارها|الإصدار= الثالثة|الصفحة= 67|سنةالسنة= [[1994]]م|الناشر= [[دار المشرق]]. ISBN 272141031|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> وأخذت هذه القبائل تتطلَّع إلى النُزوح إلى مشارف العراق بهدف الاستقرار، وسنحت لها الفُرصة عندما نشب في بلاد فارس الصِّراع على السُلطة في أواخر عهد الدولة الأشكانيَّة، فهاجرت إلى الحيرة والأنبار. أقام التنّوخيّون في الحيرة في ظل النُفوذ الفارسيّ، يُدينون بالولاء للفُرس إلى أن قدم إليها تبَّع [[أسعد أبو كرب بن ملكيكرب الحميري|أسعد أبو كرب بن مليكيكرب الحِميري]]، فخلَّف فيها جماعةً من جُنده ممن لم يقووا على المضيِّ معه، وأمَّ [[بدو|البدو]] المدينة لابتياع حاجاتهم، ولم يلبثوا أن أقاموا فيها، فأضحى سُكَّان المدينة أخلاطًا من قبائل العرب.<ref name="المناذرة"/> وفي عهد الملك [[جذيمة الأبرش|جُذيمة الوضَّاح بن مالك بن فهم الأبرش]]، توسَّع عرب الحيرة على حساب الفُرس الإشكانيين الذين كانت دولتهم قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، فشنّوا الغارات على قبائل الأعراب، وسيطر جُذيمة الأبرش على الأنبار وبقّة وهيت وعين التمر وأطراف البر إلى الغمير والقطقطانة وما وراء ذلك، وامتدَّت سيطرته إلى الضفَّة الشرقيَّة لِنهر الفُرات، وغزا [[طسم وجديس|طسمًا وجُديسًا]] بعد سُقوط الدولة الأشكانيَّة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[اليعقوبي|اليعقوبي، أبو العبَّاس أحمد بن إسحٰق بن جعفر بن وهب بن واضح]]|المؤلف2= تحقيق: عبدُ الأمير مُهنَّا|العنوان= [[تاريخ اليعقوبي]]، الجزء الأوَّل|الإصدار= الأولى|الصفحة= 254|سنةالسنة= [[1993]]م |الناشر= مؤسسة الأعلمي للمطبوعات|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> حالف جُذيمة الأبرش الإمبراطوريَّة الساسانيَّة بعد قيامها، فأمَّن لِنفسه صداقتها، وتجنَّب مصير الممالك العربيَّة التي آلت إليه، كالحضر. خلف اللخميّون التنوخيّون في مملكة الحيرة، وعمد أوَّل ملوكهم، وهو [[عمرو بن عدي|عمرو بن عُدي بن نصر اللخميّ]] إلى التحالف مع الفُرس الساسانيين مُتبعًا خُطى سلفه، وقد استغلَّ الفُرس هذا الحلف لِتحقيق أطماعهم في السيطرة على شمالي [[بلاد الرافدين]]، التي فتحها عمرو بن عُدي بعد سُقوط مملكة الحضر.<ref name="المناذرة2">{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الأوَّل|الإصدار= الثانية|الصفحة= 627|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> ولمَّا تولّى [[امرؤ القيس بن عمرو (الأول)|امرؤ القيس بن عمرو]] العرش، عيَّنه الشاه [[شابور بن أردشير|شاپور الأوَّل بن أردشير]] على فرج العرب من [[ربيعة]] و[[مضر]] وسائر من ببادية العراق والحجاز والجزيرة الفُراتيَّة<ref name="المناذرة2"/> تقديرًا لِفُتوحاته العظيمة باسم الإمبراطوريَّة الساسانيَّة والتي بلغت أسوار [[نجران]]، كما يُستدلُّ من الكتابة المنقوشة على [[نقش النمارة|قبره]] بالخط النبطيّ واللسان العربي الشماليّ، في خرائب النمارة [[حوران|بحوران الشَّام]].<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[رينيه ديسو|ديسو، رينيه]]|المؤلف2= ترجمة وتحقيق عبدُ الحميد الدواخلي|العنوان=تاريخ العرب في سوريا قبل الإسلام|الإصدار= الأولى|الصفحة= 36|سنةالسنة= [[1959]]م|الناشر= لجنة التأليف والترجمة|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[الجمهورية العربية المتحدة|الجُمهوريَّة العربيَّة المُتحدة]]}}</ref> وفي زمن [[النعمان بن امرؤ القيس|النُعمان السائح بن امرؤ القيس]]، عهد الشاهنشاه [[يزدجرد بن سابور|يزدجرد الأثيم]] بابنه الوليد [[بهرام جور|بهرام گور]] إلى الملك سالِف الذِكر وأمره ببناء منزلٌ على ظهر الحيرة بريءٌ من الأدواء والأسقام كي يشبَّ ابنه صحيحًا فصيحًا، بعد أن ابتُلي بوفاة جميع أبناءه الرُضَّع، فابتنى له النُعمان [[قصر الخورنق]]، فكافأه الشاهنشاه بأن ملَّكهُ على العرب، ومنحهُ مرتبتين سُنيتين وكِسوة على قدر منزلته، واعتنى النُعمان بتربية الأمير حتّى شبَّ ومات والده.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثاني|الإصدار= الثانية|الصفحة= 67|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> وعمل المُنذر بن النُعمان على دعم ومُساعدة بهرام گور حتَّى يصل إلى عرش فارس، بعد أن حاول بعض أهل مملكته إقصاءه عن سُدَّة الحُكم لِنُشوئه في بلاد العرب وتخلُّقه بأخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم، بما في ذلك التقاليد المسيحيَّة التوحيديَّة التي دخلت واستقرَّت في نُفوس عرب الحيرة، ولأنَّهُ من وِلد يزدجرد الأثيم الذي اشتهر بِسوء السيرة، فقدَّم المُنذر قوَّةً عسكريَّةً إلى بهرام گور مكَّنتهُ من استرجاع عرشه، وبذلك زادت مكانته في البلاط السَّاسانيّ..<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[اليعقوبي|اليعقوبي، أبو العبَّاس أحمد بن إسحٰق بن جعفر بن وهب بن واضح]]|المؤلف2= تحقيق: عبدُ الأمير مُهنَّا|العنوان= [[تاريخ اليعقوبي]]، الجزء الأوَّل|الإصدار= الأولى|الصفحة= 205|سنةالسنة= [[1993]]م |الناشر= مؤسسة الأعلمي للمطبوعات|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref>
[[ملف:Joseph Dhu Nuwas Portrait.jpg|تصغير|[[ذو نواس|ذو نوَّاس يُوسُف أسأر الحِميري]]،<ref group="ْ">[http://www.eretzyisroel.org/~jkatz/Yosef%20Dhu%20Nuwas,%20a%20Sadducean%20King%20with%20Sidelocks.pdf Yosef Dhu Nuwas, a Sadducean King with Sidelocks]</ref> حليف الفُرس وصاحب المحرقة المسيحيَّة في نجران.]]
[[ملف:Khosrau I Textile.jpg|تصغير|يمين|مُنمنمة على منسوجة صوفيَّة مصريَّة، منسوخة عن مُنمنة فارسيَّة ساسانيَّة، منسوخة بدورها عن لوحةٍ جصيَّة تُظهرُ الشاه [[كسرى الثاني]] يُقاتلُ الجيش [[مملكة أكسوم|الأكسومي]] [[الحبشة|الحبشيّ]] في [[اليمن]].]]
عمل الفُرس أيضًا على التحالف مع عرب الجنوب، كما عرب الشمال، وذلك بهدف مُقاومة النُفوذ الرومي في جنوب شبه الجزيرة العربيَّة، الذي انتشر عبر حليفة الروم، أي [[مملكة أكسوم|مملكة أكسوم الحبشيَّة]]، بواسطة التجارة و[[تبشير|التبشير]] [[مسيحية|بالمسيحيَّة]] بين اليمنيين. ففي الوقت الذي كانت فيه الحبشة تتلقى تشجيعًا من الإمبراطور البيزنطي [[قسطنس|فلاڤيوس يوليوس قسطنس]] الذي كان يهدف إلى نشر الدين المسيحيّ في بلاد العرب، كان بعضُ النُبلاء ومُلوك اليمين يتذمرون من تنامي النُفوذ الحبشي والرومي، فقاموا بُمحاربة المسيحيَّة السياسيَّة عبر فكرٍ دينيٍّ سياسيٍّ آخر، فجلب الملك أبو كرب أسعد الديانة اليهوديَّة من [[يثرب]] ودعا اليمنيين إلى اعتناقها ففعلوا، وهدموا العديد من الهياكل والمعابد المُكرَّسة للآلهة الوثنيَّة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[ابن سعيد الأندلسي|ابنُ سعيدٍ الأندلُسيّ، نورُ الدين أبو الحسن عليّ بن موسى العنسيّ]]|المؤلف2= تحقيق الدكتور نصرت عبد الرحمٰن|العنوان= نشوة الطرب في تاريخ جاهليَّة العرب|الإصدار= الأولى|الصفحة= 149|سنةالسنة= [[1982]]م|الناشر= مكتبة الأقصى|مكانالمكان= [[عمان (مدينة)|عمَّان]] - [[الأردن]]}}</ref> بناءً على هذا، وجد الفُرس أنَّ اليمن قد أصبحت أرضًا خصبةً لامتداد نُفوذهم إليها، فتطلَّعوا إلى التحالف مع اليهود والمذاهب النصرانيَّة المُناهضة للبيزنطيين مثل [[نسطورية|النُسطوريَّة]]، فدعموا اليهود حتَّى تحكّموا باليمن طيلة [[القرن الخامس|القرن الخامس الميلاديّ]]، فقبضوا على أجهزة [[الدولة الحميرية|المملكة الحِميريَّة]] وبخاصَّةً الماليَّة، وسيطروا على المراكز المُهمَّة حتَّى الملكيَّة نفسها، فكان جميع مُلوك حِمير مُنذُ عهد أبو كرب أسعد (400م) حتَّى عهد مرثد إلن (495م) مُتهودين باستثناء عبد كلال بن مُثوّب، لكنَّ الحال لم يستمر هكذا، فتراجع النُفوذ الفارسيّ أمام الروميّ، وانتشرت المسيحيَّة في طول البلاد وعرضها، واستحال النصارى هم سادة [[اليمن]] الحقيقيين.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= طقّوش، مُحمَّد سُهيل|العنوان= تاريخ العرب قبل الإسلام|الإصدار= الأولى|الصفحة= 314|سنةالسنة= [[1430هـ]] - [[2009]]م|الناشر= دار النفائس|الرقم المعياري= 9789953184654|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> ولم يرضى بعضُ المُلوك برؤية تنامي النُفوذ البيزنطي مُجددًا في بلادهم، ومن هؤلاء [[ذو نواس|ذو نوَّاس يُوسُف أسأر الحِميري]]، الذي اعتنق اليهوديَّة كي يُحارب بها المسيحيَّة السياسيَّة، ويبدو أنَّهُ رأى أنَّ استقرار حُكمه يتوقَّف على القضاء على الذين يُصدّرون المسيحيَّة إلى اليمن وبقاء اليمن مُوالية لِفارس، فاضطهد النصارى اضطهادًا شديدًا، حيثُ جمع [[مسيحيو نجران|أهل نجران]] وخيَّرهم بين العودة إلى الوثنيَّة أو الموت حرقًا، ففضَّل مُعظهم الموت في سبيل الإيمان، فحفر ذو نوَّاس أخاديد في الأرض وألقى المسيحيين فيها مع [[الإنجيل|أناجيلهم]] وأضرم فيهم النار أحياء،<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[اليعقوبي|اليعقوبي، أبو العبَّاس أحمد بن إسحٰق بن جعفر بن وهب بن واضح]]|المؤلف2= تحقيق: عبدُ الأمير مُهنَّا|العنوان= [[تاريخ اليعقوبي]]، الجزء الأوَّل|الإصدار= الأولى|الصفحة= 51|سنةالسنة= [[1993]]م |الناشر= مؤسسة الأعلمي للمطبوعات|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref><ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[ابن هشام|ابن هشام، أبو مُحمَّد عبدُ الملك الحِميري المعافري]]|المؤلف2= تحقيق مُصطفى السقَّا و[[إبراهيم الأبياري]] وعبد الحفيظ الشلبي|العنوان= [[سيرة ابن هشام|السيرة النبويَّة لابن هشام]]، الجزء الأوَّل|الإصدار= الثانية|الصفحة= 51|سنةالسنة= [[1375هـ]] - [[1955]]م|الناشر= شركة مكتبة ومطبعة مُصطفى البابي الحلبي وأولاده |مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> ووردت تلك القصَّة في [[القرآن|القُرآن]] [[سورة البروج|بِسورة البُروج]]: {{قرآن مصور|البروج|4|5|6|7|8|9}}. عند ذلك ثارت حفيظة بيزنطية وعقدت العزم على عزل ذي نوَّاس عن حُلفائه الفُرس، فتمَّ إبرام صُلح بين الروم والفُرس تخلَّت فارس بموجبه عن مصالحها في اليمن.
 
استمرَّ عربُ الشمال في [[العراق]] مُوالين للفُرس طيلة السنوات اللاحقة على تراجع نُفوذ فارس في [[اليمن]]، فعاونوهم في مُواجهة البيزنطيين وحُلفائهم الغساسنة، فقدَّم ملك الحيرة المُنذر بن امرئ القيس بن ماء السماء عونًا كبيرًا للفُرس في حربهم مع [[الروم]]، وكان رأس الحربة التي شغلت بيزنطية وجُيوشها عُقودًا طويلة، وأكمل ابنه عمرو بن المُنذر هذا النهج فأغار على الغساسنة وأجبرهم على دفع الأتاوة، ووسَّع نُفوذه حتَّى شمل العراق كُلَّه و[[الأردن]] حتَّى اليمامة، وغزا بني تغلب وطيء وتميم.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[أبو الفرج الأصفهاني|الأصفهاني، أبو الفرج عليّ بن الحُسين]]|المؤلف2= تحقيق الدكتور [[إحسان عباس|إحسان عبَّاس]] والدكتور إبراهيم السعافين والأستاذ بكر عبَّاس|العنوان= [[كتاب الأغاني]]، الجزء الحادي عشر|الإصدار= الثالثة|الصفحة= 55 - 56|سنةالسنة= [[1429هـ]] - [[2008]]م|الناشر= دار صادر|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> وفي عهد أبو قابوس النُعمان بن المُنذر، تدهورت علاقات [[عرب]] الحيرة مع الفُرس، فألقى كسرى القبض على النُعمان وحبسه حتَّى مات.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[ابن الأثير|ابن الأثير الجزري، عزُّ الدين أبي الحسن عليّ بن أبي الكرم مُحمَّد بن مُحمَّد بن عبدُ الكريم بن عبد الواحد الشيباني]]|المؤلف2= تحقيق أبو الفداء عبدُ الله القاضي|العنوان= [[الكامل في التاريخ]]، الجزء الأوَّل|الإصدار= الأولى|الصفحة= 440 - 441|سنةالسنة= [[1407هـ]] - [[1987]]م|الناشر= دار الكُتب العلميَّة|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> وانتهى بوفاة النُعمان حُكم اللخميين أو المناذرة في الحيرة، لأنَّ كسرى عيَّن مكانه رجلًا من طيء اسمه [[إياس بن قبيصة الطائي|إياس بن قُبيصة]]،<ref name="ذي قار">{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثاني|الإصدار= الثانية|الصفحة= 193 - 195|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> وقد أدّى زوال أُسرة المناذرة إلى تحطيم الحاجز الذي أقامه الفُرس أمام [[العرب]]، فانكشفت الإمبراطوريَّة الساسانيَّة، ووقفت القبائل العربيَّة وجهًا لوجه أمامها، إذ لم تصُدُّهم قُوَّة، فأخذوا يشُنون الغارات على أطراف الإمبراطوريَّة في [[العراق]] وساعدهم على ذلك الاضطراب الداخليّ بفعل الصِراع على السُلطة وانهماك [[كسرى]] بالحرب مع البيزنطيين، وتوغَّل بعضهم داخل العراق، وما لبث أن اشتبك [[العرب]] والفُرس في مُواجهةٍ كبيرة عُرفت باسم «[[يوم ذي قار|معركة ذي قار]]» أو «[[يوم ذي قار]]» عندما أراد [[كسرى]] استرجاع مال وسلاح النُعمان بن المُنذر وكان الأخير قد أودعه لدى [[هانئ بن مسعود الشيباني]]، ورفض هذا تسليمه، فأراد [[كسرى]] استرجاعه بالقوَّة، لكنَّ جيشه انهزم أمام العرب وولّى الأدبار.<ref name="ذي قار"/> عزل الفُرس على أثر خسارتهم في [[ذي قار]]، إياس بن قُبيصة الطائيّ عن حُكم الحيرة، وعيَّنوا عليها حاكمًا فارسيًا هو آزاذبه بن ماهان الهمذاني، إلَّا أنَّ هذا لم يتمكّن من إن يُعيد الثقة التي كانت بين المناذرة والأكاسرة وأن يُحسِّن العلاقة التي ساءت بين [[العرب]] والفُرس، فاستقلَّت القبائل العربيَّة التي ارتبطت بالإمبراطوريَّة الساسانيَّة في [[البحرين]] وأواسط شبه الجزيرة العربيَّة، ما اضطرَّ الفُرس إلى أعادة أحد أبناء النُعمان، وهو المُنذر المغرور، إلى حُكم الحيرة، وفي روايةٍ أُخرى أنَّ [[عرب]] الحيرة استغلّوا الاضطراب الدَّاخليّ في فارس بفعل الصراع على السُلطة، فعزلوا آزاذبه وأقاموا المُنذر مكانه، ولم يكن أمام الأكاسرة سوى الاعتراف بالأمر الواقع.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[ابن خلدون|ابن خلدون، أبو زيد عبدُ الرحمٰن مُحمَّد بن مُحمَّد وليُّ الدين الحضرميّ الإشبيليّ]]|المؤلف2= تحقيق خليل شحادة|العنوان= [[كتاب العبر|تاريخ ابن خلدون المُسمّى كتاب العِبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر]]، الجزء الثاني|الإصدار= الثانية|الصفحة= 268|سنةالسنة= [[1408هـ]] - [[1988]]م|الناشر= دار الفكر|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> وفي تلك الفترة، كان الرسول مُحمَّد قد وطَّد دعائم الدولة الإسلاميَّة في [[المدينة المنورة|المدينة المُنوَّرة]]، وأرسل [[رسائل محمد|العديد من الرسائل]] إلى الحُكَّام المُجاورين، ومنهم نجاشي الحبشة [[أصحمة النجاشي|أصحمة بن أبجر]]، و[[هرقل]] قيصر الروم، و[[المقوقس|المُقوقس قيرس السَّكندري]] عامل الروم على مصر، و[[كسرى الثاني]] شاه فارس،<ref group="ْ">{{مرجع ويب | المسار=http://www.al-islam.org/message/43.htm | العنوان=The Events of the Seventh Year of Migration | الناشر=[[Ahlul Bayt Digital Islamic Library Project]] | تاريخ الوصول=2007-04-03}}</ref> يدعوهم فيها إلى [[الإسلام]]، وقد قام [[عبد الله بن حذافة السهمي|عبدُ الله بن حُذافة السهميّ]] بنقل رسالة الرسول إلى [[كسرى]]، وكان نص الرسالة كالتالي: {{اقتباس مضمن|{{بسملة 3}}، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ، سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَشَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ وَأَدْعُوكَ بِدُعَاءِ اللَّهِ، فَإِنِّي أَنَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً؛ لأُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ. فَإِنْ تُسْلِمْ تَسْلَمْ، وَإِنْ أَبَيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ الْمَجُوسِ عَلَيْكَ}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[محمد بن سعد البغدادي|ابن سعد البغدادي، أبو عبدُ الله مُحمَّد]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد عبدُ القادر عطا|العنوان= [[كتاب الطبقات الكبير]]، الجزء الأوَّل|الإصدار= الأولى|الصفحة= 360|سنةالسنة= [[1410هـ]] - [[1990]]م|الناشر= دار الكُتب العلميَّة|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref><ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[ابن الأثير|ابن الأثير الجزري، عزُّ الدين أبي الحسن عليّ بن أبي الكرم مُحمَّد بن مُحمَّد بن عبدُ الكريم بن عبد الواحد الشيباني]]|المؤلف2= تحقيق أبو الفداء عبدُ الله القاضي|العنوان= [[الكامل في التاريخ]]، الجزء الثاني|الإصدار= الأولى|الصفحة= 389|سنةالسنة= [[1407هـ]] - [[1987]]م|الناشر= دار الكُتب العلميَّة|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref><ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثاني|الإصدار= الثانية|الصفحة= 295 - 296|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> وقد أثارت تلك الرسالة غضب [[كسرى]]، فأمسكها ومزَّقها وقال: {{اقتباس مضمن|عَبْدٌ مِنْ رَعِيَّتِي يَكْتُبُ اسْمُهُ قَبْلِي}}، وسبَّ النبيّ، فلمَّا بلغته هذه الكلمات دعا على شاه فارس وقال: {{اقتباس مضمن|مَزَّقَ اللَّهُ مُلْكَهُ}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[ابن قيم الجوزية|ابن قيم الجوزيَّة، مُحمَّد بن أبي بكر بن أيّوب بن سعد شمسُ الدين]]|العنوان= [[زاد المعاد في هدي خير العباد]]، الجزء الثالث|الإصدار= السابعة والعشرون|الصفحة= 689|سنةالسنة= [[1415هـ]] - [[1994]]م|الناشر= مؤسسة الرسالة، ومكتبة المنار الإسلاميَّة|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]؛ [[الكويت العاصمة|الكويت]] - [[الكويت|دولة الكويت]]}}</ref>
 
== أوضاع الإمبراطوريَّة الساسانيَّة عشيَّة الفُتوح الإسلاميَّة ==
=== الوضع السياسي ===
[[ملف:The assassination of Chosroës Parvez.jpg|تصغير|مُنمنمة فارسيَّة تُظهر اغتيال كسرى الثاني، وبداية دور الضعف والانحلال في الإمبراطوريَّة الساسانيَّة.]]
أخذ الضعف يدُبُّ في فارس بعد اغتيال [[كسرى الثاني]] سنة 628م عقب هزيمته على يد الروم في الشَّام ومصر، فتسلَّط على الحُكم أحد القادة ويُدعى «شهريار»، فثار عليه الأُمراء وقتلوه ونصبوا مكانه طفلًا اسمه «جوانشير»، وهو ابن كسرى الثاني من زوجه [[شيرين (ملكة فارسية)|شيرين]]، ثُمَّ قُتل فخلفته أخته «[[بوراندخت|بوران]]» (أو [[بوراندخت]]).<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الدينوري|الدينوري، أبو حنيفة أحمد بن داود]]|المؤلف2= تحقيق عبد المنعم عامر|المؤلف3= مُراجعة الدكتور [[جمال الدين الشيال|جمالُ الدين الشيَّال]]|العنوان= [[الأخبار الطوال]]|الإصدار= الأولى|الصفحة= 111|سنةالسنة= [[1960]]م|الناشر= دار إحياء الكتاب العربي |مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> دام حُكمُ بوران سنة وأربعة أشهر قبل أن تخلفها أختها «آرزميدخت». وظهر في عهدها القائد [[رستم فرخزاد|رُستم فرّخزاد]] كأحد القادة الأقوياء، ويبدو أنَّه استاء من تولّي امرأة عرش الأكاسرة الساسانيين، كما حنق عليها لِقتلها والده «فرخ‌هرمز» في مُناسبةٍ سابقة، فزحف نحو [[المدائن|العاصمة]] واستولى عليها وعزل الملكة وسمل عينيها.<ref name="طقوش1">{{مرجع كتاب|المؤلف1= طقّوش، مُحمَّد سُهيل|العنوان= تاريخ الخُلفاء الرَّاشدين: الفُتوحات والإنجازات السياسيَّة|الإصدار= الأولى|الصفحة= 94|سنةالسنة= [[1424هـ]]ـ - [[2002]]م|الناشر= دار النفائس|الرقم المعياري= 9953181012|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> وتتابع على الحُكم حُكَّامٌ ضعاف مثل هُرمز الخامس وكسرى الرَّابع، لكن لم يكن مُعترفًا بهما إلَّا في بعض أجزاء البلاد. ثُمَّ تولّى عرش الإمبراطوريَّة الساسانيَّة أحد عشر ملكًا على مدى أربع سنوات كان آخرهم [[يزدجرد الثالث]] ابن الأمير شهريار الذي استولى على الحُكم بمُساعدة القائد رُستم سالِف الذِكر.<ref name="طقوش1"/> وفي واقع الأمر لم يكن الشاه الأخير سوى دُمية صوريَّة بيد رُستم، الذي أضحى الحاكم الفعليّ للإمبراطوريَّة المُتداعية، وفق عُرفٍ كان قد شاع مُنذ السنوات التي تلت موت كسرى الثاني، إذ مال التطوّر شيئًا فشيئًا نحو التسلُّط العسكريّ، واستقلَّ كُل قائد ووالي بولايته أو إقطاعه، وكأنَّهُ وراثي، وبخاصَّةٍ عندما هوت الأُسرة المالكة إلى تدهورها النهائيّ. وقد كثُرت مُحاولات اغتصاب السُلطة من قِبل القادة. ويُعدُّ تسلُّط هؤلاء آخر مرحلة من مراحل التطوّر السياسي أيَّام الساسانيين. ولكنَّ نظام الإقطاع الذي برز في هذه المرحلة لم يكن لديه مُتسعٌ من الوقت ليتَّحد قبل الفتح الإسلامي. ومُنذُ عهد فيروز الثاني الذي تولّى الحُكم بعد آرزميدخت، كانت جميع الأقاليم الواقعة شرقيّ مدينة مرو الروذ في [[خراسان|خُراسان]] خارجة عن سُلطة الدولة، ولم تكن [[هراة]] نفسها تابعة للساسانيين. وخضعت الولايات الواقعة على شواطئ [[بحر قزوين]] للديالمة، واستقرَّت الولايات الشماليَّة والشرقيَّة في أيدي مُلوك وأُمراء مُستقلين. وقد حاول رُستم جاهدًا أن يعمل على إعادة اللُحمة والقوَّة إلى الدولة، لكنَّهُ وجد نفسهُ عاجزًا عن وقف زحف المُسلمين الجارف.<ref name="طقوش1"/> ومن الجدير بالذِكر أنَّ البعض قد اعتبر أنَّ ضم [[مملكة الحيرة]] إلى الفُرس أحد أهم عوامل سُقوط الإمبراطوريَّة الساسانيَّة أمام جحافل الجيوش الإسلاميَّة وسهَّل فتح فارس أمامهم، حيث وافق [[المناذرة]] بأن يكونوا جواسيس للمُسلمين بعد هزيمتهم في [[معركة الحيرة]] أمام [[خالد بن الوليد]].<ref group="ْ">Iraq After the Muslim Conquest By Michael G. Morony، pg. 233</ref>
 
=== الوضع الاجتماعي ===
[[ملف:Sassanid Music Plate 7thcentury.jpg|تصغير|يمين|لوحة من [[القرن السابع|القرن السَّابع الميلادي]] تُصوَّر موسيقيي العصر الساساني يعزفون أمام أحد النُبلاء.]]
كان المُجتمع الفارسي الساساني قائمٌ على نظام مُلزم للطبقات وفق هيكلٍ أنشأه مؤسس هذه السُلالة الشاه [[أردشير الأول|أردشير بن بابك]]، وقد بقي هذا الهيكل الاجتماعيّ والإداريّ من الأُمور المُقدَّسة التي لا تحتمل التغيير حتَّى أواخر عهد الإمبراطوريَّة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= كريستنسن، آرثر|المؤلف2= ترجمة وتحقيق يحيى الخشَّاب وعبد الوهَّاب عزَّام|العنوان= إيران في عهد الساسانيين|الإصدار= الأولى|الصفحة= 84 - 85|سنةالسنة= [[1998]]م|الناشر= [[الهيئة المصرية العامة للكتاب|الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> ونصَّت [[الأبستاق]]، أي الكتاب المُقدَّس [[مجوس|للمجوس]]، على ثلاث طبقات اجتماعيَّة باستثناء طبقة الحُكَّام، هي: رجالُ الدين، ورجالُ الحرب والحرَّاثين، وأصحاب المهن والحِرف. غير أنَّ تطوّر الحياة العامَّة في الإمبراطوريَّة، أفرز نظامًا سُباعيًا على أساس سبع طبقات، وقُسِّمت كُل طبقة بدورها إلى عدَّة أقسام. كانت '''الطبقة الأولى''' تتكوَّن من المُلوك والأُمراء وحُكَّام الولايات، وعلى رأسهم شاه فارس الذي يحكم وفقًا لِنظريَّة الحق الإلهي المُقدَّس للمُلوك، ويحمل لقب «شاهَنشاه» أي «ملك المُلوك»، ويُدعى حاكم الولاية «مرزبان» ويحمل لقب «شاه» أي «ملك». والإمارة وراثيَّة شرط الالتزام بما يفرضه الشاهَنشاه من تدابير يتمثَّل بعضها بالتزام الأمير المُقطع وضع قوَّاته العسكريَّة تحت تصرُّفه وتأدية جزية مُعيَّنة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= كريستنسن، آرثر|المؤلف2= ترجمة وتحقيق يحيى الخشَّاب وعبد الوهَّاب عزَّام|العنوان= إيران في عهد الساسانيين|الإصدار= الأولى|الصفحة= 89|سنةالسنة= [[1998]]م|الناشر= [[الهيئة المصرية العامة للكتاب|الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> وكانت '''الطبقة الثانية''' هي طبقة الأشراف، ويُشكِّلُ هؤلاء الطبقة القويَّة المُكوَّنة من رؤساء الأُسر السبع المُمتازة، ولِكُلِّ أسرةٍ من هذه الأُسر منطقة نُفوذ تُقيمُ فيها إلى جانب انخراط أفرادها في البلاط، ويحتكرون بعض الوظائف العامَّة مثل تتويج الملك والتعبئة العسكريَّة وإدارة شؤون الحرب وجباية الضرائب.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= كريستنسن، آرثر|المؤلف2= ترجمة وتحقيق يحيى الخشَّاب وعبد الوهَّاب عزَّام|العنوان= إيران في عهد الساسانيين|الإصدار= الأولى|الصفحة= 93 - 96|سنةالسنة= [[1998]]م|الناشر= [[الهيئة المصرية العامة للكتاب|الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> وتكوَّنت '''الطبقة الثالثة''' من رجال الدين، وهم عدَّة أقسام، يرأسهم قاضي القضاة أو «موبذان موبذ»، ثُمَّ المؤابذة والزُهَّاد والسدنة، والهرابذة خُدَّام النار المُقدَّسة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= كريستنسن، آرثر|المؤلف2= ترجمة وتحقيق يحيى الخشَّاب وعبد الوهَّاب عزَّام|العنوان= إيران في عهد الساسانيين|الإصدار= الأولى|الصفحة= 103|سنةالسنة= [[1998]]م|الناشر= [[الهيئة المصرية العامة للكتاب|الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> وتألَّفت '''الطبقة الرَّابعة''' من رجال الحرب، يترأسهم «إيران سپهبد»، وتشمل صلاحيَّاته وزارة الحرب وقيادة الجيش العُليا، يليه الضُبَّاط على اختلاف رُتبهم ويُطلق عليهم لقب «الأساورة».<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= كريستنسن، آرثر|المؤلف2= ترجمة وتحقيق يحيى الخشَّاب وعبد الوهَّاب عزَّام|العنوان= إيران في عهد الساسانيين|الإصدار= الأولى|الصفحة= 118 - 119|سنةالسنة= [[1998]]م|الناشر= [[الهيئة المصرية العامة للكتاب|الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> أمَّا '''الطبقة الخامسة''' فكانت تتألَّف من موظفي الدواوين أو الكُتَّاب، وهي تضم كُتَّاب الرسائل والحسابات والشُعراء والأطباء والمُنجمون. وكانت '''الطبقة السَّادسة''' تتكوَّن من «الدَّهاقون»، وهم رؤساء القُرى ومُلَّاك الأراضي الذين يستمدون قوَّتهم من الملكيَّة الوراثيَّة للإدارة المحليَّة، ووظيفتهم الأساسيَّة هي استلام الضرائب وتمويل الدولة. أمَّا '''الطبقة السَّابعة'''، فهي طبقة الشعب، وهم الفلَّاحون والصُنَّاع والرُعاة والتُجَّار وأهل الحِرف.<ref name="طقوش2">{{مرجع كتاب|المؤلف1= طقّوش، مُحمَّد سُهيل|العنوان= تاريخ الخُلفاء الرَّاشدين: الفُتوحات والإنجازات السياسيَّة|الإصدار= الأولى|الصفحة= 96 - 97|سنةالسنة= [[1424هـ]]ـ - [[2002]]م|الناشر= دار النفائس|الرقم المعياري= 9953181012|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref>
 
تفاوتت الطبقات الاجتماعيَّة الفارسيَّة سالِفة الذِكر في النسب والمنزلة، وظهر التمييز بينها واضحًا في المركب والملبس والمسكن وعدد الزوجات والجاريات والخدم،<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= كريستنسن، آرثر|المؤلف2= ترجمة وتحقيق يحيى الخشَّاب وعبد الوهَّاب عزَّام|العنوان= إيران في عهد الساسانيين|الإصدار= الأولى|الصفحة= 302|سنةالسنة= [[1998]]م|الناشر= [[الهيئة المصرية العامة للكتاب|الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> فلِكُلِّ فردٍ منزلته ومرتبته ومكانه المُحدد في الجماعة. وحُظر الانتقال من طبقةٍ إلى طبقة أعلى منها بوجهٍ عام إلَّا في حُدودٍ ضيِّقةٍ، على أنَّ هذا الاستثناء لا يطالُ الارتقاء إلى طبقة رجال الدين. فالموبذ يجب أن يكون ابن موبذ، لاعتقاد أفراد هذه الطبقة أنَّهم أُسرة واحدة لا يجوز لأجنبيّ أن ينتسب إليها. ضاق أبناء الشعب الفارسيّ بهذا النظام، فالفرد منهم كان يشقى ويتعب لِتربية أولاده ورعايتهم، حتَّى إذا شبُّوا وبدأوا يُساعدونه على تحمّل أعباء الحياة؛ جمعهم الأشراف ليُقدموهم إلى الشاهَنشاه الذي يقذف بهم في أُتون الحروب. ولقد استهان الشاهَنشاهات بِرؤساء الطبقات الرفيعة، فلم يُراعوا حق الدين والوطن، ورُبَّما أجلس بعضهم عدوَّ البلاد على العرش. كما أنَّ رجال الدين خلعوا لِباس التقوى، وألهاهم جمع المال، وفُتنوا بالمظاهر، وناصبوا الأشراف العداء السافر، وأخذ بعضهم يكيدُ لِبعض، وكانت كُلُّ طائفةٍ تسعى لِمصلحتها دون النظر إلى مصلحة المجموع.<ref name="طقوش2"/> أفقدت هذه الأوضاع الشَّاذة ثقة الفارسيّ بِمُجتمعه ووطنه، وتزعزع إيمانه بهذا النظام، ولم تقضِ إصلاحات [[كسرى الأول|كسرى الأوَّل أنوشروان]] على ما في نُفوس الناس من الشُعور بالظلم، والتطلُّع إلى من يتحدَّث عن المُساواة وتكافؤ الفُرص بين النَّاس، حتَّى وجدوا ذلك في الدين الإسلامي.<ref name="طقوش2"/>
 
=== الوضع الديني ===
[[ملف:Ardeshir Babakan and Ahuramazda Photo From Sahand Ace.jpg|تصغير|نقش لإله الخير عند المجوس أهورامزدا والشاهنشاه [[أردشير الأول|أردشير الأوَّل]].]]
اتَّخذ الفُرس الساسانيّون، مُنذُ بداية عهدهم، [[زرادشتية|المجوسيَّة (الزرادشتيَّة)]] دينًا رسميًا. ومن خصائص هذا الدين تقديس عناصر الطبيعة. وللشمس عند الساسانيين حُرمة عظيمة، غير أنَّ النار أعظم شأنًا، لذلك دخلت كعاملٍ رئيسيٍّ في عباداتهم. وبُيوتُ النَّار عندهم هي مراكز العبادة والتقديس. يعتقد المجوس بوجود إلهٍ للخير والنور، خالقٍ يُسمّونه «[[أهورامزدا]]»، وإلهٌ للشر والظُلمة يُسمّونه «آهرمان» ولكنَّهُ ليس بمُستوى أهورامزدا. فالمجوسيَّة بهذا تقومُ على الثنويَّة والنزاع الدائم بين إله الخير وإله الشر، لكنَّ النصر في النهاية سيكون للإله الأوَّل بما يبذله الإنسان من أعمالٍ حسنةٍ للتغلُّب على روح الشَّر. وابتُلي الساسانيّون بِنزاعاتٍ دينيَّةٍ بعد ظُهور الديانتين [[مانوية|المانويَّة]] و[[مزدكية|المزدكيَّة]] بفعل اختلاف فلسفاتها وتعاليمها. وكان تشجيع الأكاسرة لإحدى هذه الديانات يدفع مُعتنقيها إلى اضطهاد مُخالفيهم، وقد أضاع هذا التناحر البلاد حين وضعها في جوٍ مشحونٍ بالنزاعات.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= طقّوش، مُحمَّد سُهيل|العنوان= تاريخ الخُلفاء الرَّاشدين: الفُتوحات والإنجازات السياسيَّة|الإصدار= الأولى|الصفحة= 98|سنةالسنة= [[1424هـ]]ـ - [[2002]]م|الناشر= دار النفائس|الرقم المعياري= 9953181012|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref>
 
=== الوضع العسكري ===
[[ملف:Sassanid army helmet by Nickmard Khoey.jpg|تصغير|يمين|خوذة عسكريَّة ساسانيَّة.]]
نحت الإمبراطوريَّة الساسانيَّة، مُنذُ بداية حياتها السياسيَّة، منحىً توسُعيًا، بهدف إحياء [[الإمبراطورية الأخمينية|الإمبراطوريَّة الأخمينيَّة]] التي قضى عليها [[الإسكندر الأكبر]]، وقد تطلَّب ذلك إنشاء جيشٍ مُنظمٍ وقويٍّ، لذلك أدخل الشاهنشاه أردشير الأوَّل طوائف الجُند التي كانت تتبع صاحب الإقطاع في الجيش النظاميّ. والمعروف أنَّ الفُرسان الدَّارعين يُشكِّلون القوَّة الضاربة في الجيش الفارسيّ، وأنَّ النصر يتوقَّف على مدى اندفاعهم وشجاعتهم في القتال، وبِخاصَّةً الفرقة المعروفة بالخالدين، وهي مؤلَّفة من عشرة آلاف فارس يُختارون من بين المُجلِّين.<ref name="الجيش الفارسي">{{مرجع كتاب|المؤلف1= كريستنسن، آرثر|المؤلف2= ترجمة وتحقيق يحيى الخشَّاب وعبد الوهَّاب عزَّام|العنوان= إيران في عهد الساسانيين|الإصدار= الأولى|الصفحة= 198 - 199|سنةالسنة= [[1998]]م|الناشر= [[الهيئة المصرية العامة للكتاب|الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> وتتخذُ [[فيل آسيوي|الفيلةُ]] مكانها خلف الفُرسان، وكأنَّها حُصون، وتُشكِّلُ عامل رُعبٍ لِخيل العدوّ، وعامل ثقة لأفراد الجيش الفارسيّ، كما يُحملُ عليها أبراجٌ من الخشب مشحونةٌ بالمُقاتلين والسِّلاح ورُماة النِبال وحاملي الرَّايات، ويُقدِّمونها أحيانًا أمامهم، ويجعلون منها نُواةً لِفِرقهم، تلتفُّ حول كُلِّ فيلٍ فرقةٍ من الجيش. وإذا ذُعر فيلٌ أثناء المعركة وارتدَّ على جُنود الفُرس، يُبادرُ الفيَّال إلى قتله.<ref name="الجيش الفارسي"/> شكَّل المُشاةُ مؤخَّرة الجيش، وهُم من أهل القُرىـ يُستدعون إلى الحرب دون أجرٍ أو حافز، ويلبسون دروعًا من [[خيزران|الخيزران]] المُتشابك المُغطّى بِجلدٍ غير مدبوغٍ، وهُم جنودٌ غير مهرة عادةً، يُولّون الأدبار قبل أن يبدأ العدوُّ بالحرب.<ref name="الجيش الفارسي"/> واعتمد الجيشُ الفارسيّ على [[مرتزقة|المُرتزقة]] أيضًا، وهُم من الشُعوب القاطنة في أطراف الإمبراطوريَّة من الذين اشتهروا بالشِّدَّة في القتال، مثل: السجستانيّون، والسَّاجيّون، والقوقازيّون، والدَّيالمة، وغيرهم. يقودُ الشاهنشاه، عادةً، الجيش في المعارك، ويُنصبُ العرش الملكيّ وسط الجيش، ويُحيطُ به خدمه وحاشيته وفِرقة من الجُند المُكلَّفة بِحراسته.
[[ملف:Ancient Sasanid Cataphract Uther Oxford 2003 06 2(1).jpg|تصغير|فارسٌ ساسانيٌّ مُدرَّع.]]
اقتبس الفُرس بعضُ الفُنون العسكريَّة من [[رومان|الرومان]] ومن خُلفائهم المشرقيين، أي الروم البيزنطيين، مثل عمليَّات حِصار القِلاع واستعمال [[منجنيق|المجانيق]] والأبراج المُتحرِّكة وآلات الحِصار الأُخرى التي كانت تُستعملُ قديمًا، كما نفَّذوا أُسلوب حرق المحاصيل الزِّراعيَّة حتَّى لا يستفيد العدُوُّ منها، وفتح السُدود في الأراضي التي يُخصِّبها الرَّي، حتَّى يغرق الوادي ويُوقف تقدُّم العدوّ. هذا ويُشترط بالقائد أن تتوفَّر فيه الصِّفات العسكريَّة الضروريَّة لإدارة الحرب والقُدرة على وضع وتنفيذ الخِطط العسكريَّة. لم يكن الفُرس شديدي البأس في الحرب، ولم يعتادوا القِتال ببسالة إلَّا أن يكونوا على مسافةً بعيدةً من عدوِّهم، وإذا شعروا بأنَّ فِرقهم تتراجع يتقهقرون مُطلقين خلفهم سِهامهم حتَّى يُخففوا من مُطاردة عدوِّهم لهم. تعتمدُ الخِطط العسكريَّة التي طبَّقها السَّاسانيّون في القِتال، على الصَّدمة بأفواجٍ مُنظمةٍ من الفُرسان الدَّارعين في صُفوفٍ كثيفةٍ، كما طبَّقوا نِظام التعبئة القائم على المُقدِّمة من الفُرسان، والقلب الذي يرتاد أفرادُه مكانًا مُشرفًا، والجناحين والمُؤخَّرة من الرُماة والمُشاة، وهو نِظامُ الزَّحف من خِلال تقسيم الجيش إلى كراديس.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[أبو محمد بن قتيبة الدينوري|الدينوريّ، أبو مُحمَّد عبدُ الله بن مُسلم بن قُتيبة]]|العنوان= عيون الأخبار، الجزء الأوَّل|الصفحة= 112|سنةالسنة= [[1418هـ]]|الناشر= دار الكُتب العلميَّة|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> والواقع أنَّ هذا النظام العسكريّ، لم يثبت أمام التعبئة الإسلاميَّة القائمة على الكر والفر، والمعروف أيضًا أنَّ المُسلمين استعملوا أيضًا أُسلوب الكراديس في القِتال.
 
=== العلاقة مع الروم البيزنطيين ===
== صُعود الخِلافة الإسلاميَّة ==
{{أيضا|حروب الردة{{!}}حُرُوبُ الرِّدَّة}}
توفي الرسول مُحمَّد ضُحى يوم الإثنين [[12 ربيع الأول|12 ربيع الأوَّل]] [[11هـ]]، المُوافق فيه [[7 يونيو|7 حُزيران (يونيو)]] [[632]]م، وبعد وفاته بُويع أبو بكر الصدِّيق بالخِلافة ليتولّى شؤون المُجتمع الإسلامي الجديد الذي كوَّنهُ الرسول خِلال حياته، فكانت خِلافته قصيرة لم تزد عن سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيَّام.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= طقّوش، مُحمَّد سُهيل|العنوان= تاريخ الخُلفاء الرَّاشدين: الفُتوحات والإنجازات السياسيَّة|الإصدار= الأولى|الصفحة= 29|سنةالسنة= [[1424هـ]]ـ - [[2002]]م|الناشر= دار النفائس|الرقم المعياري= 9953181012|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> لكن رُغم ذلك، وقع خلال تلك الفترة حدثان بارزان يُعدَّان من أبرز أحداث التاريخ الإسلامي على الإطلاق، هُما الرِّدَّة وانطلاق [[فتوحات إسلامية|الفُتوح الإسلاميَّة]] خارج نِطاق [[شبه الجزيرة العربية|شبه الجزيرة العربيَّة]]، وكان لكُلٍّ منهما تأثيره الخاص على مُستقبل الدعوة الإسلاميَّة والعرب. أمَّا الرِّدَّة فهي الاسم الذي يُطلق على انتفاضة القبائل على أطراف شبه الجزيرة العربيَّة على الحُكم الجديد الذي قام في المدينة المُنوَّرة، فنبذ قسمٌ منهم الإسلام والتفَّ حول عددٍ من مُدعي النُبوَّة الذين جعلوا أنفسهم أندادًا للنبيّ مُحمَّد، تُحرِّكُهم دوافع اقتصاديَّة أو سياسيَّة،<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= بيضون، إبراهيم|العنوان= ملامح التيَّارات السياسيَّة في القرن الأوَّل الهجريّ|الإصدار= الأولى|الصفحة= 25 - 26|سنةالسنة= [[1979]]م|الناشر= [[دار النهضة العربية (بيروت)|دار النهضة العربيَّة]]|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> وبعضهم الآخر أعلن رغبته بالحِفاظ على الإسلام لكنَّهم منعوا [[الزكاة]] كونهم اعتبروها نوعًا من الذُلِّ والتبعيَّة، يدفعونها بصفتهم الطرف المغلوب، ولم يُدركوا أنَّها إحدى [[أركان الإسلام|أركان الدين]].<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= شبارو، عصام مُحمَّد|العنوان= الدولة العربيَّة الإسلاميَّة الأولى|الإصدار= الثالثة|الصفحة= 239 - 240|سنةالسنة= [[1995]]م|الناشر= [[دار النهضة العربية (بيروت)|دار النهضة العربيَّة]]|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref>
 
وفي جميع الأحوال فإنَّ أبا بكر قاتل القبائل المُرتدَّة جميعها، فأرسل إليها نُخبة القادة المُسلمين مثل [[خالد بن الوليد]] و[[عمرو بن العاص]] و[[عكرمة بن أبي جهل|عِكرمة بن أبي جهل]] وغيرهم، فهزموهم وقضوا على حركاتهم، فعادوا للدخول في الإسلام. وترتب على حُرُوبُ الرِّدَّة عدَّة نتائج مُهمَّة منها إعطاء المُسلمين الثقة بالنفس وبِالنظام الذي اختاروه وبِالقُدرة على الانتصار، وهي ثِقةٌ هامَّةٌ وضروريَّةٌ في مُواجهة قِوى كُبرى تتمتَّع بِقُدراتٍ ماديَّةٍ وكثرةٍ عدديَّةٍ، هذا إلى جانب الإيمان بالهدف. كما شكَّلت فُرصةً للمُسلمين كي يتدربون تدريبًا عسكريًا عمليًا على مُستوى الجُيوش الكبيرة، ابتداءً من الحشد والتعبئة العامَّة إلى التحرُّكات والسير والالتحام، إلى أعمال الدوريَّات والحِصار والجاسوسيَّة والتدابير اللوجستيَّة. ويُمكنُ وصف هذه الحُروب بِمثابة جسر عبر المُسلمون العرب عليه إلى خارج شبه الجزيرة العربيَّة بِهدف الفتح.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[أحمد عادل كمال|كمال، أحمد عادل]]|العنوان= الطريق إلى المدائن|الإصدار= السَّادسة|الصفحة= 181 - 185|سنةالسنة= [[1986]]م|الناشر= دار النفائس|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref>
 
== فُتوحات العراق في عهد أبو بكر ==
=== آواخر المعارك ===
{{انظر أيضا|معركة الفراض}}
لجأت فُلولُ الفُرس الناجية من معركة الحُصيد إلى الخنافس، وهي أرضٌ للعرب في طرف العراق قُرب الأنبار من ناحية البردان،<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[ياقوت الحموي|الحمويّ، شهابُ الدين أبو عبدُ الله ياقوت بن عبدُ الله الروميّ]]|العنوان= [[معجم البلدان|مُعجم البُلدان]]، الجُزء الثاني|الإصدار= الثانية|الصفحة= 391|سنةالسنة= [[1995]]م|الناشر= دار صادر|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> فأدّى ذلك إلى ألقاء الرُعب في قُلوب سُكَّانها، ووهنت نُفوسُهم وفرَّ بعضُهم إلى المصيَّخ للاحتماء بها، ممَّا سهَّل مُهمَّة أبي ليلى، فدخلها دون قِتالٍ يوم [[11 شعبان]] [[12]]هـ المُوافق فيه [[21 أكتوبر|21 تشرين الأوَّل (أكتوبر)]] [[633]]م.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثالث|الإصدار= الثانية|الصفحة= 380|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> أُتيح لِخالد بعد هذه الانتصارات، أن يُهاجم المصيَّخ في مُحاولةٍ لِمنع الحُلفاء من الفُرس والعرب من إعادة تنظيم صُفوفهم، فاستدعى قادته، وهاجموا البلدة من ثلاثة محاور، وفاجأوا خُصومهم وهُم نائمون، وذلك في [[19 شعبان]] [[12هـ]] المُوافق فيه [[29 أكتوبر|29 تشرين الأوَّل (أكتوبر)]] [[633]]م.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثالث|الإصدار= الثانية|الصفحة= 381 - 382|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> بعد المصيِّخ، وضع المُسلمون موضعا الثنيّ والزُّميل، الواقعان بالجزيرة شرق [[الرصافة|الرِّصافة]]،<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[ياقوت الحموي|الحمويّ، شهابُ الدين أبو عبدُ الله ياقوت بن عبدُ الله الروميّ]]|العنوان= [[معجم البلدان|مُعجم البُلدان]]، الجُزءان الثاني والثالث|الإصدار= الثانية|الصفحة= 86 و151 على التوالي|سنةالسنة= [[1995]]م|الناشر= دار صادر|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> نصب أعيُنهم، فاقتحموهما من ثلاثة محاور ونجحوا في دخولهما، كما وقعت الرضاب (موضع الرِّصافة قبل بنائها) في أيديهم، وذلك في 23 شعبان 12هـ المُوافق فيه [[2 نوفمبر|2 تشرين الثاني (نوڤمبر)]] [[633]]م.<ref name="أواخر الفُتوح">{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثالث|الإصدار= الثانية|الصفحة= 382 - 384|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> بعد ذلك تحرَّك خالد بن الوليد ناحية الفراض على الحُدود المُشتركة بين الإمبراطوريتين البيزنطيَّة والساسانيَّة وعرب الجزيرة. فبعد أن بسط سُلطانُ المُسلمين على [[سواد العراق]]، أراد أن يؤمِّن حماية مؤخرة جيشه، حتَّى إذا اجتاز السّواد إلى فارس، كان مُطمئنًا لِما يُخلِّفُ وراءه. وكان الاندفاع الإسلامي حتَّى الفراض توغلًا في أرضٍ يحكُمها البيزنطيّون، ممَّا أثار هؤلاء، كما حقد الفُرس والعرب المُوالون لهم على المُسلمين قتنادوا للثأر ممَّا حلَّ بهم، وبِخاصَّةٍ [[تغلب]] و[[إياد (قبيلة)|إياد]] والنمر، وزحفوا نحو الفراض. وجرى بين الجانبين قتالٌ دمويٌّ رهيب في [[15 ذو القعدة|15 ذي القعدة]] [[12هـ]] المُوافق فيه [[21 يناير|21 كانون الثاني (يناير)]] [[634]]م، انتهى بهزيمة الحُلفاء.<ref name="أواخر الفُتوح"/> كانت معركة الفراض آخر أعمال خالد بن الوليد الكبيرة في العراق، إذ تلقّى أمرًا من الخليفة بالتوجُّه إلى الشَّام لِنجدة الجُيوش الإسلاميَّة المُرابطة هُناك، فترك الحيرة بعد أن استخلف عليها عمرو بن حزم الأنصاري مع [[المثنى بن حارثة الشيباني|المُثنّى بن حارثة الشيباني]].<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= شبارو، عصام مُحمَّد|العنوان= الدولة العربيَّة الإسلاميَّة الأولى|الإصدار= الثالثة|الصفحة= 271|سنةالسنة= [[1995]]م|الناشر= [[دار النهضة العربية (بيروت)|دار النهضة العربيَّة]]|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref>
 
== فُتوحات العراق في عهد عُمر ==
{{الجدول الزمني للفتح الإسلامي لفارس}}
[[ملف:Umar.png|تصغير|يمين|تخيط لاسم عُمر بن الخطَّاب ملحوق بدُعاء الرضا عنه.]]
وقع أبو بكرٍ الصدّيق [[حمى|بالحُمَّى]] يوم [[7 جمادى الآخرة]] سنة [[13هـ]] المُوافق فيه [[7 أغسطس|7 آب (أغسطس)]] سنة [[634]]م، واشتدَّ عليه المرض حتَّى أحسَّ بدُنوِّ أجله، فعهد بالخِلافة إلى عُمر بن الخطَّاب بعد أن استشار كِبار الصَّحابة من أهل الحل والعقد لِيقف عند توجُّهاتهم وآرائهم.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[ابن الجوزي|ابن الجوزي، جمالُ الدين أبو الفرج عبدُ الرحمٰن بن عليّ بن مُحمَّد]]|المؤلف2= تحقيق حلمي مُحمَّد إسماعيل|العنوان= مناقب أميرُ المؤمنين عُمر بن الخطَّاب {{رضي}}|الصفحة= 67|سنةالسنة= [[1996]]م|الناشر= دار ابن خلدون|مكانالمكان= [[عمان (مدينة)|عمَّان]] - [[الأردن]]}}</ref> وتوفي أبو بكر بعد خمسة عشر يومًا، وبالتحديد يوم الإثنين في [[22 جمادى الآخرة]] [[13هـ]] المُوافق فيه [[22 أغسطس|22 آب (أغسطس)]] [[634]]م. حتَّى وفاة أبي بكر جرت في سواد العراق غارات ومُناوشات عديدة بين المُسلمين وبين الفُرس ومن ساندهم من العرب المُتنصِّرة القاطنين هُناك، لكنَّ هؤلاء عجزوا عن وقف هجمات المُسلمين، واستمرَّت الفرق الإسلاميَّة تجوب أراضي السّواد مُغيرةً على هذه القرية أو تلك، لكن في المُدَّة بين رحيل خالد بن الوليد إلى الشَّام ووفاة أبي بكر، لم تحدث إلَّا اصطدامات محدودة، بفعل أنَّ جيش العراق ضعف بغياب خالد وبخاصَّةً أنَّهُ فصل معه أكثر من نصف القُوَّات. وانهمك الفُرس في المُقابل في الصِّراعات الدَّاخليَّة والتَّنافس على الحُكم، ممَّا أدَّى إلى رُكود الجبهة العراقيَّة. واضطرَّ المُثنَّى، على الرُغم من براعته القتاليَّة وانتصاره على جيشٍ فارسيّ بقيادة هُرمز جاذويه في أواخر شهر ربيع الأوَّل سنة 13هـ المُوافق لِأواخر شهر أيَّار (مايو) سنة 634م، اضطَّر أن ينكفئ إلى الحيرة ويتحصَّن بها، إلَّا أنَّهُ احتفظ بكُلِّ ما غنمهُ المُسلمون من سواد العراق.<ref name="المُثنّى">{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثالث|الإصدار= الثانية|الصفحة= 411 - 414|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> وكان لا بُدَّ للمُسلمين إن رغبوا بالتقدُّم أكثر أن يُعززوا قُوَّاتهم العسكريَّة المُرابطة في العراق، فغادر المُثنّى مُتجهًا إلى المدينة ليبحث مع أبي بكر في الوضع الميداني على الجبهة العراقيَّة ويُقدِّم له مشروعًا جديدًا للتعبئة العامَّة من واقع تجنيد من ظهرت توبتهُ من أهل الرِّدَّة، وعندما وصل إليها وجد أبا بكر مريضًا، ولمَّا أفضى إليه ما جاء من أجله، استدعى عُمر وأوصاهُ بندب النَّاس مع المُثنّى إذا توفي.<ref name="المُثنّى"/>
 
وما كاد عُمر يفرغ من دفن أبي بكر بعد وفاته حتَّى دعا النَّاس إلى التطوُّع لِحرب الفُرس مع المُثنّى، وركَّز على تعبئة المُسلمين على الجبهة العراقيَّة. وأدَّى المُثنّى دورًا بارزًا في ذلك حين اجتمع به وشرح لهُ الوضع المُتدهور للفُرس، وشجَّعه على إرسال المُسلمين لِتكثيف حملاتهم على أراضي السَّواد، إذ لا بقاء لهم في العراق، إذا لم تُعزَّز قُوَّاتهم هُناك بمددٍ قويٍّ. أحجم مُعظم المُسلمين عن الاستجابة لِنادء عُمر، إذ كانت العرب تهابُ الفُرس وتخافُ الخُروج لِقتالِهم، فكانت حُدود فارس تبدو صعبة في نظر العرب، وخطرة ورهيبة، كما كانت تُثيرُ الكثير من الاحترام في نُفوسهم، ويتجنَّبون تجاوزها خشيةً من مُلوك الفُرس لاعتقادهم بأنَّهم على قدرٍ من القُوَّة يكفل لهم إدخال شُعوب سائر الدُول تحت سُلطانهم.<ref name="الاستنفار">{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثالث|الإصدار= الثانية|الصفحة= 444 - 445|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> وقد أدرك عُمر، من واقع الوضع الميداني، عِظم المُهمَّة، ورأى في المُقابل ضآلة حجم الاستجابة، فكان لا بُدَّ بنظره من إشراك كافَّة المُسلمين ودفعهم لِمُواجهة الفُرس، فقام برفع الحاجز بين القبائل التي استمرَّت على إسلامها بعد وفاة النبيّ وبين القبائل التي ارتدَّت، فدعا من ارتدَّ وحسُن إسلامه للاشتراك في الفُتوح.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[أيمن إبراهيم|إبراهيم، أيمن]]|العنوان= الإسلام والسُلطان والملك|الإصدار= الأولى|الصفحة= 145|سنةالسنة= [[1998]]م|الناشر= دار الجُندي للنشر|مكانالمكان= [[القدس]] - [[فلسطين]]}}</ref> كان صدى دعوة عُمر عند قبائل الرِّدَّة من نوعٍ آخر تمامًا قياسًا بِقبائل المدينة، فقد استجابت هذه القبائل لِدعوة الخليفة وكأنَّها كانت تنتظهرها، وسارعت بإرسال جُموعها إليه لِتلبية النداء. وهكذا رُفع الحاجز بين المدينة وبين قبائل الرِّدَّة، وأخذت هذه تتدفَّق على المدينة بتسارُعٍ مُذهلٍ طالبةً الاشتراك في الفُتوح.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثالث|الإصدار= الثانية|الصفحة= 448|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> واختار عُمر [[أبو عبيد الثقفي|أبا عُبيد بن مسعود الثقفي]] قائدًا للجيش لأنَّه أوَّل من لبّى النداء، مُتجاوزًا المُثنّى الذي أرسلهُ إلى العراق على عجلٍ لِتهيئة الأجواء واستنفار من حسُن إسلامه من أهل الرِّدَّة.<ref name="الاستنفار"/>
 
=== الوضع الداخليّ في فارس ===
ساد البلاط الفارسيّ آنذاك جوٌّ من الاضطراب بسبب الصراع على العرش، وتهاوى عدَّة مُلوك في تسارُعٍ مُستمرٍّ وفي مُدَّةٍ زمنيَّةٍ قياسيَّة، ففقد الفُرس بذلك فُرصة استغلال الموقف الناجم عن مُغادرة خالد العراق ورحيل المُثنّى إلى المدينة لاستعادة الأراضي التي خسروها أمام المُسلمين وطرد هؤلاء من العراق.<ref name="الاستنفار"/> وفي جميع الأحوال فإنَّ الصراع على مُلك فارس كان قد استقرَّ على تمليك [[بوراندخت]] بنت كسرى، فاعتلت العرش بمُساعدة القائد [[رستم فرخزاد|رُستم فرُّخزاد]] اصبهبذ خُراسان؛ ثُمَّ رأت في شخصه القائد الذي يُنقذ فارس من كبوتها، من التردي الداخليّ والتقهقر العسكريّ أمام المُسلمين، فملَّكتهُ وعيَّنتهُ على حرب فارس، وأطلقت يدُه في السُلطة مُدَّة عشر سنوات يكونُ المُلك بعدها لآل كِسرى، وأمرت وُلاة الإمبراطوريَّة وأعيانها بِطاعته، فاستجابوا لها. وبذلك أنهى الفُرس صراعاتهم واتَّحدوا لٍمُواجهة الزحف الإسلامي، واستردَّت الإمبراطوريَّة قُوَّتها السَّابقة.<ref name="فرُّخزاد">{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثالث|الإصدار= الثانية|الصفحة= 447 - 449|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref>
 
أقدم رُستم على خُطوةٍ أولى وهي خلق وعي قومي فارسي في المُدن والقُرى التي فتحها المُسلمون وإثارة سُكَّانها ضدَّ حُكَّامهم الجُدد. فأرسل العُمَّال والنُقباء إلى جميع مُدن العراق لِيُثيروا الحمية الدينيَّة والقوميَّة. فاندلعت نتيجة ذلك، الثورة ضدَّ المُسلمين في جميع مُدن الفُرات، وفقد هؤلاء المناطق التي كانت بحوزتهم.<ref name="فرُّخزاد"/> وجهَّزت بوران جيشًا كبيرًا بِقيادة نرسي ابن خالة كسرى وجابان وهو أحد أثرياء العراق المعروف بعدائه الشديد للمُسلمين. وسلك هذان القائدان طريقين مُختلفين تحسُبًا من أن ينقض عليهما المُسلمون. فوصل نرسي إلى كسكر بين الفُرات و[[نهر دجلة|دِجلة]] وعسكر فيها بناءً لأوامر رُستم. وتخطّى جابان الحيرة ونزل في موقع مُتقدِّم في النمارق بين الحيرة و[[القادسية|القادسيَّة]]، وطلب القائدان مزيدًا من القُوَّات من المدائن تعزيزًا لِصُفوفهما.<ref name="فرُّخزاد"/> ووصل المُثنّى في هذا الوقت، إلى الحيرة، ولمَّا علِم بالاستعدادات الفارسيَّة الضخمة، أدرك أنَّهُ لا قِبل له بِلقاء من عبَّأهم الفُرس، فآثر الحذر وانسحب من الحيرة إلى موضع خفَّان قُرب [[الكوفة|الكُوفة]]، وأدركهُ أبو عُبيد فيها.<ref name="فرُّخزاد"/>
=== معارك النمارق والسقاطيَّة وباقسياثا ===
{{مفصلة|معركة النمارق}}
عبَّأ أبو عُبيد جيش المُسلمين البالغ عشرة آلاف مُقاتل وزحف من خفَّان نحو النمارق، وعسكر بمُواجهة جابان. وفي المعركة التي دارت بين الطرفين يوم 8 شعبان 13هـ المُوافق فيه 8 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 634م، هُزم الفُرس ووقع جابان في الأسر، ولم يكن يعرفهُ المُسلمون، فتمكَّن بدهائه من خديعة آسره، ففدى نفسهُ وهرب، كما أُسر القائدان جوشن شاه ومُردان، وقُتل الثاني على يد آسره.<ref name="فرُّخزاد"/> توجَّه من نجا من الفُرس إلى كسكر لِينضم إلى جيش نرسي، فطاردهم المُثنّى حتَّى دُرنا، وهي إحدى أبواب فارس. ووصلت في ذلك الوقت أنباء هزيمة جابان إلى المدائن، فجهَّز رُستم جيشًا آخر بقيادة الجاليونس ودفعهُ إلى أرض المعركة مددًا لِنرسي. وتمنَّى هذا الأخير أن يُدركه قبل الاشتباك مع المُسلمين، فراح يُناورُ ويتمهَّلُ في خوض المعركة، غير أنَّ أبا عُبيد لم يُمهلهُ كثيرًا واصطدم بِقُوَّاته في السقاطيَّة الواقعة جنوبي كسكر قُرب [[واسط]]، وذلك في 12 شعبان 13هـ المُوافق فيه 12 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 634م، وانتصر عليه، وفرَّ نرسي في جو الهزيمة القاتم.<ref name="النمارق">{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثالث|الإصدار= الثانية|الصفحة= 350 - 352|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> رفعت هذه الانتصارات الروح المعنويَّة للمُسلمين، وحفَّزتهم على تكثيف حملاتهم في السَّواد. فأرسل أبو عُبيد مجموعاتٍ صغيرةٍ من الجيش لِمُطاردة فُلول الفُرس والإغارة على قُرى السَّواد.<ref name="النمارق"/> شعر أهلُ القُرى في السَّواد بعجزهم عن مُواجهة غارات المُسلمين، والحدِّ منها وبخاصَّةً أنَّ القُوَّات الفارسيَّة قد انسحبت من المنطقة، فاضطرّوا إلى مُهادنتهم على أن يؤدوا لهم الجزية ويدخُلوا في ذِمَّتهم.<ref name="النمارق"/> عسكر الجالينوس في باقسياثا وتقوّى بمن انضمَّ إليه من فُلول جابان، فاصطدم به أبو عُبيد في 17 شعبان 13هـ المُوافق فيه 16 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 634م وهزمه. وفرَّ القائد الفارسيّ من أرض المعركة وعاد إلى المدائن. وانتشر المُسلمون في قُرى السَّواد وغلبوا على تلك البلاد.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[البلاذري|البلاذريّ، أحمد بن يحيى بن جابر بن داود]]|العنوان= [[فتوح البلدان|فُتوح البُلدان]]، الجزء الثاني|الصفحة= 307|سنةالسنة= [[1988]]م|الناشر= دار ومكتبة الهلال|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref>
 
=== معركة الجسر ===
{{مفصلة|معركة الجسر}}
[[ملف:The war elephant of Inida..jpg|تصغير|يمين|رسم لفيلٍ حربيٍّ هنديّ خلال إحدى المعارك. استعمل الفُرس ذات الفيلة في حربهم ضدَّ المُسلمين.]]
تملَّك رُستم الغيظ من هزيمة الفُرس، وثارت حفيظة هؤلاء عندما بدأوا يستوعبون مقدار الخطر الحقيقي الذي يُهدِّدهم، فجهَّزوا جيشًا كبيرًا قوامه اثنا عشر ألف مُقاتل و[[فيل آسيوي|فيلة]] بجلاجل وأرسلوه إلى الحيرة، بقيادة [[بهمن جاذويه|ذي الحاجب بهمن جاذويه]]، وهو أشدُّ العجم على المُسلمين، ورافقه الجالينوس. ويبدو أنَّ رُستم أراد أن يكسب معركةً أمام المُسلمين تُعيد إلى دولته مُوازنة الموقف، ولِحُكومته هيبتها، ولِجيُوشه روحها المعنويَّة وثقتها بنفسها. رأى أبو عُبيد، عندما علم بالاستعدادات الفارسيَّة الضخمة؛ أن يتمهَّل ويتحصَّن في مكانٍ أكثر أمنًا، ويُراقب تحرُّكات الجيش الفارسيّ، فارتحل عائدًا إلى الحيرة. وعندما تناهى إلى أسماعه أنَّ وجهة الفُرس هي الحيرة، قرَّر أن يصطدم بهم خارجها، فخرج منها وتوجَّه إلى «قُس الناطف»، على شاطئ الفُرات الشرقي قُرب الكُوفة، ومعهُ تسعة آلاف رجل. ولمَّا وصل بهمن جاذويه إلى قس الناطف عسكر على الضِفَّة المُقابلة، وفصل نهرُ الفُرات بين الجيشين. وتحدَّى أبا عُبيد الفُرس بالعُبور إلى المُسلمين أو يعبر المُسلمون إليهم. ولمَّا قرَّر أن يعبُر بالمُسلمين نهاهُ المُثنّى بن حارثة، فاعتبر ذلك جُبنًا، وتحكَّمت به عواطفهُ فقال: {{اقتباس مضمن|لا يَكُونُونَ أَجْرَأَ عَلَى الْمَوْتِ مِنَّا، بَلْ نَعْبُرُ إِلَيْهِمْ!}}.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثالث|الإصدار= الثانية|الصفحة= 454|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> عبر المُسلمون نهر الفُرات فوق جسرٍ قديمٍ ردمهُ أبو عُبيد، وكان بهمن قد ترك لهم مكانًا ضيِّقًا أجبرهم على النُزول فيه خاليًا من مجال الكرِّ والفر، ممَّا أققدهم حُريَّة الحركة والانتشار، وميزة المُناورة، ففرض عليهم بذلك المعركة وأُسلوب القِتال. ودارت بين الطرفين رحى معركة ضارية أدَّت الفيلةُ فيها دورًا كبيرًا، بل إنَّها حدَّدت نتائجها مُبكرًا حيثُ كانت تُجفلُ خيل المُسلمين، وإذ حُشر هؤلاء في مكانٍ ضيِّقٍ، فقد أمطرهُم الفُرس بالسِّهام، ومزَّقوا صُفوفهم. وأمر أبو عُبيد بقتل الفيلة، وعندما أوشكوا على قتلها جميعًا، خبط أحدُ الفيلة، وكان فيلًا أبهتُ لونًا من بقيَّة الفيلة عُرف بالفيل الأبيض، خبط أبا عُبيد ثُمَّ وطئه فمات.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[البلاذري|البلاذريّ، أحمد بن يحيى بن جابر بن داود]]|العنوان= [[فتوح البلدان|فُتوح البُلدان]]، الجزء الثاني|الصفحة= 308|سنةالسنة= [[1988]]م|الناشر= دار ومكتبة الهلال|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> عندئذٍ أدرك المُثنّى حرج الموقف وأنَّ المعركة خاسرة، فأعلن الإنسحاب، لكنَّ عبد الله بن مرثد الثقفي قطع الجسر على المُسلمين ليُرغمهم على الصُمود، وقيل قطعهُ الفُرس أو انكسر لِقِدمه وعدم قُدرته على تحمّل وزن من عبر عليه، فوقع المُسلمون في مصيدة القتل والغرق. وأعاد المُثنَّى عقد الجسر فتراجع عليه حوالي ثلاثة ىلاف رجل نحو أُليس بعد أن قُتل وغرق في الفُرات أربعة آلاف وأُصيب المُثنّى بجراحٍ بليغة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= شبارو، عصام مُحمَّد|العنوان= الدولة العربيَّة الإسلاميَّة الأولى|الإصدار= الثالثة|الصفحة= 285|سنةالسنة= [[1995]]م|الناشر= [[دار النهضة العربية (بيروت)|دار النهضة العربيَّة]]|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> لم يتعقَّب بهمن جاذويه المُسلمين لأنَّ أخبارًا وصلته عن نُشوب ثورةٍ ضدَّ رُستم في المدائن، فآثر العودة إليها حتَّى يكون قريبًا من مجرى الأحداث.
 
=== معركة البُويب ===
{{مفصلة|معركة البويب{{!}}معركة البُويب}}
تلقَّى عُمر بن الخطَّاب نبأ هزيمة المُسلمين بِهُدوءٍ لافت، ولم يؤنِّب الفارّين من ساحة القتال، بل نعى من قضى نحبه وراح يواسي النَّاس.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثالث|الإصدار= الثانية|الصفحة= 459|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> وأدرك عُمر أنَّ المُثنّى بحاجةٍ إلى مدد يُرسل إليه على وجه السُرعة كي يُواجه هذا الموقف الدقيق، فقام بتكثيف حملاته التعبويَّة بين قبائل الرِّدَّة، وأرسل رُسُله إليها يدعوها للسير نحو فارس لِغزوها، فاستجابت لِندائه، وتوافدت على المدينة الحُشود العظيمة من مُختلف أنحاء شبه الجزيرة العربيَّة، فدفع بها إلى أرض العراق مددًا للمُثنّى، وكان على رأسها [[جرير بن عبد الله البجلي|جُرير بن عبدُ الله البجلي]] وعِصمة بن عبدُ الله الضبّي، وانضمّوا إلى المُثنّى في البُويب على غرب الفُرات. ومن ناحيةٍ أُخرى أرسل المُثنّى النُقباء إلى جميع المناطق الحُدوديَّة يستفزُّ العرب، وكان من ضمنهم جُموعٌ من [[مسيحيون عرب|المسيحيين]] من بني النمر، على رأسهم أنس بن هلال النمريّ، وقد آثر هؤلاء الانضمام إلى المُسلمين والقِتال تحت رايةٍ واحدة ضدَّ [[عجم|العجم]]، بعد أن جمعتهم الرَّابطة اللُغويَّة والقوميَّة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثالث|الإصدار= الثانية|الصفحة= 464|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> تناهت إلى أسماع الفُرس أنباء الإمدادات الإسلاميَّة التي كانت تُرسل تِباعًا إلى العراق، فهالهم أمرها، وأدركوا أنَّ انتصارهم في [[معركة الجسر]] لم يكن حاسمًا، وأنَّهُ لا بُدَّ من التغاضي عن الخِلافات الداخليَّة وتوحيد الجُهود لدفع الخطر الإسلامي عن البلاد. وهكذا أنهى رُستم خِلافه مع فيروز، الطَّامع باعتلاء العرش الفارسيّ، وتمَّ إعداد جيش قوامه اثنا عشر ألف مُقاتل بِقيادة [[مهران بن باذان|مهران بن باذان الهمذانيّ]]، ودُفع إلى ساحة القتال.<ref name="البُويب">{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[البلاذري|البلاذريّ، أحمد بن يحيى بن جابر بن داود]]|العنوان= [[فتوح البلدان|فُتوح البُلدان]]، الجزء الثاني|الصفحة= 254 - 255|سنةالسنة= [[1988]]م|الناشر= دار ومكتبة الهلال|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> وعندما علِم المُثنّى بأنباء خُروج الفُرس للقِتال، سار بعساكره إلى البُويب وأرسل إلى جُرير بن عبدُ الله البجلي أن يُوافيه هُناك ففعل، وعسكر المُسلمون على شاطئ الفُرات الشرقي، وعسكر الفُرس مُقابلهم لا يفصلُ بينهما سوى النهر.<ref name="البُويب"/> اشتبك الجمعان في رحى معركةٍ طاحنة أدارها المُثنّى بِحكمةٍ بالغة ممَّا كفل لهُ النصر. وقُتل مهران في المعركة وتشتَّت جيشهُ وفرَّ أفراده في فوضى واضطراب، فطاردهم المُسلمون طيلة يومين وقتلوا منهم وأسروا الكثير، وسُمي هذا اليوم «يوم الأعشار» لأنَّهم أحصوا مائة رجلٍ قتل كُلٌّ منهم عشرة في المعركة.<ref name="البُويب"/>
 
=== تولية يزدجرد الثالث السُلطة ===
جعلت هزيمة البُويب أشراف الفُرس يجتمعون حول تولية ملك عليهم من سُلالة كسرى، فأدركوا خُطورة الموقف، وأنَّ ما بعد سُقوط الحيرة وتكريت وساباط سوى سُقوط المدائن.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= بيضون، إبراهيم|العنوان= ملامح التيَّارات السياسيَّة في القرن الأوَّل الهجريّ|الإصدار= الأولى|الصفحة= 53 - 54|سنةالسنة= [[1979]]م|الناشر= [[دار النهضة العربية (بيروت)|دار النهضة العربيَّة]]|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> وتشاور أركانُ الحُكم ونصبوا يزدجرد ابن شهريار بن كسرى، وهو [[يزدجرد الثالث]]، وكان عُمره إحدى وعشرين سنة وقيل خمس عشرة سنة، وعزلوا بوراندخت. وعيَّن يزدجرد رُستم فرُّخزاد قائدًا للجيش وكلَّفهُ بأمر المُسلمين في الجنوب، وجدَّد المسالح والثُغور وعيَّن عليها حامياتٍ عسكريَّة، فسمَّى جُند الحيرة والأنبار والمسالح وجُند الأبلة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الدينوري|الدينوري، أبو حنيفة أحمد بن داود]]|المؤلف2= تحقيق عبد المنعم عامر|المؤلف3= مُراجعة الدكتور [[جمال الدين الشيال|جمالُ الدين الشيَّال]]|العنوان= [[الأخبار الطوال]]|الإصدار= الأولى|الصفحة= 115 - 119|سنةالسنة= [[1960]]م|الناشر= دار إحياء الكتاب العربي |مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref>
 
=== معركة القادسيَّة ===
{{مفصلة|معركة القادسية{{!}}معركة القادسيَّة}}
[[ملف:Mohammad adil rais-battlefield of qadisiyyah-ar.PNG|تصغير|يمين|خارطة لِموقع معركة القادسيَّة، ويظهرُ الجيشُ الإسلاميّ باللون الأحمر، والجيشُ الفارسيّ باللون الأزرق.]]
سار الجيشُ الفارسيّ بِقيادة رُستم، فاحتلَّ الجزيرة وحصَّن المُدن إلى الحيرة، فتراجع المُثنّى إلى الطق قُرب الكُوفة، فنقض [[أهل الذمة|أهلُ الذمَّة]] في العراق العُهود والذِمم والمواثيق التي كانوا أعطوها خالد بن الوليد باستثناء البعض منهم، فأخذ المُثنّى يطلُب الإمدادات من عُمر بن الخطَّاب الذي قال: {{اقتباس مضمن|وَاللهِ لَأَضرِبَنَّ مُلُوُكَ الْعَجمِ بِمُلُوكَ الْعَرَبِ}}، وخرج بنفسه في أوَّل مُحرَّم سنة 14هـ المُوافقة لِسنة 635م لِيُعسكر في [[صرار]] على بُعد ثلاثة أميال من المدينة على طريق العراق، يُريد قيادة الجيش الإسلامي بنفسه والذَّهاب للحرب. لكنَّ الصحابة أشاروا عليه أن يبقى في المدينة لأنَّ ذهابه يتعارض مع المصلحة العامَّة، وعرضوا عليه أن يُعيِّن قائدًا للجيش يذهب بدلًا منه، وتقرَّر بعد التشاور تعيين [[سعد بن أبي وقاص|سعد بن أبي وقَّاص]] قائدًا عامًا للحملة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[البلاذري|البلاذريّ، أحمد بن يحيى بن جابر بن داود]]|العنوان= [[فتوح البلدان|فُتوح البُلدان]]، الجزء الثاني|الصفحة= 255|سنةالسنة= [[1988]]م|الناشر= دار ومكتبة الهلال|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> خرج سعد بن أبي وقَّاص في أربعة آلاف من المدينة المُنوَّرة، وقيل في ستَّة آلاف،<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[ابن كثير|ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عُمر القُرشي البصري الدمشقي]]|المؤلف2= تحقيق عبدُ الله بن عبد المُحسن التُركي|العنوان= [[البداية والنهاية]]، الجزء السَّابع|الإصدار= الأولى|الصفحة= 36|سنةالسنة= [[1418هـ]] - [[1997]]م|الناشر= دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> ثُمَّ لحق به بعد خُروجه أربعة آلاف أُخرى، وانضمَّ إليه ثلاثة آلاف من بني أسد فيهم [[طليحة الأسدي|طُليحة الأسدي]] الذي تنبَّأ أيَّام الرِّدَّة ثُمَّ أسلم، كما لحق به [[الأشعث بن قيس]] في ألفٍ وسبعُمائةٍ من أهل اليمن. وقبل وُصوله بِقليل، توفي المُثنَّى بن حارثة من الجُرح الذي أصابهُ يوم الجسر.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثالث|الإصدار= الثانية|الصفحة= 489 - 490|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> نزل سعد بن أبي وقَّاص في «شراف» حيثُ انضمَّت إليه القُوَّات الموجودة في العراق، ثُمَّ سار بالقُوَّات مُجتمعةً فنزل بها بين العذيب والقادسيَّة، والإمدادات تتوالى حسب أوامر عُمر بن الخطَّاب، فانضمَّ إليه [[المغيرة بن شعبة|المُغيرة بن شُعبة]] وهاشم بن عُتبة بن أبي وقَّاص والقعقاع بن عمرو التميميّ وقيس بن مكشوح، وكان هؤلاء أخبر من غيرهم في حرب الفُرس نظرًا لأنَّهم كانوا مع خالد بن الوليد أيَّام الفُتوحات الأولى للعراق.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[اليعقوبي|اليعقوبي، أبو العبَّاس أحمد بن إسحٰق بن جعفر بن وهب بن واضح]]|المؤلف2= تحقيق: عبدُ الأمير مُهنَّا|العنوان= [[تاريخ اليعقوبي]]، الجزء الثاني|الإصدار= الأولى|الصفحة= 144|سنةالسنة= [[1993]]م |الناشر= مؤسسة الأعلمي للمطبوعات|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> كما انضمَّت القبائل العربيَّة المسيحيَّة إلى صُفوف المُسلمين، وأعلنت أنَّ نقضها العهد الذي قطعته لِخالد بن الوليد عند مجيء رُستم كان بضغطٍ من الفُرس الذين أخذوا منها الخِراج، ودخل الكثير من أبنائها في الإسلام.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= شبارو، عصام مُحمَّد|العنوان= الدولة العربيَّة الإسلاميَّة الأولى|الإصدار= الثالثة|الصفحة= 288|سنةالسنة= [[1995]]م|الناشر= [[دار النهضة العربية (بيروت)|دار النهضة العربيَّة]]|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref>
[[ملف:Shahnameh3-1.jpg|تصغير|مُنمنمة فارسيَّة لِمعركة القادسيَّة من كتاب [[شاهنامه]] [[أبو قاسم الفردوسي|لِأبا القاسم الفردوسيّ]].]]
نزل الفُرس بِقيادة رُستم، بين الحيرة والسياخين، في جيشٍ عرمرميّ قيل بأنَّهُ ضمَّ مائة وعشرين ألف مُقاتل نصفهم من الفُرسان الدَّارعين، وثلاثة وثلاثين فيلًا،<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثالث|الإصدار= الثانية|الصفحة= 510|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> أي أكثر من ثلاثة أضعاف قُوَّة المُسلمين. وزحف رُستم نحو القادسيَّة، وعسكر على بُعد ميلٍ واحدٍ فقط من المُسلمين، ولم يشتبك معهم في مُحاولةٍ منه لإدخال الضجر والملل إلى قُلوبهم لِينسحب منهم أكبر قدرٍ مُمكن.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[ابن الأثير|ابن الأثير الجزري، عزُّ الدين أبي الحسن عليّ بن أبي الكرم مُحمَّد بن مُحمَّد بن عبدُ الكريم بن عبد الواحد الشيباني]]|المؤلف2= تحقيق أبو الفداء عبدُ الله القاضي|العنوان= [[الكامل في التاريخ]]، الجزء الثاني|الإصدار= الأولى|الصفحة= 455|سنةالسنة= [[1407هـ]] - [[1987]]م|الناشر= دار الكُتب العلميَّة|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> كتب سعد بن أبي وقَّاص إلى عُمر يشرح لهُ الموقف الميدانيّ، فأجابهُ عُمر بأن يبعث إلى شاه فارس من يُناظرونه ويدعونه إلى الإسلام قبل الإقدام على القِتال، فامتثل سعدٌ لِأوامر الخليفة، وبعث النُعمان بن مُقرن وعاصم بن عمرو في طائفةٍ من أصحابه إلى يزدجرد، فسخر منهم ومن العرب أجمعين مُهددًا بِجيش رُستم الذي قال أنَّهُ سيدفن المُسلمين في خندق القادسيَّة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثالث|الإصدار= الثانية|الصفحة= 499|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> كما جرت اتصالاتٌ مُكثَّفةٌ بين رُستم وسعد قبل القِتال، وتبادلا السُفراء، إذ كان رُستم قد تردَّد في خوض معركةٍ سافرة مع المُسلمين، وراسل سعدًا يطلب الصُلح، فأرسل لهُ ربيع بن عامر الذي عرض عليه أن يختار بين الإسلام أو الجزية أو الحرب، فيما عرض رُستم الكثير من العطايا والمِنح والوُفود على المُسلمين مُقابل عودتهم إلى بلادهم، فرُفض طلبه جُملةً وتفصيلًا، فاستشاط غضبًا وأقسم بالشمس أن يقتل كُل المُسلمين بحُلول الصباح، فتبدَّدت كُل آمال الصُلح والمُهادنة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثالث|الإصدار= الثانية|الصفحة= 518 - 525|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> دامت المُفاوضات بين الفُرس والمُسلمين ثلاثة أيَّام، وفي اليوم الرَّابع وقعت المعركة، فالتقى الجمعان في الميدان، وكان سعدًا قد أُصيب [[عرق النسا|بِعرق النسا]] و[[قرحة|بِقُروحٍ]] مُتعدِّدة، وأصبح عاجزًا عن الحركة والمشي، فتمركز في قصرٍ ملكيٍّ قديمٍ يُشرفُ على ميدان القتال، وعيَّن [[خالد بن عرفطة]] قائدًا عامًا يُشرفُ على المعركة بدلًا منه. والتحم المُسلمون والفُرس في رُحى معركةٍ طاحنة استمرَّت ثلاثة أيَّام وليلة: يوم أرمات، ويوم غواث، ويوم عماس، وليلة الهرير.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= شبارو، عصام مُحمَّد|العنوان= الدولة العربيَّة الإسلاميَّة الأولى|الإصدار= الثالثة|الصفحة= 290|سنةالسنة= [[1995]]م|الناشر= [[دار النهضة العربية (بيروت)|دار النهضة العربيَّة]]|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> تحارب الطرفان طيلة الليل وحتَّى غُروب شمس يوميّ أرمات وغواث، وكانت الفيلةُ تُنفرُ الخُيول، فحملوا عليها في يوم عماس بأن هاجموا الفيل الأبيض والفيل الأجرب وهُما أكبرُ الفيلة بأن طعناها في المشافر والعُيون، فخرَّ الأبيضُ صريعًا وفرَّ الأجربُ في النهر فلحقتهُ سائرُ الفيلة، وهُنا وجد المُسلمون الفُرصة سانحة، فقاتلوا الفُرس طيلة الليل، وفي صباح اليوم الرَّابع «يومُ القادسيَّة»، بدأت الهزيمة تحلُّ بالفُرس، فقُتل رُستم على يد هلال بن علقمة التميميّ، وقُتل الجاليونس أثناء مُحاولته الفرار، ولاذ الجيشُ الفارسيّ بالفِرار عبر النهر.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[ابن كثير|ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عُمر القُرشي البصري الدمشقي]]|المؤلف2= تحقيق عبدُ الله بن عبد المُحسن التُركي|العنوان= [[البداية والنهاية]]، الجزء السَّابع|الإصدار= الأولى|الصفحة= 44 - 46|سنةالسنة= [[1418هـ]] - [[1997]]م|الناشر= دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> وبهذا تحطَّمت القُوَّة الميدانيَّة للجيش الفارسيّ وازداد اليأس والاضطراب في البلاد بعد مقتل رُستم، وفُتحت أبواب فارس على مصراعيها أمام المُسلمين للتوغُل في بلاد الأعداء.
 
=== فتح المدائن ===
 
=== فتح الأبلة والبصرة ===
شكَّل قطاع الأبلة والبصرة والأحواز جبهة قتاليَّة مُساندة تزامنت أحداثها مع [[فتح المدائن]] وما تفرَّع عنه. لقد أراد عُمر بن الخطَّاب أن يفتح جبهةً ثانيةً ضدَّ يزدجرد الذي كان يُقاتلُ انطلاقًا من المدائن لِتخفيف الضغط عن هذه الجبهة، فأرسل [[عتبة بن غزوان|عُتبة بن غزوان المازنيّ]] إلى [[البصرة]] في أواخر ذي القعدة سنة 15هـ المُوافق لأواخر كانون الأوَّل (ديسمبر) سنة 636م، وحدَّد له هدفين: حجز القُوَّات الفارسيَّة في هذه المنطقة ومنعها من التحرُّك شمالًا لِمُساعدة جبهة المدائن، وفتح [[الأبلة]]، لأنَّ سُقوطها سوف يُربك الفُرس ويزيد الوضع الفارسيّ سوءًا. وأمرهُ أن يدعوا القوم إلى الإسلام، فمن أجابهُ قبِل منه، ومن أبى فعليه الجزية، وإلَّا فالسيف في غير هوادة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثالث|الإصدار= الثانية|الصفحة= 590 - 592|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> وصل عُتبة إلى موضع الخُريبة بالبصرة في شهر ربيع الآخر سنة 16هـ المُوافق فيه شهر نيسان (أبريل) سنة 637م، على رأس ثمانمائة مُقاتل، وعسكر في أقصى البر من أرض العرب وأدنى أرض الريف من أرض العجم على مقربة من موقع البصرة المُعاصر، وأقام عدَّة أشهر لا يغزو ولا يُقاتل ولا يخرج إليه أحد من حامية الخُريبة، إذ لم يكن الفُرس يملُكون القوَّة الكافية للتصدّي للمُسلمين، فقبعوا في أماكنهم بانتظار تطوُّرات القتال في الشِّمال. فأرسل عُتبة من أبلغ قائد الحامية أنَّ المُسلمين يُريدونه.<ref name="الأبلة والبصرة">{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الثالث|الإصدار= الثانية|الصفحة= 594 - 595|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> وهكذا اضطرَّت الحامية إلى الخُروج من أماكن تمركُزها واصطدمت بالقُوَّة الإسلاميَّة. ولم يمضِ الكثير من الوقت إلَّا وانتصر المُسلمون وولّى الفُرس مُنهزمين إلى داخل المدينة واحتموا وراء أسوارها، وعاد عُتبة إلى مُعسكره.<ref name="الأبلة والبصرة"/> وسُرعان ما انسحبت تلك الحامية شمالًا نحو الفُرات وعبرته دون قتال نظرًا لانقطاع الاتصالات مع الشمال، ولِتفوّق المُسلمين الواضح. ودخل عُتبة الأبلة وكتب إلى عُمر يُخبرهُ بالفتح.<ref name="الأبلة والبصرة"/> أثار سُقوطُ الأبلة بيد المُسلمين قادة النواحي، ومنهم مرزبان كورة دست ميسان، فحشد قُوَّةً صغيرةً واصطدم بهم، إلَّا أنهُ هُزم وولّى الأدبار. واستغلَّ عُتبة الوضع السيِّء للحاميات الفارسيَّة القليلة العدد بأسفل دِجلة والفُرات، لِمُهاجمتها، وطردها من المنطقة. فتقدَّم نحو [[ميسان (محافظة عراقية)|ميسان]] واشتبك مع الفُرس في نواحي المذار وأبرقباذ، وهزمهم، وعاد إلى البصرة.<ref name="الأبلة والبصرة"/>
 
== فُتوح فارس ==
{{تاريخ إيران}}
لم يكن عُمر بن الخطَّاب قد خطَّط في هذا الوقت لِفتح [[بلاد فارس]] المعروفة [[إيران|بإيران]] اليوم. وكان هدف الاصطدامات التي حدثت حتَّى تلك المرحلة داخل الأراضي الفارسيَّة هو الحِفاظ على إنجازات المُسلمين والمُحافظة على الأراضي الإسلاميَّة، إلَّا أنَّ العراق الذي ضُمَّ إلى رقعة الدولة الإسلاميَّة، كان يُعتبرُ أساسًا جُزءًا من بلاد العرب، لأنَّ العرب سكنوا في أنحائه قبل الإسلام، وكان عُمر يقول: {{اقتباس مضمن|وَدِدّتُ لَو أنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ فَارِسَ جَبَلًا مِن نَارٍ لَا يَصِلُونَ إلَيْنَا مِنْهُ وَلَا نَصِلُ إلَيْهِم}}. ولكنَّ الفُرس لم يركنوا إلى الهُدوء، فكانوا يُجهزون الجُيوش استعدادًا لِمُواصلة الحرب، كما كانوا يقومون بأعمال التمرُّد في البلاد المفتوحة،<ref name="اصطخر">{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الرَّابع|الإصدار= الثانية|الصفحة= 79 - 80|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> ولمَّا سأل عُمر كِبار الصَّحابة عن سبب ذلك أجابوه بأنَّ تلك الفتن لا يُمكن أن تُخمد ما لم يخرج يزدجرد من حُدود البلاد الإيرانيَّة، وأنَّ آمال الفُرس لا يُمكنُ أن تنقطع طالما تُراودهم فكرة بقاء وريث عرش «كنعان» على قيد الحياة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[شبلي النعماني|النُعماني الهندي، شمسُ العُلماء شبلي]]|المؤلف2= ترجمة وتحقيق جلال السعيد الحفناوي|العنوان= سيرة الفاروق|الإصدار= الأولى|الصفحة= 139|سنةالسنة= [[2000]]م|الناشر= المجلس الأعلى للثقافة|مكانالمكان= [[القاهرة]] - مصر}}</ref> وممَّا زاد في تشجيع الفُرس على التمادي في الخُروج على حُكم المُسلمين والاستعداد لِحرب الاسترداد، إخفاق هؤلاء في فتح مدينة [[اصطخر]]، حاضرة فارس قبل المدائن، والمعروف أنَّ [[العلاء بن الحضرمي|العلاء بن الحضرميّ]] عامل عُمر على البحرين عبر [[الخليج العربي|الخليج]] إلى البر الفارسيّ دون الحُصول على إذنٍ من الخليفة، فقصد اصطخر، وتغلَّب على حامية السَّواحل، وتابع زحفه باتجاه المدينة، إلَّا أنَّهُ لم يُؤمِّن على مؤخرته، حيثُ تقضي السِّياسة العسكريَّة السليمة بِتمركز قُوَّة عسكريَّة في النقاط المُهمَّة على الطريق إلى اصطخر، فقطع الفُرس عليه خطَّ الرجعة بِقيادة الهربذ، ولم يُنقذه سوى قرار الخليفة بِإرسال مدد من حاميات البصرة والكوفة، وعزلهُ عُمر بعد ذلك جرَّاء مُغامرته غير المدروسة ووضعهُ بتصرُّف سعد.<ref name="اصطخر"/>
 
=== فتح الأحواز ===
[[ملف:Al Istakhri map.jpg|تصغير|يمين|خارطة لإقليم الأحواز كما عرفهُ المُسلمون، من كتاب مسالك الممالك [[الإصطخري|للإصطخريّ]].]]
اعتقد الفُرس أنَّ الاندفاع الإسلاميّ سوف يتوقَّف بعد أن يصل المُسلمون إلى الثُغور، ولهذا اطمأنّوا على ديمومة إمبراطوريَّتهم. وكان عُمر في الأساس لا ينوي أن يتخطّى العراق، لكنَّ الأحداث المُتسارعة دفعتهُ إلى تغيير هذه السياسة تجاه الفُرس، وشجَّعتهُ الانتصارات الإسلاميَّة المُتتالية على التوغُّل في عمق الأراضي الفارسيَّة. وكانت الأوضاع السياسيَّة في فارس مُزعزعة، وأركانُ الحُكم مُتفرقين في النواحي. فقد رحل يزدجرد إلى [[الري|الريِّ]]، إلَّا أنَّهُ تعرَّض لِمؤامرةٍ من قِبل حاكمها [[آبان|آبان جاذويه]]، فغادرها إلى [[خراسان|خُراسان]] عن طريق [[أصفهان]] و[[كرمان]]، وأقام [[مرو|بِمرّو]] واتخذها قاعدةً جديدةً يحكُمُ منها ما تبقّى من إمبراطوريَّته. واستقرَّ [[الهرمزان|الهُرمُزان]] في [[الأحواز]]، وتشتَّت جُنودُ فارس في مُختلف النواحي.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الرَّابع|الإصدار= الثانية|الصفحة= 166 - 167|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> وأخذ يزدجرد يعمل من قاعدته في مرّو على إثارة الفُرس لاسترداد ما فقدوه، خُصوصًا بعد أن علم بِقرار الخليفة بألَّا يتعدّى المُسلمون العراق، فتحرَّكت قُوَّة عسكريَّة ضخمة نحو [[تستر]] عاصمة الأحواز بِقيادة الهُرمُزان، وأخذت تُغيرُ على قٌرى تلك الولاية المُمتدَّة بين البصرة وفارس، فطلب [[عتبة بن غزوان|عُتبة بن غزوان]] العون من سعد بن أبي وقَّاص لِمُحاربة الهُرمُزان، فأرسل إليه فرقةً عسكريَّةً من الكُوفة بِقيادة [[النعمان بن مقرن المزني|النُعمان بن مُقرن المزني]]، كما كتب عُمر إلى [[أبو موسى الأشعري|أبي موسى الأشعريّ]] عاملهُ على البصرة بأن يُرسل قوَّةً عسكريَّةً من جُند البصرة بِقيادة سهل بن عُدي.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الرَّابع|الإصدار= الثانية|الصفحة= 83|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref>
 
كان سُكَّانُ الأحواز قد أشعلوا الثورة ضدَّ الوُجود الإسلاميّ بِفعل قُرب بِلادهم من الأبلة والبصرة، وقد أثارهم التغيير السريع للوُلاة في البصرة، وقد أملوا أن تندلع الاضطرابات الداخليَّة بين المُسلمين، ممَّا يُساعدهم على طردهم من المنطقة. سلك النُعمان طريق السَّواد وعبر دِجلة عند ميسان وتابع زحفهُ إلى الأحواز، فاجتاز [[نهر تيري]] ومناذر وسوق الأحواز، ثُمَّ اصطدم بالقوَّة الفارسيَّة بِقيادة الهُرمُزان في ناحية أربك وتغلَّب عليها. وانسحب الهُرمُزان إلى تستر وأخلى [[رامهرمز]]، فدخلها النُعمان، ثُمَّ أتمَّ فتحُ الأحواز بعد أن انضمَّ إليه الجُند الذين قدموا من البصرة بِقيادة سهل بن عُديّ، كما انضمَّ أبو موسى الأشعريّ إلى الجيش الإسلاميّ بعد ذلك، وحاصر المُسلمون تستر وقد تحصَّن بها الهُرمُزان. دام الحِصار بضعة أشهر تخلَّلهُ مُناوشات بين الطرفين كانت سِجالًا قبل أن يقتحم المُسلمون المدينة بِمُساعدة أحد سُكَّانها. وأُسر الهُرمُزان وأُرسل إلى عُمر في المدينة، فأعلن إسلامُه أمامه.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الرَّابع|الإصدار= الثانية|الصفحة= 84 - 89|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> وكان المُسلمون قد أحاطوا [[شوش|بالسوس]] وعليها شهريار أخو الهُرمُزان، وجرت بين الطرفين عدَّة مُناوشات. وعلم المُسلمون أثناء الحِصار بأنَّ الفُرس يحشدون قُوَّاتٍ كثيفةٍ في [[نهاوند]]، فرأوا أن يُسيطروا على السوس قبل الزحف نحوها، فشنّوا هُجومًا مُركزًا على المدينة واخترقوا تحصيناتها، فاستسلم سُكَّانها وطلبوا الأمان.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الرَّابع|الإصدار= الثانية|الصفحة= 89 - 93|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref>
 
=== معركة نهاوند «فتحُ الفُتوح» ===
{{مفصلة|معركة نهاوند}}
تراجعت هيبة الإمبراطوريَّة الساسانيَّة بعد خسارة العراق وانسحاب الفُرس من الأحواز إلى عُمق الأراضي الفارسيَّة. وحرَّكت هذه الظاهرة الشعور القومي الفارسيّ، وأحدثت يقظة في [[طبرستان]] و[[جرجان]] ودنباوند والرَّي و[[أصفهان]] و[[همدان (إيران)|همدان]]، وأثارت الفُرس في [[خراسان|خُراسان]] و[[السند]]، فكتب سُكَّانُ تلك المناطق إلى يزدجرد، وهو يومئذٍ في مرّو، وأثاروه لِتحرُّكٍ جديد. فدعا إلى التعبئة، وحشد مائة ألف مُقاتل، وقيل ستين ألفًا، وقيل مائة وخمسين ألفًا، عيَّن عليهم ذو الحاجب مردان شاه، وسيَّرهم جميعًا إلى نهاوند.<ref name="نهاوند1">{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[البلاذري|البلاذريّ، أحمد بن يحيى بن جابر بن داود]]|العنوان= [[فتوح البلدان|فُتوح البُلدان]]، الجزء الثاني|الصفحة= 300|سنةالسنة= [[1988]]م|الناشر= دار ومكتبة الهلال|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref><ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[ابن كثير|ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عُمر القُرشي البصري الدمشقي]]|المؤلف2= تحقيق عبدُ الله بن عبد المُحسن التُركي|العنوان= [[البداية والنهاية]]، الجزء السَّابع|الإصدار= الأولى|الصفحة= 106|سنةالسنة= [[1418هـ]] - [[1997]]م|الناشر= دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> رصد قباذ بن عبدُ الله، الوالي على ثغر حُلوان، هذه الحُشود فكتب إلى سعد بذلك، فأخبر سعد بدوره عُمر. ثُمَّ حدث أن عُزل سعد في هذه الظروف الحرجة بسبب وشايات أهل الكُوفة ضدَّه، وخلفهُ عبدُ الله بن عُتبان، وهو صحابيّ مُتقدِّم في العُمر.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الرَّابع|الإصدار= الثانية|الصفحة= 120 - 122|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> كانت سياسة عُمر تقضي، حتَّى ذلك الوقت، بعدم السماح للمُسلمين بالانسياح في الجبال، لكنَّ حُشود الفُرس في نهاوند اضطرَّتهُ إلى تغيير سياسته، فإذا لم يُبادرهم المُسلمون بالشِّدَّة ازدادوا جُرأةً ورُبَّما كرَّوا عليهم. وعقد مجلسًا للمشورة استمع فيه إلى آراء كِبار الصحابة الذين أجمعوا على ضرورة الإمساك بِزمام المُبادرة.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الرَّابع|الإصدار= الثانية|الصفحة= 123 - 125|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> اختار عُمر النُعمان بن مُقرن المزني لِقيادة الجيش الإسلامي إلى نهاوند، ورسم لهُ الخِطَّة التي يتوجَّب عليه تنفيذها، وأردفهُ بِقوَّاتٍ من المدينة بِقيادة [[عبد الله بن عمر بن الخطاب|عبدُ الله بن عُمر]]، وبِثُلث قُوَّات البصرة بِقيادة أبي موسى الأشعريّ، وثُلث قُوَّات الكُوفة بِقيادة [[حذيفة بن اليمان|حُذيفة بن اليمان]].<ref name="نهاوند1"/> وقدَّر عُمر أنَّ القتال سيكونُ ضاريًا ورُبَّما أدَّى إلى مصرع القائد، فاقتدى بالرسول مُحمَّد في [[غزوة مؤتة]]، فعيَّن سبعة من الرجال خلفًا للنُعمان في حال قُتل.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الرَّابع|الإصدار= الثانية|الصفحة= 93 - 94|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref>
[[ملف:Castle Nahavend by Eugène Flandin.jpg|تصغير|يمين|حصنُ نهاوند، آخرُ المعاقل الفارسيَّة الرئيسيَّة في الداخل الإيراني. حاصرها المُسلمون وافتتحوها ولم تقم للفُرس قائمة بعد هذا الفتح.]]
خرج النُعمانُ من السوس على رأس جيش الكُوفة الذي يُقدَّرُ بِثلاثين ألف جُنديّ مُتوجهًا إلى نهاوند، في الوقت الذي فتحت فيه قُوَّة إسلاميَّة مدينة جُنديسابور بقيادة زرِّ بن عبدُ الله كُليب،<ref name="نهاوند1"/> وبثَّ العُيون أمامهُ لاستكشاف المنطقة حتَّى لا يؤخذ على غرَّة، وواصل زحفه إلى أسبيهذان التي تبعد تسعة أميال عن نهاوند، وعسكر فيها بالقُرب من المُعسكر الفارسيّ. وكان الفُرس قد أحاطوا نهاوند بالخنادق وتحصَّنوا بها.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الرَّابع|الإصدار= الثانية|الصفحة= 115 - 119|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> ويبدو أنَّ الفُرس تهيَّبوا الدُخول في معركة، فطلبوا من النُعمان أن يُرسل إليهم رسولًا للتباحث بشأن التوصّل إلى تفاهُمٍ سلميّ، فأرسل إليهم [[المغيرة بن شعبة|المغيرة بن شُعبة]]، لكنَّ المُباحثات انتهت إلى الفشل بسبب التصلُّب في المواقف. فقد عرض الفُرس على المُسلمين ذات العرض السَّابق، وهو الانسحاب من فارس لِقاء المال والأمان، وجاء الرَّد الإسلامي بالرفض المُطلق. وبدأ الطرفان يستعدَّان للحرب، ثُمَّ التحما في رحى معركةٍ ضارية، ابتدأت شديدةً واستمرَّت يومين. ولمَّا لاح النصرُ للمُسلمين، تراجع الفُرس إلى المدينة وتحصَّنوا بها، فأحاط المُسلمون بهم، ومرَّت أيَّام والجبهة على ذلك. وعقد النُعمانُ مجلسًا عسكريًا مع أركان حربه للتشاور، فتقرَّر تخصيص قوَّة عسكريَّة تعمل على دفع الفُرس إلى الخُروج من تحصيناتهم بالتحرُّش بهم وإغرائهم على الالتحام، بالكرِّ والفر، في حين يترصَّد سائر الجيش في أماكن خلفيَّة خفيَّة عن أعين العدو، فإذا حدث الالتحام تظاهرت القوَّة بالخسارة وتتراجع أمامهم إلى حيثُ يستطيع جيشُ المُسلمين أن يشترك في المعركة ويلتحم بهم بعيدًا عن تحصيناتهم.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الرَّابع|الإصدار= الثانية|الصفحة= 129|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> ونفَّذ القعقاع بن عمرو ومعهُ سريَّتهُ من الجُند هذه الخطَّة بنجاح، فطوَّق المُسلمون الفُرس وانقضّوا عليهم، ودار قتالٌ لم يشهد لهُ الفُرس ولا المُسلمين مثالٌ من قبل، فصمد المُسلمون وقاتل الفُرس قتالًا مُستميتًا من مُنتصف النهار حتَّى الليل، وسقط في أرض المعركة عددٌ من القادة والأسماء البارزة، منهم النُعمان نفسه، وطُليحة الأسدي، و[[عمرو بن معد يكرب]]، وفي نهاية المطاف انهار التماسك الفارسيّ، وفرَّ قسمٌ كبيرٌ من الجيش ناجيًا بحياته، واستسلمت حامية نهاوند، وطلب سُكَّانُها الأمان وأقرّوا بِدفع الجزية، ودخل المُسلمون المدينة وأجابوا الفُرس إلى ما طلبوا، وأُرسلت المراسيل إلى عُمر بالمدينة تُبشِّرهُ وأهلها بالفتح،<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الرَّابع|الإصدار= الثانية|الصفحة= 132 - 133|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> الذي عرفهُ المُسلمون «بفتح الفُتوح» لأنَّهُ لم يقم للفُرس بعدها قائمة.
 
=== فتح همذان وأصبهان ===
 
=== فتح إقليم فارس ===
لم تُشكِّل الأراضي التي سيطر عليها الفُرس والتي غزاها المُسلمون، دولة مُستقلَّة بالمفهوم العام للدولة، وإنَّما كانت داخلة ضمن إمبراطوريَّة تضُمُّ دُويلات أو ولايات تخضع للحُكم الفارسيّ، في حين تركَّزت الدولة التي أقامها الساسانيّون، في [[فارس (محافظة)|إقليم فارس]]، ثُمَّ ضمَّ هؤلاء إلى دولتهم ما جاورها من أقاليم. ووصل المُسلمون في سنة 23هـ المُوافق فيه سنة 644م إلى قلب الإمبراطوريَّة الفارسيَّة الساسانيَّة، إلى أرض الشعب الذي حكم الشُعوب المُجاورة؛ وبدأوا بِفتح مُدنها.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= طقّوش، مُحمَّد سُهيل|العنوان= تاريخ الخُلفاء الرَّاشدين: الفُتوحات والإنجازات السياسيَّة|الإصدار= الأولى|الصفحة= 227|سنةالسنة= [[1424هـ]]ـ - [[2002]]م|الناشر= دار النفائس|الرقم المعياري= 9953181012|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> أرسل عُمر ثلاثة ألوية لِفتح إقليم فارس، انطلقت جميعها من قاعدة البصرة، وهي على الشكل التالي: [[مجاشع بن مسعود السلمي]] إلى أردشير خرَّة وصبور، و[[عثمان بن أبي العاص|عُثمان بن أبي العاص]] إلى [[اصطخر]]، و[[سارية بن زنيم الديلي الكناني|سارية بن زُنيم الديلي الكِناني]] إلى [[فسا]] و[[داراب]]. وبعد أن اجتازوا جميعًا [[أرجان]] دون مُقاومة، وكانت في طريقهم، تفرَّقوا كُلٌّ إلى وجهته المُحدَّدة، وفتحوا كامل الإقليم.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[البلاذري|البلاذريّ، أحمد بن يحيى بن جابر بن داود]]|العنوان= [[فتوح البلدان|فُتوح البُلدان]]، الجزء الثاني|الصفحة= 378 - 380|سنةالسنة= [[1988]]م|الناشر= دار ومكتبة الهلال|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> والمُلفت أنَّ كافَّة عمليَّات الفتح كانت عِبارة عن معارك صغيرة مُقارنةً بِمعارك البُويب والقادسيَّة وجلولاء ونهاوند، وذلك بفعل قضاء المُسلمين في تلك المعارك على القُوَّة الميدانيَّة للإمبراطوريَّة الساسانيَّة المُنهارة.
 
=== فتح كرمان وسجستان ومكران ===
اغتيل الخليفة عُمر بن الخطَّاب فجر يوم الأربعاء في [[26 ذو الحجة|26 ذي الحجَّة]] سنة [[23هـ]] المُوافق فيه [[2 نوفمبر|2 تشرين الثاني (نوڤمبر)]] سنة [[644]]م، وهو يُصلّي [[صلاة الفجر]] في المسجد، وكان القاتل يُدعى [[أبو لؤلؤة|أبو لؤلؤة فيروز النهاوندي]]، واختلف المُؤرخون في تحديد الدَّافع وراء الاغتيال، لكن ممَّا قيل أنَّها كانت مؤامرةً فارسيَّة، بدافع الانتقام من الرجل الذي كان وراء القضاء على الإمبراطوريَّة الساسانيَّة.<ref group="ْ">''Al Farooq, Umar'' By Muhammad Husayn Haykal. chapter 19 page no:130 Pourshariati (2008), p. 247</ref> بعد وفاة عُمر، بويع [[عثمان بن عفان|عُثمان بن عفَّان]] بالخِلافة، وخلال عهده وقعت عدَّة ثورات في فارس ضدَّ الحُكم الإسلامي بين الفينة والأُخرى، لكنَّها دائمًا ما خمدت، وأبرز الولايات الفارسيَّة التي وقعت فيها بعضُ الثورات: [[أرمينية]] و[[أذربيجان]] و[[فارس (محافظة)|فارس]]، و[[سيستان]] (649م)، و[[خراسان الكبرى|خُراسان]] (651م)، و[[مكران]] (650م).<ref group="ْ">The Muslim Conquest of Persia By A.I. Akram. Ch:19 ISBN 978-0-19-597713-4</ref> وما لبثت هذه الثورات والانتفاضات أن هدأت وانطفأت بعد أن تقبَّل الفُرس الإسلام وأقبلوا على اعتناقه.
 
أمَّا يزدجرد، فبعد أن جرَّده المُسلمون من كُلِّ أرضه، اضطرَّ إلى الفرار حتَّى آخر حُدود إمبراطوريَّته، ولمَّا سقطت خُراسان لم يبقَ أمامه سوى الالتجاء لِجيرانه وطلب مُساعدتهم. وفعلًا، فقد كتب إلى ثلاثة مُلوك يستمدُّهم ويستنجد بهم، وهم: خاقان [[ترك|التُرك]] وملك [[الصغد]] وإمبراطور [[الصين]]. ولمَّا فتح المُسلمون آخر ما تبقى من أراضي الإمبراطوريَّة الساسانيَّة، فرَّ يزدجرد عبر [[نهر جيحون]] إلى خاقان التُرك الذي توافق مصالحهُ مع مصالح العاهل الفارسيّ، وقد خشي من الامتداد الإسلامي باتجاه بلاده، وتعاون الرجُلان في مُقاومةٍ فاشلة حيثُ جنَّدا جيشًا وهاجما المُسلمين في خُراسان. وانتهى الأمر بانسحاب خاقان التُرك إلى بلاده مُقتنعًا بما تناهى إلى أسماعه من أنَّ المُسلمين لن يعبروا النهر، بناءً على تعليمات عُمر.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الرَّابع|الإصدار= الثانية|الصفحة= 167 - 168|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> أمَّا يزدجرد فقد نزل ضيفًا على مرزبان مرّو، المدعو «ماهويه»، والذي لم يكن يتمنّى غير التخلُّص من ضيفه الذي رفض أن يُزوِّجه ابنته، وتحالف مع «نيزك طرخان» التابع لِمرزبان طخارستان. فأرسل نيزك جماعة لأسره، فاشتبكوا معه وهزموه، فمضى هاربًا حتَّى انتهى إلى بيت طحَّان على شاطئ نهر المرغاب، فمكث ليلتين وماهويه يبحث عنه. فلمَّا أصبح اليوم الثاني دخل الطحَّان إلى بيته فرأى يزدجرد بِهيئته الملكيَّة وهو لا يعرفه، فبهت، وطمع به، فقتلهُ بعد أن وشى به إلى ماهويه، وطرح جُثَّته في النهر، وذلك سنة 31هـ المُوافقة لِسنة 652م، ولمَّا يبلغ الثامنة والعشرين من عُمره. وقد خلَّف ابنين وثلاث بنات.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الرَّابع|الإصدار= الثانية|الصفحة= 293 - 298|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref><ref group="ْ">{{مرجع ويب | المسار=http://p2.www.britannica.com/oscar/print?articleId=106324&fullArticle=true&tocId=9106324 | العنوان=Iran | الناشر=[[موسوعة بريتانيكا]]}}</ref> وبمقتل يزدجرد تمَّ القضاء على الإمبراطوريَّة الساسانيَّة تمامًا، وانقضت سُلالة مُلوكها.
 
== فارس تحت الحُكم الإسلامي ==
[[ملف:Mohammad adil-Rashidun-empire-at-its-peak-close.PNG|تصغير|يسار|300بك|أقصى الحُدود التي بلغتها دولة الخِلافة الرَّاشدة خِلال عهد الخليفة الثالث عُثمان بن عفَّان، سنة 654م.]]
<blockquote>كانت النظرة الإيرانيَّة إلى الفُتوح العربيَّة الإسلاميَّة مُتفاوتة: فقد اعتبرها البعضُ نعمةً أنعم الله بها على البِلاد، إذا عرف النَّاسُ الدين الحق، فانقضى عهدُ الجهل وعبادة الأصنام؛ ونظر إليها آخرون على أنَّها هزيمةٌ قوميَّةٌ مُذلَّةٌ، فقد انهارت الإمبراطوريَّة على يد غُزاةٍ أجانب لا يمتّون لِفارس بِصلة. كِلا النظرتين صحيحة بطبيعة الحال،استنادًا إلى وجهة نظر القائلين بها… فالإيرانيّون اعتنقوا الإسلام فعلًا، لكنَّهم لم يتعرَّبوا. بقي الفُرسُ فُرسًا. وبعد حينٍ من الصمت،عادت إيران لِتبرز مرَّة أُخرى، بحُلَّةٍ مُختلِفةٍ ومُميَّزةٍ داخل العالم الإسلاميّ، لِتُضيف في نهاية المطاف عُنصرًا جديدًا إلى الإسلام ذاته. كانت المُساهمة الإيرانيَّة الثقافيَّة، والسياسيَّة، وحتَّى الدينيَّة، مُساهمةً فعَّالةً وبارزةً في الثقافة الإسلاميَّة خِلال السنوات اللاحقة. يُمكنُ مُلاحظة اللمسات الإيرانيَّة في كُلِّ انجازٍ ثقافيٍّ إسلاميّ، بما فيه الشعر العربي، إذ ساهم الشُعراء الفُرس الذين نظموا أشعارهم باللُغة العربيَّة مُساهمةً فعَّالةً في هذا المجال. يُمكنُ القول أنَّهُ بشكلٍ أو بآخر، كان الإسلامُ الإيرانيُّ يُشكِّلُ بعثةً ثانيةً للإسلام نفسه، وهو ما اصطلح البعضُ على تسميته بإسلام العجم. كان هذا النمطُ من الإسلام الفارسيّ، عوض الإسلام العربيّ الأصيل، هو ما وصل شُعوبًا عديدة ودخل بلادًا كثيرة: ومن هؤلاء التُرك، الذين أخذوهُ عن الفُرس في آسيا الوُسطى في بداية المطاف، ثُمَّ في الشرق الأوسط وتحديدًا بالمنطقةِ التي تُعرفُ حاليًا بتُركيَّا، وفي الهند أيضًا بطبيعة الحال. وقد ساهم العُثمانيّون في نشر هذا النمط من الإسلام عبر فُتوحاتهم التي بلغت أسوار ڤيينَّا.<ref group="ْ">{{مرجع ويب | المسار=http://www.tau.ac.il/dayancenter/mel/lewis.html | العنوان=Iran in history | الأول=Bernard | الأخير=Lewis | الناشر=[[جامعة تل أبيب|Tel Aviv University]] | تاريخ الوصول=2007-04-03}}</ref></blockquote>
من الناحية العُمرانيَّة، كان الخليفة عُمر بن الخطَّاب حريصًا على أن يكون العُنصر المُقاتل في الجيش هو العُنصر العربي، نظرًا لأنَّ العرب كانوا يُمثلون الأغلبيَّة السَّاحقة من المُسلمين، ولم يكن إسلام الشُعوب الخاضعة، بما فيها الفُرس قد طُرح جديًا بعد، ولم يكن العرب أيضًا قد استقرّوا في المُدن المفتوحة وخالطوا سُكَّانها الأصليين بكثافة بحيثُ يتعرَّف هؤلاء على الإسلام بشكلٍ أوضح، وكان عدم توطين العرب في المراكز الحضريَّة المُهمَّة خارج شبه الجزيرة العربيَّة هو إحدى الاستراتيجيَّات التي انتهجها عُمر بهدف الاحتفاظ بشدَّة الرُوح القتاليَّة لدى المُسلمين، فعمد إلى تجميعهم في قواعد عسكريَّة يتمُّ اختيارها عادةً على شواطئ الأنهار، وهي قريبة الشبه بِالقواعد العسكريَّة من حيثُ المُهمَّات المنوطة بها ودورها في خطط الفُتوح.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= بيضون، إبراهيم|العنوان= ملامح التيَّارات السياسيَّة في القرن الأوَّل الهجريّ|الإصدار= الأولى|الصفحة= 96|سنةالسنة= [[1979]]م|الناشر= [[دار النهضة العربية (بيروت)|دار النهضة العربيَّة]]|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> بناءً على هذا، تمَّ بناء مدينة البصرة في جنوب العراق لِحماية البلاد من الهجمات الفارسيَّة الارتداديَّة. وكان المُسلمون قد استقرّوا في المدائن بعد فتحها، ويبدو أنَّ البُنية الجُغرافيَّة لهذا الإقليم لم تتناسب مع ما ألفه العرب من جوٍ صحراويٍّ مفتوح، فشحب لونُهم، فلمَّا وقف الخليفة على ذلك كتب إلى سعد بن أبي وقَّاص يأمُره بأن يتخذ للمُسلمين دار هجرة يُقيمون فيها، وأن يختار لهم مكانًا مُناسبًا بحيثُ لا يكونُ بينهم وبينه بحرٌ ولا جسر،<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= [[الطبري|الطبري، أبو جعفر مُحمَّد بن جُرير]]|المؤلف2= تحقيق مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم|العنوان= [[تاريخ الرسل والملوك|تاريخ الرُسل والمُلوك]]، الجُزء الرَّابع|الإصدار= الثانية|الصفحة= 40 - 41|سنةالسنة= [[1387هـ]] - [[1967]]م|الناشر= [[دار المعارف]]|مكانالمكان= [[القاهرة]] - [[مصر]]}}</ref> وبناءً على هذا تمَّ تشييدُ الكُوفة. أمَّا من الناحية الدينيَّة، فقد أدَّى الفتحُ الإسلاميّ إلى دُخول مُعظم أهل العراق في الإسلام، ومردُّ ذلك هو امتدادُ القبائل العربيَّة فيه قبل الإسلام، أمَّا فارس فقد أبى أغلب أهلها الإسلام في بداية الأمر، وبقوا على المجوسيَّة، دينُ آبائهم وأجدادهم، فتحوَّلوا إلى أهل ذمَّة يُصالحون ويدفعون الجزية لِبيت المال، وحافظوا على قوميَّتهم الفارسيَّة، لكنَّهم ما لبثوا أن دخلوا الإسلام بِمرور الوقت، حتَّى تراجعت المجوسيَّة تراجُعًا حادًا، وأصبح الإسلامُ هو دينُ أغلبيَّة الفُرس.<ref>{{مرجع كتاب|المؤلف1= شبارو، عصام مُحمَّد|العنوان= الدولة العربيَّة الإسلاميَّة الأولى|الإصدار= الثالثة|الصفحة= 302|سنةالسنة= [[1995]]م|الناشر= [[دار النهضة العربية (بيروت)|دار النهضة العربيَّة]]|مكانالمكان= [[بيروت]] - [[لبنان|لُبنان]]}}</ref> كما اقتبس الفُرس الحروف العربيَّة واستحالت أبجديَّتهم عربيَّة الكتابة والحرف.
 
== انظر أيضًا ==
== كتب ==
<div dir=ltr>
* {{Citation |lastالأخير=Norwich |firstالأول=John Julius |titleالعنوان=A Short History of Byzantium|publisherالناشر= Vintage Books |yearالسنة=1997 |isbn=0-679-77269-3|urlالمسار=http://books.google.com/books?id=ElLZK1EOjHsC|authorlinkوصلة المؤلف=|postscript=.}}
* {{Citation | lastالأخير = Oman| firstالأول =Charles|authorlinkوصلة المؤلف=| titleالعنوان =Europe, 476-918, Volume 1| publisherالناشر =Macmillan| yearالسنة =1893|urlالمسار=http://books.google.com/books?id=N6A-AAAAYAAJ|postscript=.}}
* {{Citation|titleالعنوان=The Roman Eastern Frontier and the Persian Wars (Part II, 363-630 AD) |last1الأخير1=Dodgeon |first1الأول1=Michael H. | last2الأخير2=Greatrex|first2الأول2=Geoffrey|last3الأخير3=Lieu|first3الأول3= Samuel N. C.|yearالسنة=2002 |publisherالناشر=Routledge|isbn=0-415-00342-3 |urlالمسار=http://books.google.com/books?id=zoZIxpQ8A2IC|postscript=.}}
* {{citation|titleالعنوان=Byzantium and Its Army, 284-1081|lastالأخير=Treadgold |firstالأول=Warren T. |yearالسنة=1998|publisherالناشر=Stanford University Press|isbn=0-8047-3163-2|urlالمسار=http://books.google.com/books?id=xfV0LkMNaLUC|postscript=.}}
* {{citation|titleالعنوان=A History of the Byzantine State and Society|lastالأخير=Treadgold |firstالأول=Warren T. |yearالسنة=1997 |publisherالناشر=Stanford University Press|isbn=0-8047-2630-2|urlالمسار=http://books.google.com/books?id=nYbnr5XVbzUC|postscript=.}}
* {{Citation|lastالأخير=Foss|firstالأول=Clive|yearالسنة=1975|titleالعنوان=The Persians in Asia Minor and the End of Antiquity|publisherالناشر= Oxford University Press|journal=The English Historical Review|volume=90|pagesالصفحات=721–47|doi=10.1093/ehr/XC.CCCLVII.721|postscript=.}}
* {{Citation | lastالأخير = Kaegi| firstالأول =Walter Emil | authorlinkوصلة المؤلف=| titleالعنوان =Heraclius: Emperor of Byzantium| publisherالناشر =Cambridge University Press| yearالسنة =2003|isbn = 0-521-81459-6|urlالمسار=http://books.google.com/books?id=tlNlFZ_7UhoC|postscript=.}}
* {{Citation |lastالأخير=Ostrogorsky|firstالأول=George|authorlinkوصلة المؤلف=|titleالعنوان=History of the Byzantine State|publisherالناشر=Rutgers University Press|yearالسنة=1969|ISBN=978-0-8135-1198-6|urlالمسار=http://books.google.com/books?id=PjMts15kLz0C|postscript=.}}
</div>