افتح القائمة الرئيسية

تغييرات

تم إضافة 6 بايت، ‏ قبل 4 سنوات
لاشك أن الثورة التي زحفت على العالم ما بين الألفين الثامن والرابع ق م أدت إلى تحقيق الإنسان لإنجازات كبرى. وكان لها انعكاس كبير فيما يخص علم الفلك ووضع التقاويم من حيث أهمية العلاقة بين المواسم الزراعية والفصول. غير أننا لانعرف في الحقيقة لماذا اختار الإنسان في هذه الفترة أن يبني مراصده من الحجارة الضخمة، كما لاندري كيف استطاع أن ينجز هذه المراصد. ونطلق اليوم على هذه الصروح المبنية من حجارة ضخمة أحادية المغليثيات mégalithiques. ولعل أشهر المجموعات المغليثية هي مجموعة ستونهنج في سهل سالزبوري Salisbury جنوب انكلترا.
 
تتكون ستونهينج من دائرة من الحجارة يبلغ قطرها نحو 100م، وهي محاطة بخندق ويمكن الوصول إليها عبر ممر. وفي المركز نجد دائرتين متمركزتين مؤلفتين من حجارة ضخمة منصوبة عمودياً على الأرض. وهما تحيطان بخمس مجموعات ثلاثية الحجارة؛ وأخيراً في مركز الصرح تماماً يقوم مذبح حجري. ولابد أن الصرح كان أكثر روعة وعظمة عندما كانت الأعمدة الحجرية التي دمرت جزئياً متصلة فيما بينها بشكل دائري رائع بواسطة حجارة أفقية من الأعلى. وقد جذب ستونهينج منذ زمن بعيد الزوار إليه، وكان بينهم علماء كثيرون. وقد لاحظ [[ويليام ستوكلي]] William StuklyStukeley لأول مرة عام 1740 أن محور الصرح والممر موجهان نحو الشمال الشرقي، أي نحو النقطة التي تشرق فيها [[الشمس]] في أطول يوم في السنة. وقد بينت الدراسات الآثارية الحديثة أن ستونهينج بني خلال عدة مراحل وليس دفعة واحدة.
 
المرحلة الأولى: نرى على المخطط المرفق ممراً طويلاً وعريضاً شيدت فيه كتلة صخرية ضخمة ارتفاعها ستة أمتار، وقد نصبت عمودياً في الأرض بحيث يظهر منها فوق سطح الأرض ارتفاع 4.90 م، وهي التي تدعى هيل ستون Heel Stone، أي "حجر الكعب"، ولايزال أصل هذا الاسم القديم غامضاً. ويرجعه بعضهم إلى تسمية سلتية قديمة تعني "حجر الشمس المشرقة". وقد أظهرت التنقيبات خلف هذه الصخرة الأحادية وجود نحو 40 ثقباً أو حفرة صغيرة يرجح أنها كانت لأوتاد تستخدم في مراقبة طلوع القمر من مركز الصرح. إن موقع هيل ستون مميز جداً. فهو معين بحيث يمكن رصد بزوغ الشمس في يوم الانقلاب الصيفي باتجاهه تماماً انطلاقاً من المركز، وذلك في العصر الذي شيد فيه هذا الصرح. وتوجد داخل الخندق وبمحاذاته 56 فجوة تدعى ثقوب أوبري J.Aubrey، وهي تشكل دائرة وتفصل بينها مسافة ثابتة تساوي 4.90 م. وقد وجد في بعضها آثار عظام بشرية مرمدة وبعض قطع الخشب المتفحمة وإبراً عظمية ونصالاً صوانية وقطعاً من الحجارة الضخمة التي تشكل الجزء المركزي من الصرح. غير أن ما يهمنا فلكياً من هذه الثقوب هو "المحطات" الأربع القائمة على دائرة ثقوب أوبري والممثلة بحجرين وبجثوتين. وتشكل هذه النقاط الأربع إذا ما وصلت مستطيلاً كاملاً بحيث أن قطريه يتلاقيان في مركز ستونهينج. ونلاحظ مباشرة أن ضلعيه الصغيرين يوازيان تماماً محور الصرح ويشيران بدقة إلى نقطة الشروق يوم الانقلاب الصيفي باتجاه الممر. أما الضلعان الكبيران فيتعلقان بظهور القمر. وتحمل هذه المحطات الأرقام 91، 92، 93، 94، فإذا وصلنا 93 إلى 92، فإن الخط يعين تماماً النقطة التي يظهر فيها القمر بدراً في أقصى ميل زاوي سالب له: (29o-). وبالمقابل، إذا وقفنا في مركز الصرح ونظرنا إلى 91، فإننا نحدد نقطة الأفق التي يشرق فيها القمر عندما يكون ميله الزاوي مساوياً (19o-). وإذا نظرنا إلى 93 نجد النقطة التي يغيب عندها القمر وميله الزاوي (19o+). ولهاتين القيمتين للميل الزاوي للقمر (19o-+) أهمية فلكية كبرى، فإذا تذكرنا أن مسار القمر يميل بـ 9.5oَ بالنسبة لمستوى مدار الأرض، الذي يميل بدوره على دائرة البروج السماوية بنحو 24o بالنسبة لمستوى الاعتدال السماوي (وهذه الأرقام ترجع كلها إلى نحو 4000 سنة من الآن)، فيمكننا حساب أقصى ميل زاوي للقمر بالشكل 29o=5+24 تقريباً (موجب أو سالب)، في حين تكون القيمة الدنيا للميل بنحو 19o=5-24 سالبة أو موجبة. وهكذا نحصل على أول دليل قاطع على أن ستونهينج بني بغايا فلكية محددة بدقة.