افتح القائمة الرئيسية

تغييرات

تم إضافة 5٬366 بايت ، ‏ قبل 5 سنوات
 
أصول أهل الظاهر مستمدة من القرآن والسنة الصحيحة فقط، فهم يقولون بوجوب الرد إلى الأمر الأول الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، من غير زيادة ولا نقصان، وأن هذه الأصول قد حرمت الأخذ بالظن واستعماله في الشريعة، وقال الله تعالى: { إن الظن لا يغني من الحق شيئًا } فصح عندهم أن الظن محرم في كل ما له علاقة بالشرع.
 
 
ولذلك قالوا بحرمة العمل بالظن، وبوجوب العمل بالمتيقن القطعي فقط، وحرمة العمل بالظن تستوجب تحريم الأخذ بأي أصول عند أصحاب المذاهب الأخرى وهي أصول لم تثبت بيقين، كالقياس، والاستحسان، وسد الذريعة الظنية، والمصالح المرسلة، والعرف، وقول الصحابي بغير نص، والتقليد، وغير ذلك.
 
 
فقد صار معنى الظاهر هو: الأخذ بالمتيقن فقط دون الظن، ومن هذا تستطيع أن تعرف من هو الظاهري ومن هو غير الظاهري، فكل من منع العمل بالظن في الشرعيات: فهو ظاهري، أي: آخذ بالمتيقن من الكتاب والسنة الصحيحة فقط.
 
وليس الأخذ بالظاهر هو الأخذ بحرفية النص كما يتصور بعض من لا يعرف أصول الظاهرية، فالأخذ بحرفية النص دون معناه ضلال وهلكة، وما قال بهذا أحد من أهل الظاهر لا في القديم ولا في الحديث ألبتة.
ودلالة هذه النصوص لا بد أن تكون قطعية أيضًا، فإما أن يفسر النص بالنص، كقرآن بقرآن، أو سنة بسنة، أو قرآن بسنة، أو سنة بقرآن، أو من لغة العرب المتفق عليها المنقولة إلينا بالسماع، أو من ضرورات العقل التي لا يختلف عليها مسلم أو كافر، وهي التي تؤخذ من الحس، أو بداهة العقول.
 
فالظاهرية يأخذون من حرفية الكلمة: مدلولها ومعناها عند العرب، وما يلزم من الكلمة ومقتضاها، فإنهم إذا نظروا في جملة: نقل أحمد الدرس من السبورة، فإنهم يثبتون حياة أحم حال كتابة الدرس ونقله، ويثبتون قدرته على الكتابة، ويثبتون أن هناك من كتب الكلام على السبورة، وهكذا.
 
فكل هذه المعاني غير مذكورة بحرفية النص، وإنما هي مأخوذة من لوازم الكلام، وهكذا يفعل العرب في تخاطبهم، بل هكذا تفعل كل أمة، ولكن حاول البعض الطعن على أهل الظاهر وتقبيح أصولهم، فرموهم بالحرفية، وهم في الحقيقة لا يقولون بها أصلًا، بل تطبيقاتهم وكتبهم خير دليل على بطلان هذا القول.
 
وقد يشتبه هذا الأمر بمسألة أخرى قريبة منها، فإني ذكرت هنا بأن الظاهرية يأخذون بحروف الكلمة وما تدل عليه من معنى، وربما ظن القارئ غير المتخصص أن هذا يناقض قول الظاهرية في إبطال المعاني التي يذكرها أهل الأصول والفقه ؟!
 
وهذا في الحقيقة نشأ بسبب الخلط بين أمرين:
 
الأمر الأول: المعاني القطعية المأخوذة من الكلام العرب الذي لا يختلفون فيه ألبتة.
الأمر الثاني: المعاني الظنية المدعاة على كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
 
فالأمر الأول مقبول باتفاق الظاهرية وغيرهم، ولكن الأمر الثاني هو الذي اختلفوا فيه، فأهل الظاهر يحرمون نسبة شيء أو معنى ظني إلى الله تعالى، ويوجبون أن يكون هذا المعنى موجودًا في النص أو في لغة متفق عليها، وإلا فهو زيادة من مدعيها، وقفو من القائل لما لا يعلم، وهذا حرام.
 
فيقول القائل: الله تعالى حرم كذا لأجل كذا، رغم أن الله تعالى لم يقل ذلك، ويقول: والله تعالى أمرنا أن نحكم على كل متشابهين بنفس الحكم، إذا كانت هناك قرينة أو علة تجمع بينهما !
 
وهذا هو المقصود من إبطال الظاهرية للمعاني، فهذه المعاني التي يذكرها أهل الأصول والفقه من أهل القياس والرأي هي في الحقيقة زيادة تشريع من قائلها، والتشريع لا يكون إلا من الله تعالى، فإنه أوجب أشياء، وحرم أشياء، وسكت عن أشياء، وما سكت عنه فهو مباح عفو، لا يجوز أن يحكم فيه بإيجاب أو تحريم ؛ لأن التشريع خاص بالله تعالى وحده، ولم يخبرنا قط بأن البشر له صلاحية التشريع نيابة عنه، ولذلك أبطل الظاهرية كل هذه المعاني المدعاة على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
 
فوجب على الأمة أن تلتزم ما جاء في النص فقط، وأن لا تتعداه إلى ما لم يشمله النص، وفي هذا موافقة لقاعدة رفع الحرج عن الأمة، والتيسير عليها.
 
فالقرآن صالح لكل زمان ومكان، فكل ما هو ضرر: فالنص حرم الإضرار بالنفس وبالغير، فإن ثبت بأن السلعة هذه تضر الإنسان أو غيره: فهي حرام ؛ لأن الله تعالى حرم كل ضرر، أي: عموم الضرر، ولم يخصص ذلك.
 
وكذلك: جاء تحريم السكر عامة، فأي شيء يسكرنا: فهو حرام علينا، كالخمر، والحشيش، والمخدرات، وكل أنواع المسكرات التي تُغَيِّب العقل، فهذا عمل بعموم النص، فإنه ذكر بأن الخمر حرام، وأن كل ما أسكر فهو محرم، والخمر من بعض المسكرات، وليس كل المسكرات، فجملة (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) تسمية من النبي صلى الله عليه وسلم لكل المسكرات بأنها خمر، وحكم بأنها حرام على اختلافها واختلاف طرق تعاطيها، إذ النص عام لم يخصص أو يقيد بطريقة دون أخرى، فصار كل مسكر حرام، ولم نضطر للقول بالظن أو الرأي أو القياس، فهكذا يستخرج الظاهرية أحكام الشريعة.
 
ودلالةأما هذهدلالة النصوص لاالشرعية: فلا بد أن تكون قطعية أيضًا، فإماولا تكون الدلالة قطعية إلا من هذه الطرق، وهي: إما أن يفسر النص بالنص، كقرآن بقرآن، أو سنة بسنة، أو قرآن بسنة، أو سنة بقرآن، أو من لغة العرب المتفق عليها المنقولة إلينا بالسماع، أو من ضرورات العقل التي لا يختلف عليها مسلم أو كافر، وهي التي تؤخذ من الحس، أو بداهة العقول.
 
 
وليس العقل عندهم حاكمًا كما يقول المعتزلة، بل الحكم لله تعالى عندهم، وإنما أمر الله تعالى باستعمال عقولنا التي تستمد علمها من أدوات الحس، وما غرسه فينا من فطرة سليمة، ولتوضيح هذا:
مستخدم مجهول