حروب الروم والفرس

قائمة ويكيميديا
روما وبارثيا والإمبراطورية السلوقية في عام 200 قبل الميلاد. ما لبث أن غزا كل من الرومان والبارثيين المقاطعات الخاضعة لسيطرة السلوقيين، وأصبحتا أقوى دولتين في غرب آسيا.

كانت حروب الروم والفرس سلسلة من النزاعات بين دول العالم اليوناني الروماني وقائمتين متعاقبتين من الإمبراطوريات الإيرانية: وحكام مملكة بارثيا والساسانيين.[1] بدأت معارك بين الإمبراطورية البارثية والجمهورية الرومانية في عام 92 قبل الميلاد؛ حيث بدأت الحروب في أواخر فترة الجمهورية، واستمرت عبر الرومان والإمبراطوريات الساسانية. انتهت هذه الحروب بواسطة الغزوات العربية الإسلامية، والتي هاجمت الساسانيين وإمبراطوريات الرومان البيزنطيين الشرقيين وكان لها تأثير حطم كلتا الإمبراطوريتين عقب فترة قصيرة من انتهاء آخر حرب بينهما.

على الرغم من الحروب التي نشبت بين الرومان والبارثيين/الساسانيين واستمرت لمدة سبعة قرون، فإن الحدود ظلت مستقرة بصورة كبيرة. كانت نتيجة لعبة شد الحبل هذه تعرض المدن والحصون والمقاطعات للنهب والأسر والتدمير والتجارة بها بصورة مستمرة. لم يكن لدى أيًا من الجانبين القوة اللوجيستية أو الطاقة البشرية لإبعاد مثل هذه الحملات الطويلة عن حدودهما، ومن ثم لم يستطيعا أن يستمرا لمدة طويلة دون القيام بالتمدد المحفوف بالمخاطر لحدودهما على نحو ضئيل للغاية. وبالفعل، عمل كلا الطرفين على تحقيق فتوحات تتجاوز نطاق حدودهما، لكن كان يتم دائمًا استعادة التوازن في نهاية الأمر. لكن تحول ميزان القوة في القرن الثاني الميلادي؛ حيث تحول مساره بطول شمال نهر الفرات، وهو المسار الجديد نحو الشرق أو الشمال الشرقي لاحقًا، وذلك عبر بلاد النهرين حتى وصوله إلى نهر دجلة في الشمال. وكانت هناك أيضًا العديد من التحولات الضخمة في أقصى الشمال، وذلك في أرمينيا والقوقاز.

وثبت في نهاية الأمر أن استهلاك الموارد خلال الحروب الرومانية الفارسية كانت كارثية بالنسبة لكلتا الإمبراطوريتين. أنهكت الحروب الطويلة والمتصاعدة خلال القرنين السادس الميلادي والسابع الميلادي كلتا الإمبراطوريتين وجعلتهما معرضتين لمواجهة الظهور المفاجئ والتوسع على أيدي دولة الخلفاء، الذين غزت قواتهم كلتا الإمبراطوريتين بعد سنوات معدودة فقط من انتهاء الحرب الرومانية الفارسية الأخيرة. مستفيدًا من حالة الضعف التي أصابت كلتا الإمبراطوريتين، قامت الجيوش العربية الإسلامية على نحو سريع بفتح الإمبراطورية الساسانية بأكملها، وحرم الإمبراطورية الرومانية الشرقية من مقاطعاتها في الشرق، القوقاز، مصر، وباقي شمال إفريقيا. على مدار القرون التالية، خضعت معظم مناطق الإمبراطورية الرومانية الشرقية للحكم الإسلامي.

خلفية تاريخيةعدل

وفقًا للمؤرخ جيمس هاوارد جونستون، «كان المنافسون، في الشرق، أنظمةً سياسيةً كبيرةً ذات دوافع استعمارية، وذلك منذ القرن الثالث قبل الميلاد وحتى أوائل القرن السابع الميلادي، وكانت هذه الأنظمة قادرةً على تأسيس وتأمين أقاليم مستقرة متجاوزةً الانقسامات الإقليمية». تقابل الروم والفرثيون عبر غزوهم لأجزاء من الإمبراطورية السلوقية. هاجر الفرثيون من سهوب آسيا الوسطى إلى إيران الشمالية خلال القرن الثالث قبل الميلاد. وعلى الرغم من هزيمتهم بواسطة السلوقيين، تمكن الفرثيون من الانفصال عنهم في القرن الثاني قبل الميلاد، وأسسوا دولةً مستقلة تمددت بانتظام على أراضي حكامهم السابقين، وتمكنوا من غزو بلاد فارس، وبلاد الرافدين، وأرمينيا على مدار الفترة بين القرن الثالث إلى القرن الأول قبل الميلاد. تصدى الفرثيون، في ظل حكم السلالة الأرسكيدية، للعديد من المحاولات السلوقية لاستعادة الأقاليم التي فقدوها، وأسسوا أفرع من سلالتهم لتحمل اسمهم في بلاد القوقاز، مثل السلالة الأرسكيدية لأرمينيا، والسلالة الأرسكيدية لإيبيريا، والسلالة الأرسكيدية لألبانيا القوقازية. وفي هذه الأثناء، طرد الروم السلوقيين من أقاليمهم في الأناضول في أوائل القرن الثاني قبل الميلاد، بعد هزيمة أنطيوخوس الثالث الأعظم في معركة ثيرموبيلاي ومعركة ماغنيسيا. وأخيرًا، تمكن بومبيوس الكبير من غزو الأقاليم السلوقية الباقية في سوريا عام 64 قبل الميلاد، ليضع حدًا لدولتهم وليتقدم بالروم نحو الحدود الشرقية وصولًا إلى الفرات، حيث تقابل مع إقليم الفرثيين.[2]

التقييماتعدل

اتسمت حروب الروم والفرس بأنها كانت «بلا جدوى» وكان التفكير بها «مملًا وكئيبًا» للغاية.[3] لاحظ المؤرخ الروماني كاسيوس ديو «حلقة مواجهاتهم المسلحة التي لا تنتهي» ولاحظ أن «الحقائق تُبين أن غزو سيفيروس كان مصدرًا للحروب المستمرة وكان مكلفًا لنا بشكل كبير. لأنه ينتج القليل ويُكلفنا الكثير؛ والآن بعد أن قدمنا المساعدة للشعوب المجاورة للميديين والفرثيين بدلًا من أنفسنا، يمكن أن نقول أننا كنا نخوض معارك هؤلاء الشعوب».[4] ظلت الحدود في الجزيرة الفراتية ثابتةً إلى حد ما على مدار سلسلة الحروب الطويلة بين قوتي الروم والفرس. يشير المؤرخون إلى استقرار الحدود على مر هذه القرون بشكل ملحوظ، على الرغم من تغيرات تبعية بعض المدن بين القوتين، والتي حدثت من حين لآخر في نصيبين، وسنجار، ودارا، وغيرها من المدن الأخرى بالجزيرة الفراتية، وأعطى امتلاك هذه المدن الحدودية أفضليةً في التجارة لإحدى الإمبراطوريتين على الأخرى. ووفقًا لما يقوله عالم الإيرانيات ريتشارد فراي:[5]

«يمكن أن تُكوِّن انطباعًا عن أن الدم المُراق عبر الحروب الواقعة بين الدولتين أعطى إحداهما مكاسب صغيرة للغاية تمامًا مثل بضعة الأمتار التي اكتُسبت بثمن مريع بعد حرب الخنادق خلال الحرب العالمية الأولى».

حاول كلا الطرفين أن يبرر أهدافه العسكرية بطريقة فعالة وتفاعلية.  ووفقًا لخطاب تنسر والكاتب المسلم أبو منصور الثعالبي، كانت غزوات أردشير الأول، وباكوروس الأول لأقاليم الروم بغرض الانتقام من غزو الاسكندر الأكبر لبلاد فارس، والذي كان يُعتقد أنه سبب الفوضى الإيرانية اللاحقة. كانت رغبة الروم في السيطرة على العالم مصحوبةً بروح المهمة والفخر بالحضارة الغربية وطموحاتها لتصبح ضامنًا للسلام والنظام. تكشف المصادر الرومانية عن تحيزات استمرت لفترات طويلة في الأمور المتعلقة بعادات القوى الشرقية، وهياكلها الدينية، ولغاتها، وأشكال الحكم الخاصة بها.[6][7] يؤكد المؤرخ جون إف. هالدون على «وجود العنصر الديني الأيديولوجي بشكل دائم، على الرغم من أن النزاعات بين الفرس والروم كانت تدور حول قضايا التحكم الاستراتيجي في الحدود الشرقية». ومنذ عصر قسطنطين، وصف أباطرة الروم أنفسهم بأنهم حماة مسيحيي بلاد فارس. وأثار هذا الموقف شكوكًا شديدةً حول ولاء المسيحيين الذين يعيشون في إيران الساسانية وأدى غالبًا إلى توتر العلاقات الرومانية الفارسية، بل أدى أحيانًا إلى المواجهات العسكرية، مثل الحرب الرومانية الساسانية لعامي 421-422. كان ظهور الصليب باعتباره رمزًا للنصر الإمبراطوري وللعنصر الديني الشديد في الدعاية التي روجتها الإمبراطورية الرومانية من أهم السمات التي ميزت المرحلة الأخيرة من الصراع، والتي بدأت بغارة بين عامي 611-612 لتتحول بسرعة إلى حرب وغزو؛ فكان الإمبراطور هرقل بنفسه يصف كسرى بأنه عدو الرب، وكان المؤلفون خلال القرن السادس والقرن السابع عدائيين تجاه الفرس بشدة.[8][9]

التأريخعدل

تعتبر مصادر تاريخ فرثيا وحروبها مع الروم ضئيلةً ومبعثرةً. اتبع الفرثيون التقليد السائد عند الإمبراطورية الأخمينية وفضَّلوا التأريخ الشفهي، ما أدى حتمًا إلى ضياع تاريخهم بعد فناء حضارتهم. ولهذا، تعتبر المصادر التاريخية الرئيسية لهذه الحقبة رومانية الأصل، مثل المؤرخين الرومان تاسيتس، وماريوس ماكسيموس، وجاستن، والمؤرخين الإغريق هيروديان، وكاسيوس ديو، وفلوطرخس. يروي الكتاب الثالث عشر من نبؤات سيبيل آثار حروب الروم والفرس في سوريا منذ فترة حكم الإمبراطور الروماني غورديان الثالث حتى هيمنة أذينة، ملك تدمر، على هذا الإقليم. فُقدت كافة الروايات المعاصرة للتتابع الزمني الخاص بالتاريخ الروماني، عند نهاية التسجيل التاريخي الذي وضعه هيروديان، وذلك حتى ظهرت روايات لاكتانتيوس ويوسابيوس القيصري مع بداية القرن الرابع، واتخذت كلتا روايتيهما طابعًا مسيحيًا.[10]

تعد المصادر الأساسية للفترة الساسانية المبكرة غير معاصرة. ومن أهم هذه المصادر المؤرخين الإغريق أغاثياس، وجون مالالاس، والمسلمين الفارسيين محمد بن جرير الطبري، وأبو قاسم الفردوسي، والأرميني أغاثانجيلوس، والأعمال السريانية سجلات إديسا وسجلات أربيل، واعتمد أغلب هذه المصادر على المصادر الساسانية المتأخرة، خاصةً كتاب خُداي ناماغ. ويعتبر كتاب التاريخ الأغسطسي كتابًا غير معاصر وغير موثوق، ولكنه كتاب السرد الرئيسي لسيفيروس وكاروس. تعتبر «منقوشات سابور» المنقوشة بثلاث لغات، وهي البهلوية، والفرثية، والإغريقية، المصادر الرئيسية.[11] وكانت عبارة عن محاولات معزولة تقترب من نهج التأريخ الكتابي، ومع ذلك، تخلى الساسانيون عن نحت النقوش الصخرية والمنقوشات القصيرة بنهاية القرن الرابع الميلادي. [12]

كان هناك مصدر قائم على شهود عيان للأحداث الرئيسية في الحدود الشرقية في الفترة بين عامي 353 حتى 378، وذلك في كتاب الإنجازات لأميانوس مارسيليانوس. وتعتبر أعمال المؤرخين سوزومن، وزوسيموس، وبريسكوس، وجونيس زوناراس ذات قيمة بشكل خاص. كان بروكوبيوس القيسراني أهم المصادر الفردية لتأريخ الحروب الفارسية للإمبراطور الروماني جستينيان الأول حتى عام 553. وقدم أغاثياس وميناندر الحامي، اللذان أكملا عمل بروكوبيوس، تفاصيل مهمة عديدة أيضًا. كان المؤرخ ثيوفيلاكت سيموكاتا المصدر الرئيسي لتأريخ فترة حكم الإمبراطور الروماني موريكيوس، بينما كان المؤرخ تيوفان المعرف، وكتاب سجلات عيد القيامة، وقصائد جورج البيسيدي مصادر مفيدة لحروب الروم والفرس الأخيرة. وبالإضافة إلى المصادر البيزنطية، شارك المؤرخان الأرمينيان سيبيوس وموفزيس في السرد المترابط لحرب الإمبراطور هرقل، واعتبرهما المؤرخ هاوارد جونستون «أهم المصادر التاريخية الموجودة غير المسلمة».[13]

كتابات أخرىعدل

  • Blockley, Roger C. (1992). East Roman Foreign Policy. Formation and Conduct from Diocletian to Anastasius (ARCA 30). Leeds: Francis Cairns. ISBN 0-905205-83-9. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • Börm, Henning (2007). Prokop und die Perser. Untersuchungen zu den Römisch-Sasanidischen Kontakten in der ausgehenden Spätantike. Stuttgart: Franz Steiner. ISBN 978-3-515-09052-0. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • Börm, Henning (2008). ""Es war allerdings nicht so, dass sie es im Sinne eines Tributes erhielten, wie viele meinten ..." Anlässe und Funktion der persischen Geldforderungen an die Römer". Historia (باللغة الألمانية). 57: 327–346. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • Greatrex, Geoffrey B. (1998). Rome and Persia at War, 502–532. Rome: Francis Cairns. ISBN 0-905205-93-6. مؤرشف من الأصل في 21 فبراير 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • Isaac, Benjamin (1998). "The Eastern Frontier". In Cameron, Averil; Garnsey, Peter (المحرر). The Cambridge Ancient History: The Late Empire, A.D. 337–425 XIII. Cambridge University Press. ISBN 0-521-30200-5. مؤرشف من الأصل في 21 فبراير 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)صيانة CS1: أسماء متعددة: قائمة المحررون (link)
  • Kaegi, Walter E. (2003). Heraclius, Emperor of Byzantium. Cambridge University Press. ISBN 0-521-81459-6. مؤرشف من الأصل في 21 فبراير 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • Kettenhofen, Erich (1982). Die Römisch-persischen Kriege des 3. Jahrhunderts. n. Chr. Nach der Inschrift Sāhpuhrs I. an der Ka'be-ye Zartošt (ŠKZ). Beihefte zum Tübinger Atlas des Vorderen Orients B 55. Wiesbaden. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • Millar, Fergus (1982). The Roman Near East, 31 B.C.-A.D. 337. Cambridge: Harvard University Press. مؤرشف من الأصل في 04 يونيو 2011. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • Mitchell, Stephen B. (2006). A History of the Later Roman Empire, AD 284–641. Blackwell Publishing. ISBN 1-4051-0857-6. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • Potter, David S. (2004). The Roman Empire at Bay: Ad 180–395. London und New York: Routledge. ISBN 0-415-10058-5. مؤرشف من الأصل في 21 فبراير 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • Whitby, Michael (1988). The Emperor Maurice and his Historian. مطبعة جامعة أكسفورد. ISBN 0-19-822945-3. مؤرشف من الأصل في 21 فبراير 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)

وصلات خارجيةعدل

مراجععدل

  1. ^ 9(PDF) نسخة محفوظة 09 مارس 2012 على موقع واي باك مشين.
  2. ^ Ball (2000), 12–13; Dignas–Winter (2007), 9 (PDF) نسخة محفوظة 9 مارس 2012 على موقع واي باك مشين.
  3. ^ Brazier (2001), 42
  4. ^ Cassius Dio, Roman History, LXXV, 3.2–3
    • Garnsey–Saller (1987), 8
  5. ^ Frye (1993), 139
  6. ^ Brill's Companion to the Reception of Alexander the Great (باللغة الإنجليزية). BRILL. 2018. صفحة 214. ISBN 9789004359932. مؤرشف من الأصل في 21 فبراير 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  7. ^ Yarshater, Ehsan (1983). The Cambridge History of Iran (باللغة الإنجليزية). Cambridge University Press. صفحة 475. ISBN 9780521200929. مؤرشف من الأصل في 14 أكتوبر 2017. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  8. ^ Haldon (1999), 20; Isaak (1998), 441
  9. ^ Dignas–Winter (2007), 1–3 (PDF) نسخة محفوظة 21 فبراير 2020 على موقع واي باك مشين.
  10. ^ Dodgeon–Greatrex–Lieu (2002), I, 5; Potter (2004), 232–233
  11. ^ Frye (2005), 461–463; Shahbazi, Historiography نسخة محفوظة 2009-01-29 على موقع واي باك مشين.
  12. ^ Shahbazi, Historiography نسخة محفوظة 2009-01-29 على موقع واي باك مشين.
  13. ^ Howard-Johnston (2006), 42–43