تحمل الضيق

يعدّ تحمّل الضيق بناءً ناشئَا في علم النفس تم تصويره بالعديد من الطرق المختلفة. على أية حال، فإنه يشير بوجه عام إلى «قدرة الفرد المفترضة على تحمل المشاعر السلبية و/أو غيرها من الحالات المبغضة (على سبيل المثال: عدم الراحة الجسدية)، والفعل السلوكي لتحمل الحالات الداخلية المزعجة الناتجة عن نوع من أنواع عوامل التوتر».[1] حددت بعض تعاريف تحمل الضيق أن القدرة على تحمل هذه الأحداث السلبية تحدث في حالات توجد فيها طرق للهرب من عامل التوتر.[2]

القياسعدل

في الوثائق، تتوافق الاختلافات في تصورات تحمل الضيق مع طريقتين لتقييم هذا البناء. تُقيّم قوائم جرد التقرير الذاتي بشكل أساسي فهم الفرد وتفكيره بالبنى المتعلقة بالنفس والمعرّفة بشكل واسع، وهي قياسات التقرير الذاتي لتحمل الضيق (على سبيل المثال: استطلاعات الرأي) وخصوصًا التركيز على المقدرة المدركة لتحمل حالات الضيق. تركز بعض استطلاعات الرأي بوجه خاص على تحمل الضيق العاطفي (مثلًا: مقياس تحمل الضيق)، ويركز غيرها على تحمل ضيق الحالات الجسدية السلبية (مثلًا: مقياس عدم القدرة على تحمل الضيق)، ومع ذلك تركز استطلاعات أخرى على تحمل الإحباط يكونه عملية موجعة من تحمل الضيق (مثلًا: مقياس الإحباط والضيق).[3][4][5]

في المقابل، تُقدم الدراسات التي تتضمن التقييمات السلوكية أو السلوكية الحيوية لتحمل الضيق معلومات عن السلوك الحقيقي أكثر من مفاهيم الأفراد. تتضمن الأمثلة عن المهام المسببة للتوتر تلك المهام التي تتطلب من الفرد أن يستمر في تتبع مرآة محوسبة ضمن ظروف موقوتة (مثلًا: مهمة الاستمرار في تتبع مرآة محوسبة) أو إكمال سلسلة من المسائل الرياضية الحساسة للوقت حيث تصدر فيها الإجابات الخاطئة ضجيجًا مزعجًا (مثلًا: المهمة الإضافية التسلسلية السمعية ذات الإيقاع المحوسب). يتم تصور بعض المهام السلوكية على أنها تخمن تحمل الضيق الجسدي وتتطلب من الأفراد أن يحبسوا أنفاسهم لأطول مدة ممكنة (مهمة حبس النفس).[6][7][8]

وبالنظر إلى كون هذا المجال من الأبحاث حديث الولادة، فإن العلاقات بين التقييمات السلوكية والإدراكية لتحمل الضيق لم تُفسّر بشكل واضح. ما يزال فصل المكونات المميزة لتحمل الضيق النفسي/العاطفي وتحمل الضيق الجسدي ضمن المهام السلوكية تحديًا في مجال الأدب.[1]

البنى النظريةعدل

اقتُرحت نماذج عديدة عن الهرمية البنيوية لتحمل الضيق. تشير بعض الأعمال إلى أن التحمل الجسدي والنفسي هما بنى منفصلة. وعلى وجه الخصوص، قد ترتبط الحساسية لمشاعر القلق وتحمل الحالات العاطفية السلبية مع بعضها البعض بكونها جوانب من بناء أكبر يمثل الحساسية وتحمل التأثير بشكل عام؛ وعلى أية حال، وُجد أن الضيق المحيط بعوامل التوتر الجسدية هو بنية منفصلة بالكامل ولا ترتبط بالحساسية للحالات العاطفية. وعلى وجه الخصوص، أُجري هذا العمل التمهيدي بإجراءات التقرير الذاتي والنتائج بطبيعتها شاملة لعدة قطاعات. ينصح الكُتاب بضرورة العمل الطولي الإضافي لدعم هذه العلاقات وتوضيح اتجاهات السببية. يتسع العمل الحديث على تمايز تحمل الضيق الجسدي والعاطفي إلى بنية عالية الترتيب من تحمل الضيق التجريبي. يعتمد إطار العمل هذا على بنى التحمل التي دُرست تاريخيًا باعتبارها مختلفة عن تحمل الضيق. صيغت هذه البنى الخمسة التالية بكونها عوامل منخفضة الترتيب لبنية تحمل الضيق العالمية، وتشمل ما يلي:[9]

  • تحمل عدم اليقين أو «الميل إلى رد الفعل بشكل عاطفي أو إدراكي أو سلوكي في حالات عدم اليقين».[9]
  • تحمل الغموض أو «التحمل المدرك لحالات المثيرات المعقدة و/أو الغريبة و/أو المبهمة».[10]
  • تحمل الإحباط أو «المقدرة المدركة على تحمل التفاقم مثلًا: الأهداف الفاشلة في الحياة».[1]

  • تحمل الحالات العاطفية السلبية أو «المقدرة المدركة على تحمل الضيق الداخلي».[3]
  • تحمل الأحاسيس الجسدية أو «المقدرة المدركة على تحمل الأحاسيس الجسدية غير المريحة».[11]

يُفترض أن تحمل التوتر هو أمر متعدد الأبعاد وذلك ضمن نماذج تصور فقط تحمل الضيق بكونه المقدرة على تحمل الحالات العاطفية السلبية. يشمل هذا العمليات الفردية المتعلقة بترقب المشاعر السلبية والمرور بها مثل المقدرة الفعلية والمدركة على تحمل المشاعر السلبية، وتقييم مقبولية حالة معينة أم لا، والدرجة التي يستطيع أن يضبط بها الفرد مشاعره وسط تجربة عاطفية سلبية، وكمية الانتباه المخصص لمعالجة الشعور السلبي.[1]

القواعد البيولوجيةعدل

هناك عدة آليات شبكية عصبية بيولوجية مرشحة لتحمل التوتر. ترتكز هذه المناطق الدماغية المفروضة على تصور تحمل الضيق بكونه وظيفة لتعلم المكافأة. وضمن هذا الإطار، يتعلم الأفراد أن يتأقلموا مع المكافأة ويسعوا إليها؛ يتم تأطير تقليل الضغط بالهرب من عامل التوتر بطريقة مشابهة للمكافأة وبالتالي يمكن تعلمه. يختلف الأفراد من حيث سرعة ومدة إظهارهم للتفضيلات بالسعي للمكافأة أو في حالة تحمل التوتر وهم يهربون من العامل المسبب للضيق. وبالتالي، يُفترض أن مناطق الدماغ التي تتفعل خلال معالجة المكافأة وتعلمها تفيد أيضًا بكونها ركائز عصبية لتحمل الضيق. على سبيل المثال، ترتبط شدة تفعيل الخلايا العصبية للدوبامين التي تعرض على النواة المتكئة والمخطط البطني وقشرة الفص الجبهي مع القيمة المتوقعة للفرد للمكافأة الفورية خلال فترة التعلم. ومع ازدياد معدل إطلاق هذه الخلايا العصبية، يتوقع الفرد قيمًا أعلى من المكافأة الفورية. يبقى المعدل الأساسي لإطلاق الخلايا العصبية كما هو خلال الحالات التي تكون فيها القيمة المتوقعة صحيحة. عندما تكون قيمة المكافأة المتوقعة منخفضة تزداد معدلات إطلاق الخلايا العصبية عندما يتم استلام المكافأة وهو ما ينتج عنه استجابة متعلمة. عندما تكون المكافأة المتوقعة أقل من القيمة الفعلية ينخفض معدل إطلاق هذه الخلايا العصبية إلى ما دون مستويات القاعدة، وهو الأمر الذي ينتج عنه تحول متعلم يقوم بتقليل التوقعات حيال قيمة المكافأة. يُفترض أن نفس معدلات إطلاق الدوبامين هذه ترتبط مع تحمل الضيق، بحيث يكون تعلم قيمة الهرب من العامل المسبب للضيق مشابه لتقييم المكافأة المباشرة. هناك عدة نتائج سريرية محتملة إذا كانت هذه الركائز المفترضة لتحمل الضيق مثبتة. قد يشير ذلك إلى كون تحمل الضيق أمرًا مرنًا بين الأفراد؛ قد تحول حالات التدخل التي تغير معدلات إطلاق الخلايا العصبية من القيم المتوقعة للسلوكيات المعتمدة للهرب من عامل التوتر وتوفير الراحة، وبالتالي تزيد من القدرة على تحمل الضيق. قد تكون مناطق عصبية أخرى متضمنة في إدارة عملية تعلم المكافأة هذه. وُجد أن استثارة الخلايا العصبية الشوكية المتوسطة المثبطة في النواة المتكئة والمخطط البطني تدير الارتباط بين قيمة المكافأة المباشرة واحتمالية السعي للمكافأة أو الارتياح. وعند الجرذان، اتضح أن ازدياد استثارة هذه الخلايا العصبية من خلال زيادة التعبير عن بروتين ربط عنصر الاستجابة الخيمي (CREP) الذي ينتج عنه كمية مضافة من الوقت الذي فيه يبقي الجرذان ذيولهم ثابتة عند تطبيق معجون حراري مؤذ، بالإضافة إلى ازدياد كمية الوقت المستهلك ضمن الأذرع المفتوحة لمتاهة معقدة. لقد تم تصوير هذه السلوكيات بكونها مشابهة لتحمل الضيق بالاستجابة للألم والقلق.[12][13][14]

الارتباطات مع الأمراض النفسيةعدل

يعد تحمل الضيق موضوعًا بحثيًا ناشئًا في علم النفس السريري نظرًا لافتراض مشاركته في تطور العديد من الاضطرابات العقلية والحفاظ عليها، ويشمل ذلك اضطرابات المزاج والقلق مثل اضطراب الكآبة الرئيس واضطراب القلق العام وتعاطي المخدرات والإدمان بالإضافة إلى اضطرابات الشخصية.[15][16][17] وعلى وجه العموم، وجدت الأبحاث على تحمل الضيق ارتباطات مع هذه الاضطرابات وتعتبر هذه الارتباطات وثيقة الصلة مع تصورات خاصة لتحمل الضيق.[18]

مراجععدل

  1. أ ب ت ث Leyro, Teresa M.; Zvolensky, Michael J.; Bernstein, Amit (2016-11-17). "Distress Tolerance and Psychopathological Symptoms and Disorders: A Review of the Empirical Literature among Adults". Psychological Bulletin. 136 (4): 576–600. doi:10.1037/a0019712. ISSN 0033-2909. PMC 2891552. PMID 20565169. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  2. ^ Zvolensky, Michael J.; Bernstein, Amit; Vujanovic, Anka A. (2011-03-14). Distress Tolerance: Theory, Research, and Clinical Applications (باللغة الإنجليزية). Guilford Press. ISBN 9781609180409. مؤرشف من الأصل في 26 مايو 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  3. أ ب Simons, Jeffrey S.; Gaher, Raluca M. (2005). "The Distress Tolerance Scale: Development and Validation of a Self-Report Measure". Motivation and Emotion (باللغة الإنجليزية). 29 (2): 83–102. doi:10.1007/s11031-005-7955-3. ISSN 0146-7239. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  4. ^ Schmidt, Norman B.; Richey, J. Anthony; Fitzpatrick, Kathleen Kara (2006-01-01). "Discomfort intolerance: Development of a construct and measure relevant to panic disorder". Journal of Anxiety Disorders. 20 (3): 263–280. doi:10.1016/j.janxdis.2005.02.002. ISSN 0887-6185. PMID 16564432. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  5. ^ Harrington N. (2005). "The frustration discomfort scale: Development and psychometric properties". Clinical Psychology and Psychotherapy. 2005a;12 (5): 374–387. doi:10.1002/cpp.465. مؤرشف من الأصل في 11 مايو 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  6. ^ Strong DR, Lejuez CW, Daughters S, Marinello M, Kahler CW, Brown RA. Unpublished manual. 2003. The computerized mirror tracing task, version 1.
  7. ^ "A modified computer version of the Paced Auditory Serial Addition Task (PASAT) as a laboratory-based stressor". The Behavior Therapist (باللغة الإنجليزية). 2003-01-01. ISSN 0278-8403. مؤرشف من الأصل في 10 أبريل 2016. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  8. ^ Brown, Richard A.; Lejuez, C. W.; Kahler, Christopher W.; Strong, David R. (2002-02-01). "Distress tolerance and duration of past smoking cessation attempts". Journal of Abnormal Psychology. 111 (1): 180–185. doi:10.1037/0021-843x.111.1.180. ISSN 0021-843X. PMID 11866171. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  9. أ ب Bernstein, Amit; Zvolensky, Michael J.; Vujanovic, Anka A.; Moos, Rudolf (2009-09-01). "Integrating Anxiety Sensitivity, Distress Tolerance, and Discomfort Intolerance: A Hierarchical Model of Affect Sensitivity and Tolerance". Behavior Therapy. 40 (3): 291–301. doi:10.1016/j.beth.2008.08.001. PMID 19647530. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  10. ^ Bernstein, Amit; Zvolensky, Michael J.; Vujanovic, Anka A.; Moos, Rudolf (2009). "Integrating Anxiety Sensitivity, Distress Tolerance, and Discomfort Intolerance: A Hierarchical Model of Affect Sensitivity and Tolerance". Behavior Therapy. 40 (3): 291–301. doi:10.1016/j.beth.2008.08.001. PMID 19647530. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  11. ^ Schmidt, Norman B.; Richey, J. Anthony; Fitzpatrick, Kathleen Kara (2006-01-01). "Discomfort intolerance: Development of a construct and measure relevant to panic disorder". Journal of Anxiety Disorders. 20 (3): 263–280. doi:10.1016/j.janxdis.2005.02.002. PMID 16564432. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  12. ^ Tobler, Philippe N.; O'doherty, John P.; Dolan, Raymond J.; Schultz, Wolfram (2006-01-01). "Human neural learning depends on reward prediction errors in the blocking paradigm". Journal of Neurophysiology. 95 (1): 301–310. doi:10.1152/jn.00762.2005. ISSN 0022-3077. PMC 2637603. PMID 16192329. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  13. ^ Rodriguez, P. F.; Aron, A. R.; Poldrack, R. A. (2006-04-01). "Ventral-striatal/nucleus-accumbens sensitivity to prediction errors during classification learning". Human Brain Mapping. 27 (4): 306–313. doi:10.1002/hbm.20186. ISSN 1065-9471. PMID 16092133. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  14. ^ Barrot, Michel; Olivier, Jocelien D. A.; Perrotti, Linda I.; DiLeone, Ralph J.; Berton, Olivier; Eisch, Amelia J.; Impey, Soren; Storm, Daniel R.; Neve, Rachael L. (2002-08-20). "CREB activity in the nucleus accumbens shell controls gating of behavioral responses to emotional stimuli". Proceedings of the National Academy of Sciences of the United States of America. 99 (17): 11435–11440. doi:10.1073/pnas.172091899. ISSN 0027-8424. PMC 123274. PMID 12165570. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  15. ^ Chaney, E. F.; Roszell, D. K.; Cummings, C. (1982-01-01). "Relapse in opiate addicts: a behavioral analysis". Addictive Behaviors. 7 (3): 291–297. doi:10.1016/0306-4603(82)90058-2. ISSN 0306-4603. PMID 7180624. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  16. ^ Chapman, Alexander L. (2016-11-19). "Dialectical Behavior Therapy". Psychiatry (Edgmont). 3 (9): 62–68. ISSN 1550-5952. PMC 2963469. PMID 20975829. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  17. ^ Gross, James J.; Muñoz, Ricardo F. (1995-06-01). "Emotion Regulation and Mental Health". Clinical Psychology: Science and Practice (باللغة الإنجليزية). 2 (2): 151–164. doi:10.1111/j.1468-2850.1995.tb00036.x. ISSN 1468-2850. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  18. ^ Linehan, Marsha (1993-05-14). Cognitive-Behavioral Treatment of Borderline Personality Disorder (باللغة الإنجليزية) (الطبعة 1). The Guilford Press. ISBN 9780898621839. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)