نسبة التحضر عالميًا في 2015.

يشير التحضر إلى التحول السكاني من المناطق الريفية إلى الحضرية، والزيادة التدريجية في نسبة السكان القاطنين في المناطق الحضرية، والوسائل التي يتكيف بها كل مجتمع مع هذا التغيير.[1] وهي العملية التي يغلب عليها طابع تشكيل المدن والبلدات وغدوها أكبر حجمًا جراء بدء المزيد من الأشخاص في العيش في المناطق المركزية والعمل فيها.[2] رغم استخدام المفهومين أحيانًا بالترادف، إلا أنه ينبغي التمييز بين التحضر والنمو الحضري: فالتحضر هو «إجمالي نسبة السكان القاطنين في مناطق مصنفة على أنها حضرية»، في حين يشير النمو الحضري إلى «العدد المطلق للأشخاص القاطنين في مناطق مصنفة على أنها حضرية».[3] توقعت الأمم المتحدة أن يعيش نصف سكان العالم في المناطق الحضرية بحلول نهاية عام 2008.[4] ومن المتوقع بحلول عام 2050 أن يتوسع حضريًا نحو 64% من دول العالم النامي ونحو 86% من دول العالم المتقدم.[5] وهذا ما يعادل نحو 3 مليارات بحلول عام 2050، معظمهم في إفريقيا وآسيا.[6] وعلى وجه الخصوص، توقعت الأمم المتحدة مؤخرًا أن يكون مجمل النمو السكاني العالمي تقريبًا من المدن في الفترة الممتدة من عام 2017 إلى عام 2030، أي نحو 1.1 مليار من سكان الحضر الجدد على مدى السنوات الثلاث عشرة المقبلة.[7]

يرتبط التحضر بصلة وثيقة بمجموعة من الميادين، بما في ذلك التخطيط الحضري والجغرافيا وعلم الاجتماع والهندسة المعمارية والاقتصاد والصحة العمومية. وارتبطت هذه الظاهرة ارتباطًا وثيقًا بالتحديث والتحول الصناعي والعملية الاجتماعية المتمثلة بالعقلانية.[8] ويمكن النظر إلى التحضر على أنه حالة محددة في وقت معين (على سبيل المثال، نسبة مجموع السكان أو المنطقة في المدن أو البلدات)، أو على أنه تفاقم في تلك الحالة بمرور الوقت. وبالتالي يمكن تحديد حجم التحضر إما عن طريق مستوى التنمية الحضرية نسبة إلى مجموع السكان أو من خلال معدل ارتفاع النسبة الحضرية من السكان على سبيل المثال. يولد التحضر تغيرات اجتماعية واقتصادية وبيئية هائلة تتيح فرصة للاستدامة مع «إمكانية استخدام الموارد بمزيد من الكفاءة لتوفير استخدام أكثر استدامة للأراضي وحماية التنوع البيولوجي للنظم الإيكولوجية الطبيعية.»[6]

إن التحضر ليس مجرد ظاهرة حديثة فحسب، بل إنه تحول سريع وتاريخي للشبكة الاجتماعية البشرية على الصعيد العالمي، إذ تحل الثقافة ذات الطابع الحضري محل الثقافة التي يغلب عليها الطابع الريفي على نحو سريع. تمثل أول تغيير رئيسي في أنماط الاستيطان بالصيد وجمع الثمار في القرى منذ آلاف السنين. تتسم ثقافة القرية بالذرية المشتركة والعلاقات الحميمة والسلوك المجتمعي، بينما تتسم الثقافة الحضرية بالذرية البعيدة والعلاقات غير المألوفة والسلوك التنافسي. تشير التنبؤات إلى استمرار هذه الحركة غير المسبوقة لدى الأشخاص وتفاقمها خلال العقود القليلة المقبلة، إذ ستنتشر المدن إلى أحجام لم تكن متصورة قبل قرن. ونتيجة لذلك، اتبع منحنى النمو السكاني الحضري في العالم حتى وقت قريب نمط قطع زائد تربيعي.[6]

واليوم، أصبحت التجمعات الحضرية في آسيا في كيهانشين، وطوكيو، وغوانزو، وكراتشي، وجاكرتا، ومومباي، وشانغهاي، ومانيلا، وسول، وبكين موطنًا بالفعل لأكثر من عشرين مليون نسمة، في حين من المتوقع أن تقترب دلهي من أربعين مليون نسمة أو تفوقها في عام 2035.[9] تمثل المدن كطهران، وإسطنبول، ومكسيكو، وساو باولو، ولندن، وموسكو، ونيويورك، ولاغوس، ولوس أنجلوس، والقاهرة موطنًا لأكثر من 15 مليون نسمة لكل منها، أو ستصبح كذلك قريبًا.

تاريخيًاعدل

منذ تنمية أقدم المدن في بلاد الرافدين ومصر حتى القرن الثامن عشر، كان التوازن قائمًا بين الغالبية العظمى من السكان الذين كانوا يعملون في زراعة الكفاف في سياق ريفي، والتجمعات الصغيرة للسكان في المدن التي يتكون النشاط الاقتصادي فيها بصورة رئيسية من التجارة في الأسواق والسلع الصناعية على نطاق صغير. ونظرًا لحالة الركود البدائية والنسبية في الزراعة طيلة هذه الفترة، بقيت نسبة سكان الريف إلى سكان الحضر في حالة من الاتزان ثابت. بيد أنه يمكن تتبع الزيادة الكبيرة في النسبة المئوية لسكان الحضر في العالم في الألفية الأولى قبل الميلاد.[10] وهناك زيادة أخرى كبيرة يمكن تتبعها إلى سلطنة مغول الهند، حيث عاش 15% من سكانها في التجمعات الحضرية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، وهي أعلى من نسبة أوروبا في ذلك الوقت.[11][12] وفي المقابل، كانت نسبة السكان الأوروبيين الذين يعيشون في المدن 8-13% في عام 1800.[13]

بعد اندلاع الثورة الزراعية والصناعية البريطانية في أواخر القرن الثامن عشر، تفككت هذه العلاقة في نهاية المطاف وحدث نمو لم يسبق له مثيل في عدد سكان الحضر خلال القرن التاسع عشر، وذلك بفعل الهجرة المستمرة من المناطق الريفية والتحول الديمغرافي الهائل الذي حدث في ذلك الوقت. في إنجلترا وويلز، ارتفعت نسبة السكان القاطنين في المدن التي يزيد عدد سكانها عن عشرين ألف نسمة من 17% في عام 1801 إلى 54% في عام 1891. فضلًا عن ذلك، وبتبني تعريف أوسع نطاقًا للتحضر، يمكننا القول أنه في حين كان عدد سكان الحضر في إنجلترا وويلز يمثل 72% من الإجمالي في عام 1891، فإن الرقم بالنسبة لدول أخرى كان 37% في فرنسا، و41% في بروسيا، و28% في الولايات المتحدة.[14]

مع تحرير العمال من العمل في الأرض نظرًا لارتفاع الإنتاجية الزراعية، تجمعوا في المدن الصناعية الجديدة مثل مانشستر وبرمنغهام التي كانت تشهد ازدهارًا في التجارة والحرف والصناعة. مكنت التجارة المتنامية في مختلف أنحاء العالم من استيراد الحبوب من أمريكا الشمالية واللحوم المبردة من أستراليا وأمريكا الجنوبية. بالإضافة إلى ذلك، اتسعت المدن نظرًا لتطور أنظمة المواصلات العمومية، مما يسر انتقال الطبقة العاملة لمسافات أطول إلى وسط المدينة.

انتشر التحضر بسرعة في مختلف أنحاء العالم الغربي، وبدأ بالترسخ في العالم النامي أيضًا منذ خمسينيات القرن العشرين. كان 15% فقط من سكان العالم يعيشون في المدن في مطلع القرن العشرين.[15] وطبقاً للأمم المتحدة، فإن عام 2007 شهد نقطة التحول حين كان أكثر من 50% من سكان العالم يعيشون في المدن، للمرة الأولى في تاريخ البشرية.

نشرت جامعة ييل في يونيو من عام 2016 معطيات بشأن التحضر خلال الفترة الزمنية الممتدة من 3700 قبل الميلاد إلى 2000 بعد الميلاد، واستخدمت البيانات لصنع فيديو يبدي تطور المدن على مستوى العالم خلال الفترة الزمنية.[16][17][18] ووضع علماء الآثار خريطة لأصول المراكز الحضرية وانتشارها في جميع أنحاء العالم.

الأسبابعدل

يحدث التحضر إما بصورة طبيعية أو مخطط لها كحصيلة للعمل الفردي والجماعي والحكومي. الحياة في مدينة ما قد تكون مفيدة على الصعيدين الثقافي والاقتصادي، وذلك لأنها من الممكن أن توفر فرصًا أعظم للوصول إلى سوق العمل والتعليم الأفضل والإسكان والظروف الأمنية، ومن شأنها أن تقلل من وقت النقل والمواصلات وتكاليفها. تمثل بعض الظروف مثل الكثافة والقرب والتنوع وتنافس الأسواق، عناصرًا من البيئة الحضرية التي تُعد إيجابية. بيد أن هنالك عدد من الظواهر الاجتماعية السلبية التي تؤدي إلى بروز زيادة كلفة المعيشة وتجهدها وتسبب التهميش الجماعي، وهي ظواهر ترتبط بأسلوب الحياة الحضري. يُنظر إلى تضخم الضواحي، التي يحدث في مدن الدول النامية الكبيرة، على أنها محاولة لموازنة هذه الجوانب السلبية للحياة الحضرية مع السماح في الوقت ذاته بالوصول إلى القدر الكبير من الموارد المشتركة.

تتمركز الأموال والخدمات والثروات والفرص في المدن. إذ يأتي أهل الريف إلى المدينة بحثًا عن رزقهم ولتغيير حالتهم الاجتماعية. تكون الشركات التجارية، التي توفر فرص العمل وتبادل رأس المال، أكثر تمركزًا في المناطق الحضرية. تتدفق الأموال الأجنبية إلى بلد ما من خلال الموانئ أو الأنظمة المصرفية، التي تقع عادة في المدن، سواء كان منشأها من التجارة أو السياحة.

ينتقل العديد من الأشخاص إلى المدن سعيًا إلى الحصول على الفرص الاقتصادية، إلا أن هذا لا يبرر كليًا ارتفاع معدلات التحضر للغاية في أماكن مثل الصين والهند. تُعتبر الهجرة الريفية عاملًا مساهمًا في التحضر. في المناطق الريفية، ولا سيما في المزارع العائلية الصغيرة أو المزارع الجماعية في القرى، كان الوصول إلى السلع المصنعة أمرًا صعبًا على مر الزمن، وإن كان طابع الحياة العامة شخصيًا للغاية، فقد تفوق بالتأكيد طابع الحياة في المدينة. تتعرض الحياة في المزارع للأوضاع البيئية التي لا يمكن التنبؤ بها، وفي أوقات الجفاف أو الفيضانات أو الفيضانات، قد يصبح البقاء مشكوكًا فيه.

في مقال نشر في صحيفة نيويورك تايمز عن الهجرة الحادة بعيدًا عن الزراعة في تايلاند، وُصفت حياة المُزارع بأنها «قاسية ومرهقة». «يقول الجميع أن المُزارع يعمل بجد ولكنه يحصل على أقل قدر من المال». وفي محاولة للتصدي لهذا الاعتقاد، تسعى وزارة الزراعة في تايلاند إلى تعزيز الاعتقاد الذي يصف الزراعة بأنها مهنة «محترمة وآمنة».

مراجععدل

  1. ^ "Urbanization". MeSH browser. National Library of Medicine. مؤرشف من الأصل في 16 مارس 2016. اطلع عليه بتاريخ 05 نوفمبر 2014. The process whereby a society changes from a rural to an urban way of life. It refers also to the gradual increase in the proportion of people living in urban areas. 
  2. ^ "Urbanization in". demographic partitions. مؤرشف من الأصل في 22 أكتوبر 2018. اطلع عليه بتاريخ 08 يوليو 2015. 
  3. ^ Tacoli، Cecilia (2015). Urbanisation, rural-urban migration and urban poverty. McGranahan, Gordon, Satterthwaite, David. London: International Institute for Environment and Development. ISBN 9781784311377. OCLC 942419887. 
  4. ^ "UN says half the world's population will live in urban areas by end of 2008". International Herald Tribune. Associated Press. 26 February 2008. مؤرشف من الأصل في 09 فبراير 2009. 
  5. ^ "Urban life: Open-air computers". The Economist. 27 October 2012. مؤرشف من الأصل في 5 سبتمبر 2017. اطلع عليه بتاريخ 20 مارس 2013. 
  6. أ ب ت "Urbanization". UNFPA – United Nations Population Fund. مؤرشف من الأصل في 1 يناير 2020. 
  7. ^ Barney Cohen (2015). "Urbanization, City Growth, and the New United Nations Development Agenda". 3 (2). Cornerstone, The Official Journal of the World Coal Industry. صفحات 4–7. مؤرشف من الأصل في 22 ديسمبر 2019. 
  8. ^ Gries, T. and Grundmann, R., 2018. Fertility and modernization: the role of urbanization in developing countries. Journal of International Development, 30(3), pp.493-506.
  9. ^ "Delhi Population 2020 (Demographics, Maps, Graphs)" en. worldpopulationreview.com. مؤرشف من الأصل في 3 يونيو 2019. اطلع عليه بتاريخ 01 مايو 2019. 
  10. ^ The Urbanization and Political Development of the World System: A comparative quantitative analysis. History & Mathematics 2 (2006): 115–53. نسخة محفوظة 18 مايو 2019 على موقع واي باك مشين.
  11. ^ Abraham Eraly (2007), The Mughal World: Life in India's Last Golden Age, p. 5, دار بنجوين للنشر نسخة محفوظة 29 يونيو 2014 على موقع واي باك مشين.
  12. ^ Irfan Habib؛ Dharma Kumar؛ Tapan Raychaudhuri (1987). The Cambridge Economic History of India (PDF). 1. مطبعة جامعة كامبريدج. صفحة 170. مؤرشف من الأصل (PDF) في 4 أغسطس 2017. 
  13. ^ Paolo Malanima (2009). Pre-Modern European Economy: One Thousand Years (10th-19th Centuries). دار بريل للنشر. صفحة 244. ISBN 978-9004178229. مؤرشف من الأصل في 9 ديسمبر 2019. 
  14. ^ Christopher Watson (1993). المحررون: K.B. Wildey؛ Wm H. Robinson. Trends in urbanisation. Proceedings of the First International Conference on Urban Pests. CiteSeerX 10.1.1.522.7409 . 
  15. ^ Annez، Patricia Clarke؛ Buckley، Robert M. (2009). "Urbanization and Growth: Setting the Context" (PDF). In Spence، Michael؛ Annez، Patricia Clarke؛ Buckley، Robert M. Urbanization and Growth. ISBN 978-0-8213-7573-0. 
  16. ^ Reba، Meredith؛ Reitsma، Femke؛ Seto، Karen C. (2016-06-07). "Spatializing 6,000 years of global urbanization from 3700 BC to AD 2000". Scientific Data. 3: 160034. Bibcode:2016NatSD...360034R. ISSN 2052-4463. PMC 4896125 . PMID 27271481. doi:10.1038/sdata.2016.34. 
  17. ^ "Research Data–Seto Lab". www.urban.yale.edu. مؤرشف من الأصل في 18 مايو 2019. اطلع عليه بتاريخ 09 يوليو 2016. 
  18. ^ "The History of Urbanization, 3700 BC – 2000 AD". YouTube. مؤرشف من الأصل في 8 يوليو 2016. اطلع عليه بتاريخ 24 سبتمبر 2018. 

وصلات خارجيةعدل