تانيت (تينيت، تانايت، تانيث، تنت، أو تانيس) هي إله أُنثى مبجلة عند سكان شمال أفريقيا قديماٞ. اشتهرت بعبادتها لدى القرطاجيين وتعتبر حامية مدينة قرطاج. "عُبدت إلى جانب بعل امون، وكانت تسمى: وجه بعل. وتعتبر تانيت رمزاً للأمومة والخصب والنماء وازدهار الحياة، وكانت مصدراً للتقوى والمحبة بين القرطاجيين فكانوا يهبون لها القرابين الثمينة ويقسمون باسمها إذا أرادوا إثبات وفائهم وصدقهم. ورد في نقش قرطاجي: "إلى الربة تانيت، وجه بعل، وإلى الرب بعل امون، هذا ما كرّسه بُدملقرت بن عبدملقرت بن هملقرت، لأنه سمع صوته، فليباركه الإله". وقد عثر على أكثر من 2000 لوح نقشي بنصوص شبيهة بهذا النص، بل تكاد تكون واحدة في عبارتها لا يتغير فيها شيء سوى أسماء القرطاجيين، وقدّر زمنها بمائتي سنة قبل دمار قرطاج".[1] وقد احتلت تانيت منذ القرن الخامس قبل الميلاد المرتبة الأولى في النصوص القرطاجية.

التاريخعدل

أصلهاعدل

أول من عرف بعبادة إلهة الحب والخصوبة والحرب هما السومريون وكانوا يطلقون على هذه الإلهة اسم إنانا.[2]

انتقلت عبادة إلهة الحب والخصوبة والحرب إلى معظم شعوب البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط تحت أسماء مختلفة كما قسمت هذه العبادة لدى بعض الشعوب إلى إلهة اثنين: إلهة الحب والخصوبة وإلهة الحرب والقوة.

فعرف الأمازيغ هذه الإلهة باسم تانيت وعبدوها، وعدم ذكرها في نصوص رأس شمرا وصور وغيرها ووجود عشتروت كإلهة لها نفس الدور وذكرها في سواحل الشام في نقيشة وحيدة فقط وبدون وجود أي معابد لها هناك يؤكد ان تانيت ليست فنيقية الأصل كما تدعي بعض الفرضيات،[3][4] بل ان عبادتها ترسخت عند الأمازيغ أولا قبل انتقالها إلى الفينيقيين وباقي الشعوب.[4][5]

من الناحية الميثولوجية يذكر هيرودوت أن تانيت هي ابنة اله البحار بوسيدون ذو الأصول الليبية، غير انها افترقت عن أبيها ولجأت إلى زيوس الذي تبناها ثم غيرت اسمها إلى أثينا.[6]

بدايتهاعدل

 
نصف ثمثال لتانيت عثر عليه في إيبيزا ، مؤرخة في القرن الرابع قبل الميلاد ، موجودة في متحف بويج دي مولين في إيبيزا ، إسبانيا

عرفت شمال افريقيا عبادة تانيت منذ القدم فقد عثر على رمز تانيت منقوشا على صخور ليبية تعود للألفية التامنة قبل الميلاد موحيا بالعبادة المبكرة لهذه الالهة الأنثى دون معرفة اسمها بالتحديد.[4][5]

عبدت تانيت لدى الليببين قديما تحت أسم نيث وتعتبر التاء في أول الكلمة تاء التأنيت في اللغات الأمازيغية [7]، ورد ذكرها منذ عصر ما قبل الأسرات في مصر على فخار نقادة، وتواتر ذكرها في مختلف العصور المصرية بحيث كانت تعبد بغرب الدلتا وقد اشتهر الليبيين القدامى بوشم رمز تانيت بأجسادهم كما يؤكد على ذالك نقوش موقع صا الحجر.[8]

برزت تانيت واشتهرت كمعبودة شعبية داخل الأمبراطورية القرطاجية بعد هزيمة هيميرا وتحول القرطاجيين نحو الفضاء الأفريقي [4]، فعوضت الإلهة "عشتروت" التي تقابلها لدى الفينيقيين [9]، وبالرغم من الاحتفاظ على الجانب الحربي لهذه الإلهة لكونها حامية مدينة قرطاج إلا انها أصبحت تميل أكثر للجانب الخاص بالخصوبة والأمومة والحب.

انتشارهاعدل

لم تقتصر عبادة تانيت على بلاد ليبيا القديمة فقط، بل انتقلت إلى عدد من المناطق بحوض البحر الابيض المتوسط كمصر وصيدا واليونان وروما.

لدى المصريينعدل

سميت تانيت لدى المصريين بنيث[10][11][12] ويعتبرونها الهة قدمت من بلاد ليبيا لتأسس معبدها بمنطقة سايس غرب الدلتا.[12] عرفت نيث كإلهة ليبية امازيغية وقد انتشرت عبادتها بالأساس غربي مصر حيث غالبية السكان من اصل ليبي.[13] كان شعار نيث سهمان متقاطعان على درع مما يدل على انها كانت إلهة الحرب والصيد، وتظهر عادة حاملة صولجان الواس (رمزاً للحكم والحكمة) وعلامة عنخ (رمزاً الحياة والخصوبة).

لدى اليونانيينعدل

انتقلت عبادة الإلهة المصرية-الليبية نيث" لى اليونان وحول اسمها إلى اثينا، وقد كانوا مطابقين تماما كما ذكر افلاطون [14] الا درجة ان المؤرخين اليونانيين لم يفرقوا بينهم وسموا كلاهما باثينا. ورغم ذالك احتفظت بجدوروها وأصولها الليبية فنجد هيرودوت يتحدث عنها قائلا في فقرته عن قبائل الأوسيس الليبيين << وفي حفل سنوي يقام على شرف الربة اثينا تتوزع فيه الفتيات إلى مجموعتان تتصارعان بالحجارة والعصي، ورثوا هذه الممارسات التي أسسها أجدادهم من الإلهة التي ولدت في بلدهم، والتي نسميها نحن الإغريق اثينا>>.[6] كما يذكر هيرودوت ان ثوب ودرع وتماثيل أثينا نقلها الإغريق عن النساء الليبيات.[15][16]

لدى الفينيقيينعدل

يعتبر الفينيقيون من أكثر الشعوب التي أحتك بهم الأمازيغ هذا مانتجه عنه تبادل ثقافي واضح بين هذه الشعبين فانتقلت عبادة بعض الألهة من شمال افريقيا إلى سواحل الشام مثل بوسايدون وتانيت، غير ان عبادة تانيت في شرق البحر الابيض المتوسط كانت نادرة بحيث لا يوجد أي اثار لمعابد أو ساحات لها كما انه تم الإشارة اليها في نقيشة واحدة فقط عثر عليها في قرية الصرفند جنوب صور [4] ، فلم تستطع تانيت أخد مكان الإلهة عشتروت كما حدث في قرطاج.

لدى الرومانعدل

عبدت تانيت لدى الرومان تحت اسم "جونون كايلتس" وتعني يونيو السماوي وعادة ما تم ربطها بالإله ساتورن واشتهرت عبادتها بشكل أكبر ضمن المقاطعات الرومانية بافريقيا، وقد بنيت لها معابد واضرحة خصوصا من طرف سبتيموس سيفروس ذو الأصول الأمازيغية [5] ومن أشهر المعابد التي عرفت بعبادة هذه الالهة هي معبد كايلتيس بدقة.[17]

لدى الايبيريينعدل

يُعتقد أن سيدة إلتشي لها ارتباط مباشر مع تانيت إلهة قرطاج، التي كان يعبدها البونيون الأيبيريون.[18]

الزمن المعاصرعدل

رغم دخول جل الأمازيغ إلى الاسلام إلا ان تاريخهم الميثولوجي والديني والثقافي لم يمحى من ذاكرتهم تماما، وكمثال على ذالك ظل بعض التونسيون لعقود قليلة مضت يطلبون المطر باستدعاء "الأم تانو" لجلب المطر أيام الجفاف، ويعتقد ان الأم تانو هذه هي نفسها تانيت.[19]

يعد تقليد "الأم تانو" تقليد تونسيا له شبه مع تقاليد أخرى بدول شمال افريقيا، ويستخدم في هذا التقليد دمية خشبية تتجلى في شكل رأس تمثال لامرأة على غرار دمى البنات وهي باسطة يديها للسماء. يسيرها الأطفال بين البيوت أثناء فترة الجفاف وهم يغنون "أمك طنقو شهلولة إن شالله تروّح مبلولة"، "أمك طنقو بسخيبها طلبت ربي لا يخيبها"، "أمك طنقو يا الولاد إن شالله تروّح بالواد".[20]

رمز تانيتعدل

 
رمز تانيت

الرمز المنسوب لتانيت هو عبارة عن مثلث (أحياناً شبه منحرف) تعلوه دائرة ويفصل بين هذين الشكلين الهندسين خط افقي. ويعطي الرمز في جملته شكل امراة بطريقة مبسطة جداً. ويقول كاتبمعجم تانيت[1] أن تانيت لم تجسّد في تمثال أو وثن معروف، وذلك على النقيض مما يرد عادةً، إذ لا دليل أركيولوجي أو تاريخي يثبت هذا التجسيد، ولقد اثبتت الحفريات حضور هذا الرمز في أنواع شتى من اللقي الاثرية كالتمائم وبعض المعالم الجزئية واللوحات الفسيفسائية كما هو في كركوان واكروبوليس سيلينوبت في صقلية.

يتألف رمز تانيت من تلاثة اجزاء: مثلت يرمز للبدن، وخط أفقي ينتهي طرفاه بشكل يدين، ودائرة ثمتل الرأس.

نظائرهاعدل

يقابل الإلهة تانيت:

انظر أيضًاعدل

المراجععدل

  1. أ ب انظر عبد المنعم المحجوب: معجم تانيت، دار الكتب العلمية، بيروت، 2013
  2. ^ د عيد، معجم الآلهة والكائنات الأسطورية في الشرق الأدنى القديم، المحرر الأدبي للنشر والتوزيع والترجمة، ISBN 978-2-12-346118-0، مؤرشف من الأصل في 22 سبتمبر 2020.
  3. ^ محمد الخطيب، الحضارة الفينيقية، ص. 91.
  4. أ ب ت ث ج الصراع القرطاجي الإغريقي، مؤرشف من الأصل في 22 سبتمبر 2020.
  5. أ ب ت خزعل الماجدي، المعتقدات الكنعانية، ص. 181 - 182 -183.
  6. أ ب مصطفى أعشي، أحاديث هيرودوت عن الليبيين، ص. 56.
  7. ^ عبد المنعم المحجوب، معجم تانيت في الحضارة الليبية - الفينيقية في شمال إفريقيا وحوض المتوسط)، ص. 66، مؤرشف من الأصل في 22 سبتمبر 2020.
  8. ^ عبد المنعم المحجوب، معجم تانيت في الحضارة الليبية - الفينيقية في شمال إفريقيا وحوض المتوسط، ص. 67، مؤرشف من الأصل في 22 سبتمبر 2020.
  9. ^ Mythologies (باللغة الإنجليزية)، PediaPress، مؤرشف من الأصل في 22 سبتمبر 2020.
  10. ^ W. Hovestreydt, L. M. J.، ANNUAL EGYPTOLOGICAL BIBLIOGRAPHY 1980 (باللغة الإنجليزية)، Brill Archive، ISBN 978-90-04-06126-2، مؤرشف من الأصل في 22 سبتمبر 2020.
  11. ^ Robert Graves، The Greek Myths, Volume 1، ص. 143.
  12. أ ب Mythologies (باللغة الإنجليزية)، PediaPress، مؤرشف من الأصل في 22 سبتمبر 2020.
  13. ^ Lewis (2002-08)، The Problem of Atlantis (باللغة الإنجليزية)، Book Tree، ISBN 978-1-58509-089-1، مؤرشف من الأصل في 22 سبتمبر 2020. {{استشهاد بكتاب}}: تحقق من التاريخ في: |تاريخ= (مساعدة)
  14. ^ إتحاد المؤرخين العرب، حضارات الوطن العربي كخلفية للمدنية اليونانية /، ص. 28.
  15. ^ فهيم، (1986)، قصة الأنثروبولوجيا: فصول في تاريخ علم الإنسان، مطابع الرسالة،، مؤرشف من الأصل في 22 سبتمبر 2020.ص 44
  16. ^ (Histories iv.189)
  17. ^ "Category:Temple of Juno Caelestis in Dougga - Wikimedia Commons"، commons.wikimedia.org (باللغة الإنجليزية)، مؤرشف من الأصل في 22 سبتمبر 2020، اطلع عليه بتاريخ 22 سبتمبر 2020.
  18. ^ , Macmillan Library Ref. USA - Iberian Religion - page 549
  19. ^ Rezgui, Sadok (1989)، Les chants tunisiens (باللغة الفرنسية)، Tunis: Maison tunisienne de l'édition.
  20. ^ Essam.Sahmarani، ""أمك طنقو" تطلب المطر للتونسيين"، https://www.alaraby.co.uk/، مؤرشف من الأصل في 23 سبتمبر 2020، اطلع عليه بتاريخ 23 سبتمبر 2020. {{استشهاد ويب}}: روابط خارجية في |موقع= (مساعدة)