بناء الأمة

بناء الأمة هو إنشاء الهوية القومية وهيكلتها اعتمادًا على سلطات الدولة.[1][2] يهدف بناء الأمة إلى توحيد الشعب ضمن الدولة بغية بقائه مستقرًا سياسيًا وقابلًا للبقاء على المدى الطويل. وفقًا لهاريس ميلوناس، فإن «شرعية» السلطة في الدول الوطنية المعاصرة متصلة بحكم شعبي لدى الأغلبية. يُعد بناء الأمة العملية التي تبنى تلك الأغلبيات خلالها.[3]

بُناة الأمة هم أعضاء الدولة الذين يبادرون بتطوير المجتمع الوطني بواسطة برامج الحكومة، كالتجنيد الإجباري وانتشار مدارس المضمون الوطني. يمكن أن يتمثل بناء الأمة في اللجوء إلى الدعاية وتنمية البنية التحتية الأساسية لتعزيز التآلف الاجتماعي والنمو الاقتصادي.[4][5][6] وفقًا للعالم السياسي في جامعة كولومبيا، أندرياس ويمر، تغلب ثلاثة عوامل في تحديد نجاح بناء الأمة على المدى الطويل «التنمية المبكرة لمنظمات المجتمع المدني، ونشوء دولة قادرة على توفير المنافع العامة بالتساوي في جميع أنحاء الأقاليم، وظهور وسيلة اتصال مشتركة».[7]

نظرة عامةعدل

في العصر الحاضر، يشير بناء الأمة إلى الجهود التي تبذلها الدول حديثة الاستقلال، لا سيما دول أفريقيا والبلقان،[8][9] لإعادة تحديد عامة الشعب في الأقاليم التي انتزعتها السلطات أو الامبراطوريات الاستعمارية بغض النظر عن الحدود الإثنية أو الدينية أو غيرها. من شأن تلك الدول المعاد تشكيلها أن تصبح كيانات قومية مترابطة وقابلة للبقاء.[10]

ينطوي بناء الأمة على إقامة الرموز الوطنية كالأعلام، والأناشيد الوطنية، والأيام الوطنية، والملاعب الوطنية، وخطوط النقل الوطنية، واللغات الوطنية، والخرافات القومية.[11] على مستوى أعمق، ينبغي أن تُشيَّد الهوية الوطنية عمدًا عبر تشكيل المجموعات الإثنية المختلفة في الدولة، نظرًا إلى أن الممارسات الاستعمارية القائمة على مبدأ فرِّقْ تسُدْ في العديد من الدول المنشأة حديثًا أسفرت عن فئات سكانية متباينة الأعراق.[12]

ومع ذلك، اجتاحت العصبية القبلية العديد من الدول الحديثة، وهي المنافسة بين المجموعات الإثنية في الدولة. أسفر ذلك في أغلب الأحيان عن شبه تفكك تلك الدول، كما حدث عند محاولة جمهورية بيافرا الانشقاق عن نيجيريا أثناء الحرب الأهلية النيجيرية في عام 1970، أو مطالبات الشعب الصومالي المستمرة في منطقة أوغادين التابعة لإثيوبيا بالاستقلال التام. في آسيا، كان انقسام الراج البريطاني إلى الهند وباكستان يُعزى جزئيًا إلى الاختلافات الإثنية، والتي سندتها عوامل أخرى مثل سوء الإدارة الاستعمارية للوضع. فضلًا عن الإبادة الجماعية في رواندا والصعوبات المتكررة التي تواجهها السودان، والتي يمكن أن تُعزى إلى الافتقار للترابط الإثني أو الديني أو العرقي في الدولة. أُثبت مرارًا صعوبة توحيد الدول المتماثلة إثنيًا وذات الخلفية الاستعمارية المختلفة. بينما يعتبر البعض دولة الكاميرون مثالًا على النجاح، تظهر الشروخ على هيئة مشكلة الناطقين باللغة الإنجليزية. وتُظهر الإخفاقات كاتحاد سينيغامبيا الكونفدرالي مشاكل في توحيد المناطق الناطقة باللغة الفرنسية والناطقة باللغة الإنجليزية.

اصطلاحًا: بناء الأمة مقابل بناء الدولةعدل

جرت العادة أن يكون هناك التباس بين استخدام مصطلحي بناء الأمة وبناء الدولة (يُستخدم المصطلحان أحيانًا على نحوٍ متبادل في جنوب أمريكا). يمتلك كلاهما تعاريف متقاربة ومختلفة نسبيًا في العلوم السياسية، إذ يشير مصطلح بناء الأمة إلى الهوية الوطنية، بينما يشير مصطلح بناء الدولة إلى مؤسسات الدولة وبنيتها التحتية. أدى وجود مدرستين فكريتين مختلفتين إلى زيادة الطين بلة على النقاش حول بناء الدولة. تصور المدرسة الأولى (السائدة في وسائل الإعلام) بناء الدولة على أنه فعل تدخل من الدول الأجنبية.[13] وترى المدرسة الثانية (ذات المنشأ الأكاديمي والقبول المتزايد من المؤسسات الدولية) بناء الدولة عملية محلية.

أدى الالتباس بشأن المصطلحات في الآونة الأخيرة إلى استخدام مصطلح بناء الدولة في سياق مختلف كليًا، بالإشارة إلى ما كان يصفه مؤيدوه بإيجاز بأنه «اللجوء إلى القوات المسلحة في أعقاب نزاع ما لتعزيز التحول الدائم إلى الديمقراطية».[14] ومن هذا المنطلق، يصف بناء الأمة، والمشار إليه بصورة أفضل ببناء الدولة، الجهودَ المدروسة التي تبذلها السلطات الخارجية لإنشاء أو تنصيب مؤسسات الحكومة الوطنية وفقًا لنموذج قد يكون مألوفًا أكثر لدى السلطات الخارجية، ولكن غالبًا ما يُعتبر خارجيًا وربما مزعزعًا للاستقرار. ومن هذا المنطلق، يتسم بناء الدولة عمومًا بالاستثمار الهائل، والاحتلال العسكري، والحكومة المؤقتة، واستخدام الدعاية للتواصل مع السياسة الحكومية.[15][16]

المراجععدل

  1. ^ Karl Wolfgang Deutsch, William J. Folt, eds, Nation Building in Comparative Contexts, New York, Atherton, 1966.
  2. ^ Mylonas, Harris (2017),“Nation-building,” Oxford Bibliographies in International Relations. Ed. Patrick James. New York: Oxford University Press. نسخة محفوظة 12 نوفمبر 2019 على موقع واي باك مشين.
  3. ^ Mylonas, Harris (2012). The Politics of Nation-Building: Making Co-Nationals, Refugees, and Minorities. New York: Cambridge University Press. صفحة 17. ISBN 978-1107661998. مؤرشف من الأصل في 14 سبتمبر 2019. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  4. ^ Keith Darden and Harris Mylonas. 2016. “Threats to Territorial Integrity, National Mass Schooling, and Linguistic Commonality,” Comparative Political Studies, Vol. 49, No. 11: 1446-1479. نسخة محفوظة 26 يناير 2020 على موقع واي باك مشين.
  5. ^ Keith Darden and Anna Grzymala-Busse. 2006. “The Great Divide: Literacy, Nationalism, and the Communist Collapse.” World Politics, Volume 59 (October): 83-115.
  6. ^ Barry Posen. 1993. "Nationalism, the Mass Army and Military Power," International Security, 18(2): 80-124.
  7. ^ Wimmer, Andreas (2018-07-04). "Nation Building: Why Some Countries Come Together While Others Fall Apart". Survival (باللغة الإنجليزية). 60 (4): 151–164. doi:10.1080/00396338.2018.1495442. ISSN 0039-6338. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  8. ^ Mylonas, Harris (2012). The Politics of Nation-Building: Making Co-Nationals, Refugees, and Minorities. New York: Cambridge University Press. ISBN 978-1107661998. مؤرشف من الأصل في 14 سبتمبر 2019. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  9. ^ Mylonas, Harris (2012). The Politics of Nation-Building: Making Co-Nationals, Refugees, and Minorities. Cambridge: Cambridge University Press. صفحة xx. ISBN 9781107020450. مؤرشف من الأصل في 7 يوليو 2019. اطلع عليه بتاريخ 02 ديسمبر 2013. Many journalists, academics, and policy commentators have recently used the term 'nation-building' in place of what the U.S. Department of Defense calls 'stability operations.' [...] In other words. by 'nation-building' they mean 'third-party state-building.' They use the term to describe efforts to build roads and railways, enforce the rule of law, and improve the infrastructure of a state. [...] I part ways with this recent usage and I use the term 'nation-building' as it has been used in the political science literature for the past five decades. [...] Nation-building, sometimes used interchangeably with national integration, is the process through which governing elites make the boundaries of the state and the nation coincide. [...] الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  10. ^ Connor, Walker (18 July 2011). "Nation-Building or Nation-Destroying?". World Politics. 24 (3): 319–355. doi:10.2307/2009753. JSTOR 2009753. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  11. ^ Jochen Hippler, المحرر (2005). Nation-building: a key concept for peaceful conflict transformation?. translated by Barry Stone. London: Pluto. ISBN 978-0745323367. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  12. ^ Harris Mylonas. 2010. "Assimilation and its Alternatives: Caveats in the Study of Nation-Building Policies", In Rethinking Violence: States and Non-State Actors in Conflict, eds. Adria Lawrence and إيريكا تشينويث. BCSIA Studies in International Security, MIT Press.
  13. ^ Stephenson, Carolyn (January 2005). "Nation Building". Beyond Intractability. مؤرشف من الأصل في 1 يوليو 2019. اطلع عليه بتاريخ 27 يونيو 2018. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  14. ^ Dobbins, James, Seth G. Jones, Keith Crane, and Beth Cole DeGrasse. 2007. The Beginner's Guide to Nation-Building. Santa Monica, Calif.: RAND Corporation.
  15. ^ Fukuyama, Francis. January/February 2004. "State of the Union: Nation-Building 101", Atlantic Monthly.
  16. ^ Fukuyama, Francis (ed.) (2006). Nation-building: Beyond Afghanistan and Iraq (الطبعة [Online-Ausg.]). Baltimore, Md.: Johns Hopkins Univ. Press. ISBN 978-0801883347. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)صيانة CS1: نص إضافي: قائمة المؤلفون (link)