الدعاية خلال الحروب اليوغسلافية

خلال الحروب اليوغوسلافية (1991-2001)، استُخدمت الدعاية على نطاق واسع في وسائل الإعلام في جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية، وفي كرواتيا، وإلى حد ما وفي وسائل الإعلام البوسنية.

خلال الحروب، استخدمت جميع الأطراف الدعاية كأداةٍ لها. انقسمت وسائل الإعلام في يوغوسلافيا السابقة على أسس عرقية ولم يكن هناك سوى عدد قليل من الأصوات المستقلة التي عارضت الخطاب القومي.

استخدم سلوبودان ميلوشيفيتش ونظامه في صربيا أسلوب الدعاية بشكل واضح. بدأ ميلوشيفيتش جهوده للتحكم بوسائل الإعلام في أواخر الثمانينيات وبحلول عام 1991 نجح في دمج إذاعة وتلفزيون صربيا مع وسائل الإعلام الأخرى. أصبحت وسائل الإعلام الصربية بوقًا لنظامه لدرجة كبيرة. كان اتهام ميلوشيفيتش باستخدام وسائل الإعلام لأغراض دعائية، جزءًا من لائحة الاتهام التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة بحقه.

في كرواتيا، أصبحت وسائل الإعلام التي تضم هيئة الإذاعة والتلفزيون الكرواتي وهي هيئة البث العامة الرئيسية للدولة، تحت سيطرة فرانيو تودجمان وحزبه حزب الاتحاد الديمقراطي الكرواتي (إتش دي زد). شاركت وسائل الإعلام الكرواتية في الدعاية خلال حرب الاستقلال الكرواتية وحرب البوسنة والهرسك.

كما زعم بعض المحللين أن وسائل الإعلام الغربية استخدمت تكتيكات دعائية في تغطيتها للحروب، لا سيما في تصويرها للجانب الصربي في النزاعات.

خلفية وتحليلعدل

خلال انفصال دولة يوغوسلافيا، لعبت وسائل الإعلام دورًا حاسمًا في التأثير على الرأي العام بشأن الصراع. حيث ساعدت وسائل الإعلام التي تسيطر عليها أنظمة الدولة في تنمية بيئة حاضنة للحرب من خلال مهاجمة المبادئ المدنية، وتأجيج الخوف من العنف العرقي، والعمل على فكرة هندسة القبول. على الرغم أن جميع الأطراف في الحروب اليوغوسلافية استخدمت الدعاية، إلا أن نظام سلوبودان ميلوشيفيتش لعب دورًا رائدًا في نشر هذه الفكرة. ابتداءً من عام 1987، استخدم ميلوشيفيتش التلفزيون الحكومي لتصوير جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية على أنها «معادية للصرب»، ما أدى إلى دعاية منافسة من جمهوريتي كرواتيا والبوسنة والهرسك. كانت غالبية وسائل الإعلام متواطئة في هذه التكتيكات، وخاضعة لأحزابها العرقية والسياسية المعنية، وعملت كأداة للدعاية القومية. لم يستثن من ذلك سوى قلة قليلة من وسائل الإعلام المستقلة.[1][2]

قبل وقت طويل من اندلاع الصراع في كرواتيا، قامت وسائل الإعلام الصربية والكرواتية بتهيئة جمهورها للعنف والنزاع المسلح من خلال بث قصص الأعمال الوحشية التي ارتكبها الجانب الآخر في الحرب العالمية الثانية. وهكذا، مُثل الصرب في وسائل الإعلام الكرواتية، على أنهم التشيتنيك (أو في بعض الأحيان البارتيزان)، بينما صُور الكروات في وسائل الإعلام الصربية، على أنهم منظمة أوستاشا. وبمجرد بدء القتال، استُخدمت تلك التسميات بشكل روتيني في تقارير الحرب الإعلامية من كلا الجانبين، ما غرس الكراهية والخوف بين الجماهير.[3] كما عززت الحملات الدعائية الصربية والكرواتية بعضها البعض. ساعد الخطاب القومي الذي قدمه الرئيس الكرواتي فرانيو تودجمان وشخصيات عامة كرواتية قبل وبعد الانتخابات البرلمانية الكرواتية عام 1990 ميلوشيفيتش. وبالمثل، أثارت سياسات ميلوشيفيتش في كرواتيا المشاعر القومية بين الكروات، والتي استخدمها تودجمان لصالحه. ابتداءً من عام 1990، بدأ طريق الحرب على يد القوميين الصرب على حد سواء، وبعد ذلك على يد مسلمي البوسنة.[4]

سيطر كل من ميلوشيفيتش وتودجمان على وسائل الإعلام في جمهوريتيهما واستخدما التقارير الإخبارية في الصحف والإذاعة والتلفزيون لتأجيج نيران الكراهية.[5] لاحظت الصحفية ماغي أوكين كيف كان الزعيمان على دراية بأهمية حملات الدعاية التحريضية «التي من شأنها أن تحضر بلد أبناء تيتو - وهي في الأساس بلد مختلط عرقيًا – للتقسيم كما حدث في المثال اليوغسلافي».[4] فيما يتعلق بحالة الإعلام في كل من صربيا وكرواتيا في ذلك الوقت، كتب كمال كورسباهيتش:

كانت وسائل الإعلام المهيمنة في كل من الجمهوريتين – محطات الإذاعة والتلفزة الحكومية وكذلك الصحف اليومية الحكومية مثل بوليتيكاو بوليتيكا اكسبريس في بلغراد و فيزلك وفيكشانياك في زغرب - متماشية تمامًا مع المواجهة الشاملة التي عنوانها «نحن ضدهم». في غرفة الأخبار، لم يكن هناك مكان أو اهتمام بوجهة نظر «الأخرين» أو مخاوفهم، ولم يكن هناك حتى ادعاء بالموضوعية أو الفضول لسماع الجانب الآخر من القصة، ولم يحصل أي استجواب أو نقد لما يقوم به «جانبنا».[6]

في البوسنة، انقسمت وسائل الإعلام أيضًا على أسس عرقية. وقد ساعدت في إطالة أمد حرب البوسنة وكانت عقبة أمام تحقيق السلام.[1][2]

استخدمت الأطراف المتحاربة في الحروب اليوغوسلافية تكتيكات دعائية مختلفة. وشمل ذلك تقارير مبالغ فيها عن جرائم الحرب. على سبيل المثال، ذكرت كل من وسائل الإعلام البوسنية المسلمة والصربية أن أطفالهم استُخدموا كغذاء للحيوانات في حديقة الحيوان. شوهت صورة ضحايا المجازر حيث عرضوا على أنهم عناصر في مجموعتهم العرقية أو أن الجانب الآخر قد قتل شعبه لأغراض دعائية. واستخدمت جميع الأطراف الوثائقيات والأفلام لدعم أجندتها الخاصة.[2]

ادعاءات حول الناتو ووسائل الإعلام الغربيةعدل

شيطنة الصربعدل

يجادل بعض الباحثين والمراقبين، مثل نيكولاس كول، وديفيد ولش، ونوم تشومسكي، ومايكل بارينتي، وسكوت تايلور، بأن تصوير وسائل الإعلام الغربية، طوال فترة الحرب، وصل إلى حد شيطنة الشعب الصربي ككل وليس فقط شخصية سلوبودان ميلوشيفيتش.[7][8][9][10][11][12] بينما يرفض آخرون فكرة تورط وسائل الإعلام الغربية في دعاية مناهضة للصرب. عارض المؤرخ ماركو أتيلا هور الادعاءات التي رأى أنها قادمة من «محرفين يساريين»، مؤكدًا أن «تشويه صورة الصرب» يمثل في الواقع تنوعًا في الآراء حول الحرب وأن أولئك «اليساريون المتطرفون الغربيون» الذين يقدمون هذه الأنواع من الحجج من بين أمور أخرى «سلبيون ومنافقون في استخدامهم لكل من الحقائق والحجج».[13][14] ذكرت مراجعة لكتاب بارنتي نشرت في مجلة بابليشرز ويكلي مايلي: «في حين قد يستحق القادة السياسيين والعسكريين الآخرين في البلقان اللوم أيضًا، فإن ميلوشيفيتش لا يستحق الدفاع».[15]

يجادل الصحفي ديفيد بيندر بأن سياسة الولايات المتحدة خلال التسعينيات حكمتها «نظرية مبسطة تلوم أمة واحدة، وهم الصرب، باعتبارهم أصل الشر في البلقان» وأن «هذه النظرية غير المدونة أيدتها ونشرتها وسائل الإعلام السائدة».[16] على النقيض من ذلك، ذكر روجر كوهن، وهو كاتب عمود في صحيفة نيويورك تايمز، أن الروايات التي تؤكد «شيطنة» الصرب استخدمت كمناورة لتحويل النظرة العامة للحروب اليوغوسلافية رأساً على عقب من خلال تحويل الصرب من معتدين إلى ضحايا.[17] كتب الصحفي ميشيل كولون أنه في الحالات التي كان فيها مرتكبو الجرائم من أصل صربي، فإن وسائل الإعلام الغربية وجهت الاتهام إلى الأمة الصربية بأكملها («الصرب») بدلاً من استخدام مصطلحات دقيقة مثل «المتطرفون الصرب».[18] زعم فيليب هاموند، وهو أستاذ في مجال الإعلام والاتصالات، ويركز على دور الإعلام في صراعات ما بعد الحرب الباردة والتدخلات الدولية، أن وسائل الإعلام البريطانية لجأت أثناء تغطيتها للحروب اليوغوسلافية، إلى الصور النمطية للصرب.[19]

قالت سيلفيا هيل، في تعليقها على دور الإعلام في إضفاء الشرعية على الحروب، أن شركة رودر فن، وهي شركة علاقات عامة، أنشأت مركزًا للأزمات قام بإعداد جدول منظم من المقالات وروايات الحرب لوسائل الإعلام الأمريكية.[20] وزعمت هيل أن الشركة ركزت على معسكرات الاعتقال الصربية فقط، على الرغم أن مسلمي البوسنة والكروات أقاموا أيضًا معسكراتٍ للأشخاص الذين اعتبروهم يشكلون تهديدًا للأراضي الواقعة تحت سيطرتهم.[21] كما أشارت إلى أن تضخيم أعداد الضحايا بشكل كبير كان تكتيكًا آخر في حرب الدعاية الإعلامية.[21] قام الصحفي الأمريكي بيتر بروك بدراسة 1500 مقالة نُشرت في عام 1992 من قبل عدد من وسائل الإعلام والوكالات الغربية. كانت نسبة المقالات التي قدمت صورة إيجابية عن الصرب مقارنة بالمقالات التي قدمت صورة سلبية بشكل كبير هي 40: 1.[22]

انظر أيضًاعدل

مراجععدل

  1. أ ب Price, Monroe E.; Thompson, Mark (2002). Forging Peace: Intervention, Human Rights, and the Management of Media Space. Indiana University Press. صفحة 201. ISBN 978-0-253-21573-4. مؤرشف من الأصل في 20 فبراير 2021. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  2. أ ب ت Cull, Nicholas John; Holbrook Culbert, David; Welch, David (2003). Propaganda and Mass Persuasion: A Historical Encyclopedia, 1500 to the Present. ABC-CLIO. صفحات 36–37. ISBN 978-1-576-07820-4. مؤرشف من الأصل في 20 فبراير 2021. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  3. ^ Pavkovic, Aleksandar (2000). The Fragmentation of Yugoslavia: Nationalism and War in the Balkans. Springer. صفحة 142. ISBN 978-0-230-28584-2. مؤرشف من الأصل في 20 فبراير 2021. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  4. أ ب Somerville, Keith (2012). Radio Propaganda and the Broadcasting of Hatred: Historical Development and Definitions. Springer. صفحات 108–117. ISBN 978-1-137-28415-0. مؤرشف من الأصل في 20 فبراير 2021. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  5. ^ Jowett, Garth S.; O'Donnell, Victoria (2018). Propaganda & Persuasion (الطبعة 7th). SAGE Publications. ISBN 978-1-506-37135-1. مؤرشف من الأصل في 20 فبراير 2021. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  6. ^ Kurspahić 2003، صفحة 74.
  7. ^ Cull, Culbert & Welch 2003، صفحة 217.
  8. ^ Noam Chomsky (1999). The New Military Humanism: Lessons from Kosovo. Pluto Press. صفحة 93. ISBN 978-0-7453-1633-8. مؤرشف من الأصل في 16 يناير 2021. اطلع عليه بتاريخ 15 أغسطس 2013. it became necessary to modify the propaganda framework, demonizing the people of Serbia, not merely their leader الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  9. ^ Parenti 2002، صفحات 77, 186.
  10. ^ Scott Taylor (2009). Unembedded: Two Decades of Maverick War Reporting. Douglas & McIntyre. صفحة 197. ISBN 978-1-926685-88-5. مؤرشف من الأصل في 12 ديسمبر 2020. اطلع عليه بتاريخ 15 أغسطس 2013. The western media began yet another round of demonizing the Serbs الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  11. ^ Carl Boggs (1 January 2005). Imperial Delusions: American Militarism and Endless War. Rowman & Littlefield. صفحة 163. ISBN 978-0-7425-2772-0. مؤرشف من الأصل في 29 نوفمبر 2020. اطلع عليه بتاريخ 15 أغسطس 2013. Serbs were regularly demonized in the mass media الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  12. ^ Clark, Neil (14 January 2008). "It's time to end Serb-bashing". الغارديان (باللغة الإنجليزية). مؤرشف من الأصل في 13 ديسمبر 2020. اطلع عليه بتاريخ 26 مايو 2020. The Serbs have been demonised because they have consistently got in the way of the west's hegemonic ambitions in the region الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  13. ^ Hoare, Marko (2003). "Nothing Is Left". The Bosnian Institute. The media in Britain and the US have not, therefore, been guilty of ‘anti-Serb bias’ or of ‘demonising the Serbs’; nor have they upheld the policies of the British government or made propaganda on its behalf; nor have they been a monolith; they have, on the contrary, represented a diversity of opinions. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة); مفقود أو فارغ |url= (مساعدة)
  14. ^ Hensman, Rohini (2018). Indefensible: Democracy, Counterrevolution, and the Rhetoric of Anti-Imperialism. Haymarket Books. صفحة 137. ISBN 978-1-60846-912-3. مؤرشف من الأصل في 12 يونيو 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  15. ^ "To Kill a Nation: The Attack on Yugoslavia". بابليشرز ويكلي. مؤرشف من الأصل في 22 أكتوبر 2020. اطلع عليه بتاريخ June 9, 2020. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  16. ^ Chandler, David (2002). Rethinking Human Rights: Critical Approaches to International Politics. Springer. صفحة 183. ISBN 978-1-40391-426-2. مؤرشف من الأصل في 20 فبراير 2021. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  17. ^ Cohen, Roger. The New Republic, 11 March 1996, "Far from aggressors, Serbs are transformed into victims. This is quite a manoeuvre. The general view of the wars of 1991 to 1995 is turned on its head; and the press becomes a malevolent force mysteriously engaged in 'demonization' of the Serbs."
  18. ^ Michel Collon; Milo Yelesiyevich; Terence McGee (2002). Liar's poker: the great powers, Yugoslavia and the wars of the future. International Action Center. صفحة 25. ISBN 978-0-9656916-6-6. مؤرشف من الأصل في 12 يناير 2021. اطلع عليه بتاريخ 27 أغسطس 2013. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  19. ^ Hammond, Philip Hammond (2000). "Reporting "Humanitarian" Warfare: propaganda, moralism and NATO's Kosovo war". Journalism Studies. 1 (3): 365–386. doi:10.1080/1461670X.2010.10094088. S2CID 144003516. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  20. ^ Klaehn 2010، صفحة 55.
  21. أ ب Klaehn 2010، صفحة 56.
  22. ^ Merlino, Jacques (1993-01-01). Les vérités yougoslaves ne sont pas toutes bonnes à dire (باللغة الفرنسية). Albin Michel (réédition numérique FeniXX). ISBN 978-2-226-34614-8. مؤرشف من الأصل في 20 فبراير 2021. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)