افتح القائمة الرئيسية

الحياء لغةً:

الحشمة، وضدها الوقاحة. وقد حيي منه حياء واستحيا واستحى فهو حَيِيٌّ، وهو الانقباض والانزواء [1].

والحَيَاء اصطلاحًا:

  • هو: (انقباض النَّفس مِن شيءٍ وتركه حذرًا عن اللَّوم فيه)[2].
  • وقال ابن حجر: (الحَياء خُلُقٌ يبعث صاحبه على اجتناب القبيح، ويمنع مِن التقصير في حقِّ ذي الحقِّ) [3].
  • وقيل هو: (تغيُّر وانكسار يعتري الإنسان مِن خوف ما يُعَاب به ويُذَمُّ، ومحلُّه الوجه[4].

محتويات

أنواع الحياءعدل

والحياء نوعان:

  1. نفساني: وهو الذي خلقه الله في النفوس كلها كالحياء من كشف العورة، والجماع بين الناس.
  2. إيماني: وهو أن يمتنع المؤمن عن فعل المعاصي خوفا من الله تعالى.[5]

قال أبو حاتم:

«إن المرء إذا اشتد حياؤه صان ودفن مساوئه ونشر محاسنه.»

وقيل:

«إن الحياء زينة المؤمنين، حيث يمنع النفس من التفريط في حق صاحب الحق»

وقال أحد الحكماء:

«ينبغي أن يستحى من إتيان القبيح، فإن المرء بحيائه ولا إيمان لمن لا حياء له.»

أخرج الترمذي في السنن:.. عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله  : «استحيوا من الله حق الحياء»، قال: قلنا: يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله، قال: «ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء».[6]

الفرق بين الحياء والخجلعدل

(الخجل: معنىً يظهر في الوجه لغمٍّ يلحق القلب، عند ذهاب حجَّةٍ، أو ظهور على ريبة، وما أشبه ذلك، فهو شيء تتغير به الهيبة.

والحَيَاء: هو الارتداع بقوَّة الحَيَاء، ولهذا يُقَال: فلانٌ يستحي في هذا الحال أن يفعل كذا، ولا يقال: يخجل أن يفعله في هذه الحال؛ لأنَّ هيئته لا تتغيَّر منه قبل أن يفعله، فالخَجَل ممَّا كان والحَيَاء ممَّا يكون. وقد يُسْتَعمل الحَيَاء موضع الخَجَل توسُّعًا،

وقال الأنباري: أصل الخَجَل في اللُّغة: الكَسَل والتَّواني وقلَّة الحركة في طلب الرِّزق، ثمَّ كثر استعمال العرب له حتى أخرجوه على معنى الانقطاع في الكلام.

وفي الحديث: ((إذا جعتنَّ وقعتنَّ، وإذا شبعتنَّ خجلتنَّ))[7]، «وقعتنَّ» أي: ذللتنَّ، و«خجلتن»: كسلتن. وقال أبو عبيدة: الخَجَل هاهنا الأَشَر، وقيل هو سوء احتمال العناء. وقد جاء عن العرب الخَجَل بمعنى: الدَّهش.

قال الكُمَيْتُ:

فلم يدفعوا عندنا ما لهملوقع الحروب ولم يخجلوا

أي لم يبقوا دهشين مبهوتين)[8].

اشتقاقعدل

الحياء ممدود الاستحياء والاسم حيي.

تقسيمعدل

باعتبار الإضافةعدل

وينقسم الحياء إلى ثلاثة أقسام:

  1. الحياء من الله: فقد روي في الحديث عن علقمة بن علاثة قال: يارسول الله عظني، فقال رسول الله  «استح من الله استحياءك من ذوي الهيبة من قومك».[9]
  2. الحياء من الناس: روي عن حذيفة بن اليمان قوله:
    «لا خير فيمن لا يستحي من الناس.»
  3. الحياء من النفس: وهو حياء النفوس الشريفة، فالإنسان المؤمن يستحي من نفسه أن يأتي بالنقص أو بما يخل الشرف أو الكرامة، وهذا أكمل أنواع الحياء لأن من استحى من نفسه كان استحياؤه من غيره أجدر.

باعتبار الجهةعدل

وهناك من الفلاسفة من يقسم الحياء إلى فطري ومكتسب، فالإنسان يولد بالفطرة يستحي ثم يكبر ويتعلم ويختلط بالناس فيقل أو يزيد حياءه، حيث قال القرطبي:

«الحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع من الإيمان غير أن المرء الذي فيه غريزة الحياء فإنها تعينه على الحياء المكتسب وقد يتطبع بالحياء المكتسب حتى يصير غريزياً.»

وهذا قول صحيح ومعلوم بالتجربة في مجال التربية فإن المتربي قد يكون في بدايته لا يملك حياءً غريزيًا أو أن عنده حياءً غريزيًا ناقصًا ثم ينشأ في جو ينمي بواعث الحياء في قلبه ويدله على خصال الحياء فإن هذا المتربي سيكتسب الحياء شيئًا فشيئًا ويقوى الحياء في قلبه بالتوجيه والتربية حتى يصبح الحياء خلقًا ملازمًا له، وقد قال بعض الحكماء:

«احيو الحياء بمجالسة من يستحيا منه»

وهذا الكلام بديع المعنى بعيد الفقه..حيث أن كثرة مجالسة من لا يستحيا منه لوضاعته أو حقارته أو قلة قدره ومروءته تخلق في النفس نوع التجانس معهم ثم إن قلة قدرهم عنده تجعله لا يستحي منهم فيصنع ما يشاء بحضرة هذه الجماعة فتضعف عنده خصلة الحياء شيئًا فشيئًا فيعتاد أن يصنع ما يشاء أمام الناس جميعًا، أما مجالسة من يستحيا منه لصلاحه وعلو قدره فإنها تحيي في القلب الحياء فيظل الإنسان يراقب أفعاله وأقواله قبل صدورها حياء ممن يجالسه فيكون هذا خلقًا له ملازمًا فتعتاد نفسه إتيان الخصال المحمودة ومجانبة الخصال المذمومة وكراهيتها.

ذكر الحياء والترغيب به في القرآنعدل

  • قال تعالى (في سورة الأعراف:26) :

    ((وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ))

فُسِّر لباس التَّقوى بأنَّه الحَيَاء كما رُوِي عن الحسن، ومعبد الجهني [10].

  • قال تعالى (في سورة القصص):   فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ    .

قال مجاهد: (يعْني: واضعةً ثوبها على وجهها ليست بخرَّاجةٍ ولا وَلَّاجةٍ)[11]

وقال الطبري: (فأَتَتْهُ تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ)، وهي تسْتَحْيِي منه) [12]

  • وقال سبحانه (في سورة الأحزاب):   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا    .

قال ابن كثير: (قيل: المراد أنَّ دخولكم منزله بغير إذنه، كان يشُقُّ عليه ويتأذَّى به، لكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك مِن شدَّة حَيَائه عليه السَّلام، حتى أنزل الله عليه النَّهي عن ذلك)[13] وقال الشوكاني: (أي:يسْتَحْيِي أن يقول لكم: قوموا، أو اخرجوا) [14].

الحياء في السنة والحث عليهعدل

(( الإيمان بضع وسبعون -أو بضع وستُّون- شعبة، أعلاها: قول: لا إله إلَّا الله. وأدناها: إماطة الأذى عن الطَّريق. والحياء شعبة مِن الإيمان ))[15]


قال الخطابي: (معنى قوله: ((الحَيَاء شعبة مِن الإيمان)) أنَّ الحَيَاء يقطع صاحبه عن المعاصي ويحجزه عنها، فصار بذلك مِن الإيمان) [16].

وقال السفيري: (إنَّما أفرد   هذه الخصلة مِن خصال الإيمان في هذا الحديث، وخصَّها بالذِّكر دون غيرها مِن باقي شعب الإيمان؛ لأنَّ الحَيَاء كالدَّاعي إلى باقي الشُّعب، فإنَّ صاحب الحَيَاء يخاف فضيحة الدُّنْيا والآخرة فيأتمر وينزجر، فلمَّا كان الحَيَاء كالسَّبب لفعل باقي الشُّعب؛ خُصَّ بالذِّكر ولم يذكر غيره معه)[17]

وقال السعدي: (هذا الحديث مِن جملة النُّصوص الدَّالة على أنَّ الإيمان اسمٌ يشمل عقائد القلب وأعماله، وأعمال الجوارح، وأقوال اللِّسان، فكلُّ ما يقرِّب إلى الله، وما يحبُّه ويرضاه مِن واجبٍ ومستحبٍّ فإنَّه داخلٌ في الإيمان. وذكر هنا أعلاه وأدناه، وما بين ذلك وهو: الحَيَاء. ولعلَّ ذكر الحَيَاء؛ لأنَّه السَّبب الأقوى للقيام بجميع شعب الإيمان. فإنَّ مَن استحيا مِن الله لتواتر نعمه، وسوابغ كرمه، وتجلِّيه عليه بأسمائه الحسنى، -والعبد مع هذا كثير التَّقصير مع هذا الرَّبِّ الجليل الكبير، يظلم نفسه ويجني عليها- أوجب له هذا الحَيَاء التوقِّي مِن الجرائم، والقيام بالواجبات والمستحبَّات)[18]

(( إنَّ ممَّا أدرك النَّاس مِن كلام النُّبوَّة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت ))[19]


قال الخطَّابي: (قال الشَّيخ: معنى قوله ((النُّبوَّة الأولى)) أنَّ الحَيَاء لم يزل أمره ثابتًا، واستعماله واجبًا منذ زمان النُّبوَّة الأولى، وأنه ما مِن نبيٍّ إلَّا وقد نَدَب إلى الحَيَاء وبُعِث عليه، وأنَّه لم ينسخ فيما نسخ مِن شرائعهم، ولم يُبَدَّل فيما بُدِّل منها)[20].

قال ابن القيم: (خُلق الحَيَاء مِن أفضل الأخلاق وأجلِّها وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا، بل هو خاصَّة الإنسانيَّة، فمَن لا حياء فيه، فليس معه مِن الإنسانيَّة إلَّا اللَّحم والدَّم وصورتهما الظَّاهرة، كما أنَّه ليس معه مِن الخير شيء)[21].

روي عن عمران بن حصين   أن رسول الله قال:

  (( الحَيَاء لا يأتي إلَّا بخير ))[22].  

قال ابن بطَّال: (معناه أنَّ مَن استحيا مِن النَّاس أن يروه يأتي الفجور ويرتكب المحارم، فذلك داعيةٌ له إلى أن يكون أشدَّ حياءً مِن ربِّه وخالقه، ومَن استحيا مِن ربِّه فإنَّ حياءه زاجرٌ له عن تضييع فرائضه وركوب معاصيه؛ لأنَّ كلَّ ذي فطرة صحيحة، يعلم أنَّ الله تعالى النَّافع له والضَّار والرَّزاق والمُحْيِي والمُمِيت، فإذا عَلِم ذلك فينبغي له أن يستحيي منه عزَّ وجلَّ)[23].

قال ابن رجب: (... ((الحياء لا يأتي إلَّا بخير)): فإنَّه يكفُّ عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق، ويحثُّ على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو مِن خصال الإيمان بهذا الاعتبار)[24].

قال ابن حجر: (إذا صار الحَيَاء عادة، وتخَلَّق به صاحبه، يكون سببًا يجلب الخير إليه، فيكون منه الخير بالذَّات والسَّبب)[25]. فالحَيَاء فضيلة مِن فضائل الفطرة، وهو مادَّة الخير والفضيلة، وبهذا وصفه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: ((الحَيَاء خيرٌ كلُّه)).

أقوال وأشعار في الحياءعدل

قال الشاعر صالح بن عبد القدوس:

إذا قل ماء الوجه قل حياءهولا خير في وجه اذا قل ماؤه
حياؤك فاحفظه عليك وانمايدل على فعل الكريم حياؤه

ومن الحكم التي رواها العرب وقيلت في شأن الحياء:

«من كساه الحياء ثوبه لم يرى الناس عيبه.»

وقال الشاعر:

ورب قبيحة ما حال بينيوبين ركوبها إلا الحياء

انظر أيضًاعدل

مراجععدل

  1. ^ لسان العرب لابن منظور (14/217)، ومقاييس اللغة لابن فارس (ص2/122)
  2. ^ التعريفات للجرجاني ص94)
  3. ^ فتح الباري لابن حجر العسقلاني (ص1/52)
  4. ^ التبيان في تفسير غريب القرآن لابن الهائم (ص61)
  5. ^ الشريف الجرجاني. كتاب التعريفات
  6. ^ سنن الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث أبان بن إسحق عن الصباح بن محمد. من كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله  ، باب منه، الجزء الرابع، ص550، حديث رقم: (2458)، دار الكتب العلمية.
  7. ^ ذكره المتقي الهندي في (كنز الأعمال)-(6/377) ،وقال: راوه ابن الأنباري، في كتاب الأضداد عن منصور بن المعتمر مرسلاً
  8. ^ الفروق اللغوية (كتاب) لأبي هلال العسكري (ص244)
  9. ^ أدب الدنيا والدين ص259
  10. ^ تفسير الثعالبي (4/344)، وتفسير الآلوسي (3/19)
  11. ^ تفسير مجاهد (529)
  12. ^ جامع البيان للطبري (18/221)
  13. ^ تفسير ابن كثير (6/454)
  14. ^ فتح القدير (4/342)
  15. ^ رواه مسلم (35)
  16. ^ (معالم السنن) للخطابي (4/312)
  17. ^ (المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية) للسفيري (1/365)
  18. ^ (بهجة قلوب الأبرار) (179)
  19. ^ رواه البخاري (6120)
  20. ^ (معالم السنن) للخطابي (4/109)
  21. ^ (مفتاح دار السعادة) لابن القيم (1/277)
  22. ^ رواه البخاري(6117) ومسلم (37)
  23. ^ (شرح صحيح البخاري) (9/297)
  24. ^ جامع العلوم والحكم لابن رجب (ص1/501)
  25. ^ فتح الباري لابن حجر (ص10/522)