أسعار الإنتاج

أسعار الإنتاج هو مفهوم في نقد كارل ماركس للاقتصاد السياسي، يُعرف بأنه «سعر التكلفة + متوسط الربح».[1] يمكن اعتبار سعر الإنتاج نوعًا من أسعار العرض للمنتجات، وهو يشير إلى مستويات الأسعار التي يتعين على المنتجين وفقًا لها بيع السلع والخدمات المنتجة حديثًا،[2] بغية الوصول إلى معدل ربح عادي متوسط على رأس المال المستثمَر لإنتاج المنتجات (ليس نفس الربح على معدل الدوران).

تكمن أهمية مستويات الأسعار هذه في أن الكثير من الأسعار الأخرى تستند إليها أو تُستمد منها: في نظرية ماركس، تحدد هذه المستويات هيكل تكلفة الإنتاج الرأسمالي. تتأرجح أسعار المنتجات في السوق عادةً حول أسعار إنتاجها،[3] في حين تتأرجح أسعار الإنتاج ذاتها حول قيم المنتجات (متوسط تكلفة الاستبدال الحالية في وقت العمل المطلوب لإنتاج كل نوع من أنواع المنتجات).

يوجد هذا الفهم بالفعل في الاقتصاد السياسي الكلاسيكي (فكرة أسعار السوق التي تنجذب إلى «الأسعار الطبيعية» أو «مستويات الأسعار الطبيعية»)، ولكن طبقًا لماركس، لا يستطيع خبراء الاقتصاد السياسي حقًا تفسير كيفية تشكل أسعار الإنتاج أو كيفية تنظيم تجارة السلع الأساسية على نحو وافٍ. فضلًا عن ذلك، لم يكن بوسع خبراء الاقتصاد السياسي نظريًا التوفيق بين نظرية قيمة العمل وانحرافات القيمة/الأسعار، وعدم المساواة في نسب الربح/الأجور، والتكوينات الرأسمالية غير المتكافئة. بناء على ذلك، كانت نظرية قيمة العمل للاقتصاديين السياسيين في طبيعة الاعتقاد الميتافيزيقي أكثر من كونها فرضية علمية.

المصادر والسياقعدل

أُدرِج مفهوم أسعار الإنتاج وفُصل بصورة منهجية في الفصل التاسع وما بعده من المجلد الثالث من كتاب رأس المال، مع أن مارس سبق وأشار إليه في نصوص سابقة. تجري أول مناقشة هامة في جرندريسه (أسس نقد الاقتصاد السياسي 1857-1858)، تليها إشارات عديدة في نظريات فائض القيمة (1862-1863)،[4] ثم خطابات ماركس إلى إنجلز في 2 أغسطس عام 1862 و30 أبريل عام 1868 التي تبين نظريته، ومخطوطة النتائج (1863-1866)، ورأس المال، المجلد الأول (1867)، ورأس المال، المجلد الثاني (1865-1877).[5]

في كتاب رأس المال، المجلد الثالث، يعتبر ماركس أن تشغيل الإنتاج الرأسمالي يشكل وحدة لعملية الإنتاج وعملية التداول التي تشمل السلع، والمال، ورأس المال.[6] لا يمكن للإنتاج الرأسمالي أن يكون دون مبيعات السوق، ومن ثم فهو نوع من الإنتاج يعتمد كليًا على تجارة السوق. لغرض تحليل العملية المباشرة للإنتاج الرأسمالي، وهي الموضوع الرئيسي لكتاب رأس المال، المجلد الأول، يُفترض أن معاملات السوق الناجحة وأن تقلبات السوق يجري تجاهلها في البداية، ولكن ذلك لا يعطي سوى نصف القصة.[7] يتعين بيع المنتجات بسعر ربحي، وشراؤها بسعر تنافسي، من خلال تجارة السوق وتداول رأس المال.

تتمثل الحجة في رأس المال، المجلد الثالث (كان ماركس يعتزم نشر المزيد من المجلدات، ولكن لم يتمكن من القيام بذلك) بأن مبيعات السلع المنتجة حديثًا في نمط الإنتاج الرأسمالي تخضع لتنظيم بأسعار إنتاجها.[8] يرتبط السعر الذي ستُباع به المنتجات بتكلفة إنتاجها، بالإضافة إلى هامش الربح الذي سيضمن عائدًا ذا متوسط طبيعي على رأس المال للمؤسسة المنتجة. بالنسبة للمنتجين الأكفاء، سوف يكون هناك عادةً هامش أكبر بين تكاليف مبيعاتهم وعائداتها (ربح أكثر)، وبالنسبة إلى المنتجين الأقل كفاءة، سوف يكون هامش الربح أقل بين التكاليف والعائدات (ربح أقل). يتلخص زعم ماركس المثير للجدال بأن حجم أسعار إنتاج المنتجات يتحدد في النهاية وفقًا لتكاليف الاستبدال الحالية في متوسط وقت العمل، أي وفقًا لقيمة المنتجات.

قد يعود سبب الكثير من النقاش الأكاديمي حول مفهوم ماركس لأسعار الإنتاج إلى عدم إنهاء ماركس صياغة نص المجلد الثالث من كتاب رأس المال للنشر، مع أنه صاغه قبل نشر المجلد الأول.[9] حُرر الكتاب بعد وفاته بالاشتراك مع فريدريك إنجلز، الذي حاول أن يصنع قصة جذابة من مجموعة من مخطوطات تمهيدية تركها ماركس وراءه.[10] صور ماركس القضايا المعقدة بطريقة مختصرة وغامضة وغير مكتملة في بعض الأحيان، ولا توضح كل ما يترتب عليها من عواقب. وفقًا للباحث الماركسي الألماني مايكل هاينريش، فإن «ماركس لم يقترب حتى من حل جميع المشاكل المفاهيمية».[11] مع ذلك، فإن مفهوم ماركس كثيرًا ما يختلط أيضًا مع المفاهيم المماثلة في النظريات الاقتصادية الأخرى. يرى معظم الاقتصاديين أن مفهوم أسعار الإنتاج يتوافق تقريبًا مع مفهوم «الأسعار الطبيعية» الذي طرحه آدم سميث، والمفهوم الكلاسيكي الحديث لأسعار التوازن التنافسي طويل الأجل تحت عوائد الحجم الثابتة.[12] مع ذلك، فإن وظيفة أسعار الإنتاج في إطار نظرية ماركس تختلف عن الاقتصاد السياسي الكلاسيكي والاقتصاد الكلاسيكي الجديد.

التفسيرات الأساسيةعدل

يشتمل سعر الإنتاج للناتج بالمعنى الذي يحدده ماركس دومًا على عنصرين رئيسيين: سعر تكلفة إنتاج النواتج (بما في ذلك تكاليف المواد، والمعدات، ومصروفات التشغيل، والأجور)، وهامش الربح الإجمالي (القيمة الإضافية التي تتحقق بما يتجاوز سعر التكلفة، عندما تباع السلع، والتي يسميها ماركس فائض القيمة).

تتلخص حجة ماركس في أن مستويات أسعار المنتجات تتحدد من خلال أسعار تكلفة المدخلات، ومعدل الدوران (العائدات)، ومتوسط معدلات الربح على الناتج، التي تتحدد بدورها من خلال التكاليف الإجمالية للعمالة، ومعدل فائض القيمة، ومعدل نمو الطلب النهائي.[13] تحدد مستويات الأسعار هذه مقدار قيمة الناتج الجديدة التي تنشأ عن زيادة سعر التكلفة التي قد تحققها المؤسسات في واقع الأمر باعتبارها أرباحًا إجمالية.

يتمثل الاقتراح بأن الاختلافات بين معظم المنتجين في ما يتعلق بمعدلات أرباحهم من رأس المال المستثمر سوف تميل إلى «التوازن» نتيجة للتنافس التجاري، بحيث تنشأ قاعدة عامة لربحية الصناعات.

ضريبة الربحعدل

في الإنتاج الرأسمالي، تشكل ضريبة الربح الأساسية الشرط المسبق الطبيعي لتوريد السلع والخدمات. عندما يشتد التنافس على أسواق المنتجات، يتقلص هامش المنتجين بين أسعار التكلفة وأسعار البيع، ومن ثم دخلهم الحقيقي. في هذه الحالة، لا يستطيع المنتجون أن يحتفظوا بأرباحهم إلا من خلال خفض التكاليف وتحسين الإنتاجية، أو من خلال الحصول على حصة أكبر في السوق وبيع المزيد من المنتجات في وقت أقل، أو كليهما (الخيار الآخر الوحيد الذي يمكنهم تجربته هو تميز المنتج). لكن في سوق منتجات مستقر، لا تكون التقلبات في العرض والطلب عادةً كبيرة للغاية.

كان منطق السوق الأساسي هذا معروفًا بالفعل من قبل الرأسماليين التجار في القرون الوسطى قبل بزوغ فجر العصر الحديث في القرن الخامس عشر بفترة طويلة.[14] من المؤكد أن بيوت تجار القرون الوسطى يمكنها تقدير معدلاتهم الخاصة من فائض القيمة ومعدل الربح (مقدار (فائض) العمالة المطلوبة لتحقيق نتيجة مالية معينة أو زيادة القيمة)، ولكنها لا تملك عادة الكثير من المعرفة بشأن متوسط معدلات الربح الاجتماعي؛ كان القليل من البيانات أو الإحصاءات ذات الصلة متاحًا للعامة، وقد لا يوجد «معدل عام للربح» على أي حال، نظرًا إلى عدم وجود سوق وطنية متكاملة للمنتجات ورؤوس الأموال، ونظرًا إلى محدودية نطاق التصنيع.[15]

انظر أيضًاعدل

مراجععدل

  1. ^ “The rates of profit prevailing in the different branches of production are… originally very different. These different rates of profit are balanced out by competition to give a general rate of profit which is the average of all these different rates. The profit that falls to a capital of given size according to this general rate of profit, whatever its organic composition might be, we call the average profit. That price of a commodity which is equal to its cost price, plus the part of the annual average profit on the capital applied in its production (not simply the capital consumed in its production) that falls to its share according to its conditions of turnover, is its price of production.” – Karl Marx, Capital, Volume III, Penguin 1981, pp. 257-258.
  2. ^ Ronald L. Meek, Studies in the Labour Theory of Value. New York: Monthly Review Press, 1975, 2nd. edition, pp. 199-200. "We call it the price of production because in the long term it is the condition of supply, the condition for the reproduction of commodities, in each particular sphere of production." - Karl Marx, Capital, Volume III, Penguin 1981, p. 300.
  3. ^ Karl Marx, Capital, Volume III, Penguin 1981, p. 1000.
  4. ^ In نظريات فائض القيمة Marx used the term "cost-prices" to refer to what he later called prices of production. M.C. Howard & J. E. King, The political economy of Marx. Harlow: Longman Group Ltd, 1975, p. 233 note 39.
  5. ^ Karl Marx, Grundrisse. Penguin edition, 1973, p. 313-318, 761; Karl Marx, Theories of Surplus Value (3 Vols., see subject index). Moscow: Progress Publishers, 1978 (alternatively, Marx Engels Collected Works, Vols. 30, 31, 32, 33); Karl Marx, Capital, Volume I, Penguin 1976, p. 269 and p. 963 (the Resultate manuscript included as appendix in the Penguin edition, written somewhere between 1863 and 1866 - see also Marx Engels Collected Works Vol. 34); Karl Marx & Friedrich Engels, Letters on Capital. London: New Park, 1983, pp. 74-78 [1] and 134-138.[2]; Karl Marx, Capital, Volume II, Penguin 1978, p. 294, 413. نسخة محفوظة 1 يناير 2017 على موقع واي باك مشين.
  6. ^ Karl Marx, Capital, Volume III, Penguin 1981, chapter 1, p. 117.
  7. ^ Karl Marx, Capital, Volume III, Penguin edition 1981, p. 117.
  8. ^ Howard Nicholas, Marx's theory of price and its modern rivals. London: Palgrave Macmillan, 2011.
  9. ^ Allen Oakley, The making of Marx's critical theory; a bibliographical analysis. London: Routledge & Kegan Paul, 1983, chapter 5 and 6.
  10. ^ The original manuscript for Capital Vol. 3 is now available in English: Fred Moseley, Marx’s Economic Manuscript of 1864–1865 (transl. Ben Fowkes). Leiden: Brill Publishers, 2016. Overall, the differences between the original text and Engels's version are not very great, because, by his own admission, Engels aimed to provide a fairly literal rendering of the manuscript - with a few exceptions, Engels did not attempt to alter the text, solve problems of content, or introduce new content. The theoretical problems or unclarities remaining in Marx's draft were therefore not removed by Engels' editing, but reproduced fairly literally.
  11. ^ Michael Heinrich, "Engels’ Edition of the Third Volume of Capital and Marx’s Original Manuscript". Science & Society, Vol. 60. No. 4, Winter 1996-1997, pp. 452-466.[3] نسخة محفوظة 11 أكتوبر 2019 على موقع واي باك مشين.
  12. ^ For an historical discussion, see Ronald L. Meek, Studies in the labour theory of value. New York: Monthly Review Press, 1975.
  13. ^ Peter Flaschel and Willi Semmler, "The dynamic equalization of profit rates for input-output models with fixed capital", in: Willi Semmler (ed.), Competition, stability and non-linear cycles. Berlin: Springer Verlag, 1986, pp. 1-34.
  14. ^ Robert S. Lopez "The Trade of Medieval Europe", in: Cambridge Economic History of Europe, 2nd edition , Cambridge University Press, 1987, p. 375-376.
  15. ^ Maxine Berg, "Political economy and the principles of manufacture 1700-1800", in: Maxine Berg et al. (eds.), Manufacture in town and country before the factory. Cambridge University Press, 1983, pp. 33-58. In the 19th century, Marx noted, "Institutions emerge whereby each individual can acquire information about the activity of all others and attempt to adjust his own accordingly, e.g. lists of current prices, interconnections between those active in commerce through the mails, telegraphs, etc. (the means of communication of course grow at the same time). (This means that, although the total supply and demand are independent of the actions of each individual, each one attempts to inform himself about them, and this knowledge then reacts back in practice on the total supply and demand... (The possibility of general statistics, etc.)". - Karl Marx, Grundrisse, Penguin 1973, p. 161.